ص 105 :

شذرات من كتاب الغدير

لما نزلت آية : * ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) * ( 1 ) ، خرج النبي ( صلى الله عليه وآله ) فصعد على الصفا فهتف : يا صباحاه ، فاجتمعوا إليه ، فقال : أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ، ما جرينا عليك

كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . قال أبو لهب : تبا لك ، ما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم دعاهم ثانية وقال : الحمد الله ، أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الشعراء : 214 . ( * )

 

 

 ص 106 :

لا شريك له . ثم قال : إن الرائد لا يكذب أهله ، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة ،
والله لتموتن كما تنامون ، ولتبعثن كما تستيقضون ، ولتحاسبن بما تعملون ، وإنها الجنة أبدا والنار أبدا . فقام أبو طالب

وقال : ما أحب إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك ، وأشد تصديقنا لحديثك ، وهؤلاء بنو أبيك يجتمعون ، وإنما أنا أحدهم غير أني أسرعهم إلى ما تحب ، فامض لما أمرت به ، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك ، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب ( 1 ) .


قال الأميني معلقا : لم يكن دين عبد المطلب ( عليه السلام ) إلا دين التوحيد والإيمان بالله ورسله وكتبه غير مشوب بشئ من الوثنية ، وهو الذي أراده أبو طالب ( عليه السلام ) بقوله :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل لابن الأثير 2 : 24 . ( * )

 

 

 ص 107 :

نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب .

قال القرطبي ( 1 ) : روى أهل السير ، قال : كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد خرج إلى الكعبة يوما وأراد أن يصلي ، فلما دخل في الصلاة قال أبو جهل - لعنه الله - : من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ، فقام ابن الزبعرى فأخذ فرثا

ودما فلطخ به وجه النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فانفتل النبي ( صلى الله عليه وآله ) من صلاته ، ثم أتى أبا طالب عمه فقال : يا عم ، ألا ترى إلى ما فعل بي ؟ فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : عبد الله بن

الزبعرى ، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم ، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل ، جعل القوم ينهضون . فقال أبو طالب : والله لئن قام رجل منكم لجللته بسيفي ، فقعدوا حتى دنا إليهم ، فقال : يا بني ، من فعل بك هذا ؟ فقال : عبد الله بن الزبعرى ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تفسير القرطبي : 406 . ( * )

 

 

 ص 108 :

فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول . انتهى .


ما روي عنهم من طرق العامة في إيمان أبي طالب : أما رجال آل هاشم ، وأبناء عبد المطلب ، وولد أبي طالب ، فلم يؤثر عنهم إلا الهتاف بإيمان أبي طالب الثابت ، وإن ما كان يؤثر في نصرة النبي الأقدس ( صلى الله عليه وآله ) كان منبعثا عن عقيدة وتدين بما صدع به ( صلى الله عليه وآله ) ، وأهل البيت أدرى بما فيه .


قال ابن الأثير في جامع الأصول : وما أسلم من أعمام النبي ( صلى الله عليه وآله ) غير حمزة والعباس وأبي طالب عند أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقد هتفوا بذلك في أجيالهم وأدوارهم يملأ الأفواه وبكل صراحة وجبهوا من خالفهم في ذلك . إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام
 

 ص 95 :

قال ابن أبي الحديد ( 1 ) : روي بأسانيد كثيرة عن العباس بن عبد المطلب ، وبعضها عن أبي بكر ، قال : إن أبا طالب ما مات حتى قال : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، والخبر مشهور ، إن أبا طالب عند الموت قال كلاما خفيا فأصغى إليه أخوه العباس ( 2 ) .


قال الأميني : ذكرنا هذا الحديث مجاراة للقوم ، وإلا فما كانت حاجة أبي طالب مسيسة عند الموت إلى التلفظ بتينك الكلمتين اللتين كرس حياته الثمينة بالهتاف بمفادها في
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح النهج : 3 : 312 .
( 2 )
سيرة ابن هشام 2 : 27 ، ودلائل النبوة للبيهقي ، وتأريخ ابن كثير 2 : 123 ، والإصابة 4 : 116 ،
      والسيرة الحلبية 1 : 372 ، والسيرة الدحلانية هامش الحلبية 1 : 89 ، وأسنى المطالب : 20 . ( * )

 

 

 ص 110 :

شعره ونثره ، والدعوة إليهما ، والذب عن من صدق بها . فمتى كفر هو ؟ ومتى ضل ؟ حتى يؤمن ويهتدي ، أليس من الشهادة قوله :

ليعلم خيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدى مثل ما أتيا به * فكل بأمر الله يهدي ويعصم
وإنكم تتلونه في كتابكم * بصدق حديث لا حديث مبرجم

 

وقال : ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا * رسولا كموسى خط في أول الكتب

وقال : فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشر بذاك وقر منك عيونا

 

 ص 111 :

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي * ولقد دعوت وكنت ثم أمينا
ولقد علمت أن دين محمد * من خير أديان البرية دينا


أخرج البيهقي عن ابن عباس ، وقال اليعقوبي ( 1 ) : لما قيل لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن أبا طالب قد مات ، عظم ذلك في قلبه ، واشتد له جزعه ، ثم دخل عليه فمسح جبينه الأيمن أربع مرات ، وجبينه الأيسر ثلاث مرات ، ثم قال :

يا عم ، ربيت صغيرا ، وكفلت يتيما ، ونصرت كبيرا ، فجزاك الله عني خيرا ، ومشى بين يدي سريره وجعل يعرضه
ويقول : وصلتك رحم ، وجزيت خيرا . قال الأميني : إن شيئا من مضامين هذه الأحاديث لا تتفق مع كفر أبي طالب ، فهو
( صلى الله عليه وآله ) لا يأمر خليفته الإمام
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تأريخ اليعقوبي 2 : 26 . ( * )

 

 

 ص 112 :

علي ( عليه السلام ) بتكفين كافر ولا تغسيله ، ولا يستغفر له ولا يترحم عليه ، ولا يرجو له الخير ، ولا يستدر له الخير كما في حديث الاستسقاء ، إلى آخر ما ذكر ( 1 ) .


من المقطوع به أن الأئمة من ولد أبي طالب ( عليه السلام ) أبصر الناس بحال أبيهم وأنهم لم ينوهوا إلا بمحض الحقيقة ، فإن العصمة فيهم رادعة عن غير ذلك .


روي عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان وأظهروا الكفر ، فآتاهم الله أجرهم مرتين ، وإن أبا طالب أسر الإيمان وأظهر الشرك ، فآتاه الله أجره مرتين ( 2 ) .


ختاما : لقد أغرق القوم نزعا في الوقيعة على بطل الإسلام ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الأميني في غديره 7 : 377 . ( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 311 . ( * )

 

 

 ص 113 :

والمسلم الأول بعد ولده البار ، وناصر دين الله الوحيد علي ( عليه السلام ) ، فلم يقنعهم ما اختلقوا من الأقاصيص حتى عمدوا إلى كتاب الله فحرفوا الكلم عن مواضعه . هذا ملخص ما اقتطفنا من الغدير في ترجمة حياة بطل المسلمين والمدافع الأول أبو طالب ( عليه السلام ) ، إلى آخر ما ذكر الأميني في غديره 8 : 3 .