ص 115 :

ويخرجه معه متى خرج . وذكر قصة الاستسقاء بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) حين أجدب الوادي وهلك الزرع والضرع ، بقوله في مدحه كما سبق ذكره :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل


وذكر . . . فلما أمر الله سبحانه رسوله أن يصدع بما أمر به من الرسالة بقوله تعالى : * ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) *  إلى آخر الفصل الذي ذكرناه . فقام بإظهار دين الله ، عظمت على قريش وأنكروه وأجمعوا على عداوته وخلافه وأرادوا السوء به ، فقام

 

 ص 116 :

أبو طالب بنصرته ومنعه منهم والذب عنه ، وعادا جبابرة قريش وطواغيتهم وهددهم أن يمسوا محمدا بأذى . ثم قال له
( صلى الله عليه وآله ) : اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أسألك لشئ أبدا ، فأنشد يقول :

والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك مخافة * وابشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه * من خير أديان البرية دينا


وقد وثبت كل قبيلة من قريش على المؤمنين منهم يعذبونهم ويفتنونهم في دينهم ، ومنع الله سبحانه رسوله منهم ، بعمه أبي طالب ، وقام في بني هاشم ،

 ص 117 :

وبني عبد المطلب ، حين رأى قريشا تصنع ما تصنع فدعاهم وهو زعيمهم إلى ما هو عليه من منع النبي ( صلى الله عليه وآله ) والقيام دونه ، فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفاع عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إلا ما كان من عمه ( عبد العزى ) أبو لهب فإنه لم يجتمع معهم على ذلك .


كما منع ابن أخته أبا سلمة بن عبد الأشهل المخزومي ، لما وثب عليه قومه يعذبونه ويفتنونه على الإسلام ، فهرب واستجار بخاله أبو طالب فأجاره .


كما ذكرنا ذلك . فلما رأت قريش إلى أنها لا تصل إلى محمد ( صلى الله عليه وآله ) لقيام أبي طالب بالدفاع عنه ( صلى الله عليه وآله ) ، أجمعت على أن تكتب فيما بينها كتاب المقاطعة وحصر بني هاشم في ( شعب أبي طالب ) ، حتى فرج الله عنهم بمعجزة ، كما ذكرنا ذلك .


ونقل ابن الأثير في ( جامع الأصول ) إجماع أهل البيت ( عليهم السلام ) في إسلام أبي طالب وإيمانه ، وإجماعهم حجة ، ووافقنا على ذلك أكثر الزيدية ، وبعض

 ص 118 :

شيوخ المعتزلة ، منهم أبو القاسم البلخي ، وأبو جعفر الإسحاقي ، وغيرهما ، ولنا في إيمان أبي طالب ( رضي الله عنه ) روايات كثيرة ( 1 ) من الفريقين ، أربعة عشر رواية ودليلا :


منها : ما رواه ابن بابويه القمي في ( أماليه ) بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير الهاشمي ، قال : سمعت أبا عبد الله الصادق
( عليه السلام ) يقول : نزل جبرئيل على النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال : يا محمد ، إن الله جل جلاله يقرئك السلام

ويقول : إني قد حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك . فقال ( صلى الله عليه وآله ) : يا جبرائيل ، بين لي ذلك ؟ فقال : أما الصلب الذي أنزلك فعبد الله بن عبد المطلب ، وأما البطن الذي حملك فآمنة بنت وهب ، وأما الحجر الذي كفلك فأبو طالب بن عبد المطلب وفاطمة بنت أسد .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الدرجات الرفيعة : 48 . ( * )

 

 

 ص 119 :

أقول : ولا غرو ، فإنهم أحناف موحدون ، ولم يشركوا بالله طرفة عين .

وأضاف صاحب الدرجات الرفيعة : قالت الإمامية : ومما يدل على إيمان أبي طالب خطبته عند نكاح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خديجة بنت خويلد ( عليها السلام ) التي مطلعها : الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم ( عليه السلام ) وزرع إسماعيل ( عليه السلام ) . . . إلى آخر الخطبة التي سبق ذكرها ( 1 ) .


وعلق صاحب الدرجات الرفيعة عفى الله عنه : إني لا أكاد أقضي العجب ممن ينكر إيمان أبي طالب ( عليه السلام ) أو يتوقف فيه ، وأشعاره التي يرويها المخالف والمؤالف صريحة في إعلان إسلامه ، وأي فرق بين المنظوم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) موسوعة المصطفى والعترة - المجلد الأول ، وأم المؤمنين خديجة - كراس 8 من هذه السيرة ، وغيرها من المصادر المعتبرة .

 

 

 ص 120 :

والمنثور إذا تضمنا الإقرار بالإسلام صريحة ، لا سيما تشجيع أخاه حمزة بن عبد المطلب عندما تحدى المشركين وأعلن إسلامه ، في قصيدة مطلعها :

فصبرا أبا يعلى على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا
نبي أتى بالحق من عند ربه * بصدق وعزم لا تكن حمزة كافرا

فقد سرني إذ قلت " لبيك " مؤمنا * فكن لرسول الله في الدين ناصرا
وناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل : ما كان أحمد ساحرا


ولما افتقد أبي طالب النبي وعلي في ظهيرة أحد الأيام الصائف ، خرج من داره مذعورا يبحث عنهما ، وجاب أطراف مكة حتى خرج إلى شعابها فوجدهما على إحدى التلاع يصليان ، فاستقرت نفسه وكان معه
 

 ص 121 :

ولده جعفر ، فأمره بالصلاة معهما حيث قال : صل جناح ابن عمك ، فلما أحس النبي به تقدم قليلا ، فصلى جعفر إلى جنب أخيه علي ( عليه السلام ) .

فأنشد أبو طالب هذه الأبيات التي تدل على إيمانه ويحثهما على مؤازرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والنوب
لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لأمي من بينهم وأبي
والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب


قال أصحابنا : إنما لم يظهر أبو طالب ( عليه السلام ) إسلامه على رغم أنه حنيفي موحد ، أو يجاهر به ، لأنه لو أظهره لم يتهيأ له من نصرة النبي ما تهيأ له وكان كواحد من المسلمين الذين أظهروه ولم يتمكن من نصرته والقيام
 

 ص 122 :

دونه حينئذ ، وإنما تمكن من نصرته والمحاماة عنه ، بمظاهرته على دين قريش ، وإن أبطن الإيمان والإسلام ، وما أحسن قول السيد عبد الله بن حمزة الحسيني الزيدي من قصيدته :

حماه أبونا أبو طالب * وأسلم والناس لم تسلم
وقد كان يكتم إيمانه * وأما الولاء فلا يكتم


ولما اشتدت قريش على أبو طالب في الضغط على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ليترك تسفيه آلهتهم وترك ما هو عليه وهددوه ، أجابهم بقوله :

كذبتم وبيت الله نخلي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل
وننصره حتى نصرع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل
 

 ص 123 :

ولله در ابن أبي الحديد المعتزلي حيث يقول :

ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين شخصا فقاما
فذاك بمكة آوى وحامى * وهذا بيثرب جس الحماما

تكفل عبد مناف بأمر * وأودى فكان علي تماما فقل
في ثبير مضى بعد ما * قضى ما قضاه وأبقى شماما

فلله ذا فاتحا للهدى * ولله ذا للمعالي ختاما
وما ضر مجد أبي طالب * جهول لغا أو بصير تعامى

كما لا يضر أباة الصباح * من ظن ضوء النهار الظلاما
 

 ص 124 :

قال الكلبي : لما حضرت أبا طالب الوفاة جمع إليه وجوه قريش وأوصاهم ، فقال : يا معشر قريش ، أنتم صفوة الله من خلقه ، وقلب العرب ، واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ، ولا شرفا إلا أدركتموه ، فلكم به على

الناس الفضيلة ، وله به إليكم الوسيلة ، والناس لكم حرب ، وعلى حربكم ألب ! وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية ( الكعبة ) فإن فيها مرضاة للرب وقواما للجأش ، وثباتا للوطأة ، صلوا أرحامكم ولا تقطعوها ، فإن صلة الرحم منسأة في الأجل

وزيادة في العدد ، واتركوا البغي والعقوق ، ففيهما هلك القرون قبلكم ، لا تخيبوا الداعي ، وأعطوا السائل ، فإن فيها محبة في الخاص ومكرمة في العام ، وإني أوصيكم بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) خيرا فإنه الأمين في قريش والصديق في

العرب ، كأني أنظر إلى صعاليك العرب ، وأهل الوبر والأطراف المستضعفين من الناس قد
 

 ص 125 :

أجابوا دعوته ، وصدقوا كلمته ، وعظموا أمره ، فخاض بهم غمرات الموت ، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ، ودورها خرابا ، وضعافها أربابا ، وأعظمهم عليه أحوجهم إليه ، وأبعدهم منه أقربهم عنده ، قد محضته العرب ودادها ،

وأعطته قيادها ، دونكم يا معشر قريش ، ابن أبيكم كونوا له ولاة ، ولحزبه حماة ، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا سعد ، ولا يأخذ بهديه إلا رشد ، ولو كان لنفسي مدة ولأجلي تأخير ، لكففت عنه الهزاهز ، ولدفعت عنه الدواهي . ثم أنشد وهو

يخاطب ابنيه عليا وجعفرا ، وأخويه حمزة والعباس بقوله :

أوصي بنصر النبي الخير مشهده * عليا ابني وشيخ القوم عباسا
وحمزة الأسد الحامي حنيفته * وجعفرا أن يذودوا دونه الناسا
 

 ص 126 :

كونوا فدى لكم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا


بالله عليكم هذا المحامي المؤمن حتى على فراش النزع يموت كافرا ، وصخر بن حرب ( أبو سفيان ) يموت مسلما ، لقوله لبني أمية في دار عثمان عندما اعتلى عرش الحكم : تلاقفوها يا بني أمية ، تلاقف الكرة بيد صبيانكم ، فوالذي يحلف به

أبو سفيان لا جنة ولا نار ، إنما هو الملك . هذه وصيته . وهذه وصية أبي طالب الطافحة بالإيمان والرشاد دلالة واضحة على أنه ( عليه السلام ) إنما أرجأ صريح قوله وتصديقه باللسان إلى ساعات اليأس فيها عن الحياة ، حذار شنآن قومه المستتبع لانثيالهم عنه .


قال الواقدي : توفي أبو طالب ( عليه السلام ) في النصف من شوال في السنة العاشرة من البعثة ، وهو ابن بضع وثمانين سنة ، بعد ما خرج من حصار الشعب ، بثمانية أشهر وأحد عشرين يوما ،
 

 ص 127 :

وقال ابن الجوزي : مات قبل الهجرة بثلاث سنين .


وروي : لما مات جاء الإمام علي ( عليه السلام ) إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فآذنه بموته ، فتوجع عظيما وحزن شديدا ، ثم قال : امض فتول غسله ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني ، ففعل فاعترضه رسول الله ( صلى الله عليه وآله )

وهو محمول على رؤوس الرجال . فأبنه قبل دفنه ، بقوله ( صلى الله عليه وآله ) : وصلت رحم يا عم وجزيت خيرا ، لقد ربيت وكفلت صغيرا ، ونصرت وآزرت كبيرا ، ثم تبعه إلى حفرته فوقف عليه فقال : أما والله لأستغفرن لك ، ولأشفعن

فيك شفاعة يتعجب لها الثقلان . ولم يصل عليه ( صلى الله عليه وآله ) لأن صلاة الجنائز لم تكن قد شرعت بعد ، ولا صلى ( صلى الله عليه وآله ) على خديجة كذلك ، إنما تلخص تشييعه لهما بالدعاء والاستغفار لهما سلام الله عليهما .
 

 ص 128 :

وفي الحديث الصحيح المشهور : إن جبرئيل ( عليه السلام ) قال لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ليلة مات أبو طالب
( عليه السلام ) : اخرج منها - أي من مكة - فقد مات ناصرك .

وكان لأبي طالب ( عليه السلام ) من البنين ستة ، أربع ذكور ، أحدهم طالب ، وهو أكبرهم وبه يكنى ، وكانت قريش
أكرهته على النهوض معهم إلى بدر لقتال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ففقد ولم يعرف له خبر ، والثاني عقيل ،

والثالث جعفر ، وأصغرهم الإمام علي ( عليه السلام ) ، وبنتان : أم هانئ وجمانة ، وأمهم جميعا فاطمة بنت أسد الهاشمية . هذا ما لخصناه من كتاب الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة .