عبيدة بن الحرث يستشهد بقول عمه :

أخبرني شيخي الفقيه أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله بإسناده إلى الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله يرفعه إلى أبي رافع مولى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذكر حديثا طويلا قال فيه : ... لما أصبح الناس غداة بدر اصطفت قريش أمامها عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف و أخوه شيبة بن ربيعة و ابنه الوليد بن عتبة فنادى عتبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش فبرز إليهم ثلاثة من شبان الأنصار فقال لهم عتبة من أنتم فانتسبوا فقال لا حاجة بنا إليكم إنما طلبنا بني عمنا فرد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الفتية الأنصاريين و أمر عليا (عليه السلام) و حمزة بن عبد المطلب و عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب بن عبد مناف بالخروج إليهم فخرجوا إليهم و انتسبوا إليهم فقالوا أكفاء كرام ثم برز أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الوليد بن عتبة و كان أحدث القوم فقتل علي (عليه السلام) الوليد و برز حمزة إلى عتبة فقتل حمزة عتبة و برز عبيدة بن الحرث إلى شيبة بن ربيعة فاختلفا ضربتين فأصاب ذباب سيف شيبة عضلة ساق عبيدة فقطعها و أشبل عليه أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و حمزة فاستنقذاه و قتلا شيبة ثم احتملا عبيدة من المعركة إلى موضع رحل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه فقال عبيدة يومئذ رحم الله أبا طالب لو كان حيا لرأى أنه قد صدق في قوله :

و نسلمه حتى نصرع حوله *** و نذهل عن أبنائنا و الحلائل‏

فلما وصل عبيدة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الصفراء مات فدفن هناك رضي الله عنه :

و حتى نرى ذا الردع يركب ردعه *** من الطعن فعل الأنكب المتحامل‏

و ينهض قوم في الحديد إليكم *** نهوض الروايا من طريق حلاحل

‏و إنا و بيت الله إن جد ما نرى *** لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

‏بكل فتى مثل الشهاب سميدع *** أخي ثقة عند الحقيقة باسل

‏شهورا و أعواما و حولا مجرما *** علينا و تأتي حجة بعد قابل

‏و ما ترك قوم لا أبا لك سيدا *** يحوط الذمار غير نكس مواكل‏

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ربيع اليتامى عصمة للأرامل

‏تلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة و فواضل‏

 

فاطمة تستشهد ببيت أبي طالب :

و أخبرني المشيخة أبو عبد الله محمد بن إدريس و أبو الفضل شاذان بن جبرئيل و أبو العز محمد بن الفويقي رضي الله عنهم بأسانيدهم إلى الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان رحمه الله يرفعه قال : لما احتضر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قرب خروج نفسه قال لعلي (عليه السلام) و كان لا يفارقه ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله عز و جل فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك و امسح بها وجهك ثم وجهني إلى القبلة و تول أمري و صل علي أول الناس و لا تفارقني حتى تواريني في رمسي و استعن بالله عز و جل فأخذ علي (عليه السلام) رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه و أكبت فاطمة (عليه السلام) تنظر في وجهه و تندبه و تبكي و تقول :

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل‏

ففتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عينيه و قال بصوت ضئيل يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه و لكن قولي وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ فبكت طويلا فأومأ إليها بالدنو منه فأسر إليها شيئا تهلل له وجهها ثم قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) .

 

أعرابي يستنجد بأبيات أبي طالب :

و قرأت على شيخنا عميد الرؤساء أبي منصور هبة الله بن حامد بن أحمد بن أيوب الكاتب اللغوي قال قرأت على الشيخ أبي الحسن علي بن عبد الرحيم السلمي اللغوي البغدادي قال أخبرني الشيخ أبو منصور موهوب بن أحمد بن الحصين الجواليقي اللغوي البغدادي قال أخبرني الشيخ أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي اللغوي قال أخبرني الشيخ أبو الغنائم عبد الله بن ربين الرقي قال حدثني الرئيس علي بن أحمد البتي قال حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله الشافعي قال حدثنا القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق قال حدثنا إسماعيل بن أويس عن هشام بن عروة بن الزبير عن عائشة قالت : جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال أتيناك يا رسول الله و ليس لنا صبي يصطبح و لا بعير يئط ثم أنشد :

أتيناك و العذراء يدمي لبانها *** و قد شغلت أم الرضيع عن الطفل‏

و ألقى بكفيه الصبي استكانة *** من الجوع حتى ما يمر و لا يحلي‏

[309]

و لا شي‏ء مما يأكل الناس عندنا *** سوى الحنظل العامي و الطهل الفتل‏

و ليس لنا إلا إليك فرارنا *** و أين يفر الناس إلا إلى الرسل‏

فقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يجر رداءه حتى رقي المنبر فحمد الله و أثنى عليه ; ثم قال : اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا سحا سجالا غدقا طبقا دائما دررا تنبت به الزرع و تملأ به الضرع و تحيا به الأرض بعد موتها و اجعله سقيا عاجلا غير رائث .

فو الله ما رد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده إلى نحره حتى ألقت السماء

[310]

بأوراقها و جاء أهل البطانة يصيحون يا رسول الله الغرق الغرق .

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : اللهم حوالينا و لا علينا .

فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل ; فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بدت نواجذه , ثم قال : لله در أبي طالب لو كان حيا قرت عيناه من ينشدنا قوله ?

فقام علي (عليه السلام) فقال : يا رسول الله لعلك أردت قوله :

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

‏تطوف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة و فواضل‏

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أجل .

ثم قام رجل من كنانة فأنشده :

لك الحمد و الحمد ممن شكر *** سقينا بوجه النبي المطر

دعا الله خالقه دعوة إليه *** و أشخص منه البصر

فما كان إلا كما ساعة *** و أسرع حتى رأينا الدرر

دفاق العزالي و جم البعاق *** أغاث به الله عليا مضر

فكان كما قاله عمه أبو *** طالب ذو رواء غرر

به يسر الله صوب الغمام *** فهذا العيان لذاك الأثر

فمن يشكر الله يلق المزيد *** و من يكفر الله يلق الغير

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن يك شاعر أحسن فقد أحسنت .

 

استسقاء أبي طالب بالنبي :

و أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن إدريس رحمه الله بإسناد متصل إلى الحسن بن جمهور العمي البصري قال حدثني أبي عن أحمد بن قتيبة الهلالي عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن رومان عن يزيد بن الصعق عن عمرو بن خارجة عن عرفطة الجندعي قال : بينا أنا بالبقاع من نمرة إذا أقبلت عير من أعلى نجد حتى حاذت الكعبة و إذا غلام قد رمى بنفسه من عجز بعير حتى أتى الكعبة و تعلق بأستارها ثم نادى يا رب البيت أجرني فقام إليه شيخ جسيم وسيم عليه بهاء الملوك و وقار الحكماء فقال ما خطبك يا غلام فقال إن أبي مات و أنا صغير و إن هذا الشيخ النجدي قد استعبدني و قد كنت أسمع أن لله بيتا يمنع من الظلم فجاء النجدي فجعل يسحبه و يخلص أستار الكعبة من يديه فأجاره القرشي و مضى النجدي و قد تكنعت يداه. قال عمرو بن خارجة فلما سمعت الخبر قلت إن لهذا الشيخ لشأنا فصوبت رحلي نحو تهامة حتى وردت إلى الأبطح و قد أجدبت الأنواء و أخلقت العواء و إذا قريش حلق قد ارتفعت لهم ضوضاء فقائل يقول استجيروا باللات و العزى و قائل يقول بل استجيروا بمناة الثالثة الأخرى فقام رجل من جملتهم يقال له ورقة بن نوفل عم خديجة بنت خويلد فقال إني نوفلي و فيكم بقية إبراهيم و سلالة إسماعيل فقالوا كأنك عنيت أبا طالب قال هو ذاك فقاموا بأجمعهم و قمت معهم فأتينا أبا طالب فخرج إلينا من دار نسائه في حله صفراء و كان رأسه يقطر من دهانه فقاموا إليه بأجمعهم و قمت معهم فقالوا يا أبا طالب قد أقحط الواد و أجدبت العباد فقم و استسق لنا فقال رويدكم دلوك الشمس و هبوط الريح فلما زاغت الشمس أو كادت و إذا أبو طالب قد خرج و حوله أغيلمة من بني عبد المطلب و في وسطهم غلام أيفع منهم كأنه شمس ضحى تجلت عن غمامة قتماء فجاء حتى أسند ظهره إلى الكعبة فاستجار بها و لاذ بإصبعه و بصبصت الأغيلمة حوله و ما في السماء قزعة فأقبل السحاب من هاهنا و هاهنا حتى لت و لف و أسحم و أقتم و أرعد و أودق و انفجر به الوادي و افعوعم و بذلك قال أبو طالب رضي الله عنه يمدح النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

و أبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

‏تطوف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة و فواضل‏

و ميزان صدق لا يخس شعيرة *** و وزان حق وزنه غير عائل‏

 

أبو طالب يهدد قريشا :

و منها يخاطب قريشا :

و لو لا حذاري أن أجي‏ء بسبه *** تنث على أشياخنا في المحافل

‏لداستكم منا رجال أعزة *** إذا جردوا إيمانهم بالمناصل

‏رجال كرام غير ميل عوارد *** كمثل السيوف في أكف الصياقل‏

و ضرب ترى الفتيان فيه كأنهم *** ضواري أسود عند لحم الأكائل

‏رددناهم حتى تبدد جمعهم *** و ندفع عنا كل باغ و جاهل‏

هذا جميعه جواب قوله :

و لو لا حذاري أن أجي‏ء بسبه‏ *** ...

لأنهم كانوا يؤذون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كان أبو طالب رضي الله عنه ينهاهم و لا ينتهون فخشي أن يحاربهم و يدوسهم كما وصف و هم آل الله و أهل حرمه و سكان بيته فيكون ذلك سببا إلى سبه لأن مكة لم يكن سل فيها سيفا إلا فاجر و بذلك أمر الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يفعل معهم في صدر الإسلام و بموجبه نزلت قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ إلى قوله لَكُمْ دِينُكُمْ وَ لِيَ دِينِ إلى أن نزلت آية السيف و منها :

و لكننا نسل كرام لسادة *** بهم تعتزي الأقوام عند المحافل‏

أ لم تعلموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا و لا يعبأ بقول الأباطل‏

ابن عباس يستدل بشعر عمه على إسلامه :

أخبرني الشيخ الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل رحمه الله بإسناده إلى محمد بن الحسن بن الوليد رحمه الله قال حدثنا الحسن بن متيل الدقاق قال حدثنا الحسن بن علي بن فضال عن مروان بن مسلم عن ثابت بن دينار الثمالي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس رحمه الله : أنه سأله رجل فقال يا ابن عم رسول الله أخبرني عن أبي طالب هل كان مسلما فقال و كيف لم يكن مسلما و هو القائل :

أ لم تعلموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا و لا يعبأ بقول الأباطل‏

ثم قال:  إن أبا طالب كان مثله كمثل أصحاب الكهف أسروا الإيمان و أظهروا الشرك فأتاهم الله أجرهم مرتين .

 

أبو طالب يدعو الله بنصر النبي :

و منها :

لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد *** و أحببته حب الحبيب المواصل‏

وجدت بنفسي دونه و حميته *** و دافعت عنه بالذرى و الكلاكل‏

فما زال في الدنيا جمالا لأهلها *** و شينا لمن عادى و زين المحافل

‏حليما رشيدا حازما غير طائش *** يوالي إله الخلق ليس بما حل‏

الماحل : الكاذب ; فيقول أبو طالب رضي الله عنه إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بكاذب فيقول المحال :

فأيده رب العباد بنصره *** و أظهر دينا حقه غير باطل‏

من أنصف و تأمل هذا المدح قطع على صدق ولاء قائله للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و اعترافه بنبوته و إقراره برسالته لأنه لا فرق بين أن يقول محمد نبي صادق و ما جاء به حق و بين أن يقول :

فأيده رب العباد بنصره *** و أظهر دينه الحق المخالف للباطل.

فما بعد هذا القول المقطوع وروده من أبي طالب و ما أشبهه طريق إلى المتأول في كفره إلا و هو طريق إلى كفر حمزة و جعفر (عليه السلام) و غيرهما من وجوه المسلمين و إن أظهروا الإسلام و الإقرار بالشهادتين و نصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا كان أبو طالب قد شهد للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوة و اعترف له بالرسالة في نظمه و نثره و خطبه و سجعه حسب ما أخبرتك مع نصره و بذل نفسه و ماله و أولاده و أهله و حثه على اتباعه و موالاة أوليائه و معاداة أعدائه فتأمل هذا القول فإنه أبين من النار المضطرمة في الليلة الظلماء و أنور من البدر الخارج من الغمامة القتماء .

 

الفصل التاسع

وصية أبي طالب بنصرة النبي :

و لما حضرت أبا طالب رضي الله عنه الوفاة دعا أولاده و إخوته و أحلافه و عشيرته و أكد عليهم الوصاة في نصر النبي و مؤازرته و بذل النفوس دون مهجته و عرفهم ما لهم في ذلك من الشرف العاجل و الثواب

الأجل فقال :

أوصى بنصر نبي الخير أربعة *** ابني عليا و شيخ القوم عباسا

و حمزة الأسد الحامي حقيقته *** و جعفرا أن تذودوا دونه الناسا

كونوا فداء لكم أمي و ما ولدت *** في نصر أحمد دون الناس أتراسا

هذا القول منه خاتمة أمره مطابق لما قدم في سالف عمره ; فتأمل هذه الأخبار التي أوردناها و الأشعار التي ذكرناها و إن كانت قليلا من كثير و صبابة من بحر غزير فإنك تجدها على إسلام أبي طالب أعدل شاهد و تحقق أنه كان مؤمنا غير جاحد

تساؤل و استغراب :

و لقد أخبرني الشيخ أبو عبد الله رحمه الله عن الشريف أبي الحسن بن العريضي رحمه الله عن الحسين بن طحال المقدادي رحمه الله عن الحسن بن محمد بن الحسن بن علي الطوسي عن والده الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي الطوسي رحمهما الله عن رجاله عن الحسن بن جمهور العمى البصري رحمه الله يرفعه قال : أنشد عمر بن الخطاب قول زهير بن أبي سلمى :

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم *** ليخفى و مهما تكتم الله يعلم

‏يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر *** ليوم الحساب أو يعجل فينقم‏

فقال عمر بن الخطاب ما رأيت جاهليا أعلم بالحكم من زهير و لو قلت إن شعره شعر مؤمن يدخل الجنة لإقراره بالبعث و النشور لقلت حقا ; فيا لله و للمسلم , أ لا يرى اللبيب أن من أعجب العجيب أن عمر بن الخطاب يسمع بيتي شعر لزهير في أحدهما ذكر الحساب فيقطع له بالجنة و لا يرتاب مع شهادته عليه أنه جاهلي لم يدرك الإسلام و لم يعرف الإيمان ; و هذا أبو طالب بن عبد المطلب له ديوان شعر يضاهي شعر زهير جميعه في الكثرة أو يزيد عليه يتضمن جميعه الإقرار بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و التصديق له و الحث على اتباعه و التوحيد لله تعالى و ذكر المعاد و الحساب و أهل العصبية الباطلة و الحمية الفاسدة يجعلونه من الكفار الخالدين في النار ; و لا يتدبرون ما يؤثرون من أخباره الشاهدة بإيمانه , و لا يتفكرون فيما يروونه من أشعاره الناطقة بإسلامه .

إذا الوحي فيهم لم يضرهم فإنني *** زعيم لهم أن لا يضورهم الشعر

فثبت بما بيناه بطلان قول المتعصبين عليه و الناسبين الكفر إليه و بعد ذلك كيف يتقدر من ذلك السيد الخطير اللبيب الكبير أن يعرف الحق و يعدل عنه معاندا و يلقى الله بعد معرفته جاحدا و قد كان حكيم زمانه

و أديب أوانه حتى أن حلمه و رئاسته و شرفه و سيادته أبين من الشمس عند من لم ينقد لهوى النفس يقر له بذلك سائر الأنام في الجاهلية و الإسلام

 

سادات العرب يشيدون بأبي طالب :

أخبرني الشيخ الفقيه أبو عبد الله رحمه الله بإسناده إلى الحسن بن جمهور العمي رحمه الله يرفعه قال : قيل لتأبط شرا الشاعر و اسمه ثابت بن جابر من سيد العرب فقال أخبركم سيد العرب أبو طالب بن عبد المطلب و قيل للأحنف بن قيس التميمي من أين اقتبست هذه الحكم و تعلمت هذا الحلم فقال من حكيم عصره و حليم دهره قيس بن عاصم المنقري.

و لقد قيل لقيس حلم من رأيت فتحلمت و علم من رويت فتعلمت فقال من الحليم الذي لم تحل قط حبوته و الحكيم الذي لم تنفد قط حكمته أكثم بن صيفي التميمي. و لقد قيل لأكثم ممن تعلمت الحكم و الرئاسة و الحلم و السياسة فقال من حليف الحلم و الأدب سيد العجم و العرب أبي طالب بن عبد المطلب. و كيف يختار أبو طالب الكفر الذي لا يختاره إلا الأغبياء و المعاندون الجهلاء على الإيمان الذي لا يختاره إلا عاقل يعطي النظر حقه فيتحقق حينئذ صدقه و قد شأى العقلاء عقلا و بذ الفضلاء فضلا حتى أقرت بحكمته الحكماء و اعترفت بفضله الفضلاء و سارت بذلك الركبان و شاع في البلدان. و اعلم إن بني أمية و أشياعهم كانوا يبذلون على التناقص بآل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) البدر و يخلعون الخلع و يعاقبون من يروي مناقبهم و يذكر فضائلهم بأشد العقاب و أليم العذاب حتى صار الغوغاء من العوام و أهل الجهل من الأنام إذا سب آل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستوحشون بل يرون أنهم إلى الله بذلك يتقربون. فلهذا الوجه و ما شاكله ذهب أخدان الجهالة و أهل الحيرة و الضلالة إلى تكفير أبي طالب عم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب المقامات التي بها ثبت الإسلام و عز الإيمان على ما قررناه و بيناه و أوضحناه .