ص 46 :

أبو طالب مؤمن قريش

كان شيخ البطحاء الدرع الواقي للرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، في حياة أبيه عبد المطلب وبعد وفاته .

 ولله در ابن أبي الحديد حينما أنشد هذه الأبيات :

ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين شخصا فقاما
فذاك بمكة آوى وحامى * وهذا بيثرب جس الحماما

تكفل عبد مناف بأمر * وأودى فكان علي تماما
فقل في ثبير مضى بعد ما * قضى ما قضاه وأبقى شماما
 

 ص 47 :

فلله ذا فاتحا للهدى * ولله ذا للمعالي ختاما
وما ضر مجد أبي طالب * جهول لغا أو بصير تعامى
كما لا يضر أباة الصباح * من ظن ضوء النهار الظلاما
( 1 )

هكذا كان أبو طالب يتجاهر بالدفاع عن الرسول الأعظم ورسالة السماء ، وهو يحث أخاه حمزة بن عبد المطلب على اتباع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والصبر على طاعته ، والثبات على دينه ، وكذا يدفع ولده جعفر أن يقف إلى جنب أخيه

علي ويصل جناح ابن عمه . ولم يكن يدافع عن دعوة ابن أخيه محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله ) فحسب ، بل جند كل طاقاته في سبيل نشر الدعوة ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 3 : 317 ، طبعة مصر . ( * )

 

 

 ص 48 :

ووقف منها موقف البطل المجاهد طيلة حياته ، وسجل له التأريخ كل تلكم المواقف المشرفة بكل إكبار وفخر .

ولقد شمر عن ساعد الجد في الدفاع عن ابن أخيه منذ بزوغ شمس الرسالة ، إلى يوم وفاته ( عليه السلام ) ، حيث كان كالسد المنيع يحول بينه وبين المشركين ، تلك القوة الوثنية العظمى التي كانت تحكم الجزيرة العربية وتمسك بمقدراتها وبين

تحقيق أهدافها الضالة في وأد الرسالة السماوية ودعاتها في مهدها . ولأبي طالب شيخ البطحاء مواقف مشهورة ومشهودة له في تصلبه في الدفاع عن الرسالة ، تفوق التصور والإحصاء وقفها دون ابن أخيه الرسول الأعظم ورسالته إلى آخر نفس من

أنفاسه . ولم يزل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عزيزا ، ممنوعا من الأذى ، ومعصوما من كل اعتداء ، حتى توفى الله أبا طالب ( عليه السلام ) ، فنبت به مكة ، ولم تستقر له دعوة ، وأجمع طواغيت

 

 ص 49 :

قريش على الفتك به ، وعندها جاء نداء ربه : " أخرج من مكة فقد مات ناصرك " ( 1 ) . هكذا كان أبو طالب سندا وكافلا وداعيا لابن أخيه محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله ) .


ومع ذلك كله فهناك تخرصات تدعي أن أبا طالب مات كافرا ، ولم يسلم برسالة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، وما المواقف المشهودة التي وقفها أبو طالب ( عليه السلام ) دون تبليغ الرسالة عنك ببعيد ، منها :

 1 - موقفه من ابن الزبعرى لما تجاسر على الرسول ( صلى الله عليه وآله ) . عن السيد عبد الحميد بن النقي الحسيني - النسابة - بإسناده إلى الأصبغ بن نباتة ، قال : سمعت أمير المؤمنين
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) إيمان أبي طالب للمفيد : 74 ، والدرجات الرفيعة للسيد علي خان : 62 . ( * )

 

 

 ص 50 :

عليا ( عليه السلام ) يقول : مر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بنفر من قريش ، وقد نحروا جزورا ، وكانوا يسمونها الظهيرة ، ويذبحونها على النصب ، فلم يسلم عليهم ، فلما انتهى إلى دار الندوة قالوا : يمر بنا يتيم أبي طالب فلا يسلم علينا ؟

فأيكم يأتيه فيفسد عليه مصلاه ، فقال عبد الله بن الزبعرى السهمي : أنا أفعل ، فأخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو ساجد فملأ به ثيابه ومظاهره ، فانصرف النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى أتى عمه أبا طالب ، فقال :

يا عم من أنا ؟ فقال : ولم يا بن أخ ؟ فقص عليه القصة ، فقال أبو طالب : وأين تركتهم ؟ فقال : بالأبطح ، فنادى في قومه : يا آل عبد المطلب ، يا آل هاشم ، يا آل عبد مناف ، فأقبلوا إليه من كل مكان ملبين ، فقال : كم أنتم ؟ قالوا : نحن أربعون ،

قال : خذوا سلاحكم ، فأخذوا سلاحهم ، وانطلق بهم ، حتى انتهى إلى أولئك النفر ، فلما رأوه قاموا وأرادوا أن يتفرقوا ، فقال لهم : ورب هذه البنية - الكعبة -
 

 ص 51 :

لا يقومن منكم أحد إلا جللته بالسيف ، ثم أتى إلى صفاة ( 1 ) كانت بالأبطح فضربها ثلاث ضربات حتى قطعها ثلاثة أفهار
( 2 ) ثم قال : يا محمد سألتني من أنت ؟ ثم أنشأ يقول ، ويومي بيده إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

أنت النبي محمد * قرم أعز مسود
لمسودين أطائب * كرموا وطاب المولد

نعم الأرومة أصلها * عمرو الخضم الأوحد
أنى تضام ولم أمت * وأنا الشجاع العربد

وبنو أبيك كأنهم * أسد العرين توقد
ولقد عهدتك صادقا * في القول ما تتفند
ما زلت تنطق بالصواب * وأنت طفل أمرد


حتى أتى على الأبيات كاملة ثم قال أبو طالب : يا محمد ، أيهم الفاعل بك ؟ فأشار النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى عبد الله

 

* ( هامش ) *
( 1 ) الصفاة : الحجر الصلد الضخم . ( 2 ) الفهر : الحجر قدر ما يدق به الجوز . ( * )

 

 

 ص 52 :

ابن الزبعرى ، فدعاه أبو طالب فوجأ أنفه حتى أدماه ، ثم أمر بالفرث والدم ، فأمره على رؤوس الملأ كلهم ، ثم قال : يا ابن أخ أرضيت ؟ ثم قال : سألتني من أنت ؟ أنت محمد بن عبد الله حتى نسبه إلى آدم ( عليه السلام ) ثم قال : أنت والله أشرفهم

حسبا ، وأرفعهم منصبا ، يا معشر قريش ، من شاء منكم أن يتحرك فليفعل ، أنا الذي تعرفوني . روي هذا الحديث بطرق متعددة من مصادر الفريقين ، فراجع .


 2 - موقفه من قضية عثمان بن مظعون . هو عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي ، أبو السائب : وكان من حكماء العرب في الجاهلية ، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلا ، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى ، شهد بدرا ، ومات بعدها في السنة الثانية من الهجرة ، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين وأول من
 

 ص 53 :

دفن بالبقيع ( 1 ) .

كان عثمان بن مظعون يقف بباب الكعبة يعظ الناس أن لا يعبدوا الأصنام ، فوثب عليه فتية من قريش وضربوه فوقعت ضربة أحدهم على عينه ففقأتها ، وبلغ أبا طالب ذلك فغضب غضبا شديدا وقام في أمره حتى أخذ بثأره ، وكانوا قد اجتمعوا إلى أبي

طالب وناشدوه أن يدعها ويؤدون له الدية ، فأقسم لهم : إني لا أرضى حتى أقلع عين الذي قلع عينه ، فكان ما أراد ، وقد ذكر هذه الحادثة في أبيات له ، منها :

أمن تذكر أقوام ذوي سنة * يغشون بالظلم من يدعى إلى الدين
لا ينتهون عن الفحشاء ما أمروا * والعذر فيهم سبيل غير مأمون
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) راجع الإصابة : 5453 ، وطبقات ابن سعد 6 : 682 ، ومعجم الشعراء : 98 ،
      وصفوة الصفوة 1 : 871 ، وحلية الأولياء 1 : 201 ، والأعلام 4 : 873 . ( * )

 

 

 ص 54 :

ألا ترون أذل الله جمعكم * أنا غضبنا لعثمان بن مظعون
إذ يلطمون ولا يخشون مقلته * طعنا دراكا وضربا غير موهون
فسوف نجزيهم إن لم تمت عجلا * كيلا بكيل جزاء غير مغبون

إلى أن قال :

أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب * على نبي كموسى أو كذي النون
يأتي بأمر جلي غير ذي عوج * كما تبين في آيات ياسين
( 1 )

 

* ( هامش ) *
( 1 ) مؤمن قريش : 871 ، عن شرح النهج 3 : 313 ، والحجة : 50 ، والغدير 7 : 533 ، وهاشم وأمية : 102 ،
      وشيخ البطحاء : 30 وفيه زيادة ، وديوان أبي طالب : 9 و 10 ، بزيادة أعيان الشيعة : 24 - 39 . ( * )

 

 

 ص 55 :

 3 - ومنها : إجارته أبا سلمة المخزومي ، وقد أسلم أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، فأرادت قريش أن تعذبه لتصرفه عن الإسلام فلجأ إلى ( خاله ) أبي طالب ، فخلصه من العذاب ، فجاء وفد من مخزوم إلى أبي طالب وقالوا له : يا أبا طالب

، هبك منعت منا ابن أخيك محمدا ، فما بالك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ ! فأجابهم : إنه استجارني وهو ابن أختي ( 1 ) ، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي ( 2 ) .

 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) أخته برة بنت عبد المطلب شقيقة عبد الله والد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأبي طالب والزبير ،
       سلسلة آباء النبي ( صلى الله عليه وآله ) .
( 2 )
مؤمن قريش : 81 ، عن شيخ الأبطح : 92 ، والنهج الحديدي 3 : 306 و 307 ،
      والسيرة الهشامية : 1 - 2 ، والسيرة النبوية 1 : 652 ، وأعيان الشيعة : 31 - 39 . ( * )

 

 

 ص 56 :

كما كان يوصي النجاشي بأبيات للذين لجأوا إليه من المؤمنين ومنهم ابنه جعفر ، بعد رجوع عمرو بن العاص خائبا منه . وقد ذكرنا ذلك في فصل شعره .

ولم يقف دفاعه عند هذا الحد حتى شمل الدعوة الإسلامية بكل أبعادها والتي اعتنقها عن عقيدة ويقين وبصيرة منها تصديق الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) ، فقد أقسم لقريش بقوله : والله ، ما كذب ابن أخي قط ، بل وصفه ب‍ ( الناصح

والصادق الأمين ) في عدة مناسبات أخذتها من عدة قصائد نظمها في حينها . ومن أشعار أبي طالب الدالة على إيمانه وحثه أخاه حمزة لما أعلن إسلامه أمام طغاة قريش على مؤازرة ابن أخيه : فصبرا - أبا يعلى - على دين أحمد * وكن مظهرا للدين وفقت صابرا

 

 ص 57 :

نبي أتى بالدين من عند ربه * بصدق وحق لا تكن حمزة كافرا
فقد سرني إذ قلت " لبيك " مؤمنا * فكن لرسول الله في الدين ناصرا
وناد قريشا بالذي قد أتيته * جهارا وقل : ما كان أحمد ساحرا
( 1 )
 

وهناك أشعار كثيرة تدل على إيمان أبي طالب ، سنذكر قسما منها فيما بعد ، منها قوله :

ودعوتني وعلمت أنك صادق * ولقد صدقت وكنت ثم أمينا
ولقد علمت بأن دين محمد * من خير أديان البرية دينا
والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 : 315 ، وإيمان أبي طالب للشيخ المفيد : 80 . ( * )

 

 

 ص 58 :

وقال :

ولقد عهدتك صادقا * بالقول لا تتزيد
ما زلت تنطق بالصواب * وأنت طفل أمرد

وقال :

وإن كان أحمد قد جاءهم * بصدق ولم يأتهم بالكذب


فهل يصح أن تصدر هذه الأبيات من مشرك كافر ؟ وهل يصح أن يحمد النبي ( صلى الله عليه وآله ) الله عز وجل بقوله : " الحمد لله الذي هداك يا عم " لو كان أبو طالب مات كافرا ؟ وهل للهداية معنى غير موته على الشهادة بالوحدانية لله ، والتصديق بالنبوة المحمدية ؟