أبو طالب عمّ الرسول المُصطفى‏ صلى الله عليه وآله‏ مؤمن بني هاشم‏

الحمد لله على فواضل آلائه وسوابغ نِعَمِه ، وله الشكر على مزيد إحسانه وجزيل كرمه ، وصلوات الله وتسليماته على‏ رسوله محمّدٍ الداعي إلى‏ رضوانه ، وعلى‏ آله الطيّبين الطاهرين وصفوة صحبه وأعوانه .

(أمّا بعد) : فإنّ شيخ الأباطح أبا طالب بن عبد المطلب - رضي الله تعالى‏ عنهما - وإن تحقّق إسلامه ، وثبت إيمانه بنبوّة محمّدٍ صلى الله عليه وآله وسلّم بالأدلّة الصحيحة ، والشواهد الصريحة ، وانعقد عليه إجماع أهل الحقّ قاطبةً - تبعاً للخلفاء الراشدين ، والأئمّة الهادين ، صلوات الله عليهم أبد الآبدين - إلّا أنّ جمهور مخالفينا قطعوا عليه بالكفر ، ورَمَوه بالموت على‏ الشّرك - والعِياذ بالله - فاختلقوا لذلك حديثَ الضَّحضاح ، ونَظَموه في سِلْك المسلّمات الصحاح .

ولَعَمْر الله إنّهم ما فعلوا ذلك إلّا تحامُلاً على‏ وَلده أمير المؤمنين ، ومحاولةً لإخمال سيّد الوصيّين صلوات الله وسلامه عليه (1) { يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى الله إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ‏ } .

فَسنَحَ لي أن أتكلّم على‏ هذا الحديث بما يُظهر من علله القوادح ، ويُبين ما فيه من الأمور الفَوادح ، فجمعتُ هذا الجُزءَ (الوضّاح ، لاختلاق حديث الضَّحْضاح) عسى‏ الله أن ينفع به عبادَه الذين يستمعون القولَ فيتّبعون أحسنَه ، إنّه وليّ ذلك والقادر عليه ، لا ربَّ غيرُه ، ولا خَيْرَ إلّا خيرُه .

ثمّ اعلم أنّ هذا الحديث قد رَوَوْهُ عن العبّاس بن عبد المطّلب ، وأبي‏سعيدٍ الخُدريّ ، وجابر بن عبد الله الأنصاريّ ، والنُّعمان بن بَشيرٍ ، وابن عبّاسٍ ، وأبي‏هُريرة ؛ مرفوعاً .

ورواه عُبيد بن عُمير بن قَتادة اللّيثيّ الجُنْدَعيّ ، والشَّعبيّ ، ويزيد الرقاشيّ ؛ مُرسلاً (2) .

 

( فصل )

فأمّا حديث العبّاس بن عبد المطّلب ؛ فقد أخرجه أحمد في مسنده (3) ، قال : حدّثنا وكيع ، حدّثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عُمَيْرٍ ، عن عبد الله بن الحارث ، عن العبّاس بن عبد المطّلب أنّه قال : يا رسول الله ، عمّك أبو طالبٍ كان يحُوطك ويفعل ؟ قال : إنّه في ضَحْضاحٍ من النار (4) ، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل .

ورواه ابن أبي ‏شَيْبة أيضاً في (مصنَّفه) (5) عن وكيعٍ ، به .

وفي إسناده : وكيع بن الجرّاح بن مليحٍ الرؤاسيّ ، وقد اشتهر عنه شرب النَّبيذ المسكر وملازمته له (6) ، قال نعيم بن حمّادٍ : تعشَّيْنا عند وكيعٍ - أو قال : تَغَدَّيْنا - فقال : أيّ شي‏ءٍ أجيئكم به ، نبيذ الشيوخ أو نبيذ الفتيان ؟ قال : قلت : تتكلّم بهذا ؟! قال : هو عندي أحلّ من ماء الفرات (7) .

وقال يعقوب بن سفيان : سُئل أحمد إذا اختلف وكيعٌ وعبد الرحمن ، بقول مَن نأخذ ؟ فقال : عبد الرحمن موافق ، ويَسْلَم عليه السَّلَف ، ويجتنب شربَ النبيذ (8) .

وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبلٍ ، عن أبيه ، قال : ابن مهديٍّ أكثر تصحيفاً من وكيعٍ ، ووكيع أكثر خطأً منه .

وقال أيضاً : أخطأ وكيعٌ في خمسمائة حديثٍ (9) .

وفي إسناده أيضاً : سفيان بن سعيدٍ الثوريّ ، وقد كان يدلّس عن الضعفاء ، وقيل : كان يدلّس ويكتب عن الكذّابين (10) ، وذكر ابن حِبّان أنّه كان إذا حدّث عن الصَّلْت بن دينارٍ الأزديّ البصريّ - أبي شُعيبٍ المجنون - يقول : حدّثنا أبو شُعيبٍ ولا يسمّيه ، وكان أبو شعيبٍ ينتقص عليّاً عليه السلام وينال منه ؛ على كثرة المناكير في روايته (11) .

وقال ابن المبارك : تحدّث سفيان بحديثٍ فجئته وهو يدلّسه ، فلمّا رآني استحيى‏ ، وقال : نرويه عنك (12) .

وقال يحيى بن سعيدٍ القطّان : جَهَدَ الثوريّ أن يدلّس عليَّ رجلاً ضعيفاً فما أمكنه ، قال مرّةً : حدّثنا أبو سهلٍ عن الشَّعْبيّ ، فقلت له : أبو سهلٍ محمّد بن سالمٍ ؟ فقال : يا يحيى ، ما رأيت مثلَك ، لا يذهب عليك شي‏ء!! (13) .

وقال الخطيب البغداديّ : كان الأعمش وسفيان الثوريّ يدلّسان تدليسَ التَّسْوية ، وهو شرّ أنواع التدليس وأقبحه - كما قال الحافظ العلائيَّ .

وقال الحافظ ابن حجرٍ : لا شكّ أنّه جَرْحٌ وإن وُصِفَ به الثوريُّ والأعمش ، فلا اعتذار أنّهما لا يفعلانه إلّا في حقّ مَن يكون ثقةً عندهما ، ضعيفاً عند غيرهما (14) .

على أنّ سفيان قد عنعن في حديثه هذا ولم يذكر سَماعاً ، والمدلِّس لا يُقبل من حديثه إلّا ما صرّح فيه بالسَّماع .

وأخرج أحمد أيضاً في (مسنده) (15) قال : حدّثنا عفّان ، حدّثنا أبو عَوَانَة ، حدّثنا عبد الملك بن عُميرٍ ، عن عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ ، عن عبّاس بن عبد المطّلب قال : قلت : يا رسول الله ، هل نفعتَ أبا طالبٍ بشي‏ءٍ ، فإنّه كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : نعم ، هو في ضَحْضاحٍ من النار ، ولولا ذلك (16) لكان في الدَّرْك الأسفل من النار .

وأخرجه البخاريّ في (صحيحه) عن موسى بن إسماعيل (17) ومُسَدَّدٍ (18) ، ومسلمٌ أيضاً في (صحيحه) عن عُبيد الله بن عمر القواريريّ ومحمّد بن أبي بكرٍ المقدّميّ ومحمّد بن عبد الملك الأمويّ (19) ، كلّهم عن أبي عَوَانَة الوضّاح بن عبد الله الواسطيّ .

وأخرج أحمد في (مسنده) عن يحيى بن سعيدٍ ، والبخاريّ في (صحيحه) (20) عن مسدَّدٍ ، عن يحيى‏ ، عن سفيان ، حدّثني عبد الملك بن عُميرٍ ، حدّثنا عبد الله بن الحارث ، حدّثنا العبّاس ، قال : قلت للنبيّ‏ صلى الله عليه وآله : ما أَغْنيتَ عن عمّك ، فقد كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال : هو في ضَحْضاحٍ ، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار .

ورواه عبد الرزّاق في (مصنّفه) (21) عن سفيان الثوريّ ، وقد مرّ الكلام عليه آنفاً .

وأخرج مسلم في (صحيحه) (22) قال : حدّثنا ابن أبي عمر ، حدّثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عُميرٍ ، عن عبد الله بن الحارث ، قال : سمعتُ العبّاس يقول : قلت : يا رسول الله ، إنّ أبا طالبٍ كان يحوطك وينصرك ويغضب لك ، فهل نفعه ذلك ؟ قال : نعم ، وجدته في غمراتٍ من النار فأخرجته إلى ضَحْضاحٍ .

قال مسلم : وحدّثنيه محمّد بن حاتمٍ (23) ، حدّثنا يحيى بن سعيدٍ ، عن سفيان ، قال : حدّثني عبد الملك بن عُميرٍ ، قال : حدّثني عبد الله بن الحارث ، قال : أخبرني العبّاس بن عبد المطّلب .

(ح) وحدّثناه أبو بكر بن أبي شَيْبة ، حدّثنا وكيعٌ ، عن سفيان بهذا الإسناد عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله بنحو حديث أبي عَوَانة (اهـ) .

قلت : سفيان إن كان هو الثوريّ فقد تبيّن لك حاله فيما سلف .

وإن كان ابن عُيَيْنة بن ميمونٍ الهلاليّ (24) فقد كان يدلّس - كما بترجمته في «ميزان الاعتدال» (25)- وصرّح الترمذيّ بتدليسه في حديث : اقتدوا باللَّذَيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمر (26) .

وأخرج ابن مَنْدَة حديثَ الباب في كتاب (الإيمان) (27) نحو حديث أبي عَوانة ؛ بإسنادَيْن ينتهيان إلى عبد الملك بن عُميرٍ اللَّخميّ الكوفيّ .

وقد عرفت ممّا مرّ أنّ حديث عبد الله بن الحارث بن نوفلٍ عن عمّ جدّه العبّاس بن عبد المطّلب قد تفرّد به ابن عُميرٍ ، ومَدارُه عليه (28) ، وهو ممّن تكلّم فيه أئمّة الجرح والتعديل ونياقدة الرجال ، وطعنوا في حديثه .

قال الإمام أحمد : ضعيف يغلط ، وقال ابن خراش : كان شعبة لا يرضاه ، وقال إسحاق بن منصور : ضعّفه أحمد جدّاً ، وقال عليّ بن الحسن الهَسَنجْانيّ عن أحمد : عبد الملك مضطرب الحديث جدّاً مع قلّة روايته ، وما أرى له خمسمائة حديثٍ ، وقد غلط في كثيرٍ منها ، وقال إسحاق بن منصور عن ابن مَعينٍ : مخلِّط ، وقال ابن حِبّان : كان مدلِّساً (29) (اهـ) .

قلت : قال شعبة : التدليس أخو الكذب ، وقال أيضاً : لئن أزني أحبّ إليَّ من أن أُدلِّس (30) (اهـ) .

وقال الشيخ الإمام المجدِّد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النُّعمان المفيد رحمه الله تعالى في (الإفصاح) (31) : عبد الملك بن عُميرٍ من أبناء الشام وأجلاف محاربي أمير المؤمنين‏عليه السلام حتّى قلّدوه القضاء ، وكان يقبل فيه الرِّشا ، ويحكم بالجَوْر والعدوان ، وكان متجاهراً بالفجور والعَبَث بالنساء .

فمن‏ ذلك أنّ الوليد بن‏ سريعٍ خاصم أخته كَلْثَم بنت سريعٍ إليه في أموالٍ وعقارٍ، وكانت كَلْثَم من أحسن نساء وقتها وأجملهنّ ؛ فأعجبته ، فوجّه القضاء على أخيها تقرّباً إليها ، وطمعاً فيها ، فظهر ذلك واستفاض عنه ، فقال فيه هُذَيْل الأشجعيّ :

أتاه وليدٌ بالشُّهود يقودهم‏ *** على ما ادّعى من صامت المال والخَوَلْ‏

يسوق إليه كَلْثَماً وكلامها *** شفاء من الداء المخامر والخَبَلْ‏

فما بَرِحَتْ تومي إليه بِطَرْفِها *** وتومض (32) أحياناً إذا خصمها غَفَلْ‏

وكان لها دَلٌّ وعينٌ كحيلة *** فأدلت بحُسن الدلّ منها وبالكَحَلْ‏

فأَفْتَنَتِ القِبْطيَّ حتّى‏ قضى لها *** بغير قضاء الله في المال والطَّوَلْ‏

فلو كان مَن في القصر يعلم علمه‏ *** لما استعمل القِبْطيَّ فينا على عَمَلْ‏

له حين يقضي للنساء تخاوصٌ (33) *** وكان وما منه التخاوص والحَوَلْ‏

إذا ذات دَلٍّ كلّمته بحاجةٍ *** فَهَمَّ بأن يقضي تَنَحْنَحَ أو سَعَلْ‏

وبَرَّقَ عينيه ولاكَ لسانَه‏ *** يرى كلَّ شي‏ءٍ ما خلا سخطها خَبَلْ‏

وقال الشيخ الإمام أبو جعفرٍ محمّد بن الحسن الطوسيّ رحمه الله تعالى في (تلخيص الشافي) (34) : كان عبد الملك بن عُميرٍ فاسقاً جريئاً على الله ، وهو الذي قتل عبد الله بن يَقْطر رسولَ الحسين بن عليٍ‏عليهما السلام إلى مسلم بن عقيلٍ ، حيث رمى‏ به ابن زيادٍ من فوق القصر - وبه رَمَق - فأَجْهَزَ عليه ، فلمّا عُوتب على ذلك قال : إنّما أردتُ أن أُريحه - استهزاءً بالقتل ، وقلّة مبالاةٍ - وكان يتولّى القضاء لبني أُميّة ، وكان مروانيّاً شديدَ النَّصْب والانحراف عن أهل البيت عليهم السلام ومَن هذه صورته لا تُقبل روايته (اهـ) .

فليت شِعْري ، كيف احتجّ به أحمد والشيخان وغيرهم ، وأدخلوا حديثه في (الصحيح) وهذه حاله لا تكاد تخفى عليهم ؟!

وما يُدريك ، فلعلّهم كانوا يتساهلون في مثل هذه الأحاديث ، ويتلقَّوْنَها بالقبول والتسليم ، ويودِعونها كتبهم من دون تحرّجٍ ولا خَشْية تأثيم ، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم .

ثمّ إنّ حديث العبّاس بن عبد المطّلب هذا يعارضه ويناقضه حديثه الآخَر الذي أخرجه ابن سعدٍ في (الطبقات) (35) عن عفّان بن مسلمٍ ، قال : أخبرنا حمّاد بن سَلَمة ، عن ثابتٍ ، عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث ، قال : قال العبّاس : يا رسولَ الله ، أترجو لأبي طالبٍ ؟ قال : كلَّ الخير أرجو من ربّي .

ورواه زيد بن الحبّاب ، عن حمّادٍ ، به (36) .

فلولا عِلْم النبيّ‏ صلى الله عليه وآله بإيمان عمّه أبي طالبٍ لَما كان يرجو له كلَّ الخير من ربّه تعالى ، مع ما أخبره الله جلّ ذِكره من خلود الكفّار في النار ، وحرمان الله تعالى لهم الخيرات ، وتأبيدهم في العذاب على وجه الاستحقاق والهوان (37) .

وقال العلّامة البرزنجيّ الشافعيّ : رجاؤه‏ صلى الله عليه وآله محقَّقٌ ، ولا يرجو كلَّ الخيرَ إلّا لمؤمنٍ ، ولا يجوز أن يُراد بهذا ما حصل له من تخفيف العذاب ، فإنّه ليس خيراً ، فضلاً عن أن يكون كلَّ الخير ، وإنّما تخفيف العذاب تخفيف الشرّ ، وبعض الشرّ أهون من بعضٍ ، وحصول كلّ الخير إنّما يكون بدخول الجنّة (38) (اهـ) .

وأخرج الإمام شمس الدين ابن مَعَدٍّ رحمه الله بإسناده عن عِكْرِمة ، عن ابن عبّاسٍ ، قال : أخبَرني العبّاس بن عبد المطّلب أنّ أبا طالبٍ شهد عند الموت أنْ لا إله إلّا الله ، وأنّ محمّداً رسول الله (39) .

وأخرج الشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه القمّي ‏رحمه الله في (الأمالي) (40) بإسناده عن الأعمش ، عن عباية بن رِبْعيٍّ ، عن عبد الله بن عبّاسٍ ، عن أبيه ، قال : قال أبو طالبٍ لرسول الله‏ صلى الله عليه وآله : ياابن أخي ، الله أرسلك ؟ قال : نعم ، قال : فأَرِني آيةً ، قال : ادْعُ لي تلك الشجرة ، فدعاها فأَقْبَلتْ حتّى‏ سجدت بين يديه ، ثمّ انصرف ، فقال أبو طالبٍ : أشهد أنّك صادقٌ ، يا عليُّ صَلِّ جناح ابن عمّك .

وأخرج البيهقيّ في (دلائل النبوّة) (41) قال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب ، قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبّار ، قال : حدّثنا يونس بن بُكَيْرٍ ، عن ابن إسحاق ، قال : حدّثني العبّاس بن عبد الله بن مَعْبِدٍ ، عن بعض أهله ، عن ابن عبّاسٍ ، قال : لمّا أتى رسولُ الله‏ صلى الله عليه وآله أبا طالبٍ في مرضه قال له : يا عمّ ، قل : لا إله إلّا الله ، كلمة أستحلّ بها لك الشفاعة يوم القيامة ، قال : ياابن أخي ، والله لولا أنْ تكون سُبّة عَليَّ وعلى أهلي من بعدي ، يَرَون أنّي قلتها جَزَعاً عند الموت ؛ لقلتها ، لا أقولها إلّا لأُسِرَّك بها ، فلمّا ثقُل أبو طالبٍ رُؤي يُحرِّك شَفَتَيْه ، فأصغى إليه العبّاس فسمع قولَه ، فرفع رأسه عنه فقال : قد قال - والله - الكَلِمَ التي سأله عنها .

فظهر بذلك أنّ حديث الضَّحْضاح ممّا ولَّده الوضّاعون المقبوحون ، وافتعله الأفّاكون المفضوحون ، مع ما سيأتي من الوجوه الأخرى الدالّة على بطلان هذا الحديث واختلاقه ، وبالله تعالى التوفيق .

 

( فصل )

وأمّا حديث أبي سعيدٍ الخُدْريّ ‏رضى الله عنه فقد أخرجه أحمد في (مسنده) (42) قال : حدّثنا هارون بن معروفٍ ، حدّثنا ابن وَهْبٍ ، قال حَيْوَة : حدّثني ابن الهاد أنّ عبد الله بن خبّابٍ حدّثهم عن أبي سعيد الخدريّ‏ رضى الله عنه أنّه سمع رسول الله‏ صلى الله عليه وآله - وذُكر عنده عمّه أبو طالبٍ - فقال : لعلّه أن تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيُجعل في ضَحْضاحٍ من النار يبلغ كعبَيْه ، يغلي منه دِماغه .

قلت : قال ابن سعدٍ : عبد الله بن وَهْبٍ كان كثير العلم ، ثقةً فيما قال (حدّثنا) وكان يدلّس (43) (اهـ) .

وهو هنا لم يصرّح بالتحديث كما ترى .

ورواه أحمد أيضاً ومسلم (44) عن قتيبة بن سعيدٍ ، عن اللَّيث بن سعدٍ ، عن يزيد ابن الهاد ، به .

والبخاريُّ عن عبد الله بن يوسف التِّنِّيسيّ ، عن الليث ، به (45) .

وعن‏ إبراهيم بن ‏حمزة، عن ابن أبي ‏حازمٍ (46) والدراورديّ (47) عن‏ ابن ‏الهاد (48)، به.

وبعض هذه الطرق وإن لم يكن في ظاهره علّةٌ قادحة عند القوم ، إلّا أنّ هذا الحديث سيأتي بيان بطلانه من وجوهٍ أُخرى إن شاء الله تعالى ، إذ مجرّد صحّة الطريق لا يكفي في الأخذ بالحديث ، بل لابدّ من ثبوت متنه وصحّته أيضاً ، فكم من حديثٍ باطلِ المتن رُويَ بإسنادٍ صحيحٍ كالشمس ، لا مَغْمَزَ فيه عندهم - كما لايخفى على الدَّارب في هذا العلم - فتنبّه .

وأخرج مسلم في (صحيحه) (49) قال : حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة ، حدّثنا يحيى بن أبي بُكَيْرٍ ، حدّثنا زُهَيْر بن محمّدٍ ، عن سهيل بن أبي صالحٍ ، عن النُّعمان بن أبي عيّاشٍ ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ ‏رضى الله عنه أنّ رسول الله‏ صلى الله عليه وآله قال : إنّ أدنى أهل النار عذاباً ينتعل بنعلين من نارٍ يغلي دِماغه من حرارة نعلَيْهِ .

قلت : المراد بأهون أهل النار عذاباً - عند هؤلاء القوم - أبو طالبٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه ، بل قد وقع التصريح بذلك في حديث ابن عبّاسٍ عند مسلمٍ ، وحديث الشَّعْبيّ عند ابن جَريرٍ - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ولذلك ذكرنا هذا الحديث وما يأتي بعده - ممّا هو قريبٌ من لفظه - في جملة أحاديث الباب .

وفي إسناد هذا الحديث : زهير بن محمّدٍ التميميّ أبو منذرٍ الخراسانيّ المَرْوَزيّ ، قال ابن مَعينٍ والنسائيّ : ضعيف ، وذكره أبو زُرْعة في (أسامي الضُّعفاء) وقال أبو حاتمٍ : في حفظه سوءٌ ، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق لسوء حفظه ، فما حدّث به من حِفْظه ففيه أغاليط ، وقال عثمان الدارميّ : له أغاليطُ كثيرة ، وقال النسائيّ : ليس بالقويّ ، وقال الحاكم أبو أحمد : في حديثه بعض المناكير ، وقال ابن حِبّان : يُخطئ ويخالف ، وقال الساجيّ : مُنكَر الحديث (50) .

وفي إسناده أيضاً : سهيل بن أبي صالح السمّان أبو يزيد المدنيّ ، قال ابن مَعينٍ : سهيل بن أبي صالحٍ والعلاء بن عبد الرحمن حديثهما قريبٌ من السَّواء ، وليس حديثهما بحجّةٍ ، وقال أبو حاتمٍ : يكتب حديثه ولا يُحتجّ به ، وقال ابن حِبّان يُخطئ ، وذكر ابن أبي خَيْثَمة في (تاريخه) عن يحيى بن مَعينٍ قال : لم يزل أهل الحديث يتَّقون حديثَه ، وقال ابن مَعينٍ أيضاً : فيه لِيْنٌ ، وقال أيضاً : ضعيفٌ ، ليس بذاك (51) .

وأخرج أحمد والبزّار في (مسنَدَيْهما) (52) والحاكم في (المستدرك) (53) بأسانيدهم عن حمّاد بن سَلَمة ، عن سعيدٍ الجريريّ ، عن أبي نَضْرَة ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريّ ‏رضى الله عنه عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله قال : إنّ أهون أهل النار عذاباً يومَ القيامة رجلٌ مُنْتَعِلٌ بنعلَيْن من نارٍ يغلي منهما دِماغه - الحديث .

وفي إسناده : حمّاد بن سَلَمة البصريّ ، وسيأتي الكلام عليه عند الكلام على حديث ابن عبّاسٍ إن شاء الله تعالى .

وفيه أيضاً : أبو نَضْرَة المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبديّ ، قال ابن سعدٍ : كان ثقةً إن شاء الله ، كثيرَ الحديث ، وليس كلّ أحدٍ يُحتجّ به (54) ، وأورده العُقَيْليُّ في (الضُّعَفاء) وابن عَدِيٍّ في (الكامل) .

قال الحافظ ابن حجر في (التهذيب) (55) : وأظنّ ذلك لِما أشار إليه ابن سعدٍ ، ولهذا لم يحتجّ به البخاري (اهـ) .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1ـ وللَّه دَرُّ العلّامة الأوردباديّ رحمه الله إذ يقول:

وصَفْو القول إنّ أبا عليٍ‏ *** له الدين الأصيل ولا براحُ‏

ولكن لابنه نَصَبوا عِداءاً *** وما عن حيدرٍ فضلٌ يُزاحُ‏

فنالُوا من أبيه وما المعالي‏ *** لكلّ مُحاوِلٍ قصداً تُباحُ‏

وضَوْء البدر أبلَجُ لا يُوارى‏ *** وإن يَكُ حولَه كَثُر النِّباحُ‏

(وهبني قلت : إنّ الصبحَ ليلٌ) *** فهل يخفى‏ لذي العين الصباحُ؟

فَدَعْ بِمَتاهة التضليل قوماً *** بِمُرْتَبَك الهوى‏ لَهُمُ التياح‏

(الغدير : 7/405)

2ـ وذكر الإمام شمس الدين فخّار بن مَعَدٍّ العلويّ الموسويّ رحمه الله تعالى‏ في كتاب (الحجّة على‏ الذاهب إلى‏ تكفير أبي ‏طالب) 87 - 103 : أنّ حديث الضَّحضاح رواه المُغِيرة بن شعبة ، وهو رجلٌ ظنين في حقّ بني‏هاشمٍ ، متَّهمٌ فيما يرويه عنهم ، لأنّه معروف بعداوتهم ، مشهورٌ ببغضه لهم ، والانحراف عنهم .

ثمّ حكى‏ قصّة زنائه بأمّ جميلٍ بالبصرة ، وقال : فكيف يجوز اعتقاد ما يرويه المُغيرة وهذه صفته ، ويُترك ما اتّفق عليه أهل بيت رسول الله صلى‏ الله عليه وآله وسلّم وشيعتهم الذين هم أهل الرواية ومَظانّ الدراية (انتهى‏) .

3ـ مسند أحمد : 1 / 206 .

4ـ قال ابن الأثير في النهاية (3/75) : الضَّحضاح في الأصل ما رَقَّ من الماء على‏ وجه الأرض ما يبلغ الكعبين ، فاستعاره للنار .

5ـ المصنّف لابن أبي شيبة : 7 / 76 ح‏34147 - مسند أبي يَعْلى‏ : 12 / 53 ح‏6694 .

6ـ ميزان الاعتدال : 3364 - تذكرة الحفّاظ : 1 / 308 .

7ـ تاريخ بغداد : 13 / 472 .

8ـ تهذيب التهذيب : 6 / 82 .

9ـ ميزان الاعتدال : 2 / 169 .

10ـ تهذيب التهذيب : 2 / 559 .

11ـ تهذيب التهذيب : 2 / 355 .

12ـ تهذيب التهذيب : 2 / 355 .

13ـ تهذيب التهذيب : 6 / 139 - ترجمة يحيى بن سعيدٍ القطّان .

14ـ تدريب الراوي في شرح تقريب النواويّ : 1 / 188 .

15ـ مسند أحمد : 1 / 206 - 210 ، الطبقات الكبرى : 1 / 124 - كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 888 - 889 ح‏961 ، مسند أبي يَعْلى‏ : 12 / 78 ح‏6715 - مسند البزّار (البحر الزخّار) : 4 / 137 - دلائل النبوّة : 2 / 346 .

16ـ وفي رواية الشيخين : ولولا أنا .

17ـ صحيح البخاريّ : 8 / 57 - كتاب الأدب ، باب كُنية المشرك .

18ـ صحيح البخاريّ : 8 / 146 - كتاب الرِّقاق ، باب صفة الجنّة والنار .

19ـ صحيح مسلم : 2 / 186 - كتاب الإيمان ، باب شفاعة النبيّ‏ صلى الله عليه وآله وسلم لأبي طالبٍ والتخفيف عنه بسببه .

20ـ مسند أحمد : 1 / 207 - صحيح البخاريّ : 5 / 65 - كتاب مناقب الأنصار ، باب قصّة أبي طالبٍ ، كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 887 - 888 .

21ـ المصنّف لعبد الرزّاق بن همّامٍ الصَّنْعانيّ : 6 / 41 ح‏9939 .

22ـ صحيح مسلم : 2 / 178 - كتاب الإيمان ، باب شفاعة النبيّ‏ صلى الله عليه وآله لأبي طالبٍ والتخفيف عنه بسببه - مسند الحُمَيْديّ : 1 / 219 ح‏460 .

23ـ محمّد بن حاتم بن ميمون البغداديّ أبو عبد الله القطيعيّ المعروف بالسَّمين ، قال ابن مَعينٍ : كذّابٌ ، وقال عمرو بن عليٍّ : ليس بشي‏ءٍ ، وقال عبد الله بن عليٍّ المَدينيّ : قلت لأبي : شي‏ءٌ رواه ابن حاتمٍ ، عن ابن مهديٍّ ، عن شعبة ، عن سالمٍ ، عن قبيصة بن هلب ، عن أبيه مرفوعاً : لا يأتي أحدكم بشاةٍ لها بعار ، قال : هذا كذبٌ ، وإنّما روى هذا أبو داود . (تهذيب التهذيب : 5 / 68) .

24ـ فإنّه روى‏ حديثَ الباب عن عبد الملك بن عُميرٍ ، كما في مسند أبي يَعْلى‏ : 12 / 54 ح‏6695 وكتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 888 ح‏960 ، وانظر : دلائل النبوّة : 2 / 347 .

25ـ ميزان الإعتدال : 2 / 170 .

26ـ سنن الترمذيّ : 5/427 .

27ـ كتاب الإيمان : 2 / 889 ح‏961 .

28ـ قال البزّار في مسنده (البحر الزخّار : 4 / 138) : هذا الحديث لا نعلمه يُروى عن العبّاس عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله إلّا من حديث عبد الملك ، عن عبد الله بن الحارث ، عن العبّاس (اه) .

29ـ الجرح والتعديل : 5 / 360 - ميزان الاعتدال : 2 / 660 - سِيَر أعلام النُّبلاء : 5 / 439 - تهذيب التهذيب : 3 / 506 .

30ـ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث : 82 - وانظر : شرح صحيح مسلم للنوويّ : 1/47 - 48 .

31ـ الإفصاح في الإمامة : 220 - 221 ، وانظر : البيان والتبيين : 3 / 226 - 227 ، شرح نهج البلاغة : 17 / 62 - 63 .

32ـ أومضت المرأة : سارقت النظر .

33ـ تخاوَصَ : غضّ من بصره شيئاً ، وهو في كلّ ذلك يحدّق النظر كأنّه يقوّم سهماً .

34ـ تلخيص الشافي : 3 / 33 - 35 .

35ـ الطبقات الكبرى : 1 / 124 - 125 ، تاريخ الإسلام : 1 / 138 - الخصائص الكبرى : 1 / 87 .

36ـ تاريخ الإسلام : 1 / 233 - كنز الفوائد : 1 / 183 .

37ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : 72 .

38ـ أسنى المطالب في نجاة أبي طالبٍ : 33 - 65 .

39ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالبٍ : 106 - 108 .

40ـ مالي : 491 ح‏10 - الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالبٍ : 128- 129 .

41ـ دلائل النبوّة : 2 / 346 - تاريخ الإسلام : 1 / 232 - الإصابة في تمييز الصحابة : 4 / 116 .

42ـ مسند أحمد : 3 / 55 - كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 291 ح‏968 - مسند أبي يَعْلى‏ : 2 / 512 ح‏1360 - دلائل النبوّة : 2 / 347 .

43ـ تهذيب التهذيب : 3 / 296 .

44ـ مسند أحمد : 3 / 8 - 9 ، 3 / 50 - صحيح مسلم : 2 / 187 .

45ـ صحيح البخاريّ : 5 / 66 .

46ـ عبد العزيز بن أبي حازمٍ سَلَمة بن دينارٍ أبو تمّام المدنيّ ، قال أحمد : لم يكن يُعرف بطلب الحديث إلّا كتب أبيه فإنّهم يقولون : إنّه سمعها ، ويقال : إنّ كتب سليمان بن بلالٍ وقعت إليه ولم يسمعها ، وقد روى عن أقوامٍ لم يكن يُعرف أنّه سمع منهم - تهذيب التهذيب : 3 / 458 .

47ـ عبد العزيز بن محمّد بن عُبيدٍ الدراورديّ ، قال النسائيّ : ليس بالقويّ ، وقال أبو حاتمٍ : لا يحتجّ به ، وقال الساجيّ : كثير الوهم - تهذيب التهذيب : 3 / 471 - 472 ، ميزان الاعتدال : 2 / 634 .

48ـ صحيح البخاريّ : 8 / 144 .

49ـ صحيح مسلم : 2 / 187 - 188 ، كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 890 ح‏963 - كتاب البعث والنشور : 270 ح‏545 .

50ـ تهذيب التهذيب : 2 / 206 - 207 ، ميزان الاعتدال : 2 / 84 - 85 .

51ـ تهذيب التهذيب : 2 / 450 - هَدْي الساري : 428 - ميزان الاعتدال : 2 / 243- 244 .

52ـ مسند أحمد : 3 / 13 - 3 / 78 ، مختصر زوائد مسند البزّار : 2 / 477 .

53ـ مستدرك على الصحيحين : 4 / 581 .

54ـ طبقات الكبرى‏ لابن سعد : (7/208) .

55ـ تهذيب التهذيب : 5 / 538 .