حديث الضحضاح :

و أخبرني بنحو من هذا الحديث السيد الإمام أبو علي عبد الحميد

بن عبد الله التقي العلوي الحسيني النسابة رحمه الله بإسناده إلى الشريف النسابة المحدث أبي علي عمر بن الحسين بن عبد الله بن محمد

الصوفي بن يحيى بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) و كان الشريف أبو علي هذا يعرف بالموضح و كان ثقة جماعا و يقال له ابن اللبن و هو كوفي معروف قال روى الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه بإسناده له : أن عبد العظيم بن عبد الله العلوي الحسني المدفون بالري كان مريضا يكتب إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عرفني يا ابن رسول الله عن الخبر المروي أن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه .

فكتب إليه الرضا (عليه السلام) : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ; فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب كان مصيرك إلى النار .

و بالإسناد إلى الكراجكي عن رجاله عن أبان عن محمد بن يونس عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال : يا يونس ما تقول الناس في أبي طالب ?

قلت جعلت فداك ; يقولون هو في ضحضاح من نار , و في رجليه نعلان من نار تغلي منهما أم رأسه .

فقال : كذب أعداء الله ; إن أبا طالب من رفقاء النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا .

و أخبرني بنحو من هذا الحديث الشيخ الفقيه أبو الفضل بن الحسين الحلي الأحدب قال أخبرني الشريف أبو الفتح محمد بن محمد ابن الجعفرية الحسيني قال حدثنا الشريف أبو الحسن محمد بن أحمد بن الحسن العلوي الحسيني قال حدثنا الشيخ أبو عبيد الله محمد بن أحمد بن شهريار الخازن قال حدثني والدي أبو نصر أحمد بن شهريار الخازن عن الشيخ أبي الحسن بن شاذان عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي قال حدثني أبو علي قال حدثنا الحسين بن أحمد المالكي قال حدثنا أحمد بن هلال قال حدثني علي بن حسان عن عمه عبد الرحمن بن كثير قال : قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إن الناس يزعمون أن أبا طالب في ضحضاح من نار فقال كذبوا ما بهذا نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قلت و بما نزل قال أتى جبرئيل في بعض ما كان عليه فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام و يقول لك إن أصحاب الكهف أسروا الإيمان و أظهروا الشرك فآتاهم الله أجرهم مرتين و إن أبا طالب أسر الإيمان و أظهر الشرك فأتاه الله أجره مرتين و ما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة ثم قال كيف يصفونه بهذا الملاعين و قد نزل جبرئيل ليلة مات أبو طالب فقال يا محمد اخرج من مكة فما لك بها ناصر بعد أبي طالب .

و أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله سنة ثلاث و تسعين و خمس مائة قال أخبرني الشريف أبو الحسن ابن العريضي رحمه الله قال أخبرني الحسين بن طحال المقدادي عن الشيخ أبي علي الحسن بن محمد الطوسي رحمه الله عن والده الشيخ الصدوق أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي رحمه الله عن رجاله عن أبي بصير ليث المرادي قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) سيدي إن الناس يقولون إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه فقال (عليه السلام) كذبوا و الله أن إيمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان و إيمان هذا الخلق في كفة ميزان لرجح إيمان أبي طالب على إيمانهم ثم قال كان و الله أمير المؤمنين يأمر أن يحج عن أبي النبي و أمه و عن أبي طالب حياته و لقد أوصى في وصيته بالحج عنهم بعد مماته

موقفنا من الحديث :

فهذه الأخبار المختصة بذكر الضحضاح من نار و ما شاكلها من متخرصات ذوي الفتن و روايات أهل الضلال و موضوعات بني أمية و أشياعهم الناصبين العداوة لأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و هي في نفسها تدل على أن مفتعلها و المجترئ على الله بتخرصها متحامل غمر جاهل قليل المعرفة باللغة العربية التي خاطب الله بها عباده و أنزل بها كتابه لأن الضحضاح لا يعرف في اللغة إلا لقليل الماء فحيث عدل به إلى النار ظهرت فضيحته و استبان جهله و تحامله. و أيضا فإن الأمة متفقة على أن الآخرة ليس فيها نار سوى الجنة و النار فالمؤمن يدخله الله الجنة و الكافر يدخله الله النار فإن كان أبو طالب كافرا على ما يقوله مخالفنا فما باله يكون في ضحضاح من نار من بين الكفار و لم تجعل له نار وحده من بين الخلائق و القرآن متضمن أن الكافر يستحق التأبيد و الخلود في النار. فإن قيل إنما جعل في ضحضاح من نار لتربيته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذبه عنه و شفقته عليه و نصره إياه قلنا تربية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الذب عنه و شفقته عليه و النصرة له طاعة لله تعالى يستحق في مقابلها الثواب الدائم فإن كان أبو طالب فعلها و هو مؤمن فما باله لا يكون في الجنة كغيره من المؤمنين و إن كان فعلها و هو كافر فإنها غير نافعة له لأن الكافر إذا فعل فعلا لله تعالى فيه طاعة لا يستحق عليه ثوابا لأنه لم يوقعه لوجهه متقربا به إلى الله تعالى من حيث إنه لم يعرف الله تعالى ليتقرب إليه فيجب أن يكون عمله غير نافع له. فما استحق أن يجعل في ضحضاح من نار فهو إما مؤمن يستحق الجنة كما نقول و إما كافر يستحق التأبيد في الدرك الأسفل من النار على وجه الاستحقاق و الهوان كغيره من الكفار و هذا لا يقوله مخالفنا. و قد أبطلنا أن يكون في ضحضاح من نار فلم يبق إلا أن يكون في الجنة حسب ما بيناه

مصدر هذا الحديث :

و أيضا فإن هذه الأحاديث المتضمنة أن أبا طالب في ضحضاح من نار مختلفة أصلها واحد و راويها منفرد بها لأنها جميعها تستند إلى المغيرة بن شعبة الثقفي لا يروي أحد منها شيئا سواه و هو رجل ظنين في حق بني هاشم متهم فيما يرويه عنهم لأنه معروف بعداوتهم مشهور ببغضه لهم و الانحراف عنهم .

 

المغيرة في الميزان :

و روي عنه : أنه شرب في بعض الأيام فلما سكر قيل ما تقول في بني هاشم فقال و الله ما أردت لهاشمي قط خيرا.

و المغيرة هو الذي حسن لعائشة الخروج إلى البصرة حتى كان من أمرها ما كان بغضا لأمير المؤمنين ع.

و هو مع بغضه لبني هاشم و اشتهاره بالانحراف عنهم رجل فاسق و ثبوت فسقه معلوم عند الأمة لوجوه

منها :

أنه زنى فأسقط عمر بن الخطاب الحد عنه بتلقين الشاهد الرابع و قصته مشهورة و حكايته معلومة.

أخبرنا بها الشيخ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الواعظ بأسانيد مرفوعة إلى عبد الرحمن بن الفسطاطي قال حدثنا مجاهد بن موسى قال حدثنا هاشم قال حدثنا عتيبة بن عبد الرحمن بن حوشي الجشمي عن أبيه عن أبي بكر قال :

لما عزل عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان عن البصرة و بعث بالمغيرة بن شعبة غزا ميسان ففتحها و بعث أبا بكرة بشيرا بالفتح و أقام بالبصرة أميرا و قد اتخذت بها المنازل و كثر بها الناس و حسن بها حالهم ثم رجع أبو بكرة إلى البصرة قافلا من عند عمر فكان المغيرة بن شعبة يخرج كل يوم من دار الإمارة وسط النهار فيلقاه أبو بكرة فيقول أين تذهب أيها الأمير فيقول لي حاجة فيقول له ما هذه الحاجة إن الأمير يزار و لا يزور. و كانت امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها أم جميل بنت سبيعة و كان لها زوج من قومها يقال له الحجاج بن عبيد جارة لأبي بكرة فبينا أبو بكرة في غرفة له و عنده أخواه نافع و زياد و رجل آخر يقال له شبل بن معبد و غرفة الهلالية بحذاء غرفة أبي بكرة قال فضربت الريح باب غرفة جارة أبي بكرة الهلالية ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة بن شعبة على المرأة ينكحها قال فقال أبو بكرة لأصحابه الثلاثة إنكم قد ابتليتم فأثبتوا الشهادة قال فنظروا حتى أثبتوا قال فنزل أبو بكرة فجلس حتى مر عليه المغيرة خارجا من عند المرأة فقال له إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا. و كتب إلى عمر بن الخطاب بالذي كان فكتب عمر إلى المغيرة و إلى الشهود جميعا أن يقدموا عليه فلما قدموا عليه صفهم و دعا أبا بكرة قبلهم فأثبت الشهادة و ذكر أنه رآه يدخل كما يدخل الميل في المكحلة و قال لكأني أنظر إلى أثر الجدري بفخذ المرأة. ثم دعا نافعا فشهد بمثل شهادة أبي بكرة و أثبتها ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل شهادة نافع و أبي بكرة و أثبتها فقال عمر بن الخطاب أردى المغيرة الأربعة ثم دعا زيادا فلما أقبل قال عمر إني لأرى رجلا ما كان ليشهد اليوم إلا بحق.

و يروى : أن عمر لما رأى زيادا قال إني لأرى وجه رجل ما كان الله يخزي رجلا من المهاجرين بشهادته فقال شبل بن معبد و هو الثالث من الشهود أ فتجلد شهود الحق و تبطل الحد أحب إليك يا عمر. فقال عمر لزياد ما تقول فقال قد رأيت منظرا قبيحا و نفسا عاليا و لقد رأيته بين فخذي المرأة و لا أدري هل كان خالطها أم لا فقال عمر الله أكبر فقال المغيرة و الله أكبر الحمد لرب الفلق و الله لقد كنت علمت أني سأخرج عنها سالما فقال له عمر اسكت فو الله لقد رأوك بمكان سوء فقبح الله مكانا رأوك فيه و أمر بجلد الشهود الثلاثة.

فقال نافع أنت و الله يا عمر جلدتنا ظلما أنت رددت صاحبنا أن يشهد بمثل شهادتنا أعلمته هواك فأتبعه و لو كان تقيا كان رضاء

الله و الحق عنده آثر من رضاك. فلما جلد أبا بكرة قام و قال أشهد لقد زنى المغيرة فأراد عمر أن يجلده ثانيا فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) إن جلدته رجمت صاحبك.

و هذا فقه مليح منه (عليه السلام) لأنه (عليه السلام) أراد أنه إذا جلد و تكلم كملت الشهادة أربعة فإذا كملت الشهادة وجب رجم المشهود عليه.

و روي : أن المغيرة لما مات و خرج به قومه إلى الجبانة فحين دفنوه و سووا عليه قبره أقبل راكب من ناحية البر على ناقة حتى وقف على قبر المغيرة و أنشأ يقول :

أ من رسم قبر للمغيرة يعرف ***عليه زواني الجن و الإنس تعزف

‏لعمري لقد لاقيت فرعون بعدنا *** و هامان فاعلم أن ذا العرش منصف‏

فكيف يجوز اعتقاد ما يرويه المغيرة و هذه صفته و يترك ما اتفق عليه أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و شيعتهم الذين هم أهل الرواية و مظان الدراية

عودة للأخبار الدالة على إيمان أبي طالب :

و أخبرني الشيخ الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل رحمه الله بإسناده إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي يرفعه إلى داود الرقي قال : دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) و لي على رجل دين و قد خفت تواه فشكوت ذلك إليه فقال (عليه السلام) إذا مررت بمكة فطف عن عبد المطلب طوافا و صل عنه ركعتين و طف عن أبي طالب طوافا و صل عنه ركعتين و طف عن عبد الله طوافا و صل عنه ركعتين و طف عن آمنة طوافا و صل عنها ركعتين و طف عن فاطمة بنت أسد طوافا و صل عنها ركعتين ثم ادع الله عز و جل أن يرد عليك مالك قال ففعلت ذلك ثم خرجت من باب الصفا فإذا غريمي واقف يقول يا داود جئني هناك فاقبض حقك .

و أخبرني شيخي أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله بإسناده إلى الشيخ الصدوق أبي جعفر الطوسي رحمه الله عن رجاله عن أبي حمزة الثمالي عن عكرمة عن ابن عباس قال : أخبرني العباس بن عبد المطلب أن أبا طالب شهد عند الموت أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله .

و بالإسناد عن الشيخ أبي جعفر عن رجاله عن حماد بن عثمان عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال : ما مات

أبو طالب حتى أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من نفسه الرضا .

و بالإسناد عن حماد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : إنا لنرى أن أبا طالب أسلم بكلام الجمل

قوله (عليه السلام) لنرى معناه لنعتقد لأنه يقال فلان يرى رأي فلان أي يعتقد اعتقاده و قوله (عليه السلام) بكلام الجمل يعني الجمل الذي خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قصته مشهورة .

و أخبرني شيخي أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله بإسناده إلى أبي جعفر الطوسي يرفعه إلى أيوب بن نوح عن العباس بن عامر القصباني عن ربيع بن محمد عن أبي سلام عن أبي حمزة عن معروف بن خربوذ عن عامر بن واثلة قال : قال علي (عليه السلام) إن أبي حين حضره الموت شهده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبرني عنه بشي‏ء خير لي من الدنيا و ما فيها .

و أخبرني شيخنا أبو علي عبد الحميد بن التقي الحسيني رحمه الله بإسناده عن الشريف النسابة أبي علي الموضح قال أخبرنا أبو القسم الحسن السكوني قال حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي حبيبة عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال : جاء أبو بكر إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأبي قحافة يقوده

و هو شيخ كبير أعمى فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي بكر ألا تركت الشيخ حتى نأتيه فقال أردت يا رسول الله أن يأجرني الله أما و الذي بعثك بالحق لأنا كنت أشد فرحا بإسلام عمك أبي طالب مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صدقت و قد روى هذا الحديث بعينه أبو الفرج الأصفهاني قال حدثنا أبو بشر قال أخبرنا العلائي عن العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي عن عكرمة عن أبي صالح عن ابن عباس قال : جاء أبو بكر بن أبي قحافة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذكر الحديث بطوله .

و بالإسناد عن أبي علي الموضح قال أخبرني أبو الحسن محمد بن الحسن العلوي الحسيني قال حدثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي قال حدثنا أحمد بن محمد العطار قال حدثنا أبو عمر حفص بن عمر بن الحرث النمري قال حدثنا عمر بن أبي زائدة عن عبد الله بن أبي الصقر عن الشعبي يرفعه عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) قال :

كان و الله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم إيمانه مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش .

قال أبو علي الموضح : و لأمير المؤمنين (عليه السلام) في أبيه أبي طالب رضي الله عنه يرثيه :

أبا طالب عصمة المستجير *** و غيث المحول و نور الظلم

‏لقد هد فقدك أهل الحفاظ *** فصلى عليك ولي النعم‏

و لقاك ربك رضوانه *** فقد كنت للمصطفى خير عم‏

فتأمل ما ضمنه أمير المؤمنين (عليه السلام) أبياته هذه من الدعاء لأبي طالب رضي الله عنه فلو كان مات كافرا لما كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤبنه بعد موته و يدعو له بالرضوان من الله تعالى بل كان يذمه على قبيح فعله و سالف كفره و يفعل به كما فعل إبراهيم (عليه السلام) حيث حكى الله عنه في قوله فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ .

و بالإسناد عن أبي علي الموضح قال : تواترت الأخبار بهذه الرواية و بغيرها عن علي بن الحسين (عليه السلام) أنه سئل عن أبي طالب أ كان مؤمنا فقال (عليه السلام) نعم فقيل له إن هاهنا قوما يزعمون أنه كافر فقال (عليه السلام) وا عجبا كل العجب أ يطعنون على أبي طالب أو على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد نهاه الله تعالى أن يقر مؤمنة مع كافر في غير آية من القرآن و لا يشك أحد أن فاطمة بنت أسد رضي الله عنها من المؤمنات السابقات فإنها لم تزل تحت أبي طالب حتى مات أبو طالب رضي الله عنه .

و أخبرني الصالح النقيب أبو منصور الحسن بن معية العلوي الحسني رحمه الله قال أخبرني الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الله بن جعفر بن محمد الدوريستي عن أبيه عن جده عن الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي عن أبيه قال حدثنا سعد بن عبد الله قال حدثنا أحمد بن أبي عبد الله الرقي عن خلف بن حماد الأسدي عن أبي الحسن العبدي عن الأعمش عن عباية بن ربعي عن عبد الله بن عباس عن أبيه قال :

قال أبو طالب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمحضر من قريش ليريهم فضله يا ابن أخي الله أرسلك قال نعم قال إن للأنبياء معجزا و خرق عادة فأرنا آية قال ادع تلك الشجرة و قل لها يقول لك محمد بن عبد الله أقبلي بإذن الله فدعاها فأقبلت حتى سجدت بين يديه ثم أمرها بالانصراف فانصرفت فقال أبو طالب أشهد أنك صادق ثم قال لابنه علي (عليه السلام) يا بني ألزم ابن عمك .

و أخبرني بإسناده إلى أبي الفرج الأصفهاني قال حدثني أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري قال حدثنا أبو الحسن محمد بن علي المعمر الكوفي قال حدثنا علي بن أحمد بن مسعدة بن صدقة عن عمه عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال :

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يعجبه أن يروى شعر أبي طالب (عليه السلام) و أن يدون و قال تعلموه و علموه أولادكم فإنه كان على دين الله و فيه علم كثير .

و أخبرني الشيخ الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل بن إسماعيل القمي رحمه الله بإسناده إلى الشيخ أبي الفتح الكراجكي قال حدثني أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني قال حدثنا أبو القاسم ميمون بن حمزة الحسيني قال حدثنا مزاحم بن عبد الوارث البصري قال حدثنا أبو بكر عبد العزيز بن عبد الرحمن بن أيوب الجوهري قال حدثنا العباس بن علي قال حدثنا علي بن عبد الله الحرشي قال حدثنا جعفر بن عبد الواحد بن جعفر قال قال لنا العباس بن الفضل عن إسحاق بن عيسى بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب قال سمعت أبي يقول سمعت المهاجر مولى بني نوفل اليماني يقول سمعت أبا رافع يقول سمعت أبا طالب بن عبد المطلب يقول : حدثني محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ربه بعثه بصلة الرحم و أن يعبد الله وحده و لا يعبد معه غيره و محمد عندي الصادق الأمين .

و حدثني بهذا الحديث من غير هذه الطريق الشيخ أبو الفتوح نصر بن علي بن منصور الخازن النحوي الحائري رحمه الله بمدينة السلام سنة تسع و تسعين و خمسمائة قال أخبرني الشيخ أبو القاسم ذاكر بن كامل بن أبي غالب في شهر ربيع الأول سنة إحدى و تسعين و خمس مائة قراءة عليه و أنا أسمع قال أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الحداد إجازة قال أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو بكر أحمد بن فارس

البرقعيدي بها قال حدثنا جعفر بن عبد الواحد القاضي قال قال لنا محمد بن عباد عن إسحاق بن عيسى عن مهاجر مولى بني نوفل قال سمعت أبا رافع يقول سمعت أبا طالب يقول : حدثني محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن الله أمره بصلة الأرحام و أن يعبد الله وحده و لا يعبد معه غيره و محمد عندي الصدوق الأمين .

و أخبرنا به أيضا بطريق آخر شيخنا الفقيه أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله بإسناده إلى أبي الفرج الأصفهاني قال حدثني أبو بشر أحمد بن إبراهيم عن هارون بن عيسى الهاشمي عن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قاضي قضاة البصرة بالثغر عن العباس بن الفضل الهاشمي عن إسحاق بن عيسى الهاشمي عن أبيه قال سمعت المهاجر مولى بني نوفل يقول سمعت أبا رافع يقول سمعت أبا طالب يقول : حدثني محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إن ربه بعثه بصلة الأرحام و أن يعبد الله وحده لا شريك له لا يعبد سواه و محمد الصدوق الأمين .

و أخبرني السيد النقيب أبو جعفر يحيى بن أبي زيد العلوي الحسني النقيب البصري بمدينة السلام سنة أربع و ستمائة قال أخبرني والدي محمد بن محمد بن أبي زيد النقيب الحسني البصري قال أخبرني تاج الشرف محمد بن محمد بن أبي الغنائم المعروف بابن السخطة العلوي الحسيني البصري النقيب قال أخبرني الشريف الإمام العالم أبو الحسن علي بن محمد الصوفي العلوي العمري النسابة المشجر المعروف قال حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد البصري عن أبي الحسين يحيى بن محمد الحضيني المدني قال رأيته بالمدينة سنة ثمانين و ثلاثمائة عن أبيه عن أبي علي بن همام رضي الله عنه عن جعفر بن محمد الضراري عن عمران بن معافى عن صفوان بن يحيى عن عاصم بن حميد عن أبي بصير عن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) أنه قال : مات أبو طالب بن عبد المطلب مسلما مؤمنا و شعره في ديوانه يدل على إيمانه ثم محبته و تربيته و نصرته و معاداة أعداء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و موالاة أوليائه و تصديقه إياه فيما جاء به من ربه و أمره لولديه علي و جعفر بأن يسلما و يؤمنا بما يدعو إليه و أنه خير الخلق وأنه يدعو إلى الحق و المنهاج المستقيم و أنه رسول الله رب العالمين فثبت ذلك في قلوبهما فحين دعاهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أجاباه في الحال و ما تلبثا لما قد قرره أبوهما عندهما من أمره فكانا يتأملان أفعال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيجدانها كلها حسنة تدعو إلى سداد و رشاد

و حسبك إن كنت منصفا منه هذا أن يسمح بمثل علي و جعفر ولديه و كانا من قبله بالمنزلة المعروفة المشهورة لما يأخذان به أنفسهما من الطاعة له و الشجاعة و قلة النظير لهما أن يطيعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يدعوهما إليه من دين و جهاد و بذل أنفسهما و معاداة من عاداه و موالاة من والاه من غير حاجة إليه لا في مال و لا في جاه و لا غيره لأن عشيرته أعداؤه و المال فليس له مال فلم يبق إلا الرغبة فيما جاء به من ربه. فهذا الحديث مروي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) فلقد بين حال أبي طالب فيه أحسن تبيين و نبه على إيمانه أجل تنبيه و لقد كان هذا الحديث وحده كافيا في معرفة إيمان أبي طالب أسكنه الله جنته و منحه رحمته لمن كان منصفا لبيبا عاقلا أديبا. .

و قد كنت سمعت جماعة من أصحابنا العلماء مذاكرة يروون عن الأئمة الراشدين من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنهم : سئلوا عن قول النبي المتفق على روايته المجمع على صحته : أنا و كافل اليتيم كهاتين في الجنة .

فقالوا : أراد بكافل اليتيم , عمه أبا طالب ; لأنه كفله يتيما من أبويه و لم يزل شفيقا حدبا عليه.

فهذه الأخبار التي اقتصرنا على روايتها و تحببنا الإطالة في كثرتها عند رواة الأخبار معروفة و بين حملة الآثار مشهورة و على إيمان أبي طالب أهدى دليل و إلى معرفة إسلامه أوضح سبيل .