الفصل الثالث

حب الرسول لعمه أبي طالب :

و أما حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمه أبي طالب و ميله إليه و تحننه فأبين من فرق الصبح و أوضح من الضحى .

أخبرني السيد عبد الحميد بن التقي الحسيني قراءة عليه سنة أربع و سبعين و خمس مائة قال أخبرني الشريف النسابة أبو تمام هبة الله بن عبد السميع عبد الصمد الهاشمي العباسي قال أخبرني الشريف أبو عبد الله جعفر بن هاشم بن علي بن محمد بن الصوفي عن جده أبي الحسن علي بن محمد الصوفي العلوي العمري النسابة الفاضل العالم المعروف قال روى الشريف الفاضل المحدث أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) و كان أبو محمد الشريف المحدث يعرف بالدنداني عن جده يحيى بن الحسن الشريف العالم الناسب المدني يرفعه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنه قال لعقيل بن أبي طالب أنا أحبك يا عقيل حبين حبا لك و حبا لأبي طالب لأنه كان يحبك

فيا ليت شعري إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يحب عقيلا لحب أبي طالب فما ظنك بأبي طالب و حبه إياه رضي الله عنه و أرضاه

 

الفاقة تغزو أبا طالب :

و مما اشتهر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرقة على عمه أبي طالب و الإيثار لصلاحه و الحب لفلاحه ما أخبرني به الشيخ الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرائيل رحمه الله بإسناده المذكور إلى الشيخ أبي الفتح الكراجكي رحمه الله يرفعه قال أصابت قريش أزمة مهلكة و سنة مجدبة منهكة و كان أبو طالب رضي الله عنه ذا مال يسير و عيال كثير فأصابه ما أصاب قريشا من العدم و الإضاقة و الجهد و الفاقة فعند ذلك دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمه العباس فقال له يا أبا الفضل إن أخاك كثير العيال مختل الحال ضعيف النهضة و العزمة و قد نزل به ما نزل من هذه الأزمة و ذوو الأرحام أحق بالرفد و أولى بحمل الكل في ساعة الجهد فانطلق بنا إليه لنعينه على ما هو عليه فلنحمل عنه بعض أثقاله و نخفف عنه من عياله يأخذ كل واحد منا واحدا من بنيه ليسهل ذلك عليه بعض ما ينوء فيه فقال العباس نعم ما رأيت و الصواب فيما أتيت هذا و الله الفضل الكريم و الوصل الرحيم فلقيا أبا طالب فصبراه و لفضل آبائه ذكراه و قالا له إنا نريد أن نحمل عنك بعض المال فادفع إلينا من أولادك من تخف عنك به الأثقال فقال أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا و طالبا فافعلا ما شئتما فأخذ العباس جعفرا و أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا فانتخبه لنفسه و اصطفاه لمهم أمره و عول عليه في سره و جهره و هو مسارع لمرضاته موفق للسداد في جميع حالاته. و قد روي من طريق آخر أن العباس بن عبد المطلب أخذ جعفرا و أخذ حمزة طالبا و أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا.

 و روي من طريق آخر : أن أبا طالب قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و العباس حين سألاه ذلك إذا خليتما لي عقيلا فخذا من شئتما و لم يذكر طالبا كل ذلك قد روي و أما القصة فمتفق عليها. فانظر إلى هذه الرقة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أبي طالب و الحب له و الشفقة عليه و قد وصف الله المؤمنين بالشدة على الكافرين حيث يقول أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ و قال عز من قائل أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أفضل المؤمنين و سبيل الأولين و الآخرين فكيف يجوز لمسلم أن يصف أبا طالب بالكفر و يرميه بالشرك و قد اشتهر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الميل إليه و الانعطاف عليه فمن قطع على أبي طالب بالكفر فقد وصف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لا يجوز عليه و نسبه إلى ما لا يجوز أن ينسب إليه من الحب للكافرين و الميل إلى الجاحدين. فإن قيل إنما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يميل إليه و يحنو عليه لقرب رحمه منه و تربيته له قلنا تحريم المودة للكافرين عام يتناول القرباء كما يتناول البعداء فلا يجوز تخصيصه بقوم دون قوم إلا بدليل و ما إلى الدليل من سبيل .

 

الفصل الرابع

خطبة أبي طالب في زواج النبي :

و أخبرنا شيخنا عبد الحميد بن التقي الحسيني بإسناده إلى الشريف النسابة الفاضل أبي الحسن علي بن محمد بن الصوفي العلوي العمري رحمه الله قال حدثني أبو علي الحسن بن دانيال البصري رحمه الله قال حدثنا أبو الحسن علي بن سعيد الإربلي قال حدثنا أبو علي الأرجاني شيخ ورد إلينا البصرة كثير الحفظ قال حدثنا أبو العباس المبرد.

وقال حدثت : أن أبا طالب بن عبد المطلب خطب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في تزويجه خديجة بنت خويلد فقال الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم و زرع إسماعيل و جعل لنا بلدا حراما و بيتا محجوجا و جعلنا الحكام على الناس ثم إن محمد بن عبد الله أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برا و فضلا و حزما و عقلا و مجدا و نبلا و إن كان في المال قل فإنما المال ظل زائل و عارية مسترجعة و له في خديجة بنت خويلد رغبة و لها فيه مثل ذلك و ما أحببتم من الصداق فعلي و له و الله خطب جليل و نبأ شائع. فانظر إلى ما تضمنت هذه الخطبة من العصبية لسيد البشر (صلى الله عليه وآله وسلم) و المدح له و المعرفة لفضله و الاعتراف بأن له (صلى الله عليه وآله وسلم) خطبا جليلا و نبأ شائعا فيا ليت شعري ما الذي يبعثه على الكفر به بعد معرفة خطبه الجليل و نبئه الشائع و هو من أولي الألباب الذين آتاهم الله فصل الخطاب

 

أشعار أبي طالب الدالة على إيمانه :

و نذكر هنا طرفا من أشعاره الدالة على إيمانه و جملا من أفعاله المحققة لإسلامه و ما أشبه ذلك من نصره لنبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و منابذته لأعداء الله فمن ذلك ما رواه أبان و الأموي و الواقدي و غيرهم من حملة الآثار و رواة الأشعار من قوله رضي الله عنه يحذر قريشا الحرب و ينعى عليهم توازرهم على تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ينبههم على صحة نبوته و يؤذنهم بنصر عترته فمن أشعاره قوله :

ألا من لهم آخر الليل معتم *** طواني و أخرى النجم لم يتقحم

‏طواني و قد نامت عيون كثيرة *** و سامر أخرى ساهر لم ينوم

‏لأحلام قوم قد أرادوا محمدا *** بظلم و من لا يتقي البغي يظلم

‏سعوا سفها و اقتادهم سوء أمرهم *** على خائل من رأيهم غير محكم

‏رجاء أمور لم ينالوا انتظامها *** و لو حشدوا في كل بدو و موسم

‏يرجون منه خطة دون نيلها *** ضراب و طعن بالوشيج المقوم

‏يرجون أن نسخى بقتل محمد *** و لم تختضب سمر العوالي من الدم

‏كذبتم و بيت الله حتى تفلقوا *** جماجم تلقى بالحطيم و زمزم

‏و تقطع أرحام و تنسى حليلة *** حليلا و يغشى محرم بعد محرم‏

هم الأسد أسد الزأرتين إذا غدت *** على حنق لم تخش إعلام معلم

‏فيا لبني فهر أفيقوا و لم تقم *** نوائح قتلي تدعى بالتندم

‏على ما مضى من بغيكم و عقوقكم *** و إتيانكم في أمركم كل مأثم

‏و ظلم نبي جاء يدعو إلى الهدى *** و أمر آتى من عند ذي العرش قيم

‏فلا تحسبونا مسلميه و مثله *** إذا كان في قوم فليس بمسلم

‏فهذي معاذير و تقدمة لكم *** لئلا تكون الحرب قبل التقدم‏

أ فلا يرى ذو اللب إلى جزلة هذا الشعر و قوته و جد قائله رضي الله عنه و تشميره في نصرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الشهادة له بالنبوة و الإقرار بما جاء به من عند الله تعالى فيعتبر أم على قلوب أقفالها. في حديث الصحيفة و لما سمع المشركون هذا القول من أبي طالب و ما أشبهه و رأوا قيام بني هاشم معه في نصره سعوا بينهم و اجتمعوا و قالوا ننافي بني هاشم و نكتب صحيفة و نودعها الكعبة أن لا نبايعهم و لا نشاريهم و لا نحدثهم و لا نستحدثهم و لا نجتمع معهم في مجمع و لا نقضي لهم حاجة و لا نقتضيها منهم و لا نقتبس منهم نارا حتى يسلموا إلينا محمدا و يخلو بيننا و بينه أو ينتهي عن تسفيه آبائنا و تضليل آلهتنا و أجمع كفار أهل مكة على ذلك. و علم أبو طالب بهذه الحال فقال يستعطفهم و يحذرهم الحرب و قطيعة الرحم و ينهاهم عن اتباع السفهاء و يعلمهم استمراره على مؤازرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ينبههم على فضله و يضرب لهم المثل بناقة صالح و يذكر أمر الصحيفة.

ألا أبلغا عني على ذات بينها *** لؤيا و خصا من لؤي بني كعب

‏أ لم تعلموا أنا وجدنا محمدا *** نبيا كموسى خط في أول الكتب

‏و أن عليه في العباد محبة و *** لا حيف فيمن خصه الله بالحب

‏و أن الذي لفقتم في كتابكم *** يكون لكم يوما كراغية السقب

‏أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى *** و يصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب‏

و لا تتبعوا أمر الغواة و تقطعوا *** أواصرنا بعد المودة و القرب‏

و تستجلبوا حربا عوانا و ربما *** أمر على من ذاقه حلب الحرب

‏فلسنا و بيت الله نسلم أحمدا *** لعزاء من عض الزمان و لا حرب

‏و لما تبن منا و منكم سوالف *** و أيد أبيرت بالمهندة الشهب

‏بمعترك ضنك ترى كسر القنا به *** و الضباع العرج تعكف كالسرب‏

كان مجال الخيل في حجراته *** و غمغمة الأبطال معركة الحرب

‏أ ليس أبونا هاشم شد أزره *** و أوصى بنيه بالطعان و بالضرب‏

انظر إلى هذا الإقرار الصريح من أبي طالب رحمه الله بأن محمدا نبي كموسى خط في أول الكتب فهذا البيت يدل على إيمانه من وجوه منها إيمانه بنبوة محمد ص. و منها إيمانه بكتب الله تعالى التي لا يعرفها إلا المؤمنون. و منها معرفته بموسى بن عمران (عليه السلام) و قوله و لا حيف فيمن خصه الله بالحب يريد بالنبوة منه و الاختيار و هذا الشعر إذا تأمله المنصف رآه محض الإقرار بالنبوة و الاعتراف بالرسالة.

و أما الصحيفة التي كتبتها قريش بالقطيعة فإن الله تعالى أرسل إليها دابة من الأرض فأكلت ما كان فيها من قطيعة و عقوق و أبقت ما كان فيها من باسمك اللهم فأعلم جبرئيل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحالها و أعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا طالب (عليه السلام) أن الله قد محا ما في الصحيفة من فجور و عقوق و لم يبق فيها إلا ما كان من باسمك اللهم فجذل أبو طالب بذلك و جاء إلى قريش فقال إن الله قد محا ما في الصحيفة من فجور و عقوق فقالوا إن كان ما تقوله زورا و تمويها قد أنبأك به محمد ليضل به قومه

فقال إذن أشايعكم في بعض شأنكم فمضوا و مضى معهم إلى الكعبة فوجدوها قد محيت إلا ما كان فيها من باسمك اللهم فقالوا هذا سحر فعله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و زادهم طغيانا و نفورا. فقال أبو طالب رحمه الله يذكر أمر الصحيفة و يهجو الذين سعوا فيها و قرروا أمرها :

أرقت و قد تصوبت النجوم *** و بت و لا تسالبك الهموم

‏لظلم عشيرة ظلموا و عقوا *** و غب عقوقهم لهم وخيم

‏هم انتهكوا المحارم من أخيهم *** و كل فعالهم دنس ذميم

‏و قالوا خطة جورا و ظلما *** و بعض القول أبلج مستقيم‏

لنخرج هاشما فتصير منها *** بلاقع بطن مكة و الحطيم

‏فمهلا قومنا لا تركبونا *** بمظلمة لها أمر عظيم

‏فيندم بعضكم و يذل بعض *** و ليس بمفلح أبدا ظلوم

‏أرادوا قتل أحمد ظالميه *** و ليس لقتله منهم زعيم

‏و دون محمد منا ندي *** هم العرنين و العضو الصميم‏

و هي قصيدة أسقطنا منها شطرا كراهية التطويل.

و قال أيضا :

لمن أربع أقوين بين القدائم *** أقمن بمدحاة الرياح الرمائم

‏تعاللت عيني بالبكاء و خلتني *** ترفعت دمعي يوم بين الأصارم

‏و كيف بكائي في طلول و قد عفت *** لها حقب قد فارقت أم عاصم

‏غفارية حلت ببولان حلة *** فينبع أو حلت بهضب الصرائم

‏فدعها فقد شطت به غربة النوى *** و شعث لشت الحي غير ملائم‏

و بلغ على الشحناء أفناء غالب *** لويا و تيما عند نصر العزائم

‏أ لم تعلموا أن القطيعة مأثم *** و أمر بلاء قائم غير حازم‏

و أن سبيل الرشد يعرف في غد *** و أن نعيم اليوم ليس بدائم‏

فقوله ; و أن سبيل الرشد يعرف في غد ; يريد في يوم القيامة .

و قوله ; و أن نعيم اليوم ليس بدائم ; يريد نعيم الدنيا ليس بدائم و نعيم الآخرة دائم.

و هذا إذا تأمله منصف رآه إقرارا صريحا من أبي طالب رضي الله عنه بجميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من القيامة و البعث و النشور و الثواب و العقاب و غير ذلك من أمور الآخرة أ لا ترى إلى قوله أن القطيعة مأثم و الإثم هو ما يجازى عليه في الآخرة. .

و قد روي : أن رجلا من قريش يقال له أمية بن خلف الجمحي جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعظم نخر فسحقه في وجهه و قال

أنت تزعم يا محمد إن هذا العظم يعود حيا تكذيبا لما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله فيه وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ

و أبو طالب (عليه السلام) قد صرح في هذه الأبيات و غيرها بالإقرار بالبعث بخلاف ما عند القوم. ثم قال :

فلا تسفهوا أحلامكم في محمد *** و لا تتبعوا أمر الغواة الأشائم

‏يمنونكم أن تقتلوه و إنما *** أمانيكم تلكم كأحلام نائم

‏فإنكم و الله لا تقتلونه *** و لما تروا قطف اللحي و الجماجم

‏و لم تصر الأموات منكم ملاحما *** تحوم عليه الطير بعد ملاحم

‏و ندعو بأرحام أواصر بيننا *** و قد قطع الأرحام وقع الصوارم‏

و نسموا بخيل نحو خيل تحثها *** إلى الروع أولاد الكماة القماقم‏

أ خلتم بأنا مسلمون محمدا *** و لما نقاذف دونه و نزاحم

‏من القوم مفضال أبي على العدى *** تمكن في الفرعين من آل هاشم

‏أمين محب في العباد مسوم *** بخاتم رب قاهر للخواتم

‏يرى الناس برهانا عليه و هيبة *** و ما جاهل في فعله مثل عالم

‏نبي أتاه الوحي من عند ربه *** فمن قال لا يقرع بها سن نادم

‏تطيف به جرثومة هاشمية *** تدافع عنه كل عات و ظالم‏

أ لا ترى يا ذا الحلم الرصين و العقل الركين إلى هذا الإقرار بالنبوة و توحيد الرب جلت عظمته في قوله أتاه الوحي من عند ربه و من أين يعرف الكفار الوحي ثم يقول في هذه الأبيات فمن قال :

لا يقرع بها سن نادم

يريد أن من لا يقر بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يندم إذا شاهد عذاب الله تعالى و قوله :

محب في العباد مسوم‏

يريد أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) موسوم بخاتم النبوة الذي كان بين كتفيه و قلما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد من شعراء المسلمين في شعر إلا و ذكر قريشا و دعاءهم إلى الإسلام و ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بذلك. فمن ذلك قول الشاعر :

و آمنوا بنبي لا أبا لكم *** ذي خاتم صاغه الرحمن مختوم‏

و من ذلك قول عبد الله بن الزبعري للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أسلم

بعد العداوة و المضاغنة و المباينة و المكاشفة :

و عليك من نور الإله دلالة *** وجه أغر و خاتم مختوم‏

فهل فوق هذا الإقرار إقرار و بعد هذا الإيمان إيمان ?! و هل يسع مسلما يسمع هذا الإقرار بنبوة محمد المختار (صلى الله عليه وآله وسلم) من أحد من الكفار و لا يجرى عليه أحكام المسلمين و يخرجه من جملة الكافرين ? و إن لم يكن في الإسلام ذا بلاء عظيم و عناء جسيم.

و قال أيضا يذكر أمر الصحيفة الذي ذكرناه :

ألا من لهم آخر الليل منصب *** و شعب العصا من قومك المتشعب

‏و جربي أراها من لؤي بن غالب *** متى ما تزاحمها الصحيحة تجرب

‏و قد كان في أمر الصحيفة عبرة *** متى ما يخبر غائب القوم يعجب

‏محا الله منها كفرهم و عقوقهم *** و ما نقموا من معرب الخط معرب‏

فأصبح ما قالوا من الأمر باطلا *** و من يختلق ما ليس بالحق يكذب

‏فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا *** على سخط من قومنا غير متعب‏

و هل يكون إقرار بالرسالة أو إيمان بالنبوة أبلغ من قوله المتقدم :

فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا *** ...

و لكن العناد يمنع من اتباع الحق و يصد عن قول الصدق :

فلا تحسبونا مسلمين محمدا *** لذي غربة فينا و لا متقرب

‏ستمنعه منا يد هاشمية *** مركبها في الناس خير مركب

‏فلا و الذي تحدي إليه قلائص *** لأدراك نسك من منى و المحصب‏

نفارقه حتى نصرع حوله *** و ما بال تكذيب النبي المقرب

‏فكفوا إليكم من فضول حلومكم *** و لا تذهبوا في رأيكم كل مذهب‏

فيا سبحان الله من يكون بمنزلة أبي طالب رحمه الله من البصيرة في الأمور و العقل الغزير و يعلم أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي مقرب و يقر له بذلك في شعره كيف يتقدر منه أن يكفر به ?

إن هذا لهو العناد العادل عن الرشاد .

و شعر أبي طالب حشره الله مع ذريته و أسكنه بحبوحة جنته في أمر الصحيفة كثير لا يبلغ مداه و لا يحصر منتهاه و إنما أثبتنا منه نبذة وجيزة و أبياتا قليلة كراهية الإطناب المعقب للإسهاب.

و لما كتبت قريش الصحيفة و نفوا بنو هاشم جميعهم إلى الشعب المعروف بشعب أبي طالب إلا أبا لهب و أبا سفيان بن الحرث بن عبد المطلب

بن هاشم لأنهما كانا يشايعان قريشا و يتفقان على مباينة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأما أبو لهب فإن الله أهلكه كافرا و أنزل فيه تعالى ما هو معلوم