ص 7 :

قريش الموحدة وقريش المشركة

كان شيبة الحمد عبد المطلب وأبيه عمرو العلى هاشم وأبيه عبد مناف وآبائهم من الأصلاب الشامخة والأرحام المطهرة إلى أن يصلوا إلى قصي وإسماعيل كانوا كلهم موحدون أحناف على دين أبيهم إبراهيم الخليل ،

وكذلك أبناء عبد المطلب ولا سيما عبد مناف أبو طالب وحمزة والعباس إلا ما شذ منهم مثل عبد العزى ( أبو لهب ) فإنه تأثر ببني أمية وصار على شركهم عندما تزوج أم جميل بنت أبي سفيان ، كما في بيوتات سادة قريش مثل بني زهرة ، وبني أسد وغيرهم موحدون أحناف ، وكثير منهم مشركون لأن الشرك طغى في عهد

 

 ص 8 :

الجاهلية وتنمر طغاتها وفرض عبادة الأوثان بالقوة على القبائل والناس على حد سواء . وفي وسط هذا الجو المظلم الذي اجتاحته هذه العاصفة الهوجاء ، فأبدلت الدين السماوي ، وملة إبراهيم الحنيف إلى عبادة الحجارة والأخشاب التي ينحتونها ،

لتكون لهم آلهة يعبدونها من دون الله الواحد ، وهم يعلمون أنها لا تسمع ولا تعي ، ولا تنفع ولا تضر . في هذا الجو الحالك والغارق في ظلمات الجهل ، من تلك الأكداس البشرية ، المغمضة العين ، المغفلة القلب ، قد ارتفع منها بيت عريق بالإيمان

والتوحيد المتمسك بالدين الحنيف الذي ما امتد إليه ظلام الشرك ولم تدنسه أوضار الجاهلية ، وبقي فيه شعاع النور الذي أشعله الخليل إبراهيم ( عليه السلام ) لم تعصف به العواصف ، ولم يجتاحه إعصار ، إلا ما تناول من بعض أطرافه ، فهو عميق الإيمان ، لم يفارق الحنيفية البيضاء .

 

 ص 9 :

 فتح أبو طالب عينيه ، ودرج في الحياة ، فرأى في هذا البيت حياة غير الحياة التي يراها بين الناس ، ورأى في عميد البيت - أبيه عبد المطلب - رجلا ليس كالرجال . ذلك الزعيم المطاع ، يقول فينفذ القول ، ويحكم فلا يرد له حكم ، وهو الجواد

المعطاء ، والسخي الفذ ، يطعم فينال من طعامه حتى راكب البعير وهو على بعيره ، ومطعم طير السماء ، وإنه مجاب الدعوة ، يدعو الله فتلبى دعوته ، فهو مرضي عنه في السماء ، ومحمود في الأرض ، وإنه يرى في أبيه صفات لم تكن في

غيره ، وهو الذي سن سننا ليست سوى الدليل على رفعة النفس ، ونقاء السريرة ، وعمق الإيمان ، بحيث تنهض بالبرهان على بقاء الحنيفية ، التي جاء بها أبوه إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، فإنه حرم الخمر على نفسه ، وحرم نكاح المحارم ، وحدد الطواف بالبيت سبعا ، ونهى أن يطوف بالبيت عريان ، ويقطع يد السارق ، ويحرم الزنا وينهى عن الفحشاء وعن

 

 ص 10 :

الموؤدة ، وأن يستقسم بالأزلام ، وحرم أكل ما ذبح على النصب ، وسن الوفاء بالنذر ( 1 ) .

 ويجئ الإسلام فيقر كل هذه السنن ، التي سنها شيبة الحمد عبد المطلب ، فنشأ أبو طالب على ما سار عليه أبوه ، في البيت الذي ترعرع فيه - مسلما حنيفا وما كان من المشركين - .

ويرى أبو طالب أباه ، يوم جاء أبرهة للكعبة ، فصودرت لعبد المطلب أنعام ، فراح يطلبها منه ، وكاد يصغر في عينه حيث لم يتعرض لأقدس المقدسات لديه ( الكعبة ) وقد جاء ليهدمها ، فما كان من عبد المطلب إلا أن أجابه بجواب المؤمن العارف بالله ، الثابت الإيمان : " أنا رب الإبل ، وللبيت رب يحميه " . وعاد إلى البيت فأخذ بحلقة باب الكعبة ، وناجى ربه ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) السيرة الحلبية 1 : 5 ، والنبوية 1 : 21 ، والبحار 6 : 38 ، وينابيع المودة : 112 . ( * )

 

 

 ص 11 :

مناجاة المؤمن الموحد :

يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت قد عاداكا * امنعهم أن يخربوا فناكا
( 1 )

ثم عقب بقوله : يا معاشر قريش ، لا يصل إلى هدم هذا البيت ، فإن له ربا يحميه ويحفظه ، وقد فعل ، فأرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل ، كما ذكر في كتابه المجيد .

وإن أبا طالب ليسمع أباه في نجواه ، ويجيب الرب دعواه ، وقد نشأ على هذا الاعتقاد ، وعبد المطلب يلقي على أولاده خاصة دروسه القيمة ، ويأمرهم بعبادة الأحد وبالأوامر الإلهية ويحثهم على مكارم الأخلاق ، فهل تراه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الكامل لابن الأثير 1 : 261 ، والبحار 6 : 23 ، ومروج الذهب 2 : 128 . ( * )

 

 

 ص 12 :

بعد ذلك يركن إلى عبادة الأوثان ؟ لاها الله لا يكون ذلك أبدا ، اللهم إن هذا لبهتان عظيم . فأبو طالب صورة واضحة المعالم ، بارزة الخطوط ، لماض مشرق ، وضاح السنى ، لامع النور ، ففيه من صفات أبيه عبد المطلب ، وجده هاشم ، وأجداده

الأفذاذ ، ما جعلت منه تلك الصورة الواضحة الرائعة ، وقد أراد الله منه أن يكون كافلا لنبي الإسلام ، وهو الصورة الكاملة للإنسان المؤمن الموحد .


فإيمان أبو طالب كإيمان حزقيل مؤمن آل فرعون ، كتم إيمانه ، فالإيمان بالتعريف الديني ، هو الاعتقاد بالقلب ، وتصديق باللسان ، بما أنزل الله على رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، والمؤمن الحقيقي الذي نجد فيه توافر الشرطين ، مع ما يترتب

عليهما ، مما يتطلبه من القيام بالأركان . أما الاعتقاد بالقلب . . . فهذا شئ ليس من سبيل للعباد إلى معرفته ، فهو عائد للخالق العظيم ، إذ هو وحده يعلم
 

 ص 13 :

السرائر وما تخفيه الصدور ، ولكن الناس تحكم بالظواهر ، كما في الآية الشريفة : * ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) * ( 1 ) ، وبأقوال الشخص وأفعاله يتضح إيمان الشخص من كفره . ويثبت إيمان أبي طالب بعدة أدلة :

 أولا : بأقواله وأشعاره .

 وثانيا : بأفعاله الصحيحة ودفاعه المستميت وجهاده السافر عن الرسول ورسالته . والأهم من هذا وذاك شهادات النبي
( صلى الله عليه وآله ) والأئمة الطاهرين بذلك ، وهم حجج الله على البرايا ، ومن نافلة القول أن نذكر أقواله وأشعاره في هذا المقام ، منها :
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) النساء : 94 . ( * )

 

 

 ص 14 :

مليك الناس ليس له شريك * هو الوهاب والمبدي المعيد
ومن فوق السماء له بحق * ومن تحت السماء له عبيد

فهذان البيتان شاهدا صدق على قائلهما أنه من الموحدين .

وفي أبياته : يا شاهد الله علي فاشهد * إني على دين النبي أحمد من ضل في الدين فإني مهتدي

فهو يشهد على نفسه أنه على دين ابن أخيه .

فبربك قل لي : أليست هذه الأشعار والأقوال أعظم أداء من قولك إني مسلم ؟ ومن شعره :

لقد أكرم الله النبي محمد * فأكرم خلق الله في الناس أحمد
وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد
 

 ص 15 :

وكل أشعاره وأقواله وأفعاله تدل على إيمانه بالواحد الأحد ، والدفاع عن رسالة السماء . دلائل : إن في شعر أبي طالب
دليلا على أنه كان يعرف بنبوة محمد ( صلى الله عليه وآله ) قبل أن يبعث ، لما أخبره به بحيرا الراهب وغيره ، ولمس من

معاجزه ومناقبه ما يبهر العقول ، ولقد زاد على ذلك قوله : كان أبي - أي عبد المطلب - يقرأ الكتب جميعا ، ولقد قال دوما : إن في صلبي لنبيا ، لوددت أني أدركت ذلك فآمنت به ، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به ( 1 ) .

ومن بين تلك الدلائل ، والبراهين الوافرة ، المحسوسة والملموسة ، فلنأخذ بعضا منها على سبيل المثال لا الحصر .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شيخ الأبطح : 22 ، والغدير 7 : 348 ، والعباس : 18 و 21 . ( * )

 

 

 ص 16 :

 أ - روي من بين الإرهاصات التي سبقت البعثة ، أنه ( صلى الله عليه وآله ) كان مع عمه أبي طالب بذي المجاز ( 1 ) ، إذ عطش أبو طالب ، وليس عنده ماء يروي عطشه ، فذكر لابن أخيه ما ألم به من العطش ، فما كان منه ( صلى الله عليه

وآله ) إلا أن ركل صخرة برجله فإذا بالماء يتدفق ، لم ير مثله أبو طالب ، فشرب وروي حتى أطفأ غليله ، وعاد فركلها - مرة أخرى - لتعود سيرتها الأولى ( 2 ) .


 ب - إن رجل من - لهب - كان عائفا - عارفا - فإذا قدم مكة ، أتته رجال قريش بغلمانهم ، لينظر لهم ، وكان أبو طالب من بين الحاضرين ، وكان معه محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فنظر العائف للرسول ( صلى الله عليه وآله ) وكان لديه شغل ، وما انتهى من شغله ، حتى قال : علي بالغلام . وما أن رأى أبو طالب ذلك ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) موضع على فرسخ من عرفة - كان سوقا للجاهلية .
( 2 )
السيرة النبوية 1 : 89 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 ، وتذكرة الخواص : 9 ، وبحار الأنوار 6 : 129 . ( * )

 

 

 ص 17 :

حرص على العائف عليه ، فأحس منه خيفة ، فغيبه حتى لا تقع عليه تلك العينان النافذتا البصر ، البعيدتا النظر ، فصاح : ويلكم ردوا علي الغلام الذي رأيته آنفا ، ولم يأبه أبو طالب لصياحه ، فوالله ليكونن له شأن ( 1 ) . ولم تكن هذه بالجديدة على مسمع أبي طالب ، وإنه لعليم بماهية الشأن .


 ج - شاهد أبو طالب ظاهرة بارزة ، تنضح بالدليل الصارخ منذ أن انحاز الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إلى عائلته ، بعد وفاة عبد المطلب من البركة في الطعام ، متى ضمت المائدة الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ، ومع قلة الطعام وكثرة

العيال ، تراهم يصدرون عنها وهم من الشبع على اكتناز ، وفي الطعام فضلة ، فكان أبو طالب يقول لهم - إذا حضر وقت الطعام ولم يجد ابن أخيه - : كما أنتم حتى يحضر ابني .

 

* ( هامش ) *
( 1 ) السيرة الهشامية 1 : 190 ، والسيرة النبوية 1 : 190 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 ، وأبو طالب : 32 . ( * )

 

 

 ص 18 :

 د - إلى الشام : بلغت عناية أبي طالب بابن أخيه حدا تجاوز الوصف ، فقد اتحدت الروحان حتى أصبح من الصعب فراقهما
وقد شاهد ( صلى الله عليه وآله ) عمه مزمعا على سفرة قد تطول مدتها لم يستطع تحملها ، ولم يبق لديه حصن يلجأ إليه ،

ويقيه الزعازع كما أن الشيخ الحدب فكر في نفسه ، فإن هو سافر بدونه فإلى من يلجأ ؟ وما أن خطى أبو طالب إلى راحلته ، فيرى حبيبه قد اغرورقت عيناه بالدموع ، فيخفق قلبه الرحيم ولم يستطع أن يسمع من ابن أخيه هذه الكلمات : " يا عم ،

إلى من تكلني ؟ لا أب لي ولا أم " ، فكان جواب أبي طالب : والله لأخرجن به معي ، ولا يفارقني ، ولا أفارقه أبدا . فأردفه على راحلته ، وراح الركب يطوي الصحراء ، حتى بلغ بصرى - من أرض الشام - . وهناك راهب يقال له
( بحيرى ) في صومعة له قد
 

 ص 19 :

انتهى إليه علم ( النصرانية ) ، ولقد أطل الراهب من صومعته فشاهد الركب - ولفت نظره - غمامة تظل على واحد من بين هؤلاء جميعا لتقيه لهب الشمس ، لهب الصحراء ، ولفت نظره الشجرة تهصرت فتظلل على ذلك المستظل بالغمامة من بين

هؤلاء جميعا بفيئها وظلالها ، وقد أخذ منه العجب ، وعادت إليه ذاكرته إلى ما قرأه في الكتاب المقدس ، فنزل من صومعته
، وقال : إني صنعت لكم طعاما - يا معشر قريش - فأنا أحب أن تحضروا كلكم ، صغيركم وكبيركم ، فانبرى إليه واحد

منهم : والله ، يا بحيرى ؟ إن لك لشأنا اليوم ، ما كنت تصنع هذا بنا ، وقد نمر بك كثيرا ! فما شأنك اليوم ؟ قال بحيرى : صدقت ، قد كان ما تقولون ، ولكنكم اليوم ضيوف ، فأحببت أن أكرمكم ، وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم . فاجتمعوا

لديه ، ولم يتخلف من بينهم غير النبي ( صلى الله عليه وآله ) لحداثة سنه ، فقد كان في الرحال ، تحت الشجرة ، فطافت من الراهب

 

 ص 20 :

نظرة فاحصة ، فسألهم : هل تخلف منكم أحد ؟ فأجيب : ما تخلف عنك أحد إلا غلاما وهو أحدث القوم سنا ، فتخلف في رحالهم . قال : ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ، فقام رجل من بينهم قد احتضنه وجاء به ، فعادت من بحيرى تلك النظرة

الفاحصة . . . ثم نظر في أشياء في جسده وعلامات ، ليجد فيه صفات قرأها في الكتاب المقدس ، تخص هذا الغلام العظيم . وبعد أن تفرق القوم عن الطعام ، راح بحيرى يسأل النبي عن أشياء يهدف من ورائها كشف الحقيقة وتعميق حدسه .

عاد الراهب يسأل أبي طالب سؤال اللهفان : - ما هذا الغلام منك ؟ - ابني . - ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا .
 

 ص 21 :

قال أبو طالب : فإنه ابن أخي . - فما فعل أبوه ؟ قال أبو طالب : مات ، وأمه حبلى به . قال الراهب : صدقت ، فارجع بابن أخيك إلى بلده ، واحذر عليه من اليهود ، فوالله لإن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغينه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فأسرع به إلى بلاده ( 1 ) .


فعاد به وهو أشد ما يكون عليه حذرا . وهذه واحدة من الصور التي لا تزايل مخيلة شيخ البطحاء . ثم استعرض زواجه
( صلى الله عليه وآله ) واقترانه بأم المؤمنين خديجة ، ومن قبل ذلك يوم الدار والإنذار ، وجهاده ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) السيرة الهشامية : 191 - 194 ، والسيرة النبوية : 90 - 93 ، والسيرة الحلبية 1 : 139 - 142 ،
      وتأريخ الطبري 2 : 22 - 24 ، والكامل لابن الأثير 2 : 23 - 24 ، والبحار 6 : 59 - 129 . ( * )

 

 

 ص 22 :

وشعب أبي طالب ، وغير ذلك من الأمور التي رسخت في ذاكرته ، وقد أمدت إلى شجرة أبي طالب الفارعة الذيول ، فهصرت منها الأغصان ، وقطعت عنها ينابيع الحياة ، فاصفرت منها الوريقات سريعا ، وسرت صفرة الموت في أجزائها

جميعا ، لقد آن للشيخ المجهد ، الذي بذل كل ما في وسعه من طاقته الجبارة في الدفاع عن رسالة الإسلام وعن ما جاء به ابن أخيه .

ولقد آن الأوان أن يستريح ويستلذ بحلاوة ثمرة جهوده ، وينال جزاء عمله ، وحتى حين الاحتضار لم ينس أن يوصي بابن أخيه خيرا ، وقد ذكرنا وصيته مفصلة . كل هذا الجهد والدفاع عن بيضة الإسلام وإعلان إيمانه بالرسالة وبما جاء به ابن

أخيه ، تتبعته بني أمية لا سيما معاوية رميما ، والذين لم يسلموا وبقوا على شركهم يحاربون من دافع عن الرسالة أوان إعلانها ،
 

 ص 23 :

لا سيما أبي طالب ، وأم المؤمنين خديجة ، كل ذلك حقدا على من دافع عن الإسلام ، أينما كان ، وخلقوا الأحاديث الكاذبة ، وبدلوا مقاصد الآيات القرآنية ، والأحاديث النبوية ، وإليك نتفا منها .
 

كان شيخ البطحاء ورجل الإسلام الأول ، قد أبقى بعده أثرا جميلا ، وفضلا باقيا ، ولكن شاءت السياسة الزمنية ، والأحقاد الجاهلية أن تزوى عنه العيون ، وتنظر إليه نظرة ظالمة ، فراحت تنال منه ، وتضع في حقه الأراجيف لتنال من جوهر الحق ، ورواء الفضيلة ، أحاديث وروايات كاذبة ما أنزل الله بها من سلطان .


مر عصر الخلافة الأولى ، وهو يحفل بمآثر أبي طالب رجل الإسلام الفذ ، ويسجل مآثره الغرة ، وأياديه البيضاء ليوفيه بعض حقه على الإسلام ، وجاء عصر السياسة الفاسدة والسلطة الجائرة من بني أمية وهي لا تستقيم إلا بالنيل من بطل الإسلام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، لأنه قتل
 

 ص 24 :

شيوخهم وجندل أبطالهم ، فكانت سيرة أبيه إحدى تلك الجوانب التي عملت السلطة فيها معاول الهدم ، وهي تظن زحزحته
عن مقامه وصرف الأنظار عن اغتصابها حقه ، عند ذلك راحت تغري وعاظ السلاطين وتستأجر ذوي الضمائر الميتة

والنفوس الخسيسة بالأموال الزائفة لبيع ذممهم ، لتقلب الحق باطلا ، وتبيع دينها بالثمن الأوكس ، لترضي ضمير السافل ، وتحوز رضى السلطة الغاشمة ، وقامت الأهواء بدورها ، فغيرت الأمور عن رواسي الرسالة بوضع الأحاديث الكاذبة التي

ما أنزل الله بها من سلطان ، وانتهز معاوية تلكم المطايا الذلول ، فحمل على ظهورهم تلك الأحمال الثقيلة ، فكانوا لما يريده مطيعين . كتب معاوية إلى عماله : أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته ( 1 ) . وإذا بالخطباء
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح النهج 3 : 15 . ( * )

 

 

 ص 25 :

لذلك مستجيبون ، يقوموا بلعن الإمام علي ( عليه السلام ) في كل كورة ، وعلى كل منبر . ويتبرأون منه ، ويقعوا فيه وفي أهل بيته ، حتى أن المنابر التي يلعن فيها عليا ، لتربوا على السبعين ألفا . والعامة من الناس للخطباء مستجيبون ، ولهم مصدقون .

ثم يعود معاوية ليكتب إلى عماله جميعا : " ألا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة " ، ليأخذ بخناق شيعة أهل البيت ، وينال من كرامتهم ، ويدعهم عرضة لمكاره أعدائهم وهدفا لسهامهم . ويعود معاوية ليكتب لعماله في جميع البلاد : " انظروا إلى من قامت عليه البينة : إنه يحب عليا وأهل بيته ، فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه " ( 1 ) .

ولا يكتفي بهذه المطاردة العنيفة حتى يشفع كتابه

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح النهج 3 : 15 . ( * )

 

 

 ص 26 :

بآخر : " من اتهموه بموالاة هؤلاء القوم ، فنكلوا به واهدموا داره " .

ولا يكتفي بإصدار هذه الأوامر الجائرة ، بل يختار من يقوم بتطبيق هذا الجور ، فيولي على العراق صنيعته ، ولحيق نسبه ، زياد ابن أبيه - المجهول النسب - لتشتد الوطأة على شيعة علي خاصة ، وهو بهم خبير ، وبمكانتهم عليم ، حيث كان إليهم قريبا قبل أن يرتد .


وليس لمعاوية ثمة من دين ، أو خلق قويم ، أو إنسانية تقف في وجهه ، لتحد من طغيان شهوته ، بل أطلق لشهوته العنان ، وأسلس لها المقود ، فأخذت شوطها البعيد . دعا إليه سمرة بن جندب ، وسمرة أحد واضعي الحديث - الوضاعين - ، فبذل


معاوية إليه مئة ألف درهم ، ليروي أن هذه الآية نزلت في علي ( عليه السلام ) : * ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض
 

 ص 27 :

ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) * ( 1 ) .

وإن هذه الآية نزلت في ابن ملجم ، وهي : * ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) * ( 2 ) .

وقد رأى سمرة في هذا الثمن ما لا يكفي لتفسير منحرف لآية واحدة ، فكيف بآيتين ؟ وراح معاوية يساومه ، فزاده مئة ألف أخرى فلم يقبل ، وراحا يتساومان ، حتى تمت الصفقة بأربعمائة ألف درهم ، عند ذلك روى سمرة هذين الحديثين ، أو قل

التفسيرين . وهكذا ، بمال الله ، يحارب أولياء الله ! وبمال الإسلام يجهز عليه به ، وبمال المسلمين يشوه قداسة مبدئهم الرفيع . وهذه واحدة من آلاف الأحاديث شوهت وجه
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البقرة : 204 - 205 . ( 2 ) البقرة : 207 . ( * )

 

 

 ص 28 :

الإسلام ، ناهيك عما أحدثه كعب الأحبار ومن على شاكلته ليبثوا الإسرائيليات ، وحشوها ضمن أحاديث الرسول الصحيحة ، ليضيعوا معالم الإسلام الحقيقي ، والأنكى من ذلك حينما منع تدوين الحديث منذ صدر الخلافة الأولى إلى مئة عام ، حتى رفعها عمر بن عبد العزيز الأموي ، إبقاء على دولة بني أمية .


 شاء معاوية أن يستأجر قوما من الحاقدين على شاكلته لوضع الأحاديث المنتقصة من علي ( عليه السلام ) ، فاختار بعض المنافقين ممن يدعي الإسلام ، ويحسب أنه من الصحابة والتابعين ، والذين تظن العامة من الناس بصلاحهم ، لتكون لهم عمادا

يرفعون من واهي البناء ، وكان ممن عقد معه تلك الصفقات - الرابحة ماديا ، والخاسرة فيما عدا ذلك - قوم عد منهم وفي طليعتهم : أبو هريرة ، وعمرو بن العاص ، والزاني المغيرة بن شعبة ، وعروة بن الزبير ، وأمثال هذه النكرات الذي عبدوا
 

 ص 29 :

أهواءهم وباعوا دينهم بدنياهم بالأموال السحت ، وحاربوا الله ورسوله ، فاختلقوا الأخبار القباح التي تحمل بين طياتها الطعن في أصل الإسلام ، والطعن على علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) والبراءة منه ، إزاء ما يتقاضون من معاوية من أجر

بخس ، فتفنن كل واحد منهم في وضع آلاف الأحاديث الكاذبة والافتراء على الله ورسوله ، ناسين حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : " ألا من افترى علي حديثا ، فليتبوأ مقعده من النار " . وفي رواية من كذب . ومن الأحاديث المفتراة على

شيخ البطحاء أبي طالب ، حديث " ضحضاح من نار " ، الذي افتراه أزنى ثقيف المغيرة بن شعبة ، وإن صحيح الحديث هو " ضحضاح من نور " .


وإليك سرد بعض ما ورد وقد أخذه عنه الآخرون ، أو نسب إليهم ، وإن سبب إسلام المغيرة أنه كان في تجارة مع عدد من رفقائه الثقيفيين من أهل الطائف ، فغدر بهم وقتلهم جميعا وسرق أموالهم ، وفر إلى
 

 ص 30 :

المدينة ، وأسلم ، وهو معروف بغدره ودهائه وفساد أخلاقه وبغضه لعلي ( عليه السلام ) وبني هاشم ، وتأريخه مدون معروف . وقد أخذ تعبير " الضحضاح " من حديث ضحضاح النور الذي ورد في حق أهل البيت ( عليهم السلام ) فحوره وجعله ضحضاح نار لأبي طالب .


فقد روى الشيخ الطوسي ( 1 ) ، قال : أخبرنا جماعة عن التلعكبري . . . عن . . . عن سلام قال : سمعت أبا سلمى راعي النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : سمعت ليلة أسري بي إلى السماء ،

قال العزيز جل ثناؤه : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ، قلت : والمؤمنون ، قال : صدقت يا محمد . . . إني اطلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها فشققت لك اسما من أسمائي ، فلا أذكر في
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الغيبة : 147 . ( * )

 

 

 ص 31 :

موضع إلا وذكرت معي ، فأنا المحمود وأنت محمد ، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا ، وشققت له اسما من أسمائي ،
فأنا الأعلى وهو علي ، يا محمد إني خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده أشباح نور من نوري ،

وعرضت ولايتكم على السماوات وأهلها ، وعلى الأرضين ومن فيهن ، فمن قبل ولايتكم كان عندي من المقربين ، ومن جحدها كان عندي من الكفار الضالين . يا محمد ، لو أن عبدا عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي ، ثم أتاني جاحدا

لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم . يا محمد ، تحب أن تراهم ؟ قلت : نعم يا رب . قال : التفت عن يمين العرش ، فالتفت فإذا بأشباح علي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) والأئمة كلهم حتى بلغ المهدي ( عليه السلام ) في ضحضاح من نور قيام يصلون ، والمهدي
 

 ص 32 :

في وسطهم كأنه كوكب دري . فقال لي : يا محمد ، هؤلاء الحجج ، وهو الثائر من عترتك ، فوعزتي وجلالي إنه حجة واجبة لأوليائي منتقم من أعدائي . انتهى .


أرأيت كيف يبدلون الأحاديث النبوية ويحوروها ويعكسوا مفاهيمها ، وهي واحدة من آلاف الأحاديث الصحيحة ( 1 ) . انتقاما
منه على دفاعه عن بيضة الإسلام في أول نهوضه وانتقاما من ولده الإمام علي ( عليه السلام ) وسيفه الذي أباد صناديد

المشركين من قريش في بدر وأحد وجميع حروبه ( صلى الله عليه وآله ) ضد الكفر والوثنية . روى الزهري حديث عروة بن الزبير ، أنه قال : حدثتني عائشة ، قالت : كنت عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ أقبل
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع العقائد الإسلامية ، للسيد السيستاني 3 : 318 ، طبع قم ، مركز المصطفى للدراسات الإسلامية ، ومصادرها . ( * )

 

 

 ص 33 :

العباس ، وعلي ، فقال : يا عائشة ، إن هذين يموتان على غير ملتي ، أو قال : ديني .

وحديث ثاني عنه : أن النبي قال لعائشة : إن سرك أن تنظري إلى رجلين من أهل النار ، فانظري إلى هذين قد طلعا ، فنظرت فإذا العباس وعلي بن أبي طالب ( 1 ) .

روى عمرو بن العاص - وهو خدن معاوية وشريكه في أعماله - فيما روى : أنه سمع النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : إن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء ، وإنما وليي الله وصالح المؤمنين ( 2 ) .

وعلى هذه الشاكلة تصاغ الأحاديث الموضوعة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . يمضي هؤلاء ويأتي بعدهم من يروي حديثهم
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) تجد الحديثين في الشرح الحديدي 1 : 358 . ( 2 ) المصدر ذاته : 358 ، و 3 : 15 ، وصحيح مسلم 1 : 136 . ( * )

 

 

 ص 34 :

ويعتبره من المسلمات ، وينقله على عواهنه ، ويأتي بعدهم ، فينقلون عنهم كما تنطق الببغاء ويثبته في صحاحهم ومسانيدهم دون التحقيق في صحة الحديث ، ولو أنه يعتبرون حديث كل فاسق وشاذ لا سيما إذا كان ضد أهل البيت صحيحا ، مثل

أحاديث عمر بن سعد ، وشمر بن ذي الجوشن قاتل الإمام الحسين ، وبعض الخوارج أمثال عمران بن حطان الخارجي ، الذي يمدح عبد الرحمن بن ملجم بقتله الإمام علي ( عليه السلام ) بقوله : يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا إلى آخر الأبيات .


إلى هنا أنهي ما نقلت شذرات من كتاب إيمان أبي طالب ، للشيخ عبد الله الجنبري ، مع تغيير بعض العبارات دون المساس بالمعنى .