ص 35 :

 

سيرة المصطفى ( صلى الله عليه وآله )

لقد لخصت من الصحيح في سيرة النبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) للعلامة السيد جعفر مرتضى العاملي من الصفحة 89 فما بعد ،


ومن سيرة المصطفى للمحقق السيد هاشم معروف ابتداء من الصفحة 47 ، بتغيير بعض العبارات دون المساس بالمعنى ، لتقريب معنى البحث إلى ذهن القارئ العزيز .


لقد شاءت الإرادة الربانية ، أن يفقد محمد ( صلى الله عليه وآله ) أباه وهو لا يزال جنينا في بطن أمه ، بعد ولادته المباركة ثم صارت حليمة السعدية مرضعة له وضئرا ، وظهرت منه البركات والمعاجز ، كما سبق تفصيله في المجلد الأول
 

 ص 36 :

من موسوعتنا ( المصطفى والعترة ) .

وفي الرابعة من عمره عاد محمد ( صلى الله عليه وآله ) من بني سعد إلى أحضان أمه آمنة بنت وهب ، لتقر عينها باحتضان صبيها .

وفي السادسة من عمره صاحب أمه لزيارة قبر أبيه زوجها عبد الله بن عبد المطلب في يثرب ومعها بركة خادمتها ، وفي الطريق مرضت الأم وتوفت في ( الأبواء ) ودفنت فيه ، وعادت به أم أيمن بركة إلى مكة ، وحيدا وكان عمرها حين وفاتها حوالي ثلاثين عاما .

وروى مسلم في صحيحه أنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : استأذنت ربي في زيارة أمي فأذن لي ، فزوروا القبور تذكركم الموت . انتهى .

والدليل على أنها ماتت حنيفية موحدة إذن الله لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) زيارة قبر أمه ، كما أن هذا الحديث هو حجة دامغة على من يدعي حرمة زيارة القبور ، وله مؤيدات كثيرة ، منها زيارة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) قبر عم أبيها سيد
 

 ص 37 :

الشهداء حمزة بن عبد المطلب ( عليه السلام ) في أحد ودوام زيارة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وجل أهل البيت والصحابة قبور موتاهم في البقيع وفي مقابر قريش بالحجون بمكة ، وغير ذلك . فانصرف إليه جده العظيم يحيطه بعناية ويفضله على


أولاده ، وكان يفرش له في ظل الكعبة نهارا يستظل فيه ويحيط به ولده وأشراف مكة من قريش وغيرهم ، فيأتي محمد
( صلى الله عليه وآله ) وهو غلام صغير فيثب على فراش جده ، فيأخذه أعمامه ليصرفوه عنه ، فيقول لهم عبد المطلب :


دعوه ، إن لابني هذا شأن عظيم . ولقد عاش ( صلى الله عليه وآله ) في كنف جده عبد المطلب الذي كان يرعاه خير رعاية
، وكان عارفا بنبوته من تلميحات الكهنة والأحبار ، وما سيكون من أمره ، لما وجدوه من أخبار الأنبياء في توراتهم

وأناجيلهم ، بظهور نبي من بني إسماعيل في قريش ذلك العصر ، تتفق صفاته تماما مع الصفات التي تحلى بها محمد ( صلى الله عليه وآله ) وكانوا يخبرون من
 

 ص 38 :

يثقون به ويطمئنون إليه أحيانا .

ولما تغلب سيف بن ذي يزن ملك الحبشة على اليمن ، وفد عليه وجوه مكة من القرشيين بزعامة عبد المطلب للتهنئة على انتصاره ، فخلا به سيف بن ذي يزن ، وبشره بمولود لقريش في مكة ، يكون رسولا من الله إلى الناس أجمعين ، ووصفه


بصفات ، فوجد عبد المطلب أن تلك الصفات تتوفر في حفيده محمد ، فسجد لله شكرا ، هذا مما يدل على أن عبد المطلب وآباؤه أحناف موحدين ، وأحس سيف بن ذي يزن أن المولود الذي تحدث عنه ، موجود في بيت عبد المطلب ، فأوصاه به


خيرا وحذره من غدر ومكائد اليهود وغيرهم . على أن هذا الحنان الدافق الذي مسح به جده بعض جراحات اليتم لم يدم له طويلا ، فما أن بلغ محمدا الثامنة من عمره الشريف ، حتى أحس عبد المطلب بالانهيار ، وأن الموت يسرع إليه بين عشية وضحاها ، وكان قد بلغ
 

 ص 39 :

مئة عام أو يزيد ، فجمع أولاده قبل موته ، وقسم عليهم المهمات التي كان يقوم بها ، من السقاية والرفادة وغيرها ،
والخدمات التي كان يقدمها للمكيين والوافدين من الحجاج وغيرهم ، ولم يكن يفكر في شئ كتفكيره في حفيده ( صلى الله


عليه وآله ) الذي سيمضي عنه ويتركه وحيدا في هذه الدنيا ، بلا مال ، ولا أب يرعاه ، ولا أم تحنو عليه ، فأوصى أولاده العشرة بمحمد ( صلى الله عليه وآله ) خير ، وأن يرعوه ، وخص من بينهم ولده عبد مناف ( أبو طالب ) فعهد إليه برعايته


وأن يضمه إلى أولاده . وكان شقيق والده الراحل عبد الله ، فقد ولدتهما أم واحدة ، ولوح لهم بما سيكون له شأن في مستقبل حياته ، ومما قال لهم : إني قد خلفت لكم الشرف العظيم الذي تطأون به رقاب الناس - على حد تعبير اليعقوبي في تأريخه - . وانتقل الغلام اليتيم بعد وفاة جده إلى بيت عمه
 

 ص 40 :

أبي طالب بعد أن رحل جده عن هذه الدنيا - فحلت بالبيت البركة مع ضيق الحال وكثرة العيال - فأدى أبو طالب الإمامة وحفظ الوصية بكل أبعادها ، وكان خير كفيل له في صغره ، وخير ناصر له عند بلوغه عندما احتاج إلى الأنصار والدفاع

عن رسالته ، وجعل حياة محمد ووجوده شغله الشاغل الذي شغله حتى عن أولاده ، في أشد الحالات ضيقا وحرجا حتى النفس الأخيرة من حياته كما سنعرض لذلك في الفصول الآتية .


وجاء في تأريخ اليعقوبي وغيره : أن عبد الله بن عبد المطلب والد النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وعبد مناف ( أبو طالب ) والزبير والمقدم المعروف - بعبد الكعبة - كانوا لأم واحدة وهي فاطمة بنت عائذ المخزومي ، وتكنى بأم حكيم

البيضاء ، وبقية أولاد عبد المطلب لأمهات شتى ، وورث أبو طالب مع فقره ماليا زعامة أبيه عبد المطلب على قريش ، وخضع له القريب والبعيد .
 

 ص 41 :

وجاء عن علي ( عليه السلام ) أنه قال : إن أبي ساد الناس فقيرا وما ساد الناس وقريش فقير غيره من قبل . وما كان يعنيه شئ كما تعنيه رعاية محمد قط من المحافظة عليه ، والحرص على حياته ، فإذا اضطر إلى سفر لخارج مكة أو الحجاز


أخرجه معه ، وكانت أولى سفرات النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع عمه إلى بصرى وله من العمر تسع سنين ، فلم تطب نفس أبي طالب يوم ذاك أن يتركه مع أولاده ويمضي في سفرته الطويلة هذه ، في حين أن زوجته الطاهرة فاطمة بنت أسد كانت تحرص عليه أكثر مما كانت تحرص على أولادها وصبيتها ، وترعاه في ليلها ونهارها .


ويقول المؤرخون وأهل الأخبار أن الأحبار والرهبان ومن رآه من الكهان في تلك السفرة - لا سيما راهب بصرى ( بحيرى ) ، الذي أخبر عمه أبو طالب أنه نبي هذه الأمة ، وكان يعلم مما شاهده من صفاته ومعاجزه ومما
 

 ص 42 :

أكد له أبوه عبد المطلب ، وأصر عليه أن يرجعه إلى مكة حتى لا يغتاله اليهود ، الذين يرون العلامات التي في كتبهم
متحققة فيه ، فقطع سفرته وعاد به إلى مكة كما أن بعض المخلصين من الأحبار والرهبان وكل من رآه قد نصحوا أبا طالب


بالحرص عليه ، وخوفوه من غدر اليهود الذين كانوا ينتظرون مولودا من قريش يبعثه الله رسولا إلى العرب والعجم . وقد أظهر الله سبحانه لنبيه ( صلى الله عليه وآله ) في تلك الرحلة من الكرامات والفضائل ما لا يدخل في حدود التصور ، وهو


مع تلك القافلة التي ضمت أعيان المكيين والقرشيين . وظل يتيم عبد الله في أحضان عمه أبي طالب وزوجته فاطمة بنت أسد الهاشمية ، لا يشعر بالغربة بين أولادهم ولا يحس بمرارة اليتم والحاجة ، ووجد منهما من الحرص والرعاية فوق ما يتصوره إنسان من أبوين مع وحيد عزيز عليهما ، وبلغ من حرص فاطمة بنت أسد
 

 ص 43 :

عليه أنها كانت في سنين الجدب والقحط التي مات فيها الناس جوعا وعطشا ، تحرم أولادها من القوت الضروري وتطعمه إياه ، وبمجرد أن يمد يده إلى الطعام تحل البركة فكلهم يأكلون ويشبعون والزاد كما هو ، واستمرت تعامله بهذه المعاملة


الفدائية إلى أن شب وترعرع ، وأسرعت إلى تصديقه والإيمان برسالته والإخلاص له في السر والعلانية هي وزوجها وأولادهما منذ أن بدأ يدعو الناس لعبادة الواحد الأحد ، والاستخفاف بعبادة الأصنام والأوثان التي اتخذوها أربابا من دون الله
 

، لأنهم في الأصل كانوا أحناف موحدون على دين جدهم إبراهيم الخليل . ولم يكن النبي محمد بن عبد الله ، وهو الوفي الكريم الذي علم أجيال الناس الوفاء والإحسان ، أن ينسى مواقفها الجليلة التي أنسته فقد أبيه وأمه وجده ، فلما ماتت بكاها بكاء الثكلى ، وقال والدموع تنهمر من
 

 ص 44 :

عينيه : " اليوم ماتت أمي " ، وكفنها بقميصه ونزل في قبرها واضطجع فيه ، وصنع ما لم يصنعه مع غيرها من قبلها ،
وقال لما سئل عن موقفه الذي لم يعهدوا منه مع أحد قبلها ، قال : إنها كانت بمثابة أمي ، تجيع أولادها وتطعمني ، وتشعثهم وتدهنني ، وما أحسست باليتم منذ أن التجأت إليها .


وعلى أي حال كما كان عمه معه ، كانت زوجته الوفية ، حرصا وعطفا وإيمانا وتضحية في سبيل محمد ( صلى الله عليه وآله ) ورسالته ، ودفاعا عنه وعنها في جميع المواقف والمشاهد .


وامتاز هذا البيت عن غيره ، حتى من بني عمومته وبنيهم الأقربين ومن تناسل منهم في جميع المراحل التي مر بها ودعوته
( صلى الله عليه وآله ) . ولما أعلن سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب إسلامه على رؤوس الأشهاد مدحه أخوه أبو طالب مشجعا

 ص 45 :

إسلامه ، بقوله :

فصبرا - أبا يعلى - على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا
نبي أتى بالدين من عند ربه * بصدق وحق لا تكن حمزة كافرا

فقد سرني إذ قلت " لبيك " مؤمنا * فكن لرسول الله في الدين ناصرا
وناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل : ما كان أحمد ساحرا
( 1 )

فقد كان إسلام حمزة تطورا جديدا لم يكن داخلا في حسابات قريش ، حيث قلب الموازين رأسا على عقب ، وفت في عضد قريش ، وزاد في مخاوفها وكبح جماحها ، ومرغ كبريائها .
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح النهج لابن أبي الحديد 3 : 315 ، وإيمان أبي طالب للشيخ المفيد : 80 . ( * )