ص 61 :

استسقاء أبو طالب بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) :
 

بعد حذف السند ، عن عرفطة الجندعي ، قال : بينا أنا بالبقاع من نمرة ( 1 ) ، إذ أقبلت عير من أعلى نجد حتى حاذت الكعبة ، وإذا غلام قد رمى بنفسه من عجز بعير ، حتى أتى الكعبة ، وتعلق بأستارها ، ثم نادى : يا رب البيت أجرني ، فقام

إليه شيخ جسيم وسيم ، عليه بهاء الملوك ووقار الحكماء ، فقال : ما خطبك يا غلام ؟ فقال : إن أبي مات وأنا صغير ، وإن هذا النجدي قد استعبدني ، وقد كنت أسمع أن لله بيتا يمنع من الظلم ، فجاء النجدي فجعل يسحبه ويخلصه من أستار الكعبة ،

فأجاره القرشي ومضى النجدي ، وقد تكنعت ( 2 ) يداه . قال عمرو بن خارجة : فلما سمعت الخبر قلت : إن
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) منطقة البقاع بطريق مكة بعد العقبة المتوجه إلى مكة . ( 2 ) تكنعت يداه : تقيضت ويبست . ( * )

 

 

 ص 62 :

لهذا الشيخ لشأنا ، فصوبت رجلي نحو تهامة حتى وردت الأبطح ( 1 ) وقد أجدبت الأنواء ، وأخلقت العواء ، وإذا قريش حلق قد ارتفعت لهم ضوضاء ، فقائل يقول : استجيروا باللات والعزى ، وقائل يقول : بل استجيروا بمناة الثالثة الأخرى ،

فقام رجل من جملتهم يقال له ورقة بن نوفل - وهو ابن عم السيدة خديجة بنت خويلد - فقال : إني نوفلي وفيكم بقية إبراهيم وسلالة إسماعيل ، فقالوا : كأنك عنيت أبا طالب ؟ قال : هو ذاك ، فقاموا إليه بأجمعهم وقمت معهم ، فأتينا أبا طالب فخرج

إلينا من داره ، فقالوا : يا أبا طالب قد أقحط الواد ، وأجدبت العباد ، فقم واستسق لنا ، فقال : رويدكم دلوك الشمس ، وهبوط الريح ، فلما زاغت الشمس ، أو كادت ، وإذا أبو طالب قد خرج وحوله أغيلمة ( 2 ) من بني عبد المطلب ،
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) البطحاء - الأرض المنبسطة بين الجبال - وهي مكة . ( 2 ) جمع غلام شباب . ( * )

 

 

 ص 63 :

وفي وسطهم غلام يافع كأنه شمس ضحى تجلت عن غمامة قتماء ، فجاء حتى أسند ظهره إلى الكعبة ، فاستجار بها ولاذ بإصبعه ، وبصبص الأغيلمة حوله . وما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا حتى لت ولف ، وأسحم ،

وأقتم ، وأرعد ، وأودق ، وانفجر به الوادي ، وافعوعم ( ونزل الغيث كأفواه القرب ) ، وبذلك قال أبو طالب شعرا يمدح به النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده في نعمة وفواضل
بميزان صدق لا يخس شعيرة * ووزان حق وزنه غير عائل
 

وجاء أعرابي إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) وهو في المدينة بعد الهجرة فقال : يا رسول الله ، وليس لنا صبي
 

 ص 64 :

يصطبح ( 1 ) ، ولا بعير يئط . ثم أنشد :

أتيناك والعذراء يدمي لبانها * وقد ذهلت أم الرضيع عن الطفل
وألقى بكفيه الصبي استكانة * من الجوع حتى ما يمر ولا يحلي

ولا شئ مما يأكل الناس عندنا * سوى الحنظل العامي والطهل الفتل
( 2 )
وليس لنا إلا إليك فرارنا * وأين يفر الناس إلا إلى الرسل

فقام النبي ( صلى الله عليه وآله ) يجر رداءه ، حتى رقى المنبر ، فحمد
 

 

* ( هامش ) *
( 1 ) يصطبح : أي يتناول الصبوح - الفطور - ويئط : أي يصوت ، وهو كناية عن المجاعة التي أصابتهم . ( 2 ) الطهل : وهو اليسير من الطلاء العشب ، والفتل : حبوب بعض الأعشاب . ( * )

 

 

 ص 65 :

الله وأثنى عليه ، ثم قال : اللهم اسقنا غيثا مغيصا ، مريا مريعا ، سبحا سجالا غدقا ، طبقا دائما دررا تنبت به الزرع ،
وتملأ به الضرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها ، واجعله ( اللهم ) سقيا عاجلا غير رائث . فوالله ما رد رسول الله ( صلى

الله عليه وآله ) يده إلى نحره ، حتى ألقت السماء بأرواقها ، وجاء أهل البطانة يصيحون : يا رسول الله الغرق الغرق .

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : اللهم حوالينا ولا علينا . فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل ، فضحك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى بدت نواجذه ، ثم قال : لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟

فقام علي ( عليه السلام ) فقال : يا رسول الله لعلك أردت قوله : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل فقال ( صلى الله عليه وآله ) : أجل . ثم قام رجل من كنانة فأنشد :
 

 ص 66 :

لك الحمد والحمد ممن شكر * سقينا بوجه النبي المطر
دعا الله خالقه دعوة * إليه وأشخص منه البصر

فما كان إلا كما ساعة * وأسرع حتى رأينا الدرر
دقاق العزالي وجم البعاق * أغاث به الله عليا مضر

فكان كما قاله عمه * أبو طالب ذو رواء غرر
به يسر الله صوب الغمام * فهذا العيان لذاك الأثر

فمن يشكر الله يلق المزيد * ومن يكفر الله يلق الغير

 

فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إن يك شاعر أحسن فقد أحسنت .