الفصل الثاني

جهل و تضليل :

و أما ما ذكره المخالفون و رواه المتحاملون من أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب عمه أبا طالب رضي الله عنه و يريد منه أن يؤمن به و هو لا يجيبه إلى ذلك فأنزل الله تعالى في شأنه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ ... الآية فإنه جهل بأسباب النزول و تحامل على عم الرسول لأن هذه الآية لنزولها عند أهل العلم سبب معروف و حديث مأثور و ذلك السبب الأول أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرب بحربة في خده يوم حنين فسقط إلى الأرض ثم قام و قد انكسرت رباعيته و الدم يسيل على حر وجهه فمسح وجهه ثم قال اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فأنزل الله تعالى إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ... الآية فنحوها إلى أبي طالب رحمه الله تحاملا عليه و توجيها للشبهة إليه و وقعة حنين كانت بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بثلاث سنين و الهجرة كانت بعد موت أبي طالب بثلاث سنين و أربعة أشهر فيا لله و للمسلمين نزلت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آية على رأس ست سنين و أربعة أشهر من متوفى أبي طالب في قوم مخصوصين فجعلوها فيه ليتم لهم ما يريدون من كفره و يستقيم لهم ما يبغون من شركه يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ

 

مع الآية مرة أخرى :

و قد روي : لنزول الآية سبب آخر و هو السبب الثاني إن قوما ممن كانوا أظهروا الإسلام و الإيمان بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تأخروا عنه عند هجرته و أقاموا بمكة و أظهروا الكفر و الرجوع إلى ما كانوا عليه فبلغ خبرهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و المسلمين فأختلفوا في تسميتهم بالإيمان فقال فريق من المسلمين هم مؤمنون و إنما أظهروا الكفر اضطرارا إليه و قال آخرون بل هم كفار و قد كانوا قادرين على الهجرة و الإقامة على الإيمان و اجتمعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و كان أشراف القوم يريدون منه أن يحكم لهم بالإيمان لأرحام بينهم و بينهم فأحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينزل ما يوافق محبة الأشراف إيثارا لتألفهم فلما سألوه عن حالهم قال (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتيني الوحي في ذلك فأنزل الله إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ يريد إنك لا تحكم و تسمي و تشهد بالإيمان لمن أحببت و لكن الله يحكم له و يسميه إذا كان مستحقا له. فهذان السببان قد وردا في نزول هذه الآية و كلاهما إنما كان بعد موت أبي طالب لأنها إن كانت نزلت يوم حنين فوقعة حنين كانت في شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة على ما بيناه و أبو طالب بلا خلاف مات قبل الهجرة و موته كان السبب في الهجرة لأن الأمة روت أن جبرئيل (عليه السلام) هبط إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة مات أبو طالب فقال له أخرج من مكة فما بقي لك بها ناصر بعد أبي طالب. و إن كانت نزلت في الذين تأخروا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على ما تقدم القول فيه فهي أيضا نزلت بعد موت أبي طالب (عليه السلام) لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هاجر عن مكة يوم الاثنين في شهر ربيع الآخر على رأس ثلاث سنين من متوفى أبي طالب.

و أيضا : هذه الآية إذا تأملها المنصف تبين له أن نزولها في أبي طالب باطل من وجوه. الوجه الأول أنه لا يجوز في حكمة الله تعالى أن يكره أحدا من عباده على الهدى و لا يحب له الضلال كما لا يجوز في حكمته أن يأمر بالضلال و ينهى عن الهدى و الرشاد. الوجه الثاني أنه إذا كان الله تعالى قد أخبر في كتابه أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب عمه أبا طالب في قوله إِنَّكَ لا تَهْدِي

مَنْ أَحْبَبْتَ فقد ثبت حينئذ أن أبا طالب كان مؤمنا لأن الله تعالى قد نهى عن حب الكافرين في قوله لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ... الآية. فمعنى يوادون يحبون يقال وددت فلانا أوده ودا إذا أحببته و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يجوز أن يرتكب ما نهاه الله عنه من حب الكفار فثبت أن أبا طالب إذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبه بحسب الآية مؤمن على ما ذكرناه.

الوجه الثالث : أنه إذا ثبت أن هذه الآية نزلت في أبي طالب فهي دالة على فضل أبي طالب و علو مرتبته في الإيمان و الهداية و ذلك أن هداية أبي طالب كانت بالله تعالى دون غيره من خلقه و هو كان المتولي لها حتى سبق بها الداعي له و كان تقديره أن أبا طالب الذي تحبه لم تهده أنت يا محمد بنفسك بل الله الذي تولى هدايته فسبقت هدايته الدعوة له. فهذا يوضح ما ذكرناه و يؤيد ما قدمناه من فساد القول بالخبر و بطلان قول من زعم أن نبي الهدى (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحب الكافرين مع النهي عن ذلك و بالله التوفيق

أمر النبي بميراث أبي طالب :

و أما ما رواه أيضا من أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أمير المؤمنين و أخاه جعفرا (عليه السلام) عند موت أبي طالب أن لا يأخذا من تركته شيئا و أخذها طالب و عقيل من دونهما لأن طالبا و عقيلا

لم يؤمنا يومئذ فحديث مصنوع و كذب موضوع على غير أصل ثابت. و ذلك لأن بني هاشم قد اشتهر عنهم و عرف من مذهبهم أن المسلم يرث الكافر و أن الكافر لا يرث المسلم و يقولون إن الكافر إذا خلف وارثين أحدهما كافر مثله و الآخر مسلم يكون ميراثه للمسلم دون الكافر و لو كان الكافر أعلى درجة من المسلم في النسب و مذهبهم هذا هو الموافق لكتاب الله تعالى و سنة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أما كتاب الله فقوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ و قوله تعالى وَ لَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ و قوله تعالى لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ و ما شاكل ذلك من آيات المواريث لأن ظواهر هذه الآيات مقتضية أن الكافر كالمسلم في الميراث فلما أجمعت الأمة على أن الكافر لا يرث المسلم أخرجوه بهذا الدليل الموجب للعلم و بقي ميراث المسلم للكافر

بحسب الظاهر كميراث المسلم للمسلم و أما السنة فاتفاق أهل البيت (صلى الله عليه وآله وسلم) و إجماعهم على أن المسلم يرث الكافر و أن الكافر لا يرث المسلم و إجماعهم (صلى الله عليه وآله وسلم) حجة قاطعة و دلالة فأصله لأدلة صحيحة لو لا الخروج عما نحن بصدده ذكرناها هاهنا غير أنها مشروحة مبينة في تصانيف أصحابنا فمن أرادها وقف عليها

و قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : الإسلام يعلو و لا يعلى

و قوله (عليه السلام) : الإسلام يزيد و لا ينقص , و ما شاكل ذلك.

فأما ما تعلق به المخالف من الحديث الذي يروى .

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله : لا توارث بين أهل ملتين

فإنا نقول بموجبه لأن التوارث تفاعل و هو مقتضى أن يكون كل واحد يرث صاحبه و إذا ذهبنا إلى أن المسلم يرث الكافر فما أثبتنا بينهما توارثا أ لا ترى أن العرب إذا ضرب زيد عمرا لا يقولون تضارب زيد و عمرو و إنما يقولون ضرب زيد عمرا فإذا ضرب كل واحد منهما صاحبه قالوا تضارب زيد و عمرو فعلى هذا صح لنا العمل بالخبر المذكور.

و قد روى المخالفون القول بموافقة أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) و محمد بن الحنفية رضي الله عنه و محمد بن علي الباقر (عليه السلام) و مسروق بن الأجدع و عبد الله بن مفضل و سعيد بن المسيب و يحيى بن يعمر و معاذ بن جبل و معاوية بن أبي سفيان :

فثبت أن هذه الأخبار المختلفة الباطلة المفتعلة غير ضائرة لأبي طالب رحمه الله و إنما يعود ضررها و وبالها و وزرها و عقابها على الذين تخرصوها و افتروها و انتحلوها جرأة على الله و تهاونا برسول الله و أنها و إن جلدوها في صحائفهم و قصوها في مجامعهم .

تخرصا و أحاديثا ملفقة *** ليست بنبع إذا عدت و لا غرب‏