( فصل )

وأمّا حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ رضي الله عنه فقد أخرجه البزّار في (مسنده) (56) - وتفرّد به كما قال ابن كثير - قال : حدّثنا عمرو (57) - هو ابن إسماعيل ابن مُجالد - حدّثنا أبي ، عن مُجالدٍ ، عن الشَّعبيّ ، عن جابر قال : سُئل رسول الله‏ صلى الله عليه وآله - أو قيل له - هل نفعتَ أبا طالبٍ؟ قال : أخرجته من النّار إلى‏ ضَحْضاحٍ منها .

قلت : وهذا الإسناد أيضاً ممّا لا يحتجُّ به ، ولا يثبت به حديث ، فإنّ عمر بن إسماعيل قال فيه أبو حاتم : ضعيف الحديث ، وقال النسائيّ : ليس بثقةٍ ، متروك الحديث ، وقال الدّارقطنيّ : ضعيف ، وقال في موضعٍ آخر : متروك (58) .

وأمّا إسماعيل بن مُجالدٍ ؛ فقد قال النسائيّ والعِجْليّ : ليس بالقويّ ، وروى‏ الحاكم عن الدارَقُطنيّ : ليس فيه شكٌّ أنّه ضعيفٌ ، وقال الأزديّ : غير حُجّة (59) .

وأمّا مُجالد بن سعيدٍ الهمدانيّ؛ فقد قال البخاريّ : كان يحيى‏ بن سعيدٍ يضعّفه ، وكان ابن المهديّ لا يروي عنه ، وكان أحمد بن حنبلٍ لا يراه شيئاً ، وقال ابن مَعينٍ : لا يحتجّ بحديثه ، وقال أيضاً : ضعيف ، واهي الحديث ، وقال ابن سعيدٍ : كان ضعيفاً في الحديث ، وقال ابن حِبّان : لا يجوز الاحتجاج به (60) .

وأمّا الشَّعبيُّ؛ فسيأتي الكلام عليه فيما بعدُ إن شاء الله تعالى‏ .

( فصل )

وأمّا حديث النُّعمان بن بَشيرٍ ؛ فقد أخرجه أحمد في (مسنده) (61) عن محمّد بن جعفرٍ ، عن شُعبة قال : سمعتُ أبا إسحاق يقول : سمعت النُّعمان بن بشيرٍ - وهو يخطب - يقول : سمعتُ رسول الله‏ صلى الله عليه وآله يقول : إنّ أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لَرجلٌ يوضَع في أَخْمَص قدميه جمرتان يغلي منهما دِماغه .

وفي إسناده : محمّد بن جعفرٍ الهُذَليّ المعروف بغُنْدَر ، وقد حكى الحافظ ابن حجرٍ في (هَدْي الساري) (62) عن أبي حاتمٍ أنّه قال : يُكتب حديثه عن غير شعبة ولا يحتجّ به (اهـ) .

وهذا يُنبى‏ءُ عن أمرٍ مّا في روايته عن شعبة ، وقد روى هذا الحديث عنه ، فينبغي أن لا يُكتب ولا يُحتجّ به - كما يُؤْخذ من كلام أبي حاتمٍ - .

وقال ابن المَدِينيّ: كنتُ إذا ذكرتُ غُنْدَراً ليحيى بن سعيدٍ عَوَّجَ فمه، كأنّه يضعّفه (63) .

ومن خفّة عقله وطَيْشه ما حكاه العُقَيْليّ عن ابن مَعينٍ قال : قَدِمْنا على غُنْدَرٍ فقال : لا أُحدّثكم حتّى تمشوا خلفي فيراكم أهل السوق فيُكرموني (64) (اهـ) .

وأخرجه البخاريّ في (صحيحه) (65) عن محمّد بن بشّارٍ ، عن غُنْدَرٍ به ؛ وكذا مسلمٌ (66) عن محمّد بن المثنّى وابن بشّار عنه به .

وفي هذين الإسنادَيْن : محمّد بن بشّار بن عثمان العبديّ البصريّ أبو بكرٍ بُنْدار ، وقد ضعّفه عمرو بن عليٍّ الفلّاس وقال : إنّ بُنداراً كان يكذب فيما يروي عن يحيى - يعني القطّان .

وقال القواريريّ : كان يحيى بن مَعينٍ يستضعفه ، وقال أبو داود : لولا سلامةٌ فيه لتُرك حديثه ، وقال محمّد بن سيّارٍ : كان يقرأ من كلّ كتابٍ ، وقال عبد الله بن عليٍّ المَدِينيّ : سمعت أبي - وسألته عن حديثٍ رواه بُنْدار عن ابن مهديٍّ بإسناده مرفوعاً - فقال : هذا كذبٌ ، وأنكره أشدّ الإنكار ، وقال : حدّثني أبو داود موقوفاً .

وقال عبد الله بن الدَّوْرَقيّ : كنّا عند ابن مَعينٍ وجرى ذِكْر بُنْدارٍ ، فرأيتُ يحيى‏ لا يَعْبأُ به ويستضعفه ، قال : ورأيت القواريريّ لا يرضاه ، وقال : كان صاحبَ حمامٍ (67) .

وأمّا محمّد بن المثنّى بن عُبيدٍ العَنزيّ أبو موسى البصريّ ، فقد قال صالح بن محمّدٍ : كان في عقله شي‏ءٌ (68) .

وأخرج الترمذيّ في (سننه) (69) عن محمود بن غَيْلان قال : حدّثنا وَهْب ابن جريرٍ ، عن شُعبة ، عن أبي إسحاق ، عن النُّعمان بن بشيرٍ أنّ رسول الله‏ صلى الله عليه وآله قال : إنّ أهون أهل النار عذاباً يومَ القيامة رجلٌ في أخْمَص قدميه جمرتان يغلي منهما دِماغه .

قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسن صحيح (اهـ) .

قلت : قد ذكر العلماء أنّه لا ينبغي الاغترار بتصحيح الترمذيّ وتحسينه ، فكم حسّن من أحاديثَ موضوعةٍ وأسانيدَ واهيةٍ - كما قال ابن دِحْيَة (70) - .

وفي هذا الإسناد : وَهْب بن جرير بن حازمٍ الأزديّ ، وهو قد روى هذا الحديث عن شعبة ، قال أحمد : ما رُئي وَهْبٌ قطُّ عند شعبة ، حدّث - زعموا - عن شعبة بنحو أربعة آلاف حديثٍ ، قال عفّان : هذه أحاديث عبد الرحمن الرصاصيّ ، شيخٌ سمِعَ مِن شعبة كثيراً ثمّ وقع إلى مصر .

وقال عبد الرحمن بن مهديّ : هاهنا قومٌ يحدّثون عن شعبة ما رأيناهم عنده ، يُعرِّض بوَهْبٍ .

وقال العِجْليّ : كان عفّان يتكلّم فيه (71) .

وأخرج البخاريّ أيضاً في (صحيحه) (72) قال : حدّثنا عبد الله بن رجاءٍ ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن النّعمان بن بشيرٍ قال : سمعت النبيّ‏ صلى الله عليه وآله يقول : إنّ أهون أهل النار عذاباً يوم القيامة رجلٌ على أَخْمَص قدميه جمرتان يغلي منهما دِماغه كما يغلي المِرْجَل والقُمْقُم .

وفي إسناده : عبد الله بن رجاءٍ أبو عمرٍو الغُدَانيّ البصريّ ، قال ابن مَعينٍ : كثير التصحيف ، وقال أيضاً : ليس من أصحاب الحديث ، وقال الفلّاس : كثير الغلط والتصحيف ، ليس بحجّةٍ (73) .

وفيه أيضاً : إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعيّ ، قال صالح بن أحمد عن أبيه : إسرائيل عن أبي إسحاق فيه لِيْنٌ ، سمع منه بأَخَرَة ، وقال يعقوب بن شيبة : في حديثه لِيْنٌ ، وقال عليّ بن المَدِينيّ : ضعيفٌ .

وأطلق ابن حَزْمٍ ضعفَ إسرائيل ، وردّ به أحاديثَ من حديثه .

وقال عبد الرحمن بن مهديٍّ : إسرائيل لِصٌّ يسرق الحديث (74) .

وأخرج مسلم أيضاً في (صحيحه) (75) قال : حدّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة ، حدّثنا أبو أُسامة ، عن الأعمش ، عن أبي إسحاق ، عن النُّعمان بن بشيرٍ ، قال : قال رسول الله‏ صلى الله عليه وآله : إنّ أهون أهل النار عذاباً مَن له نعلان وشِراكان يغلي منهما دِماغه كما يغلي المِرْجَل ، ما يرى أنّ أحداً أشدّ منه عذاباً ، وإنّه لأَهْوَنُهم عذاباً .

وفي إسناده : أبو أُسامة حمّاد بن أسامة بن زيدٍ الكوفيّ ، قال ابن سعدٍ : يدلّس ويبيّن تدليسه ، وحكى الأزديّ في (الضعفاء) عن سفيان بن وكيعٍ قال : كان أبو أُسامة يتتبّع كتب الرواة فيأخذها وينسخها ، قال سفيان : إنّي لأعجب كيف جاز حديث أبي أُسامة ؟! كان أمره بيِّناً ، وكان من أسرق الناس لحديثٍ جيّدٍ (76) ، وقال المُعيْطيّ : كان كثيرَ التدليس (77) .

وفي إسناده أيضاً : سليمان بن مِهْران الأعمش الكاهليّ الأسديّ ، وقد كان يدلِّس تدليسَ التسوية - كما مرّ - وهو جَرْحٌ بلا شكٍّ - كما قال الحافظ ابن حجرٍ - قادحٌ فيمن تعمَّد فعْلَه - كما قال الحافظ العراقيّ ـ .

ومع ذلك فإنّه عَنْعَنَ في حديثه هذا ، والمدلّس لا يُقْبَلُ من حديثه إلّا ما صرّح فيه بالسَّماع - كما هو مقرَّر في محلّه - .

وأخرج أحمد في (مسنده) (78) أيضاً حديثَ الباب عن يحيى بن سعيدٍ ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعيّ الكوفيّ ، وقد عرفت أنّ جميع طرق حديث النُّعمان بن بشيرٍ تنتهي إليه ، وتدور عليه .

قال أبو بكر البرديجيّ في (المراسيل) : قيل : إنّ أبا إسحاق لم يسمع من سليمان ابن صُرَدٍ ولا من النُّعمان بن بشيرٍ ولا من جابر بن سَمُرَة .

وقال ابن حِبّان : كان مدلّساً ، وكذا ذكره في المدلّسين حسين الكرابيسيّ وأبو جعفرٍ الطبريّ .

وقال ابن المَدِينيّ في (العِلَل) : قال شعبة : سمعتُ أبا إسحاق يحدّث عن الحارث ابن الأَزْمَع بحديثٍ ، فقلت له : سمعتَ منه ؟ فقال : حدّثني مُجالِدٌ ، عن الشَّعبيّ عنه ، قال شعبة : وكان أبو إسحاق إذا أخبرني عن رجلٍ قلت له : هذا أكبر منك ؟ فإن قال : نعم ، علمتُ أنّه لقي ، وإن قال : أنا أكبر منه ، تركته .

وقال الجُوزَجانيّ : أبو إسحاق روى عن قومٍ لا يُعرَفون ، ولم ينتشر عنهم عند أهل العلم إلّا ما حكى أبو إسحاق عنهم .

وقال : حدّثنا إسحاق ، حدّثنا جَرير ، عن مَعنٍ ، قال : أفسد حديثَ أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق - يعني للتدليس (79) - .

وبعدُ ، فإنّ النُّعمان بن بشيرٍ كان قد استعمله معاويةُ بن أبي سفيان على الكوفة أشْهُراً ، ثمّ نقله من إمْرَة الكوفة إلى إمْرَة حِمْص (80) ، واستعمله عليها - بعدَه - ابنُه يزيد ، وكان هواه مع معاوية ، وميله إليه وإلى ابنه يزيد - كما قال ابن الأثير بترجمته في «أُسْد الغابة» (81) - فلا غَرْوَ أن يتَحَذْلَق ويتملَّق لبني أُميّة - فراعنة الأمّة - فيُحدّث بمثل هذا الحديث على صَهَوات المنابر ، تقرّباً إليهم وتطييباً لنفوسهم ، كما كان ذلك دأب أهل الشام وغيرهم من أهل الأمصار ممّن اتّخذ إلههُ هواه ، وباع آخرته بدنياه { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (82) } .

ثمّ إنّ في سَماعه من النبيّ‏ صلى الله عليه وآله خلافاً ، فقال يحيى بن مَعينٍ : أهل المدينة يقولون : لم يسمع من النبيّ‏ صلى الله عليه وآله وأهل العراق يُصحّحون سَماعه (83) .

وقال ابن عبد البِرّ في (الاستيعاب) (84) : لا يُصحّح بعضُ أهل العلم سَماعَه من رسول الله‏ صلى الله عليه وآله وهو عندي صحيحٌ ، لأنّ الشَّعْبيّ يقول عنه : سمعت رسول الله‏ صلى الله عليه وآله - في حديثين أو ثلاثة - (اهـ) .

لكن قال ابن مَعينٍ : ليس يروي عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله حديثاً يقول فيه : سمعت ، إلّا في حديث الشَّعْبيِّ : «الجسد مُضْغَة» والباقي من حديثه إنّما هو عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله ليس فيه «سمعتُ» (85) فتنبّه .

 

( فصل )

وأمّا حديث عبد الله بن عبّاسٍ ‏رضى الله عنه فقد أخرجه أحمد في (مسنده) (86) قال : حدّثنا عفّان ، حدّثنا حمّاد ، أخبرنا ثابت ، عن أبي عثمان النَّهْديّ ، عن ابن عبّاسٍ أنّ رسول الله‏ صلى الله عليه وآله قال : أهون أهل النار عذاباً أبو طالبٍ ، وهو متنعِّل نعلَيْن من نارٍ يغلي منهما دِماغه .

ورواه مسلم في (صحيحه) (87) عن أبي بكر بن أبي شَيْبة ، عن عفّان ، به .

وفي إسناده : حمّاد بن سَلَمة بن دينارٍ البصريّ ، قال الحافظ ابن حجرٍ في (هَدْي الساري) (88) : استشهد به البخاريّ تعليقاً ، ولم يخرّج له احتجاجاً ولا مقروناً ولا متابعةً إلّا في موضعٍ واحدٍ قال فيه : قال لنا أبو الوليد : حدّثنا حمّاد بن سَلَمة ، فذكره ، وهو في (كتاب الرِّقاق) .

قال ابن حجرٍ : وهذه الصيغة يستعملها البخاريّ في الأحاديث الموقوفة ، وفي المرفوعة أيضاً إذا كان في إسنادها من لا يُحتجّ به عنده (اهـ) .

قلت : أبو الوليد هو الطيالسيّ ، هشام بن عبد الملك البصريّ ، احتجّ به الجماعة ومنهم البخاريّ ، وقد روى عنه في (صحيحه) مائةً وسبعة أحاديث (89) .

وقال الحاكم : لم يحتجّ به مسلم - يعني حمّاداً - إلّا في حديث ثابتٍ عن أنسٍ (90) ، وأمّا باقي ما أخرج له فمتابعة (91) .

وقال ابن سعدٍ : ربّما حدّث بالحديث المنكر (92) .

وقال ابن حجرٍ في (التقريب) (93) : تغيّر حفظه بأَخَرَة .

( فصل )

وأمّا حديث أبي هُرَيْرة الدَّوْسيّ ؛ فقد أخرجه أحمد في (مسنده) والدَّارِميّ في (سننه) وابن حِبّان في (صحيحه) والطبرانيّ في (الأوسط) والحاكم في (المستدرك) (94) بطرقهم عن محمّد بن عَجْلان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبيّ‏ صلى الله عليه وآله قال : أهون أهل النار عذاباً عليه نعلان يغلي منهما دِماغه .

قلت : مَن كان عارفاً بأحوال أبي هريرة وأقواله ، واقفاً على سيرته في التزلّف إلى طغاة بني أميّة ، والتقرّب إلى أُمراء بني مروان وحكّامهم ؛ بوضع الأحاديث التي فيها إزراءٌ على آل أبي طالبٍ وانتقاصٌ لهم - شأن غيره من النواصب - لم يَرْتَبْ في اتّهامه بهذا الحديث وإلصاقه به ، وعدم انفكاكه عن وَضْعه .

وإذا الفِرْية في آفاقنا ذُكِرَتْ‏

فإنّما به فينا يُضرب المَثَلُ‏

وإن ابتغيتَ تحقيقَ ذلك ، ورُمْتَ الوقوفَ على حقيقة ما كان عليه (أبو هريرة) فعليك بما جمعه الإمام ابن شرف الدين العامليّ رحمه الله تعالى في سيرته ، وانتقده من أحاديثه ، والله يتولّى هُداك .

 

( فصل )

وأمّا حديث عُبيد بن عُمير بن قَتادة الجُندعيّ؛ فقد رواه البزّار عنه قال : قال رسول الله‏ صلى الله عليه وآله : إنّ أدنى‏ أهل النار عذاباً لرجلٌ عليه نعلان يغلي منهما دِماغه ، كأنّه مِرْجَلٌ ، مسامعه جَمْرٌ ، وأضراسه جَمْرٌ ، وأشفاره لَهَبُ النار ، وتخرج أحشاء جَنْبَيه من قدميه ، وسائرهم كالحبّ القليل في الماء الكثير ، فهو يفور .

قال المنذريّ (95) : رواه البزّار مرسلاً بإسنادٍ صحيح .

 

( فصل )

وأمّا حديث عامر بن شُراحيل الشَّعْبيّ ؛ فقد أخرجه ابن جريرٍ في (تفسيره) (96) قال : حدّثنا ابن حُميدٍ ، قال : حدّثنا جَريرٌ ، عن عطاءٍ ، عن عامرٍ : لمّا حضر أبا طالبٍ الموتُ قال له النبيّ‏ صلى الله عليه وآله : يا عمّاه ، قل : لا إله إلّا الله ، أشهد لك بها يومَ القيامة ، فقال له : ياابن أخي ، إنّه لولا أن يكون عليك عارٌ لم أُبالِ أن أفعل ، فقال له ذلك مراراً ، فلمّا مات اشتدّ ذلك على النبيّ‏ صلى الله عليه وآله وقالوا : ما تنفع قرابة أبي طالبٍ منك ؟ فقال : بلى‏ ، والذي نفسي بيده إنّه الساعةَ لفي ضَحْضاحٍ من النار ، عليه نعلان من نارٍ تغلي منهما أُمّ رأسه ، وما من أهل النار من إنسان هو أهون عذاباً منه .

قلت : ذا حديثٌ مرسلٌ ، ومحمّد بن حُميدٍ الرازيّ - شيخ ابن جريرٍ - كذّبه الجمّ الغفير من أئمّة الجرح والتعديل (97) .

وفي طريقه أيضاً : جرير بن عبد الحميد بن قُرْطٍ الضَّبّيّ أبو عبد الله الرازيّ ، وقد حكى الشاذكونيّ عنه ما يدلّ على التدليس ، قال : حدّثنا - يعني جريراً - عن مُغِيرَة ، عن إبراهيم ؛ في طلاق الأخرس ، ثمّ حدّثنا به عن سفيان ، عن مُغِيرة ، ثمّ وجدته على ظهر كتابٍ لابن أخيه ، عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن مُغِيرَة .

قال : سليمان الشاذكونيّ : فوقّفتُ جريراً عليه فقال لي : حدّثنيه رجلٌ عن ابن المبارك ، عن سفيان ، عن مُغِيرَة ، عن إبراهيم .

قال الحافظ ابن حجرٍ : إنْ صحّت حكاية الشاذكونيّ فجريرٌ كان يدلّس (98) (اهـ) .

ثمّ إنّ جريراً قد سمع من عطاء بن السَّائب بعدَ اختلاطه ، فليس سَماعه بشي‏ءٍ - كما قال الإمام أحمد - وقال ابن مَعينٍ : ما سَمِعَ منه جَريرٌ وذووه ليس من صحيح حديثه ، وقال أيضاً : جميع من سمع من عطاءٍ سمع منه في الاختلاط إلّا شعبة والثوريّ (99) .

وقال ابن الجارود في (الضُّعفاء) : حديث سفيان وشعبة وحمّاد بن سَلَمة عنه جيّدٌ ، وحديث جريرٍ وأشباه جريرٍ ليس بذاك (100) .

وفي الطريق أيضاً : أبو عمروٍ عامر بن شُراحيل الهَمْدانيّ الشَّعْبيّ ، وقد كذّبه إبراهيم النخعيّ ، قال ابن عبد البَرّ في (جامع بيان العلم وفضله) (101) : ذكر الحسن بن عليٍّ الحلوانيّ ، قال : حدّثنا نعيم بن حمّادٍ ، حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش قال : كنتُ عند الشَّعبيّ فذكروا إبراهيم ، فقال : ذاك رجلٌ يختلف إلينا ليلاً ويحدّث الناس نهاراً ، فأتيتُ إبراهيم فأخبرته ، فقال : ذاك يحدّث عن مسروقٍ ، والله ما سمع منه شيئاً قطّ .

وقال ابن عبد البَرِّ أيضاً : حدّثنا أحمد بن محمّدٍ ، حدّثنا أحمد بن الفضل ، حدّثنا محمّد بن جريرٍ ، حدّثنا زكريّا بن يحيى ، حدّثنا قاسم بن محمّد بن أبي شَيْبة ، حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش قال : ذُكر إبراهيم النخعيّ عند الشَّعْبيّ فقال : ذاك الأعور الذي يستفتي بالليل ويجلس يُفتي الناسَ بالنهار ، قال : فذكرتُ ذلك لإبراهيم فقال : ذاك كذّابٌ ، لم يسمع من مسروقٍ شيئاً .

قال ابن عبد البَرّ : وذكر ابن أبي خَيْثَمة هذا الخبر عن أبيه ، قال : كان هذا الحديث في كتاب أبي معاوية ، فسألناه عنه فأبى‏ أن يحدّثنا به (102) (اهـ) .

على أنّ الشَّعْبيّ ممّن والى‏ بني أميّة اللئام - الشجرةَ الملعونةَ في القرآن - فكان من قضاة بني مروان ، وقد حُكي أنّ جميلة بنت عيسى بن جرادٍ - وكانت جميلةً كاسمها - ارتفعت إليه مع خصمٍ لها ، وكان الشَّعْبيُّ قاضي عبد الملك فقضى‏ لها ، فقال هُذَيْل الأشجعيّ :

فُتِنَ الشَّعْبيُّ لَمّا *** رَفَع الطَّرْفَ إليها

فَتَنَتْهُ بثنايا *** ها وقَوْسَيْ حاجِبَيْها

وَمَشتْ مَشْياً رُوَيْداً *** ثمّ هزّت مَنْكِبَيْها

فقضى‏ جَوْراً على الخص *** -م ولم يقضِ عليها

فقبض الشعبيّ عليه وضربه ثلاثين سوطاً (103) .

وكان من المتحاملين على أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، فقد دخل على الحجّاج بن يوسف الثقفيّ ونال من أمير المؤمنين‏عليه السلام فغضب منه الحسن البصريّ وجعل يعظه (104) .

وقال شمس الدين أبو الخير محمّد بن الجَزَريّ في (طبقات القرّاء) (105) : رُوِّينا عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ أنّه قال : ما رأيتُ ابنَ أُنثى أَقْرَأ لكتاب الله تعالى‏ من عليٍ‏ عليه السلام .

وقال أيضاً : ما رأيتُ أقرأَ من عليٍ‏عليه السلام عرض القرآن على النبيّ‏ صلى الله عليه وآله .

قال ابن الجَزَريّ : وهو من الذين حفظوه أَجْمَعَ بلا شكٍّ عندنا ، وقد أَبْعَدَ الشَّعْبيُّ في قوله : إنّه لم يحفظه .

قال يحيى بن آدم : قلت لأبي بكر بن أبي عيّاشٍ : يقولون : إنّ عليّاً رضى الله عنه لم يقرأ القرآن ، فقال : أبطل مَن قال هذا ، عرض عليه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ وأبو الأسود الدُّؤَليّ وعبد الرحمن بن أبي ليلى (اهـ) .

فإذا كان هذا قوله في أمير المؤمنين ؛ فما ظنّك بقوله في أبيه ، فلا بِدْعَ أن يتجاهر بعداوة آل أبي طالبٍ ، فيروي مثل هذا الإفك البيِّن في حقّ شيخهم و{ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (106) } .

على أنّه قد روى عبد الله بن أبي الصَّقر ، عن الشَّعْبيّ يرفعه عن أمير المؤمنين عليٍ‏عليه السلام قال : كان - والله - أبو طالبٍ عبد مناف بن عبد المطّلب مؤمناً مسلماً ، يكتم إيمانه مخافةً على‏ بني هاشمٍ أنْ تُنابذها قريش (107) .

 

( فصل )

وأمّا حديث يزيد بن أبان الرقاشيّ ، فقد رواه أحمد بن عبد الجبّار ، عن يونس ابن بُكَيْرٍ ، عن سِنان بن إسماعيل الحنفيّ ، عن يزيد الرقاشيّ ، قال : قيل لرسول الله‏ صلى الله عليه وآله : يارسول الله ، أبو طالبٍ ونُصْرته لك وحَيْطَته عليك ، أين منزلته ؟ فقال رسول الله‏ صلى الله عليه وآله : هو في ضَحْضاحٍ من نارٍ ، فقيل : وإنّ فيها لضَحْضاحاً وغَمْراً ؟! فقال رسول الله‏ صلى الله عليه وآله : نعم ، إنّ أدنى‏ أهل النار منزلةً لمن يُحذى له نعلان من نارٍ يغلي من وَهَجِهما دِماغُه حتّى يسيل على قوائمه (108) .

قلت : هذا حديثٌ مرسَلٌ مطعونٌ في إسناده ، وذلك أنّ أحمد بن عبد الجبّار بن محمّدٍ التميميّ العطارديّ كان يكذب - كما قال مطيّن - وقال ابن أبي حاتمٍ : كتبتُ عنه وأمسكتُ عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه ، وقال أبو أحمد الحاكم : ليس بالقويّ عندهم ، تركه ابن عُقْدَة ، وقال ابن عَدِيٍّ : رأيتُ أهلَ العراق مجمعين على ضَعْفه (109) .

وأمّا يونس بن بُكَيْر بن واصلٍ الشيبانيّ ؛ فقد قال أبو داود : ليس هو عندي بحجّةٍ ، كان يأخذ ابنَ إسحاق فيوصله بالأحاديث ، وقال النسائيّ : ليس بالقويّ ، وقال مرّةً : ضعيفٌ ، وقال الجُوزَجانيّ : ينبغي أن يُتَثَبَّت في أمره ، وقال الساجيّ : كان ابن المَدِينيّ لا يحدّث عنه ، وقال أحمد بن حنبلٍ : ما كان أزهدَ الناس فيه وأَنْفَرَهم عنه ، وقال ابن أبي شيبة : كان فيه لِيْنٌ (110) .

وأمّا سِنان بن إسماعيل الحنفيّ ؛ فلم أعرفه .

وأمّا أبو عمروٍ يزيد بن أبان الرقاشيّ البصريّ ، فقد قال ابن سعدٍ : كان ضعيفاً قَدَريّاً ، وقال الفلّاس : كان يحيى بن سعيدٍ لا يُحدّث عنه ، وقال البخاريّ : تكلّم فيه شعبة ، قال شعبة : لئن أزني أحبّ إليّ من أنْ أُحدّث عن يزيد الرقاشيّ ، وقال أحمد : لا يُكتب حديث يزيد ، وقال أيضاً : كان منكرَ الحديث ، وقال ابن مَعينٍ : ليس حديثه بشي‏ءٍ ، وقال أيضاً : ضعيفٌ ، وكذا قال الدارقطنيّ والبرقانيّ .

وقال يعقوب بن سفيان : فيه ضَعْفٌ ، وقال أبو حاتمٍ : في حديثه ضَعْفٌ ، وقال النسائيّ والحاكم أبو أحمد : متروك الحديث ، وقال النسائيّ أيضاً : ليس بثقةٍ ، وقال ابن حِبّان : لا تَحِلُّ الرواية عنه إلّا على جهة التعجّب (111) .

 

( فصل )

فإن قال قائلٌ : لا سبيلَ إلى ردّ حديث الضَّحْضاح وإبطاله ، والطَّعن عليه بخَلْقه وافتعاله ، لأنّ الشيخين قد اتّفقا على إخراجه في (الصحيحين) وهما أصحّ الكتب بعد كتاب الله العزيز بإجماع العلماء ، وتلقَّتْهما الأمّة بالقبول (112) .

قلنا : سبحانك اللّهمَّ هذا بُهتانٌ عظيم ، قُتِل الأفّاك الأثيم ، كيف وأنّ هذه دعوىً زائفة وحديث خُرافة ، لا يتفوّه بها إلّا مَن لم يُمْعِنْ نظرَه فيما يقول ، وإنْ عُدَّ صاحبها من الجهابذة الفحول .

فقد نقل الحافظ شمس الدين ابن الجَزَريّ في (المَصْعد الأحمد) (113) عن ابن تَيميّة أنّه قال : إنّ الموضوع يُراد به ما يُعلم انتفاء خبره ، وإن كان صاحبه لم يتعمّد الكذب بل أخطأ فيه .

قال : وهذا الضَّرْب في المسْنَد - يعني مسند أحمد - منه ، بل وفي سُنَن أبي داود والنّسائيّ وفي صحيح مسلمٍ والبخاريّ أيضاً ألفاظٌ في بعض الأحاديث من هذا الباب (اهـ) .

وصرّح ابن حَزْمٍ وجماعة بوضع الحديث الذي رواه مسلم من طريق عِكْرِمَة ابن عمّارٍ ، عن أبي زُمَيْلٍ ، عن ابن عبّاسٍ قال : كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعدونه ، فقال للنبيّ‏ صلى الله عليه وآله : يا نبيَّ الله ، ثلاثٌ أعطنيهنّ ، قال : نعم ، قال : عندي أحسن العرب وأجمله أُمّ حبيبة بنت أبي سفيان أُزوّجكها ، قال : نعم . . الحديث .

فهذا مخالفٌ لما ثبت بالتواتر أنّ اُمّ حبيبة تزوّجها رسول الله‏ صلى الله عليه وآله قبل إظهار أبي سفيان للإسلام ، زوّجها إيّاه النجاشيّ وهي في الحبشة ، ثمّ قَدِمَت على رسول الله‏ صلى الله عليه وآله قبل أن يُظهر أبوها الإسلام ، لا خلاف بين أهل السِّيَر في ذلك (114) .

قال الحافظ أبو الفيض شهاب الدين أحمد بن الصِّدِّيق : والحقّ أنّه موضوعٌ حصل عن سهوٍ وغلطٍ ، لا عن قَصْدٍ وتعمّدٍ ، والموضوع الذي من هذا القبيل موجودٌ في الصحيحين (115) (اهـ) .

وحديث الإسراء الذي رواه الشيخان من رواية شَريكٍ ؛ فيه زياداتٌ باطلة مخالفة لما رواه الجمهور ، وَهَمَ فيها شَريكٌ ، إلّا أنّ مسلماً ساق إسناده ولم يسُق لفظَه .

وأخرج البخاريّ من حديث أبي هريرة مرفوعاً : يلقى إبراهيم‏عليه السلام أباه آزَرَ يوم القيامة وعلى‏ وجه آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ - الحديث ، وفيه : فيقول إبراهيم : ياربّ ، إنّك وعدْتني أنْ لا تُخْزيَني يومَ يُبعثون ، فأيّ خزيٍّ أخزى‏ من أبي .

وقد طعنوا فيه بأنّه مخالفٌ لقوله تعالى‏ : { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ‏ِ تَبَرَّأَ مِنْهُ (116) } .

وقال الإسماعيليّ : هذا خبرٌ في صحّته نظر ، من جهة أنّ إبراهيم‏عليه السلام عَلِمَ أنّ الله لا يُخلف الميعاد ، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزياً ، مع علمه بذلك؟

وأخرج مسلم عن أبي هريرة أيضاً : خلق الله التربة يوم السبت ، وذكر باقي الأيّام ، وقد حكموا بوضعه لمخالفته نصَّ القرآن في أنّ الخلق كان في ستّة أيّامٍ لا في سبعةٍ ، ولإجماع أهل الأخبار على أنّ السبت لم يُخْلَقْ فيه شي‏ءٌ ، وقد بيّن علّته البيهقيّ في (الأسماء والصفات) وأشار إلى بعضها ابن كثيرٍ في تفسير سورة البقرة ، وأنّه ممّا غلط فيه بعض الرواة فرفعه ، وإنّما سمعه أبو هريرة من كعب الأحبار .

إلى‏ غير ذلك من أَحْرُفٍ وقعت في (الصحيحين) من هذا القبيل ، ترى‏ الكثير منها في كلام ابن حزمٍ على الأحاديث (117) .

ونحن قد تكلّمنا على حديث السُّباطة وحديث سحر النبيّ‏ صلى الله عليه وآله - وهما في الصحيحين - في جزءَيْن مُفْردَيْن ، وبيَّنّا بطلانَهما وعدمَ صحّتهما ، فالله المستعان .

وصرّح الإمام الحافظ أبو الفيض شهاب الدين أحمد بن محمد بن الصدِّيق الحسنيّ الغُماريّ المغربيّ في خاتمة كتابه (المُغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير) (118) : بأنّ في أحاديث الصحيحين ما هو مقطوعٌ ببطلانه .

قال : ولا تَتَهيَّب الحكمَ عليه بالوضع لما يذكرونه من الإجماع على صحّة ما فيهما ، فإنّها دعوىً فارغةٌ لا تثبت عند البحث والتمحيص ، فإنّ الإجماع على صحّة جميع أحاديث الصحيحين غير معقولٍ ولا مقبول .

قال : وليس معنى هذا أنّ أحاديثهما ضعيفة أو باطلة ، أو يوجد فيها ذلك بكثرةٍ كغيرهما من المصنَّفات في الحديث ، بل المراد أنّه يوجد فيهما أحاديث غير صحيحةٍ ، لمخالفتها للواقع ، وإن كان سندها صحيحاً على شرطهما ، وقد يوجد من بينها ما هو على خلاف شرطهما أيضاً - كما هو مبسوطٌ في محلّه - (انتهى) .

ولسيّدنا الإمام الشريف ابن شرف الدين العامليّ رحمه الله تعالى سَبْرٌ عميقٌ - في بعض مصنّفاته - لجملةٍ من أحاديث الصحيحين الواردة من طريق أبي هريرة وغيره ، فينبغي لبُغاة الحقّ وأرباب العلم والفضل الوقوف على ذلك ، والله الموفّق والمستعان .

هذه نُبذة يسيرة ممّا يتعلّق بمتون أحاديث الصحيحين .

وأمّا أسانيدها ، فقد يوجد من بينها ما هو على خلاف شرط البخاريّ ومسلم - كما مرّ آنفاً في كلام الحافظ ابن الصِّدِّيق - بل في رجال الصحيحين من رُمي بالكذب والوضع وتحريف حديث الرسول صلى الله عليه وآله بل فيهم فسّاق ، زنادقة لا إسلامَ ولا ا يمانَ ، فضلاً عن العدالة في الرواية (119) .

فمعاذَ الله أن يكون الكتاب الذي فيه حديث حَريز بن عثمان وعمران بن حَطّان من الكتب المقتصرة على الصحيح ، ولو أجمع على ذلك الجنّ كما أجمع عليه البشر ، كذا أفاد شيخنا العلّامة المحدّث أبو اليسر جمال الدين عبد العزيز بن الصِّدِّيق في (الباحث) (120) .

قال رحمه الله تعالى : ومن رجع إلى ترجمة حَريز بن عثمان يعرف ما نقول ، ويتحقّق أنّ حديث الملعون ينبغي أنْ يُذكر في (الموضوعات) لابن الجوزيّ (اهـ) .

 

( فصل )

وهنا أمورٌ أخرى تحظُر التمسّكَ بهذه الأحاديث ، وتمنع اللَّبيب من الرُّكون إليها والتعويل عليها .

(الأوّل) : أنّ أحاديث الباب مضطربة ، ففي بعضها أنّه‏ صلى الله عليه وآله وجد عمّه أبا طالبٍ في غَمَراتٍ من النار فأخرجه إلى ضَحْضاحٍ منها ، وأنّه لولاه صلى الله عليه وآله لكان في الدَّرْك الأسفل من النار ، وهذا ظاهرٌ جدّاً في أنّ شفاعة النبيّ‏ صلى الله عليه وآله لعمّه بتخفيف العذاب عنه وإخراجه إلى الضَّحْضاح قد تحقّق في هذه الدُّنيا .

وهو ينافي ما في بعض الأحاديث ا لأُخْرى من رجائِه‏ صلى الله عليه وآله أن تنفعه شفاعتُه يوم القيامة فيُجعل في ضَحْضاحٍ من النار يبلغ كعبَيْه يغلي منه دِماغه ، أي أنّ ذلك لم يَقَعْ بَعْدُ ، وإنّما سيكون بشفاعته‏ صلى الله عليه وآله له يومَ القيامة ، فكيف الجمع والتوفيق بينهما ؟

(الثاني) : أنّ الأمّة متّفقةٌ على‏ أنّ الآخرة ليس فيها نارٌ سوى الجنّة والنار ، فالمؤمن يُدخله الله الجنّة ، والكافر يُدخله الله النار .

فإن كان أبو طالبٍ كافراً - على ما يقوله المخالف - فما بالُه يكون في ضَحْضاحٍ من نارٍ من بين الكفّار ، ولم تُجعل له نارٌ وحده من بين الخلائق.

والقرآن متضمِّنٌ أنّ الكافر يستحقّ التأبيد والخلود في النار ؟

فإن قيل : إنّما جُعل في ضَحْضاحٍ من نارٍ لتربيته للنبيّ‏ صلى الله عليه وآله وذَبِّه عنه ، وشفقته عليه ، ونَصْره إيّاه .

قلنا : تربية النبيّ‏ صلى الله عليه وآله والذبّ عنه وشفقته عليه والنصرة له طاعةٌ للَّه تعالى‏ يستحقّ في مقابلها الثواب الدائم ، فإن كان أبو طالبٍ فعَلها وهو مؤمن فما بالُه لا يكون في الجنّة كغيره من المؤمنين .

وإن كان فَعَلها وهو كافرٌ فإنّها غير نافعةٍ له ، لأنّ الكافر إذا فعل فعلاً للَّه تعالى فيه طاعة لا يستحقّ عليه ثواباً ، لأنّه لم يُوقِعْه لوجهه متقرِّباً به إلى الله تعالى ، من حيث إنّه لم يعرف الله تعالى ليتقرَّبَ إليه ، فيجب أن يكون عمله غير نافعٍ له ، فما استحقّ أن يُجعل في ضَحْضاحٍ من نارٍ .

فهو إمّا مؤمنٌ يستحقّ الجنّة - كما نقول - وإمّا كافرٌ يستحقّ التأبيد في الدَّرْك الأسفل‏ من ‏النارعلى ‏وجه ‏الاستحقاق ‏والهَوان ‏كغيره من‏ الكفّار، وهذا لايقوله مخالفنا.

وقد أبطلنا أن يكون في ضَحْضاحٍ من نارٍ ، فلم يبق إلّا أن يكون في الجنّة - كما أفاد الإمام شمس الدين فخّار بن مَعَدٍّ رحمه الله (121) .

وأيضاً فإنّ النبيّ‏ صلى الله عليه وآله قد علّق الشفاعة لعمّه رضي الله تعالى عنه - عند موته - بالنطق بكلمة الإخلاص ، فقال له : قل كلمةً تجب لك بها الشفاعة يومَ القيامة ، قل : لا إله إلّا الله (122) ، بل قد أناط بها مطلقَ الشفاعة - كما في أحاديث كثيرة - .

فالمنفيُّ عند انتفاء الشفاعة جنسُ الشفاعة ، بمعنى عدمها بالكلّيّة ؛ لعدم أهليّة الكافر لها حتّى في بعض مراتب العذاب ، فالشفاعة للتخفيف في العذاب من مراتبها المنفيّة ، فافهم (123) .

(الثالث) : أنّ الكافر ليس أهلاً للشفاعة مطلقاً ، كما قال سبحانه : { مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (124) } وقال عزّ من قائلٍ : { فما تنفعهم شفاعةُ الشافعين‏ } وإنّما هي لأهل لا إله إلّا الله ، ولمن مات لا يُشرك بربّه شيئاً (125) ، فلا تنال الشفاعة مُشْرِكاً ، ولذلك يُخلَّد الكفّارُ في نار جهنّم أعاذنا الله منها { لا يُخَفَّفُ عنهم العذابُ ولا هم يُنْظَرون‏ } { ولا هم يُنصرون ‏} { لهم شرابٌ من حميمٍ وعذابٌ أليمٌ بما كانوا يكفرون‏ } .

فإذا كان أبو طالبٍ قد مات كافراً - كما يزعم الخصم - فإنّه لا يُخفَّف عنه شي‏ءٌ من عذاب جهنّم ، ولا يُخرَج من الدَّرْك الأسفل من النار إلى ضحضاحٍ منها ، ولا كان النبيّ‏ صلى الله عليه وآله يسأل ربّه ما لا يكون .

ولكن قد ثبت بحديث الضحضاح قبول شفاعته‏ صلى الله عليه وآله في عمّه بتخفيف العذاب عنه وإخراجه من غَمَرات النار ، فدلّ ذلك على عدم إشراكه .

فيلزم منه بطلان هذه الأحاديث ، لمناقضتها لهذا الأصل المتقرِّر الذي لا مَحِيدَ عنه ، وما هذا شأنه يُردُّ ولا كرامَةَ (126) .

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ  الهوامش  ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 56ـ كشف الأستار عن زوائد مسند البزّار للهيثميّ ح‏3472 - البداية والنهاية 3/171 - السيرة النبوية : 2/128 .

57ـ كذا ، والصواب : عمر ، ولعلّ هذا التصحيف هو الذي حمل الهيثميّ في مجمع الزوائد (10/395) على‏ قوله : «وفيه مَن لم أعرفه» وإلّا فرجال هذا الإسناد ليس فيهم مَن لا يعرفه الحافظ الهيثميّ ، فتنبّه .

58ـ تهذيب التهذيب : 4/268 .

59ـ تهذيب التهذيب : 1/207 .

60ـ تهذيب التهذيب : 5/372 .

61ـ مسند أحمد : 4 / 274 .

62ـ هدي الساري : 460 - ميزان الاعتدال : 3 / 502 .

63ـ تهذيب التهذيب : 5 / 65 .

64ـ تهذيب التهذيب : 5 / 65 .

65ـ صحيح البخاريّ : 8 / 144 - المستدرك على الصحيحين : 4 / 581 .

66ـ صحيح مسلم : 2 / 188 - كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 890 ح‏964 - كتاب البعث والنشور : 268 - 269 ح‏541 .

67ـ هدي الساري : 459 - تهذيب التهذيب : 5 / 48 - ميزان الاعتدال : 3 / 490 .

68ـ تهذيب التهذيب : 5 / 272 - ميزان الاعتدال : 4 / 24 .

69ـ سنن الترمذيّ : 4 / 426 ح‏2604 - كتاب صفة جهنّم .

70ـ نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية : 2 / 217 .

71ـ تهذيب التهذيب : 6 / 104 - ميزان الاعتدال : 4 / 351 .

72ـ صحيح البخاري : 8 / 144 - كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 891 ح‏967- المستدرك على الصحيحين : 4 / 581- كتاب البعث والنشور : 269 ح‏543 .

73ـ تهذيب التهذيب : 3 / 139 .

74ـ تهذيب التهذيب : 1 / 168 - 169 ، ميزان الاعتدال : 1 / 209 .

75ـ صحيح مسلم : 2 / 188 - كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 890 ح‏965 - 2 / 291 ح‏966 ، المستدرك على الصحيحين : 4 / 850 - كتاب البعث والنشور : 270 ح‏544 .

76ـ تهذيب التهذيب : 2 / 5 - 6 ، هدي الساري : 418 .

77ـ ميزان الاعتدال : 1 / 588 .

78ـ مسند أحمد : 4 / 271 .

79ـ تهذيب التهذيب : 4 / 358 - 359 .

80ـ الاستيعاب : 3 / 552 - أُسْد الغابة : 5 / 328 - الإصابة : 3 / 559 .

81ـ اُسد الغابة في معرفة الصحابة : 5 / 328 .

82ـ البقرة : 16 .

83ـ تهذيب التهذيب : 5 / 629 .

84ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب : 3 / 551 .

85ـ تهذيب التهذيب : 5 / 628 - 629 .

86ـ مسند أحمد : 1 / 290 - 295 .

87ـ صحيح مسلم : 2 / 188 - كتاب الإيمان ، باب شفاعة النبيّ‏ صلى الله عليه وآله لأبي طالبٍ والتخفيف عنه بسببه - كتاب الإيمان لابن مَنْدة : 2 / 889 ح‏962- دلائل النبوّة : 2 / 348 - كتاب البعث والنشور : 270 ح‏546 - المستدرك على الصحيحين : 4 / 581 .

88ـ هدي الساري - مقدّمة فتح الباري : 419 .

89ـ تهذيب التهذيب : 6 / 34 .

90ـ وحديثه هذا عن ثابتٍ ، عن أبي عثمان النَّهْديّ .

91ـ تهذيب التهذيب : 2 / 12 - هدي الساري : 419 .

92ـ تهذيب التهذيب : 2 / 12 .

93ـ تقريب التهذيب : 178 .

94ـ مسند أحمد : 2 / 4322 - سنن الدارميّ : 2 / 797 ح‏2741 - صحيح ابن حِبّان : 16 / 513 ح‏7472 - المعجم الأوسط : 7 / 148 - 149 ح‏6267 - المستدرك على الصحيحين : 4 / 580 .

95ـ الترغيب والترهيب : 4/488 .

96ـ جامع البيان : 20 / 59 .

97ـ أُنظر : تهذيب التهذيب : 5 / 85 - 86 .

98ـ تهذيب التهذيب: 1 / 369.

99ـ تهذيب التهذيب : 4 / 131 .

100ـ تهذيب التهذيب : 4 / 133 .

101ـ جامع بيان العلم وفضله : 2 / 1099 .

102ـ جامع بيان العلم وفضله : 2 / 1100 .

103ـ شرح نهج البلاغة : 17 / 66 .

104ـ إحياء علوم الدين : 2 / 346 .

105ـ غاية النهاية في طبقات القرّاء : 1 / 546 .

106ـ الفجر : 14 .

107ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالبٍ : 122 .

108ـ سيرة محمد بن إسحاق : 239 - 240 .

109ـ تهذيب التهذيب : 1 / 36 .

110ـ تهذيب التهذيب : 6 / 275 .

111ـ تهذيب التهذيب : 6 / 195 - 196 ، وقال الحافظ ابن حجرٍ في (تلخيص الحبير : 3 / 181) : يزيد الرقاشيّ ضعيف .

112ـ شرح النوويّ على صحيح مسلم : 1 / 20 - هَدْي الساري : 12 - 364 .

113ـ المَصْعد الأحمد في ختم مسند أحمد : 16 .

114ـ اُنظر : شرح صحيح مسلم للنوويّ : 9 / 397 .

115ـ فتح الملك العليّ : 123 .

116ـ التوبة : 114 .

117ـ فتح الملك العليّ : 124 - وانظر : نفحات الأزهار : 6 / 182 - 235 .

118ـ المغير على الأحاديث الموضوعة في الجامع الصغير : 138 .

119ـ الباحث عن عِلل الطعن في الحارث : 12 - 21 .

120ـ الباحث عن عِلَل الطعن في الحارث : 6 .

121ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : 86 - 87 .

122ـ المستدرك على الصحيحين : 2 / 336 .

123ـ الغدير : 8 / 25 .

124ـ غافر : 18 .

125ـ أنظر : الترغيب والترهيب : 4 / 433 - 437 .

126ـ اُنظر : أسنى المطالب : 29 و 32 - 33 ، بلوغ المآرب : 144 - 146 .

127ـ اُنظر : روضة الواعظين : 1 / 138 - الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف : 1 / 298- الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : 64 - شرح نهج البلاغة : 14 - 65 - الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة : 48 - روح المعاني : 20 / 97 - بلوغ المآرب : 191 - الغدير : 7 / 384 - 385 .

128ـ اُنظر : دراسات اللبيب في الأُسوة الحسنة بالحبيب : 237 .

129ـ كنز الفوائد: 1 / 183 - أمالي الطوسيّ (أمالي ابن الشيخ): 702.

130ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : 84 - 85 .

131ـ كنز الفوائد : 1 / 183 - الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب : 82 - 83 .

132ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالبٍ : 83 - 84 .

133ـ الحجّة على الذاهب إلى تكفير أبي طالبٍ : 82 .

134ـ الصواعق المحرقة : 151 .

135ـ مرقاة المفاتيح : 5 / 600 .

136ـ شرح نهج البلاغة : 14 / 65 .