الفصل السابع

أبو طالب و حنوه على النبي :

و أخبرني السيد السعيد أبو علي عبد الحميد بن التقي الحسيني رحمه الله بإسناده إلى الشريف أبي علي الموضح العمري العلوي يرفعه قال : لما أدخلت قريش بني هاشم الشعب إلا أبا لهب و أبا سفيان بن الحرث فبقي القوم بالشعب ثلاث سنين و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أخذ مضجعه و عرف مكانه جاءه أبو طالب فأنهضه عن فراشه و أضجع ابنه أمير المؤمنين (عليه السلام) مكانه فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات ليلة يا أبتاه إني مقتول فقال :

اصبرن يا بني فالصبر أحجى *** كل حي مصيره لشعوب‏

قد بذلناك و البلاء شديد *** لفداء الحبيب و ابن الحبيب

‏لفداء الأغر ذي الحسب *** الثاقب و الباع و الكريم النجيب‏

إن تصبك المنون فالنبل يرمى *** فمصيب منها و غير مصيب‏

كل حي و إن تملي بعيش *** آخذ من خصالها بنصيب‏

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يجيبه :

أ تأمرني بالصبر في نصر أحمد *** و و الله ما قلت الذي قلت جازعا

و لكنني أحببت أن ترى نصرتي *** و تعلم أني لم أزل لك طائعا

و سعيي لوجه الله في نصر أحمد *** نبي الهدى المحمود طفلا و يافعا

و أخبرني شيخنا أبو عبد الله رحمه الله بإسناده إلى أبي الفرج الأصفهاني قال : كان أبو بشر يقول كان علي (عليه السلام) لا يرى أحدا يسب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا وثب عليه و كان في كل يوم يجي‏ء إلى أبيه مضروبا مشجوجا فقال له في ذلك أبو طالب :

اصبرن يا بني فالصبر أحجى‏

الأبيات .

 

أبو طالب يحث حمزة على الإسلام :

و قال أبو طالب يأمر أخاه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما بالإسلام و يحضه على نصر نبي الهدى (صلى الله عليه وآله وسلم) قال :

فصبرا أبا يعلى على دين أحمد *** و كن مظهرا للدين وفقت صابرا

و حط من أتى بالحق من عند ربه *** بصدق و حق لا تكن حمز كافرا

فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن و كن *** لرسول الله في الله ناصرا

و ناد قريشا بالذي قد أتى به *** جهارا و قل ما كان أحمد ساحرا

لم يكفه رضي الله عنه أمره لأخيه بالصبر على عداوة قريش و النصر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أمره بإظهار الدين و الاجتهاد في حياطته و الدفاع عن بيضته ثم يشهد لأخيه حمزة أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى بالدين من عند ربه بصدق و حق ثم يحذره الكفر في قوله لا تكن حمز كافرا ثم يقول له :

قد سرني إذ قلت إنك مؤمن‏

أ فتراه يسر لأخيه بالإيمان و يختار لنفسه الكفر الموجب لغضب الجبار و الخلود في النار ? و هل يتصور مثل هذا من ذي عقل ? ثم يأمره بنصر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و يدعو له بالتوفيق لنصره في قوله :

و كن لرسول الله وفقت ناصرا

ثم يأمره بكشف أمره و أذاعه سره في قوله :

و ناد قريشا بالذي قد أتى به جهارا

أي لا تخف ذلك

و قل ما كان أحمد ساحرا

كما زعمتم بل كان نبيا صادقا و إن رغمتم ; فهل يعلم الإسلام بشي‏ء أبين من هذا ? لكن العناد يصد عن سلوك نهج الرشاد .

 

ألوان من إيمان أبي طالب :

و أخبرني شيخنا أبو عبد الله رحمه الله بإسناده إلى أبي الفرج الأصفهاني قال أخبرني أبو بشر قال أخبرنا محمد بن هارون عن أبي حفص عن عمه قال الشعبي : لما قعدت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالموسم و زعموا أنه ساحر قال أبو طالب في ذلك :

زعمت قريش أن أحمد ساحر *** كذبوا و رب الراقصات إلى الحرم

‏ما زلت أعرفه بصدق حديثه *** و هو الأمين على الحرائب و الحرم‏

ليت شعري إذا كان ما زال يعرفه بصدق الحديث ما الذي يدعوه إلى تكذيبه ? أخذ الله له بحقه من الذين يفترون و ينسبون إليه ما ليس يكون.

و أخبرني شيخنا أبو عبد الله رحمه الله بإسناده إلى أبي الفرج الأصفهاني قال أخبرنا أبو بشر قال أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن علي بن عبد الكريم الزعفراني قال أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي

عن الحسن بن مبارك عن أسيد بن القاسم عن محمد بن إسحاق قال : قال أبو طالب رضي الله عنه :

قل لمن كان من كنانة في العز *** و أهل الندى و أهل المعالي

‏قد أتاكم من المليك رسول *** فاقبلوه بصالح الأعمال

‏و انصروا أحمدا فإن من الله *** رداء عليه غير مدال‏

فاعتبر إقراره بالملك جلت عظمته و اعترافه بأن أحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رسوله .

و قال رحمه الله يمدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و يشهد برسالته و يقر بنبوته صلى الله عليه و على عترته :

أنت النبي محمد *** قرم أغر مسود

لمسودين أطائب *** كرموا و طاب المولد

نعم الأرومة أصلها *** عمرو الخضم الأوحد

هشم الربيكة في الجفان *** و عيش مكة أنكد

فجرت بذلك سنة *** فيها الخبيزة تثرد

و لنا السقاية للحجيج *** بها يماث العنجد

و المأزمان و ما حوت *** عرفاتها و المسجد

أنى تضام و لم أمت *** و أنا الشجاع العربد

و بنو أبيك كأنهم *** أسد العرين توقد

شم قماقمة غيوث *** ندي بحار تزبد

و بطاح مكة لا يرى *** فيها نجيع أسود

و لقد عهدتك صادقا *** في القول ما تتفند

ما زلت تنطق بالصواب *** و أنت طفل أمرد

و من تدبر هذا القول و وعاه علم حقيقة إيمان قائله بشهادته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصدق و قول الصواب , و في ذلك كفاية لأولى الألباب.

و قال أبو طالب رحمه الله يأمر النبي بإظهار دعوته و دعاء الناس إلى الإقرار برسالته :

لا يمنعنك من حق تقوم به *** أيد تصول و لا أضعاف أصوات‏

فإن كفك كفى أن فتكت بهم *** و دون نفسك نفسي في الملمات‏

و قال رضي الله عنه يمدح النبي و يذكره بما هو أهله :

إذا قيل من خير هذا الورى *** قبيلا و أكرمهم أسرة

أناف بعبد مناف أب *** و فضله هاشم الغرة

و حل من المجد في هاشم *** مكان النعائم و النثرة

فخير بني هاشم أحمد *** رسول الإله على فترة

هذا القول منه رضي الله عنه مطابق لقول الله تعالى قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى‏ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ فإن لم يكن في قوله شهادة منه بالنبوة فليس في ظاهر الآية شهادة ; و في هذا لمن اعتقده غاية الضلال و عظيم الوبال.

و أخبرني السيد النقيب أبو جعفر الحسني يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي الحسني البصري بمدينة السلام في شهر رمضان سنة أربع و ستمائة قال أخبرني والدي أبو طالب محمد بن محمد بن أبي زيد البصري النقيب قال أخبرني تاج الشرف المعروف بابن السخطة العلوي الحسيني البصري قال أخبرني السيد العالم النسابة الثقة أبو الحسن علي بن محمد الصوفي العلوي العمري رهـ قال أنشدني أبو عبد الله بن منعية الهاشمي معلمي رحمه الله بالبصرة لأبي طالب (عليه السلام) :

لقد أكرم الله النبي محمدا *** فأكرم خلق الله في الناس أحمد

و شق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود و هذا محمد

و أخبرني المشيخة رضوان الله عليهم أبو عبد الله محمد بن إدريس و أبو الفضل شاذان بن جبرئيل و أبو العز محمد بن علي الفويقي بأسانيدهم إلى الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله يرفعه : أن أبا طالب رضي الله عنه لما أراد الخروج إلى بصرى الشام ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إشفاقا عليه و لم يعمل على استصحابه فلما ركب تعلق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بزمام ناقته

و بكى و ناشده في إخراجه معه فرق أبو طالب و أجابه إلى استصحابه فلما خرج معه (صلى الله عليه وآله وسلم) ظللته الغمامة و لقيه بحيرا الراهب فأخبره بنبوته و ذكر له البشارة في الكتب الأولى به و حمل له و لأصحابه الطعام إلى المنزل و حث أبا طالب على الرجوع به إلى أهله و قال له إني أخاف عليه من اليهود فإنهم أعداؤه و قصته مشهورة و في كتب العلماء مسطورة. فقال أبو طالب رضي الله عنه في ذلك هذه الأبيات :

إن ابن آمنة النبي محمدا *** عندي بمنزلة من الأولاد

لما تعلق بالزمام رحمته *** و العيس قد قلصن بالأزواد

فارفض من عيني دمع ذارف *** مثل الجمان مبدد الإفراد

راعيت منه قرابة موصولة *** و حفظت فيه وصية الأجداد

و أمرته بالسير بين عمومة *** بيض الوجوه مصالت أنجاد

حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا *** لاقوا على شرف من المرصاد

حبرا فأخبرهم حديثا صادقا *** عنه و رد معاشر الحساد

فأما قوله : حفظت فيه وصية الأجداد

فإن أبي معد بن فخار بن أحمد العلوي الموسوي رحمه الله حدثني قال أخبرني النقيب أبو يعلى محمد بن علي بن حمزة الأقساسي العلوي الحسيني رحمه الله و هو يومئذ نقيب علينا بالحائر المقدس على ساكنه السلام بإسناده له إلى الواقدي قال : لما توفي عبد الله بن عبد المطلب أبو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و النبي طفل يرضع. و روي أن عبد الله توفي و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حمل و هذه الرواية أثبت فلما وضعته أمه كفله جده عبد المطلب ثماني سنين ثم احتضر الموت فدعا ابنه أبا طالب و قال له يا بني تسلم ابن

أخيك مني فأنت شيخ قومك و عاقلهم و من أجد فيه الحجى دونهم و هذا الغلام تحدثت به الكهان و قد روينا في الأخبار أنه سيظهر من تهامة نبي كريم و قد روي فيه علامات قد وجدتها فيه فأكرم مثواه و أحفظه من اليهود فإنهم أعداؤه فلم يزل أبو طالب لقول عبد المطلب حافظا و لوصيته راعيا. و من هنا قال : حفظت فيه وصية الأجداد

و قال رحمه الله في استصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قصة بحيرا الراهب من قصيدة :

أ لم ترني من بعد هم هممته *** بفرقة خير الوالدين كرام‏

بأحمد لما أن شددت مطيتي *** برحل و قد ودعته بسلام

‏بكى حزنا و العيس قد قلصت بنا *** و ناوش بالكفين فضل زمام

‏ذكرت أباه ثم رقرقت عبرة *** تفيض على الخدين ذات سجام

‏و قلت له رح راشدا في عمومة *** مواسين في البأساء غير لئام

‏فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا *** لنا فوق دور ينظرون جسام‏

و جاء بحيرا عند ذلك حاسرا *** لنا بشراب طيب و طعام

‏فقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا *** كثير عليه اليوم غير حرام‏

فلما رآه مقبلا نحو داره *** يوقيه حر الشمس ظل غمام

‏حنا رأسه شبه السجود و ضمه *** إلى نحره و الصدر أي ضمام

‏و أقبل رهط يطلبون الذي رأى *** بحيرا من الأعلام وسط خيام

‏فذلك من إعلامه و بيانه *** و ليس نهار واضح كظلام‏

و قال من قصيدة في ذلك :

و ما برحوا حتى رأوا من محمد *** أحاديث تجلو غم كل فؤاد

و لما اشتد أذى أبي جهل بن هشام للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عناده له قال أبو طالب له متهددا و بالحرب متوعدا و لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و لدينه محققا معتقدا :

صدق ابن آمنة النبي محمد *** فتميزوا غيظا به و تقطعوا

إن ابن آمنة النبي محمد *** سيقوم بالحق الجلي و يصدع

‏فأربع أبا جهل على ظلع فما *** زالت جدودك تستخف و تظلع

‏سترى بعينك أن رأيت قتاله *** و عنادة من أمره ما تسمع‏

لله در أبي طالب كأنه أوحى إليه ما يكون من أمر عدو الله أبي جهل إذ جد في عناد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قتاله حتى أراه الله بعينه يوم بدر و ما وعده أبو طالب من تعفير خده و إتعاس جده وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى‏ وَ هُمْ لا يُنْصَرُونَ.

و أخبرني شيخنا أبو عبد الله رحمه الله بإسناده إلى أبي الفرج الأصفهاني يرفعه قال : لما رأى أبو طالب من قومه ما يسره من جلدهم معه و حد بهم عليه مدحهم و ذكر قديمهم و ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال :

إذا اجتمعت يوما قريش لشدة *** فعبد مناف سرها و صميمها

و إن حصلت أشراف عبد منافها *** ففي هاشم أشرافها و قديمها

و إن فخرت يوما فإن محمدا *** هو المصطفى من سرها و كريمها

تداعت قريش غثها و سمينها *** علينا فلم تظفر و طاشت حلومها

و كنا قديما لا نقر ظلامة *** إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها

 

إقرار أبي طالب بالتوحيد :

و أما أشعار أبي طالب رضي الله عنه المتضمنة إقراره بالتوحيد لله المجيد تقدست أسماؤه و تعالى كبرياؤه فهي مسطورة في كتب العلماء و تعاليق الأدباء. منها قوله رضي الله عنه :

مليك الناس ليس له شريك *** هو الجبار و المبدئ المعيد

و من فوق السماء له بحق *** و من تحت السماء له عبيد

فانظر كيف أقر لله تعالى في هذين البيتين بالتوحيد و خلع الأنداد و أنه يعيد بعد الابتداء و ينشئ خلقه نشأة أخرى فبمثل قوله هذا فارق المسلمون الجاهلية و باينوهم فيما كانوا عليه من خلاف التوحيد و قوله رضي الله عنه :

يا شاهد الله علي فاشهد *** آمنت بالواحد رب أحمد

من ضل في الدين فإني مهتدي‏

و قوله رضي الله عنه :

لا تيأسن إذا ما ضقت من فرج *** يأتي به الله في الروحات و الدلج

‏فما تجرع كأس الصبر معتصم *** بالله إلا سقاه الله بالفرج‏

أ لا ترى هذا الشعر ما أحسن معناه و أعذب ألفاظه و أشد يقين قائله بالله تعالى و أصدقه بالتوكل عليه سبحانه .

 

الفصل الثامن

لامية أبي طالب المشهورة :

و اعلم أنك إذا اعتبرت جميع ما ورد عن أبي طالب رضي الله عنه من النظم و النثر و الخطب و السجع رأيته مباينا لما عليه الجاهلية الذين لم يهتدوا إلى الإسلام و لم يعرفوا الإيمان و في بعض ما أوردناه في كتابنا هذا كفاية لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد و هذه أبيات نوردها من قصيدة أبي طالب اللامية المعروفة المشهورة المدونة المسطورة التي أولها :

و لما رأيت القوم لا ود عندهم *** و قد قطعوا كل العرى و الحبائل‏

و كان رضي الله عنه قالها يذكر حال قريش و من قطع رحمه منهم و من عاند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و صرح بعداوته و جاهر بمحاربته و هي طويلة تشتمل على علم غزير و فضل كبير

منها :

أعوذ برب البيت من كل طاعن *** علينا بسوء أو ملح بباطل‏

و من فاجر يغتابنا بمعيبة *** و من ملحق بالدين ما لم نحاول‏

فانظر كيف قال الدين يعني دين النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و جعل من يعانده و يغتابه فاجرا .

و منها :

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ *** و هل من حليم يتقي الله عادل

‏كذبتم و بيت الله نترك مكة *** و نظعن هذا أمركم في بلابل

‏كذبتم و بيت الله نبزي محمدا *** و لما نطاعن دونه و نناصل

‏و نسلمه حتى نصرع حوله *** و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏