ص 89 :

 وصية أبي طالب بنصرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) على فراش الموت


لما حضرت أبا طالب الوفاة ، دعا أولاده وإخوته وأحلافه وعشيرته ، وأكد عليهم في وصيته نصرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومؤازرته ، وبذل النفوس دون مهجته ، وعرفهم ما لهم في ذلك من الشرف العاجل والثواب الآجل ، وأنشأ يقول :

أوصي بنصر نبي الخير أربعة * ابني عليا وشيخ القوم عباسا
وحمزة الأسد الحامي حقيقته * وجعفرا أن تذودوا دونه الناسا
 

 ص 90 :

كونوا فدى لكم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا

هذا خاتم قوله وأمره الذي طابق ما قدمنا في سالف عمره من الذود عن الرسول الأعظم ورسالة السماء .


فتأمل أيها المنصف اللبيب ، هل كل هذه تصدر من مشرك كافر في حق نبي الإسلام ودعوته ؟ قال العلامة الحلبي في سيرته ( 1 ) ما نصه : فذكر أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش ، ( وبني هاشم ) فأوصاهم ، وكان من وصيته

أن قال : " يا معشر قريش ، أنتم صفوة الله من خلقه ، وقلب العرب ، فيكم المطاع ، وفيكم المقدام الشجاع ، والواسع الباع ، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ، ولا شرفا إلا أدركتموه ، فلكم بذلك على الناس الفضيلة ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) السيرة الحلبية 1 : 375 ، طبعة مصر سنة 1308 . ( * )

 

 

 ص 91 :

ولهم به إليكم الوسيلة ، أوصيكم بتعظيم هذه البنية ( أي الكعبة ) فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش ، صلوا أرحامكم ،
ولا تقطعوها ، فإن في صلة الرحم منسأة ( أي فسحة ) في الأجل وزيادة في العدد ، واتركوا البغي والعقوق ، ففيهما هلكت

القرون قبلكم ، أجيبوا الداعي ، وأعطوا السائل ، فإن فيهما شرف الحياة والممات ، وعليكم بصدق الحديث ، وأداء الأمانة
فإن فيهما محبة في الخاص ، ومكرمة في العام ، وإني أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق في العرب ،

وهو الجامع لكل ما أوصيكم به ، وقد جاء بأمر قبله الجنان ، وأنكره اللسان مخافة الشنآن ، وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب ، وأهل الوبر في الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته ، وصدقوا كلمته ، وعظموا أمره ، فخاض بهم غمرات الموت ، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ، ودورها خرابا ، وضعفاؤها

 

 ص 92 :

أربابا ، وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأبعدهم منه أحظاهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ، وأعطته قيادها ، دونكم يا معشر قريش ، كونوا الولاة ، ولحزبه حماة ، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد ، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد " .

فانظر هذه الوصية وتمعن بها بعين الوجدان والإنصاف والروية ، تجدها لعمري من ألمع الحكم ، وجوامع الكلم ، تضمنت مكارم الأخلاق وتنبأت عن المستقبل الزاهر الذي يصير إليه الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، بالله عليك ، فهل ترى

هذه الوصية تصدر من مشرك كافر بالرسول والرسالة ؟ أوكل ذلك إلى تقديرك أيها المنصف اللبيب ؟ وأبو سفيان بقي على شركه إلى أن مات يكون مسلما ، وآية ذلك لما اجتمع بنو أمية في دار عثمان بن عفان حينما تسنم عرش الحكم قائلا لهم : تلاقفوها يا بني أمية

 

 ص 93 :

تلاقف الأكرة بيد صبيانكم ، فوالذي يحلف به أبو سفيان لا جنة ولا نار وإنما هو الملك ، ثم أخذ إلى أحد وهو أعمى ووقف على قبر سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب وقال شامتا بعد أن ركل قبره برجله : - ذق عقق - قالها ثلاثا ، ثم قال : يا أبا

عمارة ، إن الذي نازعناكم عليه بالأمس صار بيد صبياننا ، هذا يموت مسلما وأبو طالب يموت مشركا ؟ لاها لله . وبعد هذه الوصية أسلم روحه الطاهرة إلى بارئها والتحق بالرفيق الأعلى بعد أن أدى ما عليه تجاه الرسول والرسالة عند ذلك جاء

الإمام علي ( عليه السلام ) إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) آذنه بموت أبيه أبي طالب ، فتوجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) توجعا عظيما ، وحزن عليه حزنا شديدا ، ثم قال لعلي ( عليه السلام ) : امض يا علي فتول أمره ، وتول

غسله ، وتحنيطه ، وتكفينه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني . ففعل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ما أمره به ( صلى الله عليه وآله ) ، فلما رفعه على

 

 ص 94 :

السرير ، اعترضه النبي ( صلى الله عليه وآله ) فرق وحزن ، فأبنه بكلمة خالدة فيه ، وقال : وصلتك رحم ، وجزيت خيرا يا عم ، فلقد ربيت وكفلت صغيرا ، ونصرت وآزرت كبيرا ، ثم أقبل على الناس وقال : أم والله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب بها أهل الثقلين .


فهذا الحديث وحده يكفي للدلالة على إيمان أبي طالب رضوان الله عليه ، ومن وجهين : أحدهما : أمر النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليا ( عليه السلام ) أن يفعل به ما يفعل بأموات المسلمين من الغسل والتحنيط والتكفين دون الجاحدين من أولاده ، إذ

لم يكن حضر أحد منهم سوى علي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من المؤمنين ، وأما جعفر فكان يومئذ عند النجاشي ببلاد الحبشة ، وأما طالب وعقيل فكانا يومئذ حاضرين ، ولكنهما كانا مقيمين على خلاف الإسلام ، ولم يسلم واحد منهما بعد ، فخص بذلك عليا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بتولية أمره وتجهيزه لمكان إيمانه ،

 

 ص 95 :

ولم يتركه لهما على رغم أنهما أكبر من علي سنا لمباينتهما له في معتقده ، ولو كان أبو طالب مات كافرا ، لما أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عليا بتولية أمره لانقطاع العصمة بين الكافر والمسلم ، ولتركه لهما كما ترك عمه الآخر أبا لهب

، ولم يعبأ بشأنه ، ولم يحفل بأمره ، وتولية علي تجهيزه من دون أخويه الذين هما أكبر منه ، شاهد قاطع على صدق إيمان أبي طالب وإسلامه .

والوجه الآخر : تأبين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أبا طالب بهذه الكلمات الرائعة الخالدة ، والدعاء له ، وصلتك رحم وجزيت خيرا ، ووعد أصحابه بالشفاعة له التي يعجب بها أهل الثقلين ، وموالاته بين الدعاء له والثناء عليه .

لدليل قاطع على إسلام أبي طالب وإيمانه . ولم تكن الصلاة على أموات المسلمين مشرعة غير هذه الصلاة في صدر الإسلام ، حتى فرض الله سبحانه صلاة الجنائز فيما بعد ، ومثل ذلك صلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) على

 

 ص 96 :

زوجته الطاهرة السيدة خديجة ، سلام الله عليهما . ثم رثى الإمام علي ( عليه السلام ) أباه أبا طالب بهذه الأبيات :

أبا طالب عصمة المستجير * وغيث المحول ونور الظلم
لقد هد فقدك أهل الحفاظ * فصلى عليك ولي النعم
ولقاك ربك رضوانه * فقد كنت للمصطفى خير عم


فتأمل ما ضمنه الإمام ( عليه السلام ) من معاني جليلة في أبياته هذه من الترحم والدعاء ، فلو كان أبو طالب مات كافرا لما كان يصلي عليه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ويترحم عليه ، ويعلن على الملأ شفاعته له ، ولما ترحم عليه الإمام أمير

المؤمنين وأبنه بهذا التأبين الرائع بعد موته . فسلام عليه يوم ولد ، ويوم أسلم ودافع عن حوزة الإسلام ، ويوم مات ، ويوم يبعث حيا .