أبو سفيان بن الحرث يعلن إسلامه :

و أما أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب فإنه أسلم عام الفتح و حسن إسلامه .

و قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أسلم : الصيد كله في جوف الفرا .

قرأت على شيخنا عميد الرؤساء ابن أيوب اللغوي قال أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي اللغوي البغدادي قال قرأت على الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن علي بن محمد المقري قال أخبرنا أبو منصور محمد بن أحمد بن أحمد بن الحسين بن عبد الله العكرواني قال أخبرنا أبو الصلت محمد بن أحمد بن الحسين بن خاقان قال حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد الأزدي يرفعه , قال : الصيد كله في جوف الفرا .

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأبي سفيان بن الحرث و ابنه المغيرة حين جاء مسلما , اجلس : فالصيد كله في جوف الفرا

و من لا تحقيق له من الرواة يتوهم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال ذلك لأبي سفيان بن الحرب بن أمية بن عبد شمس و الصحيح ما قدمناه و كان أبو سفيان بن الحرث امرأ صدق خيرا ثقة .

 

أبو طالب يحذر أعداء الرسول :

و قال أبو طالب ينعى على قريش القطيعة و يحذرهم الحرب :

تطاول ليلي لأمر نصب *** و دمع كسح السقاء السرب

‏للعب قصي بأحلامها *** و هل يرجع الحلم بعد اللعب

‏و قالوا لأحمد أنت امرؤ *** خلوف الحديث ضعيف السبب

‏و إن كان أحمد قد جاءهم *** بصدق و لم يأتهم بالكذب

‏و نفي قصي بني هاشم *** كنفي الطهاة لطاف الخشب‏

على أن إخواننا وازروا *** بني هاشم و بني المطلب

‏فيا لقصي أ لم تخبروا *** بما قد خلا من شئون العرب‏

و رمتم بأحمد ما رمتم *** على الآصرات و قرب النسب

‏فإني و من حج من راكب *** و كعبة مكة ذات الحجب‏

تنالون أحمد أو تصطلوا *** ظباة الرماح و حد القضب

‏و تعترفوا بين أبياتكم *** صدور العوالي و خيلا عصب‏

تراهن ما بين ضافي السبب *** قصير الحزام طويل اللبب

‏عليها صناديد من هاشم *** هم الأنجبون مع المنتجب‏

أ لا ترى إلى تشميره في عداوة المشركين و إلى قوله :

و إن كان أحمد قد جاءهم *** بصدق و لم يأتهم بالكذب‏

فكيف يكون الإسلام ? و بما ذا يعرف الإيمان ? و هل بين قوله هذا و بين قول المسلم أشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله فرق عند ذي اللب الذي ينهى النفس عن الهوى و يتنكب سبل الردى.

و قال أبو طالب رحمه الله يعاتب قوما من عشيرته و يحذرهم وبال عداوته و يذكر أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عترته :

ألا أبلغا عني لويا رسالة *** بحق و ما تغني رسالة مرسل

‏بني عمنا الأدنين تيما نخصهم *** و إخواننا من عبد شمس و نوفل

‏أ ظاهرتم قوما علينا ولاية *** و أمرا غويا من غواة و جهل‏

يقولون لو أنا قتلنا محمدا *** أقرت نواصي هاشم بالتذلل

‏كذبتم و رب الهدي تدمى نحوره *** بمكة و الركن العتيق المقبل

‏تنالونه أو تصطلوا دون نيله *** صوارم تفري كل عضو و مفصل

‏فمهلا و لما تنتج الحرب بكرها *** بيتن تمام أو بآخر معجل

‏و تلقوا ربيع الأبطحين محمدا *** على ربوة في رأس عنقاء عيطل

‏و تأوى إليه هاشم إن هاشما *** عرانين كعب آخرا بعد أول‏

فإن كنتم ترجون قتل محمد *** فرموا بما جمعتم نقل يذبل

‏فإنا سنحميه بكل طمرة *** و ذي ميعة نهد المراكل هيكل

‏و كل رديني ظماء كعوبه *** و عضب كإيماض الغمامة مقصل

‏بإيمان شم من ذوابة هاشم *** مغاوير بالأخطار في كل محفل‏

و قال أبو طالب رحمة الله عليه في مثل ذلك :

خذوا حظكم من سلمنا إن حربنا *** إذا ضرستنا الحرب نار تسعر

فإنا و إياكم على كل حالة *** لمثلان بل أنتم إلى الصلح أفقر

 

موقفه مع عثمان بن مظعون :

و كان عثمان بن مظعون الجمحي رضي الله عنه ممن شرح الله صدره للإيمان و وفقه للإسلام فكان يقف في مجامع قريش و أنديتهم و يعظهم و يأمرهم باتباع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تصديقه و يحذرهم من النار و عذاب الآخرة فوثب عليه سفهاؤهم ففقئوا عينه فنهض أبو طالب في أمره و أخذ له بحقه و قال في ذلك :

أ من تذكر دهر غير مأمون *** أصبحت مكتئبا أبكي لمحزون

‏أم من تذكر أقوام ذوي سفه *** يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين‏

يعني دين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي جاء به .

أ لا يرون أقل الله خيرهم *** أنا غضبنا لعثمان بن مظعون‏

و نمنع الضيم من يرجو مضيمتنا *** بكل مطرد في الكف مسنون‏

و مرهفات كان الملح خالطها *** نشفي بها الداء من هام المجانين

‏حتى تقر رجال لا حلوم لهم *** بعد الصعوبة بالإسماح و اللين

‏أو يؤمنوا بكتاب منزل عجب *** على نبي كموسى أو كذي النون‏

انظر يا ذا اللب و النهى و العقل و الحجى إلى إقراره بالكتاب و أنه منزل ; عجب كما قال الله تعالى حاكيا عن مؤمني الجن حين سمعوا القرآن إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ... الآية . و إلى قوله :

على نبي كموسى أو كذي النون

فسبحان الله من أين يعرف الجاهلي موسى و يونس (عليه السلام) و من أين يعرف الكتاب المنزل و هل يؤمن بأنبياء الله تعالى و رسله و كتبه من يشرك به. إن هذا إلا هوى قاهر و عناد ظاهر ثم ما كفى أبا طالب صريح الإقرار و محض الإيمان حتى حث المشركين على اتباعه و الإيمان به ثم كيف يتقدر منه أن يخبر في شعره أنه يضرب المشركين بمرهفات كان الملح خالطها حتى يؤمنوا بالكتاب المنزل و لا يؤمن هو به إن هذا

لهو المحال الذي لا يخفى على ربات الحجال و إن شعره إذا تأملته و كلامه إذا تبينته لأشد على المشركين من القرآن المجيد

في ذم أبي جهل :

و أخبرني الشيخ الفقيه شاذان رحمه الله بإسناده إلى أبي الفتح الكراجكي رحمه الله يرفعه : أن أبا جهل بن هشام جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و معه حجر يريد أن يرميه به إذا سجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فرفع أبو جهل يده فيبست على الحجر فرجع و قد التصق الحجر بيده فقال له أشياعه من المشركين أ جننت قال لا و لكني رأيت بيني و بينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه. فقال في ذلك أبو طالب رضي الله عنه و أرضاه هذه الأبيات :

أفيقوا بني عمنا و انتهوا *** عن الغي في بعض ذا المنطق

‏و إلا فإني إذا خائف *** بوائق في داركم تلتقي

‏تكون لغابركم عبرة *** و رب المغارب و المشرق‏

كما ذاق من كان من قبلكم *** ثمود و عاد فمن ذا بقي

‏غداة أتتهم بها صرصر *** و ناقة ذي العرش إذ تستقي

‏فحل عليهم بها سخطة *** من الله في ضربة الأزرق

‏غداة يعض بعرقوبها *** حسام من الهند ذو رونق‏

و أعجب من ذاك في أمركم *** عجائب في الحجر الملصق

‏بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصابر الصادق المتقي

‏فأثبته الله في كفه *** على رغم ذا الخائن الأحمق‏

فهل يكون دليل على إيمان أبي طالب رحمه الله أوضح من هذه الأبيات ? و أنه أعرب بها عن إيمانه بالله تعالى و رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ; كما ضمنها من الإقرار بالله تعالى و الاعتراف بآياته و تصديقه بالمعجزات التي أظهرها الله لنبيه و إخباره عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه صابر صادق متقي , ثم يضرب للكفار الأمثال بناقة صالح (عليه السلام) و يضيفها إلى الله تعالى في قوله :

و ناقة ذي العرش أ لا ترى

ما أحسن ما يظهر الله إيمانه و يبين إسلامه حيث لا يضرب للكافرين مثل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا بأمثال من تقدمه من النبيين و المرسلين (عليهم السلام) و في هذا مقنع لمن اهتدى و نهى النفس عن الهوى.

و لقد حكى الشيخ أبو الحسن علي بن أبي المجد الواعظ الواسطي بها في شهر رمضان سنة تسع و تسعين و خمس مائة حكاية مطبوعة أوجبت الحال إيرادها في هذا المكان قال حدثني والدي أبو المجد الواعظ قال : كنت أروي أبيات أبي طالب هذه القافية و أنشد قوله منها كذا :

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصائن الصادق المتقي‏

فرأيت في نومي ذات ليلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا على كرسي و إلى جانبه شيخ عليه من البهاء ما يأخذ بمجامع القلب فدنوت من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت السلام عليك يا رسول الله فرد علي السلام ثم أشار (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الشيخ و قال ادن من عمي فسلم عليه فقلت أي أعمامك هذا يا رسول الله فقال هذا عمي أبو طالب فدنوت منه و سلمت عليه ثم قلت يا عم رسول الله إني أروي أبياتك القافية و أحب أن تسمعها مني فقال هاتها فأنشدته إياها إلى أن بلغت فيها :

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصائن الصادق المتقي‏

فقال أنما قلت أنا : إلى الصابر الصادق المتقي , بالراء و لم أقل بالنون ثم استيقظت و كتبت في النسخة التي عندي بعد هذه الأبيات : أخبرني أبو طالب رضي الله عنه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال : إلى الصابر الصادق المتقي

المأمون يقول بإسلام أبي طالب :

و روى رجل من أهل قوسان اجتمعت به هناك في بعض شهور سنة تسع و تسعين و خمس مائة بإسناد عن المأمون : أنه كان يقول , أسلم و الله أبو طالب ببيت قاله و هو قوله :

نصرنا الرسول رسول المليك *** ببيض تلالا كلمع البروق‏

و بعد هذا البيت :

أذب و أحمي رسول الإله *** حماية حام عليه شفيق

‏و ما إن أدب لأعدائه *** دبيب البكار حذار الفنيق

‏و لكن أزير لهم ساميا *** كما زار ليث بغيل مضيق‏

 

مع النجاشي ملك الحبشة :

و روى الواقدي بإسناد له : أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما كثر أصحابه فظهر أمره اشتد على قريش ذلك و أنكر بعضهم على بعض و قالوا قد أفسد محمد بسحره سفلتنا و أخرجهم عن ديننا فلتأخذ كل قبيلة من فيها من الصباة و لنعذبه حتى يعود عما علق به من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و كانت كل قبيلة تعذب من فيها من المسلمين فيأخذ الأخ أخاه و ابن العم ابن عمه فيشده و يوثقه كتافا و يضربه و يخوفه و هم لا يرجعون فأنزل الله تعالى أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فخرج جماعة من المسلمين إلى الحبشة يقدمهم جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) فنزلوا على النجاشي ملك الحبشة فأقاموا عنده في كرامة و رفيع منزلة و حسن جوار و عرفت قريش ذلك فأرسلوا إلى النجاشي عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي فخرج عمرو بن العاص و هو يقول :

تقول ابنتي أين أين الرحيل *** و ما النصر مني بمستنكر

فقلت دعيني فإني امرؤ *** أريد النجاشي في جعفر

لأكويه عنده كية أقيم *** بها نخوة الأصعر

و لن أنثني عن بني هاشم *** بما اسطعت في الغيب و المحضر

و عن عائب اللات في قوله *** و لو لا رضا اللات لم تمطر

و إني لأشنا قريش له *** و إن كان كالذهب الأحمر

و لهذا القول كان عمرو بن العاص ينبز بشانئ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و فيه نزلت بإجماع الأمة الآية إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ فلما قدم عمرو بن العاص و عمارة بن الوليد في رهط من أصحابهما على النجاشي تقدم عمرو فقال أيها الملك إن هؤلاء قوم من سفهائنا صباة قد سحرهم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب فادفعهم عنك فإن صاحبهم يزعم أنه نبي قد جاء بنسخ دينك و محو ما أنت عليه فلم يلتفت النجاشي إلى قوله و لم يحفل بما أرسلت به إليه قريش و جرى على إكرام جعفر (عليه السلام) و أصحابه و زاد في الإحسان إليهم و بلغ أبا طالب ذلك فقال يمدح النجاشي :

ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر *** و عمرو و أعداء النبي الأقارب‏

و هل نال إحسان النجاشي جعفرا *** و أصحابه أم عاق ذلك شاعب

‏تعلم خيار الناس إنك ماجد *** كريم فلا يشقى لديك المجانب

‏تعلم بأن الله زادك بسطة *** و أسباب خير كلها لك لازب‏

فلما بلغت الأبيات النجاشي سر بها سرورا عظيما و لم يكن يطمع أن يمدحه أبو طالب بشعر فزاد من إكرامهم و أكثر من إعظامهم فلما علم أبو طالب بسرور النجاشي قال يدعوه إلى الإسلام و يحثه على اتباع النبي عليه أفضل الصلاة و السلام :

تعلم خيار الناس أن محمدا *** وزير لموسى و المسيح ابن مريم

‏أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** فكل بأمر الله يهدى و يعصم‏

و إنكم تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث المترجم

‏فلا تجعلوا لله ندا و أسلموا *** فإن طريق الحق ليس بمظلم

‏و إنك ما تأتيك منا عصابة *** لقصدك إلا ارجعوا بالتكرم‏

فانظر أيها المنصف اللبيب و الحازم الأريب إلى هذه الشهادة لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه وزير لموسى و المسيح (عليهما السلام) ; و أنه أتى بالهدى مثل الذي أتيا به , فهذا إيمان محض بالنبيين (عليهم السلام) و اعتراف بما جاءوا به من الهدى

فكل بأمر الله يهدى و يعصم‏

أي كل من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و موسى و المسيح (عليهما السلام) يهدى و يعصم . و قوله للنجاشي :

و إنكم تتلونه في كتابكم‏

يريد الإنجيل لأن ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيه , و كان النجاشي على دين النصرانية فهل فوق هذا تصديق أو أعظم منه تحقيق.

ثم يقول للنجاشي :

فلا تجعلوا لله ندا و أسلموا *** ...

أ ليس هذا أمرا صريحا منه بالتوحيد لله تعالى ? و الإسلام الذي جاء به ابن أخيه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ثم يقول : فإن طريق الحق ليس بمظلم

فيا ليت شعري من يرى طريق الحق ليس بمظلم و إنه واضح و هو سديد عاقل ? كيف يختار الضلال ??

نعوذ بالله من اتباع الهوى المورد لظى النار الموجب لغضب الجبار

أبو طالب يحث ولده على نصرة الرسول :

و أخبرني السيد أبو علي عبد الحميد التقي رحمه الله بإسناده إلى الشريف الموضح يرفعه قال : كان أبو طالب يحث ولده عليا (عليه السلام) و يحضه على نصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

و قال علي (عليه السلام) : قال لي أبي يا بني ألزم ابن عمك فإنك تسلم به من كل بأس عاجل و آجل

ثم قال لي :

إن الوثيقة في لزوم محمد *** فاشدد بصحبته على يديكا