أبو طالب يكتم إيمانه مخافة على بني هاشم :

و من ذلك ما رويناه أيضا فيما تقدم من هذا الكتاب .

عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال : كان و الله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم إيمانه مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش .

و قد حدثني الشريف النقيب أبو طالب محمد بن الحسن بن محمد بن معية العلوي الحسني أصلح الله شأنه في سنة تسع و تسعين و خمس مائة قال حدثني الشيخ سلار بن حبيش البغدادي رحمه الله و أنا قد رأيت سلارا هذا و كان رجلا صالحا قال حدثني الأمير أبو الفوارس بن الصيفي الشاعر المعروف بالحيص بيص قال : حضرت مجلس الوزير يحيى بن هبيرة و معي يومئذ جماعة من الأماثل و أهل العلم و كان في جملتهم الشيخ أبو محمد بن الخشاب النحوي اللغوي و الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي و غيرهم فجرى حديث شعر أبي طالب بن عبد المطلب فقال الوزير ما أحسن شعره لو كان صدر عن إيمان فقلت و الله لأجيبن الجواب قربة إلى الله تعالى فقلت يا مولانا و من أين لك أنه لم يصدر عن إيمان فقال لو كان صادرا عن إيمان لأظهره و لم يخفه فقلت لو كان أظهره لم يكن للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ناصر قال فسكت و لم يحر جوابا و كانت لي عليه رسوم فقطعها و كانت لي فيه مدائح في مسودات فأبطلتها جميعها .

 

خاتمة الكتاب :

و قد وفينا بما وعدنا و انتهينا إلى ما شرطنا من هذه الجملة التي ذكرناها و النبذة التي أثبتناها مما سمعناه و رويناه و قرأناه و وعيناه و هي نزرة من جم و قطرة من يم على أنها لمن وعى محسبه كافية و لمن اهتدى مقنعة شافية و ذلك مع قطع الساعات و إنفاق الأوقات بمعاناة هذا الدهر الغشوم و العصر الظلوم الذي أصبح نجم العلم فيه خافيا و زنده كابيا

أتى الزمان بنوه في شبيبته *** فسرهم و أتيناه على الهرم‏

و قد كنت عزمت على أن أذكر آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن عبد الله بن عبد المطلب إلى عدنان و أذكر ما عثرت عليه من الأخبار الدالة على إيمانهم واحدا واحدا و أورد بعض ما وقفت عليه من مناقبهم و أخبارهم و مآثرهم. و كنت عزمت أيضا عند إيراد ما ذكرته من أشعار أبي طالب رحمة الله عليه أن استوعب شرح الشعر و ذكر معانيه و تفسير لغته و غريبه و أقيم على ذلك شواهد معروفة عند أهل اللغة من الآثار و الأشعار فخشيت أن يطول الكتاب فيمل ناظره و يسأم متأمله و يكون ذلك داعيا إلى تركه باعثا على رفضه لعلمي بحيف أهل هذا العصر عن اقتباس العلم و استماع الحكم فلا تكاد ترى فيهم نبيها رفيعا أو خاملا وضيعا إلا رأيته ساعيا لدنياه مائلا عن أخراه

يجمع ما يفنى فأما الذي *** يبقى فما أمسى له يجمع‏

فقصرت هذا الكتاب على ذكر إيمان أبي طالب (عليه السلام) إذ كان ذلك كالفرض الواجب و أنا أرغب إلى الله تعالى في إجزال مثوبته و إتمام نعمته و أن يجعل ما نحوناه خالصا لوجهه الكريم و ينجينا بما قصدناه من عذابه الأليم فإنه جزيل الحباء كثير العطاء فله الحمد على السراء و الضراء و الشدة و الرخاء و صلى الله على سيدنا محمد النبي و أهل بيته الطيبين الطاهرين و سلم تسليما كثيرا