الفصل الخامس

أبو طالب يأمر جعفرا بالصلاة مع الرسول:

وأما دفاع أبي طالب رحمه الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاؤه لأهل بيته إلى تصديقه و نصره و اجتهاده في شأنه و أمره فأبين من الألاهة عند ذوي الفطنة و النباهة.

أخبرني الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل رحمه الله بإسناده إلى الشيخ أبي الفتح الكراجكي رحمه الله قال حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر الأودي قال حدثنا عمر بن محمد بن سيف بالبصرة سنة سبع و ستين و ثلاثمائة قال حدثنا محمد بن محمد بن سليمان قال حدثنا محمد بن ضوء بن صلصال بن الدلهمس بن جهل بن جندل قال حدثني أبي ضوء بن صلصال بن الدلهمس قال : كنت أنصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي طالب قبل إسلامي فإني يوما لجالس بالقرب من منزل أبي طالب في شدة القيظ إذ خرج أبو طالب إلى شبيها بالملهوف فقال لي يا أبا الغضنفر هل رأيت هذين الغلامين يعني النبي و عليا (عليهما السلام) فقلت ما رأيتهما مذ جلست فقال قم بنا في الطلب لهما فلست آمن قريشا أن تكون اغتالتهما قال فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكة ثم صرنا إلى جبل من جبالها

فاسترقيناه إلى قلته فإذا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي عن يمينه و هما قائمان بإزاء عين الشمس يركعان و يسجدان فقال أبو طالب لجعفر ابنه و كان معنا صل جناح ابن عمك فقام إلى جنب علي فأحس بهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فتقدمهما و أقبلوا على أمرهم حتى فرغوا مما كانوا فيه ثم أقبلوا نحونا فرأيت السرور يتردد في وجه أبي طالب ثم انبعث يقول :

إن عليا و جعفرا ثقتي *** عند ملم الزمان و النوب

‏لا تخذلا و انصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم و أبي‏

و الله لا أخذل النبي و لا *** يخذله من بني ذو حسب‏

أخبرني السيد أبو علي عبد الحميد بن التقي الحسيني رحمه الله بإسناده إلى أبي علي الموضح يرفعه إلى عمران بن الحصين الخزاعي رحمه الله قال : كان و الله إسلام جعفر (عليه السلام) بأمر أبيه و لذلك مر أبو طالب و معه ابنه جعفر برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو يصلي و علي (عليه السلام) عن يمينه فقال أبو طالب لجعفر صل جناح ابن عمك فجاء جعفر فصلى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما قضى صلاته قال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يا جعفر وصلت جناح ابن عمك إن الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة فأنشأ أبو طالب رضوان الله عليه يقول :

إن عليا و جعفرا ثقتي *** عند ملم الزمان و النوب

‏لا تخذلا و انصرا ابن عمكما *** أخي لأمي من بينهم و أبي

‏إن أبا معتب قد أسلمنا *** ليس أبو معتب بذي حدب‏

و الله لا أخذل النبي و لا *** يخذله من بني ذو حسب

‏حتى تروا الرءوس طائحة *** منا و منكم هناك بالقضب‏

نحن و هذا النبي أسرته *** نضرب عنه الأعداء كالشهب

‏إن نلتموه بكل جمعكم *** فنحن في الناس ألأم العرب‏

قوله في الأبيات : أخي لأمي من بينهم و أبي ; يريد أن أبا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد الله بن عبد المطلب أخوه لأبيه و أمه من بين سائر بني عبد المطلب لأن عبد المطلب كان له عشره بنين و قيل أحد عشر ابنا و هو الصحيح و كانوا لأمهات شتى و كان عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أبو طالب رضي الله عنه لأم واحدة من بين إخوتهما و كان لهما أخ آخر من أبيهما و أمهما اسمه الزبير لم يعقب

و أمهم فاطمة بنت عمرو بن عايذ بن عمران بن مخزوم. و لذلك قال العباس بن علي بن الحسن بن علي بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مفتخرا.

:

إنا و أن رسول الله يجمعنا *** أب و أم و جد غير موصوم

‏جاءت به و بنا من بين أسرته *** غراء من نسل عمران بن مخزوم

‏حزنا بها دون من يسعى ليدركها *** قرابة من حواها غير مسهوم

‏رزقا من الله أعطانا فضيلته *** و الناس ما بين مرزوق و محروم‏

و قال بعض الشيعة في ذلك و أحسن ما شاء :

إن علي بن أبي طالب *** جدا رسول جداه

‏أبو علي و أبو المصطفى *** من طينة طيبها الله‏

و قول أبي طالب : إن أبا معتب , يريد أخاه أبا لهب , و كان يكنى أبا معتب و أبا عتبة و أبا عتيبة.

إن قيل كيف أمر أبو طالب ابنه جعفرا (عليه السلام) بالصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لم يصل هو إذا قلتم إنه كان بالله مؤمنا و برسوله موقنا. قلنا إنما منعه من ذلك مراقبته لصاحبه الذي جاء معه و نصره و آزره لئلا يحرفه عنه استبقاء لنصرته و حفظا لمساعدته ليقوي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تنتشر دعوته و تشيع كلمته أ لا ترى أن صاحبه الذي جاء معه ينصره كيف روى في حديثه أنه كان ينصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع أبي طالب و هو بعد لم يسلم فلم يأمن أبو طالب إذا صلى ظاهرا أن يفشي صاحبه أمره في جميع أنصاره و أعوانه و عامتهم مقيم على الشرك متظاهر بالكفر فيصيرون يدا عليه و يوجهون عداوتهم إليه و يفسد عليه أموره و يبطل تدبيره لأنه رحمه الله كان يخادع القوم لتقوى شوكة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يظهر دين الله على ما بينته في آخر الكتاب و الله الموفق للصواب

 

أبو طالب و فقده النبي :

و أخبرني الشيخ الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن محمد بن الجوزي المحدث البغدادي و كان ممن يرى كفر أبي طالب و يعتقده بواسط العراق سنة إحدى و تسعين و خمس مائة بإسناد له إلى الواقدي قال : كان أبو طالب بن عبد المطلب لا يغب صباح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا مساءه و يحرسه من أعدائه و يخاف أن يغتالوه فلما كان ذات يوم فقده فلم يره و جاء المساء فلم يره و أصبح الصباح فطلبه في مظانه فلم يجده فلزم أحشاءه و قال وا ولداه و جمع عبيده و من يلزمه في نفسه فقال لهم إن محمدا قد فقدته في أمسنا و يومنا هذا و لا أظن إلا أن قريشا قد اغتالته و كادته و قد بقي هذا الوجه ما جئته و بعيد أن يكون فيه و اختار من عبيده عشرين رجلا فقال امضوا و أعدوا سكاكين و ليمض كل رجل منكم و ليجلس إلى جنب سيد من سادات قريش فإن أتيت و محمد معي فلا تحدثن أمرا و كونوا على رسلكم حتى أقف عليكم و إن جئت و ما محمد معي فليضرب كل رجل منكم الرجل الذي إلى جانبه من سادات قريش فمضوا و شحذوا سكاكينهم حتى رضوها و مضى أبو طالب في الوجه الذي أراده و معه رهطه من قومه فوجده في أسفل مكة قائما يصلي إلى جنب صخرة فوقع عليه و قبله و أخذ بيده و قال يا ابن أخ قد كدت أن تأتي على قومك سر معي فأخذ بيده و جاء إلى المسجد و قريش في ناديهم جلوس عند الكعبة فلما رأوه قد جاء و يده في يد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قالوا هذا أبو طالب قد جاءكم بمحمد إن له لشأنا فلما وقف عليهم و الغضب في وجهه قال لعبيدة أبرزوا ما في أيديكم فأبرز كل واحد منهم ما في يده فلما رأوا السكاكين قالوا ما هذا يا أبا طالب قال ما ترون إني طلبت محمدا فلم أره منذ يومين فخفت أن تكونوا كدتموه ببعض شأنكم فأمرت هؤلاء أن يجلسوا حيث ترون و قلت لهم إن

جئت و ليس محمد معي فليضرب كل منكم صاحبه الذي إلى جنبه و لا يستأذني فيه و لو كان هاشميا فقالوا و هل كنت فاعلا. فقال إي و رب هذه و أومأ إلى الكعبة فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف و كان من أحلافه لقد كدت تأتي على قومك قال هو ذاك و مضى به و هو يقول :

اذهب بني فما عليك غضاضة *** اذهب و قر بذاك منك عيونا

و الله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

و دعوتني و علمت أنك ناصحي *** و لقد صدقت و كنت قبل أمينا

و ذكرت دينا لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا

قال فرجعت قريش على أبي طالب بالعتب الاستعطاف و هو لا يحفل بهم و لا يلتفت إليهم .

فانظر بعين الإنصاف و ارفض التعصب لأهل الخلاف و تأمل صنيع أبي طالب ما أعظمه و فعله ما أحزمه فإنه حسم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أوعز إلى العبيد شغب كل كافر مريد فتركها لم تزل خائفة من بأس أبي طالب رحمه الله شفقة على أنفسها من أذى يلحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيؤاخذهم به أبو طالب أشد مؤاخذة و ينابذهم أعظم منابذة و هذا النصر الصادر عن صدق الإيمان و الولاية و به تثبيت النبوة و تمكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أداء الرسالة و أذاعة الدعوة و إقامة الشريعة و لولاه ما انتظم أمر الإسلام و لا قويت شوكة الإيمان و من لم يعرف باعتبار أبي طالب هذا و أمثاله صحة إيمانه و عظيم عنايته في الدين خرج عن حد المكلفين .

 

موقف الرسول بعد وفاة أبي طالب :

أ لا ترى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يزل مدة حياة عمه أبي طالب مقيما بمكة عزيزا ممنوعا من أذى المشركين معصوما حتى اختار الله لأبي طالب الانتقال إلى دار كرامته بانقضاء مدته فنبت برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة و لم تستقر له بها دعوة حتى اجتمع الملأ من مشركي قريش في دار الندوة و اتفقوا على الفتك بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى جاءه جبرئيل (عليه السلام) بالوحي من عند الله تعالى فقال اخرج عن مكة فقد مات ناصرك فخرج هاربا مستخفيا و بيت أمير المؤمنين (عليه السلام) على فراشه فبات واقيا له بنفسه جاريا على سنن أبيه في ولايته و الجد في نصرته و بذل النفس دون حوزته حتى كان من أمره ما كان و عند ذلك أنزل الله تعالى في أمير المؤمنين (عليه السلام) وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ... الآية فهو يقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه و أبوه يذب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الذب مع ما بينهما و بينه من الرحم الشابكة و القرابة الدانية و كيف لا يخاف الله من يكفرهم و يقول فيهم ما لا يليق بهم ليقرب غيرهم و يبعدهم أخذ الله لهم بحقهم و لعظيم دفاع أبي طالب رحمه الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال على ما رويناه بالأسانيد الصحيحة لما مات أبو طالب و اجترأت قريش عليه و وجهت الأذى إليه ما زالت قريش كاعة حتى مات أبو طالب. و الكاعة جمع كائع و هو الجبان يقال كاع الرجل فهو كايع إذا جبن و أراد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن قريشا ما زالوا جبناء عن أذاه و التعرض به حتى مات ناصره أبو طالب رضي الله عنه. و لما مات أبو طالب و خديجة بنت خويلد زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العام الذي ماتا فيه عام الحزن و ذلك لشدة مصابه بهما و وجده عليهما. و كان بين موت أبي طالب و موت خديجة ثلاثة أيام لأن أبا طالب رحمه الله مات لتسع سنين و ثمانية أشهر من مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قد جاز الثمانين و للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يومئذ تسع و أربعون سنة و ثمانية أشهر لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بلا خلاف و هو ابن أربعين سنة و توفيت خديجة رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام. و قد رويت رواية شاذة أنها ماتت بعد موت أبي طالب بأحد عشر يوما و الأول أكثر في الرواية و هو المعمول عليه. و أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد موت أبي طالب رحمه الله بمكة ثلاثة أشهر و ثلاثة أيام خائفا على نفسه مرتقبا لأمر ربه يرتاد لنفسه منزلا ينزله و بلدا يسكنه ثم خرج إلى الطائف و معه مولاه زيد بن حارثة فأقام بها شهرا ثم رجع إلى مكة في جوار مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف و كان مطعم هذا حليفا لعمه أبي طالب و هو الذي قال فيه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر حين أسر أصحابه من أسروا من كفار قريش لو كان مطعم بن عدي حيا و كلمني في هؤلاء لأطلقتهم له فأقام (صلى الله عليه وآله وسلم) في جواره سنة و نصفا من حين رجوعه من الطائف ثم أسري به إلى بيت المقدس. ثم أمر بالهجرة و فرض عليه الجهاد فأمر أصحابه بالهجرة فخرجوا إرسالا و خرج هو (صلى الله عليه وآله وسلم) على رأس ثلاث عشرة سنة من مبعثه لثلاث سنين و أربعة أشهر من موت عمه أبي طالب فأظهره الله على الدين و أذل له الكافرين. ثم إن أبا طالب يقول في هذه الأبيات التي أوردناها :

و دعوتني و علمت أنك ناصحي‏

فهو يؤمن بدعائه له و يشهد بصدقه في قوله و لقد صدقت و يأتي باللام المؤكدة و بأمانته في قوله :

و كنت قبل أمينا

و لا يعد مسلما و من تأمل هذه الأبيات رآها دالة على محض الإيمان و صريح الإسلام

 

المبرد يرى إسلام أبي طالب :

و حدثني شيخنا عميد الرؤساء ابن أيوب اللغوي قال : أراني السيد عبد الحميد بن التقي الحسيني النسابة نسخة عتيقة من كتاب الكامل للمبرد و فيها بعد ذكره أبا طالب في بعض الأبواب و أسلم أبو طالب و حسن إسلامه و صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلمته و له شأن عجيب لا يحتمله أهل بغداد فمما صدقه فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله اذهب بني فما عليك غضاضة و ذكر الأبيات .

 

الفصل السادس

النبي في وفاة عمه :

و مما رواه نقلة الآثار و رواة الأخبار : من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عند موت عمه أبي طالب رحمه الله و قوله اللذين يشهدان بصحة إسلامه و حقيقة إيمانه .

ما حدثني به مشايخي أبو عبد الله محمد بن إدريس و أبو الفضل شاذان بن جبرئيل و أبو العز محمد بن علي بن الفويقي رضوان الله عليهم بأسانيدهم إلى الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله يرفعه قال :

لما مات أبو طالب رحمه الله أتى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فآذنه بموته فتوجع توجعا عظيما و حزن حزنا شديدا ثم قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) امض يا علي فتول أمره و تول غسله و تحنيطه و تكفينه فإذا رفعته على سريره فأعلمني ففعل ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما رفعه على السرير اعترضه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرق و تحزن و قال وصلتك رحم و جزيت خيرا يا عم فلقد ربيت و كفلت صغيرا و نصرت و آزرت كبيرا .

ثم أقبل على الناس , و قال : أم و الله لأشفعن لعمي شفاعة يعجب بها أهل الثقلين .

فهذا الحديث يدل على إيمان أبي طالب رحمه الله من وجهين :

أحدهما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) أن يفعل به ما يفعل بأموات المسلمين من الغسل و التحنيط و التكفين دون الجاحدين من أولاده إذ كان من حضره منهم سوى أمير المؤمنين (عليه السلام) إذ ذاك مقيما على الجاهلية لأن جعفرا (عليه السلام) كان يومئذ عند النجاشي ببلاد الحبشة و كان عقيل و طالب يومئذ حاضرين و هما مقيمان على خلاف الإسلام و لم يسلم واحد منهما بعد فخص أمير المؤمنين (عليه السلام) بتولية أمر أبيه لمكان إيمانه و لم يتركه لهما لمباينتهما له في معتقده و لو كان أبو طالب مات كافرا لما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) بتولية أمره لانقطاع العصمة بين الكافر و المسلم و لتركه كما ترك عمه الآخر أبا لهب و لم يعبأ بشأنه و لم يحفل بأمره و في حكمه (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) بتولية أمره و إجراء أحكام المسلمين عليه من الغسل و التحنيط و التكفين و المؤازرة من دون طالب و عقيل شاهد صدق على إسلامه.

و الوجه الآخر قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وصلتك رحم و جزيت خيرا و وعد أصحابه له بالشفاعة التي يعجب بها أهل الثقلين و موالاته بين الدعاء له و الثناء عليه و كذلك كانت الصلاة على المسلمين صدر الإسلام حتى فرض الله صلاة الجنائز و بمثل ذلك صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على خديجة رضي الله عنها

أ صلاة الموتى مشرعة حينذاك

و أخبرني الشيخان أبو عبد الله محمد بن إدريس و أبو الفضل شاذان بن جبرئيل رحمهما الله بإسناد إلى أبي الفرج الأصفهاني قال حدثنا أبو بشر قال حدثنا محمد بن الحسن بن حماد قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثني أبي قال : سئل أبو الجهم بن حذيفة أ صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أبي طالب فقال و أين الصلاة يومئذ إنما فرضت الصلاة بعد موته. و لقد حزن عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أمر عليا بالقيام بأمره و حضر جنازته و شهد له العباس و أبو بكر بالإيمان و أشهد على صدقهما لأنه كان يكتم إيمانه و لو عاش إلى ظهور الإسلام لأظهر إيمانه.

و ذكر الشريف النسابة العلوي العمري المعروف بالموضح بإسناده : أن أبا طالب لما مات لم تكن نزلت الصلاة على الموتى فما صلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه و لا على خديجة و إنما اجتازت جنازة أبي طالب و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي و جعفر و حمزة جلوس فقاموا و شيعوا جنازته و استغفروا له فقال قوم نحن نستغفر لموتانا و أقاربنا المشركين أيضا ظنا منهم أن أبا طالب مات مشركا لأنه كان يكتم إيمانه فنفى الله عن أبي طالب الشرك و نزه نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) و الثلاثة المذكورين (عليه السلام) عن الخطإ في قوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ فمن قال بكفر أبي طالب فقد حكم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخطإ و الله تعالى قد نزهه عنه في أقواله و أفعاله و لو كان أبو طالب مات كافرا لما أبنه النبي بعد الموت و لا أثنى عليه و والى بين الدعاء له بالجزيل بل كان تبرأ منه و تتبعه باللوم و الذم و التوبيخ على قبيح ما أسلف من الخلاف له في دينه لأن ذلك كان فرضه الذي فرضه الله تعالى عليه حيث يقول عز و جل وَ لا تُصَلِّ عَلى‏ أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَ لا تَقُمْ عَلى‏ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ ماتُوا وَ هُمْ فاسِقُونَ و قال عز و جل ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى‏ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ و كذلك يجب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعل ذلك بأموات الكافرين فبان بما لخصناه فساد قول المخالفين و الحمد لله رب العالمين .