بنو هاشم

في وادٍ تُحيط به الجبال ، وتحفّ به التلال ، وفي مجتمع ظلّت الجاهلية بتقاليدها تنخر فيه . . . نشأت قبيلة بني هاشم من نسل إبراهيم الخليل(عليه السلام) ، وراحت من بين ثلاث وعشرين قبيلة شكّلت قريشاً ، تقف بكلّ شموخ وإباء; لتؤدي دورها التوحيدي ولتسطّر أروع الصفحات وأجملها ، وأفضل المواقف وأحسنها ، في تأريخ الإنسانية على الإطلاق . . . بما حملته من أخلاق عالية ، وصفات محمودة ، وخصال نادرة ، ومواقف فريدة ، تميّزت بها على أقرانها قبائل ورجالاً ونساءً...

فبنو هاشم ، سادة قريش بل سادة الدنيا ، فهم كما وصفهم الجاحظ : «ملح الأرض ، وزينة الدنيا ، وحلى العالم ، والسنام الأضخم ، والكاهل الأعظم ، ولباب كلّ كريم ، وسرّ كلّ عنصر شريف ، والطينة البيضاء ، والمغرس المبارك ، والنصاب الوثيق ، والمعدن الفهم ، وينبوع العلم . . .»1 .

فقد كان منهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، الذي ولد على رمال مكّة ، أكرم خلق الله تعالى على الإطلاق وأفضلهم وأشرفهم وأعظمهم من الأوّلين والآخرين ، فبه بزغ نور سرعان ما انتشر في الآفاق ، حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها ، فغدت الدنيا نيّرة بآيات الله تعالى ، التي حملها ، رحمةً للعالمين ـ داعياً الى الله ، بشيراً ونذيراً ـ شاخصةً بالعزّ والشموخ ، نابضةً بالحياة ، التي غدت تضجّ بين جنبات ذلك المجتمع السادر في غيّه وشركه ، الضال عن الصراط ، الغارق في آلامه ومشاكله ، وعدوانيته وغزواته ، وظلمه وطغيانه ، ولهوه وترفه . . . فوردت كلّ مفاصله ونواحيها; لتقلبه رأساً على عقب ، وتخلق منه أمّةً تأمر بالمعروف وتنهى عن المُنكر ، وزخرت بعطاء دائم وخير عميم ، ما انفكّت الأجيال المتعاقبة تنتفع منه وتقتطف ثماره ما دام ليل وبقي نهار ، لا يعرف النضوب أبداً ، ولا يحدّه شيء ، ولا ينتهي بأمد ، ظلّ معينها يتجدّد وعطاؤها يتّسع ، وكيف لا يكون كذلك وهو عطاء السماء ، الذي منّ الله به على رسوله(صلى الله عليه وآله); لتباركه على يديه ، فينضج كلّ ما بذره ، ويدوم طويلاً ، ويخلد ما شاء الله له الخلود والبقاء . . .

أبو طالب والنوراليتيم

هذا النور العظيم اليتيم منذ ولادته ، راحت قلوب طيبة تحتضنه ، وأيدٍ مباركة ترعاه ، يد جدّه عبدالمطلب الذي تشرّفت برعايته واحتضانه ، ثمّ كانت يد عمّه (أبو طالب) شيبة بني هاشم ، شيخ قريش وزعيمها ، وسيّد قومه ، الذي انطوت نفسه على خصال كريمة كلّها شموخ وإباء وشهامة وعزّة . . .

فكان الكافل المدافع الذابّ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، والذي أحاطه بعناية عظيمة ورعاية قلّ نظيرها ، خاصة إذا عرفنا مكانته في قبائل قريش وبين زعمائها ، وما سبّبه ذلك من إحراج له ، وضيق وأذًى . . . ومع هذا كلّه ، فقد صبر أيما صبر دفاعاً عن محمّد ورسالته ، حتى أنّ قريشاً لم تكن قادرةً على أذى رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع عظيم رغبتها في ذلك ، وكانت تتحين الفرص للإيقاع به ، لكنها لم تستطع حتى توفي أبو طالب ، فراحت تكيد له . . .

يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «والله ما نالت قريش منّي شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب » . ولم يهاجر إلى المدينة ، إلاّ بعد وفاة عمّه رضوان الله عليه .

* * *

فالحديث عن «أبو طالب» حديث عن الصمود والإباء ، حديث عن الإيمان الواعي ، والموقف الحكيم ونكران الذّات ، حديث عن الظلامة التي تلاحقه ، وما زالت إلى يومنا هذا .

ولا يضرّ ولا يفتّ في مواقفه ما يُقال هنا وهناك ، من أنّ أبا طالب لم يكن مؤمناً وقد مات كافراً ، إنّه نتيجة من نتائج الصراع والنزاع الطويل والعميق في تاريخ كلا الأُسرتين : أُسرة الخير والعطاء أُسرة بني هاشم ، وأُسرة بني أُمية المعروفة بالكيد والشرّ ، وتأريخ الأُسرتين واضح بيّن لمن أراد الاطلاع عليه ، إنّه نزاع بين الخير والشرّ ، بين الفضيلة والرذيلة ، بين المعروف والمُنكر ، وقد تمخّض هذا الاختلاف ، بل الصراع عن أُمور كثيرة ، كان منها إتهام شيخ الأُسرة وعميدها ، بل عميد قريش وزعيمها وحليمها وحكيمها بالكفر ، مع تاريخه الناصع ، وذبّه العنيد عن الرسالة والرسول ومواقفه الجليلة ، التي ملأت عصر الرسالة الأوّل عصر التأسيس قوّةً وثباتاً .

لقد حفل تأريخ الرسالة في صدر الإسلام بمواقف عظيمة وأقوال جليلة لشيخ قريش وسيّدها بلا منازع ، أثّرت أثرها وتركت بصماتها على مسيرة الرسالة ، فقد راحت مواقفه تتصدّر أولى مراحل الرسالة ، تضحيةً وصبراً وثباتاً ، وبما تحمله بين طيّاتها من آلام ومأساة تعرّض لها شيخ قريش وسيّدها ، فكان الملاذ الأوّل لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وكان الحضن الأوّل لدعوة السماء ، حيث كانت الدعوة تأخذ مسارها بفضل ما قيّضه الله لها من رجال يحمونها ويضحون في سبيلها وكان أبو طالب أوّلهم ، فحمايته لابن أخيه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، والدفاع عنه وعن رسالته ، أمر لا يرتاب فيه أحدٌ ، ولا ينكره منكِرٌ ، وهذا ما يراه كلّ باحث في حوادث العصر الأوّل للإسلام ، وما سنلخصه في مقالتنا هذه .

اسمه

اختلفت الأقوال في اسمه : فقول ذهب إلى أنّ اسمه هو كنيته «أبو طالب» ، وقول ذهب إلى أنّ اسمه «عمران» ، وقول ثالث : ذهب إلى أنّ اسمه «شيبة» وقول أخير ، ويبدو أنّه الأصح ، ذهب إلى أنّ اسمه «عبدمناف» ، وقد استدل أصحاب هذا القول بقول أبيه عبد المطلب وهو يوصيه بحفيده يتيم بني هاشم رسول الله(صلى الله عليه وآله)محمّد بن عبدالله(صلى الله عليه وآله) :

 

أوصـيك يـاعـبد مــنافٍ بــعدي ***  بــواجــد بــعد أبـيه فـرد

وقال أيضاً :

وصــيتُ مــن كــنيته بـطالـب *** عـبد مــناف وهو ذو تـجارب

بـابـن الــحبيب أكــرم الأقـارب *** بـابـن الذي قد غـاب غير آئب2

 

ألقابه

هذا في اسمه ، وأمّا ألقابه فكثيرة ، منها : شيخ الأبطح ، سيد البطحاء ، رئيس مكّة ، بيضة البلد .

كنيته :

وأما كنيته فهي : « أبو طالب » وبها اشتهر حتى طغت على أسمائه .

إذن فهو أبو طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة ، ابن مذركة ابن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .

ونحن إذ نقف على عدنان; لأنّ المُشتغلين بالأنساب اتّفقوا على هذا النسب حتى عدنان ، واختلفوا في عدد أجداده بعد عدنان حتى نبيّ الله اسماعيل . فقيل أربعة أجداد بين عدنان واسماعيل ، وقيل سبعة ، فيما ذهب فريق ثالث إلى أربعين أباً .

ولأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) كان إذا انتسب يقف على عدنان ولا يتجاوزه ، ويقول : كذب النسّابون ، قال الله تعالى : {وقروناً بين ذلك كثيراً}3 .

صفاته

عُرف أبو طالب بحكمته وحلمه وشجاعته الفذّة ، وشاعريته المستوقدة ، التي إن لم يوقفها كلّها على خدمة وتأييد رسول الله(صلى الله عليه وآله) والدعوة إلى ما جاء به من الحقّ ، فقد أوقف أكثرها من أجل ذلك ، وكان وسيماً ، جسيماً ، عليه بهاء الملوك ، و وقار الحكمة ، وكانت قريش تسميه الشيخ ، وكانوا يهابونه ويخافون سطوته ، ويسمونه ببيضة البلد ، ويلقبونه بشيخ الأبطح . . .4

قيل لأكثم بن صيفي حكيم العرب : ممّن تعلمت الحكمة والرياسة ، والحلم والسيادة؟

قال : من حليف الحلم والأدب ، سيد العجم والعرب ، أبو طالب بن عبدالمطلب .

وجرى ذات يوم كلام خشن بين معاوية وصعصعة وابن الكواء .

فقال معاوية : لولا أنّي أرجع إلى قول أبي طالب لقتلتكم وهو :

قـابلت جـهلهم حـلماً ومـغفرة *** والعفو عن قدرةٍ ضرب من الكـرم

أبوه

غني عن التعريف ، ولكنّ المقام يدفعنا إلى ذكر شيء من حياته ومناقبه ، فهو عبد المطلب ، شيبة الحمد ، أمير مكّة وشريفها ، كان سيّد قومه بلا منازع ، ومفزع قريش في نوائبها ، وملجأها ، وكيف لا يكون كذلك ، وهو حكيمها وحليمها وزعيمها . . . وكان موحّداً لم يعبد صنماً قط ، وصاحب الأخلاق العالية ، التي خلقت منه إنساناً ذا مهابة و وقار وهيبة وميل إلى الدين والنسك والكرم حتّى سمّي بمطعم الطير . . . وهو الذي قام بحفر ماء زمزم ، التي تفجّرت تحت قدمي جدّه اسماعيل من قبل ، بعد أن غاب أثرها ، ولم يهتدِ إليها أحدٌ حتى هتف هاتف في منامه ، فراح يحفر حتى اهتدى إليها ، مستعيناً بابنه الحارث ، وحيده يومذاك . كما كان صاحب الشرائع الفاضلة ، فهو الذي سنّ السنن التالية :

الوفاء بالنذر ، قطع يد السارق ، النهي عن قتل المؤودة ، تحريم الخمر ، تحريم الزنا ، المنع من نكاح المحارم ، حظر طواف العراة بالبيت الحرام ، وهي سنّة كان يعمل بها عند بعض قبائل الجاهلية . . .

وكلّها نالت قبول الإسلام وأمضاها ، هذا إضافةً إلى ما امتاز به من خصالٍ فريدة ، وصفات جليلة ، راح يهذّب أولاده ومَن حوله على التحلّي والالتزام بها .

ونكتفي هنا بذكر موقف عظيم له ، يدلّ على عمق إيمانه وصدق توجّهه نحو الله تعالى واليوم الآخر ، وهو ما دار بينه وبين أحد طغاة عصره وهو ابرهة الحبشي :

فقد كانت لعبد المطلب ولاية البيت الحرام من السقاية والرفادة . . . فخذل الله على يديه إبرهة الحبشي وجنده ، الذين جاؤوا لهدم الكعبة ، وصرف الحاجّ عنها إلى بيتٍ بناه في اليمن ، ليكون بديلاً عن الكعبة ، ويجني من عمله هذا مصالح ومنافع كثيرة . . . ولما التقى ابرهة بعبد المطلب ، كان كلّ همّه أن يستميله إلى جانبه ، وأن يجعل منه أداةً لتحقيق ما جاء من أجله ، إلاّ أنّه ـ مع كلّ ما قدّمه أو توعّده به ـ لم يجد منه إلاّ الرفض ، وإلاّ الثقة العالية بالله تعالى ، مكتفياً بأن يردّ إليه إبله وشويهاته التي أخذها جنده . ممّا جعل ابرهة يسخر منه ويستخفّ به قائلاً :

كنت في نفسي كبيراً ، وسمعت أنّك وجيه في قومك ، فلمّا سألتك عن حاجتك ، وذكرت الإبل والشياه ، ونسيت بلدك وأهلك وبيتك المقدّس ، سقطت من عيني .

فكان جواب عبد المطلب مملوءاً حكمةً وتسليماً مطلقاً إلى الله تعالى ، وهو أمر لا يدركه إلاّ من امتحن الله قلبه بالإيمان .

إنّها كلمات ما أقلّها ، وما أعظمها!

«الإبل لي ، وللبيت ربّ يحميه» .

فقال إبرهة : ما كان ليمتنع منّي .

فقال عبد المطلب : أنت وذلك ، وصعد على الجبل ، متضرّعاً ، وهو ينشد :

يـا ربّ عـادِ مـن عـاداك *** وامنعهموا أن يهدموا حـماك

ولم يكتف بهذا ، بل راح يستحثّ قومه على ترك مكّة ، واللجوء إلى الجبل ، خشية بطش ابرهة وجيشه ، ثمّ طلب منهم التوجّه إلى الله بالدعاء وهو يرى أن لا قدرة لقومه على ردع إبرهة وجيشه إلاّ بسلاح الدعاء . . . فحلّت الكارثة بإبرهة وجنده ، وهو ما تكفّلت ببيانه سورة مباركة سميت بسورة الفيل عبر آياتها الخمس ، فراحت تحكي ما حلّ بهذا الطاغية ومن معه . . .5

{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَاْكُولٍ}

في هكذا بيت يكتنفه التوحيد ، ونبل الصفات ، وجميل الخصال . . . ولد أبو طالب قبل ولادة رسول الله(صلى الله عليه وآله) بخمس وثلاثين سنة ، فاتصف بكلّ صفاته ومناقبه فكان سيّد بني هاشم في الجاهلية بل سيّد قريش ، في وقت لا ينال أحد السيادة هذه بلا مال إلاّ أبو طالب . وترعرع ونشأ في حجر زعيم هذا البيت وسيّده . في هكذا أُسرة وفي هكذا جوّ مفعم بالخير والعطاء والحكمة والشجاعة والتسليم المطلق إلى الله تعالى ، شبّ أبو طالب وقد انصهرت في نفسه شمائل هذه الأُسرة المباركة ، التي عرفت بتأريخها الحافل وأمجادها العظيمة ، فجدّه هاشم هو الذي أسّس الإيلاف {لاِِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} فهو الذي أنشأ هاتين الرحلتين ، اللتين درّتا بخيرات عظيمة على قريش ، ومنافع كبيرة ، وهو الذي نادى بالعدالة وحبّ الناس ورفع الظلم عنهم ، ومن قبله جدّهم قصي ابن كلاب ، الذي كان له الدور الكبير في تنظيم المجتمع المكّي ، وجمع شتات قريش وشملها حتى سمّي «مُجمِّعاً» .

وأبو طالب نفسه هو الذي سنّ القسامة (الأيمان) في الجاهلية ، وكانت أوّلاً في دم عمر بن علقمة ، ثمّ استمرت ، وأمضتها الشريعة الإسلامية فيما بعد . كما كانت له السقاية بعد أبيه ، بل كان شريكاً له في خصائصه وأعماله .

إذن فهي أُسرة مشاريع كلّها خير وعطاء ، وهو وليد أُسرة هاشمية مباركة ، راحت بركاتها تعمّ الخافقين! .

أُمّه

كانت لعبد المطلب زوجات خمس ، وكان له منهنّ عشرة ذكور وست نساء ، فأمّ عبدالله والد النبيّ(صلى الله عليه وآله) ، وأبي طالب والد الإمام عليّ(عليه السلام) ، والزبير ، وجميع النساء غير صفية ، كانت فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة بن مُرّة ابن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر .

فأبو طالب يلتقي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الاُم بجدّهم مُرّة ، فأمّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرّة بن كعب بن لؤي بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر .

قال ابن هشام : فرسول الله(صلى الله عليه وآله) أشرف ولد آدم حسباً ، وأفضلهم نسباً من قِبَل أبيه وأُمّه6 . وما من شك أنّ هذه الأشرفية والأفضلية تشمل أبا طالب أيضاً .

زوجته

إنّ الكلام عن «أبو طالب» يجرّنا إلى الكلام عن زوجته الفاضلة الوحيدة7 ، ابنة عمّه ، وهي أوّل هاشميّة تزوّجها هاشمي ، وعليّ بن أبي طالب يعدّ واخوته هاشميين أباً وأُمّاً ، فقد تعوّد بنو هاشم أن يصهروا إلى أُسر أُخرى .

لقد كانت هذه المرأة الجليلة ذات منزلة رفيعة جعلتها من اللائي امتازت حياتهنّ بمواقف عظيمة في حركة الأنبياء ومسيرتهم عبر التأريخ ، فقد أثنى عليها رسول الله(صلى الله عليه وآله) لاهتمامها به ورعايتها له طيلة سبعة عشر عاماً ، ممّا جعله شاكراً لها ولمعروفها معه ، حتى كان يدعوها «أُمّي بعد أُمّي التي ولدتني» فقد كانت تفضّله على أولادها الأربعة .

حظيت هذه السيدة والمرأة المؤمنة الطاهرة بمكانة عظيمة في قلب رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وتركت في نفسه آثاراً طيبة ، راح يذكرها طيلة حياته ، ويترحم عليها ، ويدعو لها . . . تقول الرواية :

لما ماتت فاطمة بنت أسد أُمّ عليّ ـ وكانت قد أوصت لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وقَبِل وصيتها ـ ألبسها النبيّ(صلى الله عليه وآله) قميصه ، واضطجع معها في قبرها ، فقالوا : ما رأيناك يا رسول الله صنعت هذا!

فقال : «إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها ، إنّما ألبستها قميصي; لتكسى من حلل الجنّة ، واضطجعت معها; ليُهوَّن عليها» .

وفي دعاء خاص لها ، قال : «اللهم اغفر لامّي فاطمة بنت أسد ، ولقنها حجّتها ، ووسّع عليها مدخلها» . وخرج(صلى الله عليه وآله) من قبرها وعيناه تذرفان دموعهما وكان هذا في السنة الرابعة من الهجرة النبوية .

لقد كانت رضوان الله عليها لرسول الله(صلى الله عليه وآله) طيلة سبعة عشر عاماً قضتها معه بمنزلة الاُمّ ، بل كانت أماً بكلّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنى ، وقد كانت بارّةً برسول الله(صلى الله عليه وآله) «لم يكن بعد أبي طالب أبرّ بي منها» فحنانها وشفقتها ورعايتها له ، بلغت مبلغاً عظيماً حتى فاقت رعايتها لأبنائها ، وكأنّها تعلم أنّ له مكانة عظيمة وشأناً جميلاً ، تقول بعض الروايات كان أولادها يصبحون شعثاً رمصاً ، ويصبح رسول الله(صلى الله عليه وآله) كحيلاً دهيناً .

هذا في مداراتها لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وحبّها له . أمّا في إيمانها ، فقد كانت بدرجة عظيمة ، ومن السابقات إلى الإسلام بعد عشرة من المسلمين ، ومن المهاجرات الأول إلى المدينة ، ثمّ هي بعد هذا بدريّة وهي كرامة عظيمة لها8 .

بدأ أبو طالب حياته مع هذه السيدة الهاشمية المُباركة بخطبته التي قال فيها :

«الحمد لله ربّ العالمين ، ربّ العرش العظيم ، والمقام الكريم ، والمشعر والحطيم ، الذي اصطفانا أعلاماً وسادةً ، وعرفاء خلصاً وقادةً ، وحجّة بهاليل ، أطهاراً من الخنا والريب ، والأذى والعيب ، وأقام لنا المشاعر ، وفضّلنا على العشائر ، نخب إبراهيم وصفوته ، وزرع إسماعيل ، وقد تزوجت فاطمة بنت أسد ، وسقت المهر ، وأنفذت الأمر ، فاسألوه واشهدوا» .

فقال أسد : زوجّناك ورضينا بك .

وأولم أبو طالب سبعة أيام متوالية ، ينحر فيها الجزر ، وفي ذلك يقول أُمية بن السلط :

أغمزنا عـرس أبـي طالـب *** وكان عـرساً ليـن الـجانب

إقـراؤه الضـيف بـأقطارها *** مـن رجـل خفّ ومن راكب

فـنازلـوه سـبعة أحـصيت *** أيـامـها للرجـل الـحاسب

 

أولاده

كان لأبي طالب من الأولاد الذكور أربعة ، أكبرهم طالب ثمّ عقيل ، ثمّ جعفر ثمّ عليّ ، وكلّ واحد أكبر من الذي بعده عشر سنوات ، وكان علي أصغر أولاده .

ومن الإناث : أُمّ هاني . وكلّهم من فاطمة بنت أسد ، التي لم يتزوّج غيرها .

أبو طالب ورسول الله(صلى الله عليه وآله)

بعد هذا الاستعراض السريع ، نعود إلى علاقته برسول الله(صلى الله عليه وآله) كفالةً وحبّاً ودفاعاً وإيماناً بما جاء به; أمانة السماء التي حملها رسول الله(صلى الله عليه وآله) بشيراً ونذيراً ، ورحمةً للعالمين .

فإنّه يحسّ بشرفٍ!

لقد تكفّل جدّه عبد المطلب محمداً تربية وتنشئةً . . . وحفظه ورأف به رأفةً لم يرأفها بأولاده أبداً . فقد كان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلاّ أحضره معه وشركه فيه . . . وليس هذا فقط ، بل كان يقرّبه ويدنيه إلى مجالسه العامّة والخاصة; لأنّه كان يستبشر به خيراً كثيراً ، فكان لعبد المطلب مجلس خاص به في حجر إسماعيل ، وهو مكان تعوّد العرب أن لا يجلس فيه إلاّ زعماؤهم وأشرافهم وكبراؤهم دون غيرهم من الناس مهما كانت منزلتهم وعلت مكانتهم ، فهذا المكان كان خاصّاً بأولئك الأشراف .

قال عطاء : سمعت ابن عبّاس يقول : سمعت أبي يقول : كان عبد المطلب أطول الناس قامةً ، وأحسن الناس وجهاً ، ما رآه قط شيء إلاّ أحبّه ، وكان له مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره ، ولا يجلس معه عليه أحد ، وكان الندي من قريش حرب بن أُميّة فمن دونه يجلسون دون المفرش .

فجاء رسول الله(صلى الله عليه وآله) وهو غلام يدرج; ليجلس على المفرش ، فجذبوه فبكى .

فقال عبد المطلب ، وذلك بعدما حجب بصره; ما لابني يبكي؟!

قالوا له : إنّه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه .

فقال عبد المطلب : دعوا ابني ، فإنّه يحسّ بشرف ، أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قطّ9 .

الكفالة المُباركة

كان عبد المطلب يرى في ابنه « أبو طالب » ـ الذي حظي بوراثة جميع مناقبه ـ الشخصية اللائقة بما تملكه من صفات رفيعة وخصال جليلة ، بكفالة يتيم بني هاشم ، سيد الكائنات محمّد بن عبدالله ، الذي كان يترقّب ـ كما ذكرنا ـ فيه شرفاً عظيماً وأمراً كبيراً ومستقبلاً باهراً لا يخلو من مخاطر وعقبات وآلام قد يتعرّض لها في مسيرته ، وهو ما يلمسه كلّ قارئ لوصيته ، التي أودعها ابنه البار أبا طالب ، الذي رآه من دون الآخرين من بني هاشم وغيرهم ، جديراً بحمل هذه الأمانة ، وهي أمانة ليست سهلةً بما تحمله من آثار كبيرة ومشاكل جمّة ، قد يتعرّض لها أبو طالب أيضاً ، لهذا نرى عبد المطلب قد اختاره من دون اخوته الآخرين لهذه المسؤولية ، فما إن نزل به المرض حتى نادى أبا طالب ، وراح يعهد إليه كفالة حبيبه محمّد ، ويوصيه بقوله :

«اُنظر يا أبا طالب ، أن تكون لهذا الوحيد ، الذي لم يشمّ رائحة أبيه ، ولم يذق شفقة أُمّه ، اُنظر أن يكون منك بمنزلة كبدك ، فإنّي قد تركتُ بني كلّهم ، وخصصتك به . . .»

وفي قول آخر : يا أبا طالب إنّي قد عرفت ديانتك وأمانتك ، فكن له كما كنتُ له . وفي قول ثالث : يا بني قد علمتَ شدّة حبّي لمحمّد ووجدي به ، اُنظر كيف تحفظني فيه .

ثمّ قال : «إن استطعت أن تتبعه فافعل ، وانصره بلسانك ويدك ومالك ، فإنّه ، والله سيسودكم ، ويملك ما لم يملك أحدٌ من آبائي» .

ثمّ راح يصوّب ناظريه إلى وجه أبي طالب ، كأنّه يريد أن يستطلع ما يدور في خلجات نفسه وردودها فيقول :

هل قبلت يا أبا طالب ؟

فيجيبه قائلاً : قد قبلتُ ، والله على ذلك شهيد .

ثمّ يضع يده بيد ابنه ويشدّ بقوّة عليها ، قائلاً : الآن خُفّف عليّ الموت ، وراح يغمض عينيه بهدوء ، ويرحل هناك إلى حيث الدار الآخرة بقلب راضٍ ونفسٍ مطمئنة ، عن عمر ناهز مئة وعشرين عاماً .

فكان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله ، ويغدق عليه محبته وعطفه وحنانه ، يقول ابن سعد في طبقاته :

كان أبو طالب لا مال له ، وكان يحب محمّداً حبّاً شديداً لا يحبّه ولده ، وكان لا ينام إلاّ إلى جنبه ، ويخرج فيخرجه معه ، وصبّ به أبو طالب صبابةً لم يصب بشيء مثلها قط ، وكان يخصّه بالطعام . . .10

ثمّ واصل ابن سعد قوله :

وشبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) مع أبي طالب يكلؤه ويحفظه ، ويحوطه من أمور الجاهلية ومصائبها11 .

وصحبه

* وقد صحبه إلى حرب الفجّار ، وكان غلاماً عمره أربعة عشر عاماً ، وقد انتصرت فيها هوازن حليفة أبي طالب على كنانة بيمن محمّد(صلى الله عليه وآله) ، وفي خبر آخر . . .فإذا جاء أبو طالب هُزمت قيس ، وإذا لم يجئ هزمت كنانة ، فقالوا لأبي طالب : لا أبا لك! لا تغب عنّا . ففعل12 .

* وصحبه في الاستسقاء لقومه داعياً ربّه أن يكشف عنهم القحط ، وهنا بسط محمّد كفّيه ، ودعا مع عمّه ، فإذا الغيث ينهمر من السماء وافياً كافياً .

ذكر ابن عساكر من أنّ أهل مكّة قحطوا ، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنّه شمس تجلّت ، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذ الغلام باصبعه ، وأومأ نحو السماء ، فأقبل السحاب من هنا وهناك ، وأغدق وأخصبت الأرض .

وهنا أنشأ أبو طالب يقول:

وأبـيض يستسقى الغـمام بـوجهه *** ثـمال اليـتامى عـصمة للأرامـل

تـلوذ بـه الـهلاّك مـن آل هاشم *** فـهم عـنده فـي نعمة وفواضـل

* وصحبه في رحلته إلى ذي المجاز ، وفيها عطش أبو طالب حتى كادت حرارة العطش تلتهم كبده ، فما كان من محمّد إلاّ أن مدّ يده إلى صخرة شامخة ، فإذا بالماء يتدفّق منها عذباً فراتاً .

* وصحبه ليخطب له خديجة بنت خويلد الأسدي ، المعروفة بشرفها وعفّتها ومالها ، فقد كانت تستأجر الرجال في تجارتها ، وقد حظيت أخيراً برسول الله(صلى الله عليه وآله) ليخرج في تجارتها إلى الشام وهو ابن خمس وعشرين سنة مع غلامها ميسرة ، فباع بضاعتها بأضعاف ما كانت خديجة تربحه ، فسرّت بهذا كثيراً ، وحدّثت نفسها بالزواج منه . . .

فابتدأ أبو طالب خطبتها بأن قال : الحمد لربّ هذا البيت ، الذي جعلنا من زرع إبراهيم ، وذريّة إسماعيل ، وأنزلنا حرماً آمناً ، وجعلنا الحكّام على الناس ، وبارك لنا في بلدنا الذي نحن فيه . . .

ما أجمل كلامك يا أبا طالب و أعظمه !

ثمّ إنّ ابن أخي هذا ـ يعني محمّد بن عبدالله ـ ممّن لا يوزن برجل من قريش ، إلاّ رجح به ، ولا يقاس به رجل إلاّ عظم عنه ، ولا عدل له في الخلق ، وإن كان مقلاًّ في المال ، فإنّ المال رفد جارٍ وظلٍّ زائل!

وله في خديجة رغبة ، وقد جئناك (ويقصد به ورقة بن نوفل عمّها) لنخطبها إليك برضاها وأمرها ، والمهر عليَّ في مالي ، الذي سألتموه عاجله وآجله ، وله وربّ هذا البيت حظٌّ عظيم ودين شائع ورأي كامل . . .

ثمّ سكت أبو طالب ، وتكلّم عمّها وتلجلج أي تردّد في الكلام وقصر عن جواب أبي طالب ، وأدركه القطع والبهر (النَفس من الأعياء) .

وهنا قالت خديجة مبتدئة : يا عمّاه إنّك وإن كنت أولى بنفسي منّي في الشهود ، فلستَ أولى بي من نفسي ، قد زوّجتك يا محمّد نفسي والمهر عليَّ في مالي ، فأمر عمّك ، فلينحر ناقةً فليولم بها ، وادخل على أهلك .

وهنا قال أبو طالب : اشهدوا عليها بقبولها محمّداً وضمانها المهر في مالها .

فقال بعض قريش : يا عجباه المهر على النساء للرجال! فغضب أبو طالب غضباً شديداً ، وقام على قدميه ، وكان ممّن يهابه الرجال ، ويكره غضبه ، فقال : إذا كانوا مثل ابن أخي هذا ، طلبت الرجال بأغلى الأثمان وأعظم المهر ، وإذا كانوا أمثالكم ، لم يزوّجوا إلاّ بالمهر الغالي .

ونحر أبو طالب ناقةً ، ودخل رسول الله(صلى الله عليه وآله) بأهله . . .

إظهار الدين الجديد

في السنة الرابعة من البعثة النبوية المُباركة ، جاء أمر السماء محمّداً أن يظهر دعوته ويجهر بها ، فبادر رسول الله(صلى الله عليه وآله) عمّه العباس قائلاً له :

إنّ الله تعالى أمرني بإظهار أمري ، فما عندك؟

فقال له العباس : يا ابن أخي ، تعلم أنّ قريشاً أشدّ حسداً لوالدك ، وإن كانت هذه الخصلة الطامّة الطّماء ، والداهية العُظمى ، ورمينا عن قوس واحد ، لكن قرب إلى عمّك أبي طالب ، فإنّه أكبر أعمامك ، إن لا ينصرك ، لا يخذلك ولا يسلمك ، فأتياه ، فلمّا رآهما أبو طالب قال : ما جاء بكما في هذا الوقت؟ فأخبره العباس بالحال ، فنظر إليه أبو طالب وقال : يا ابن أخي إنّك الرفيع كعباً ، والمنيع حزباً ، والأعلى أباً ، والله لا يسلقك لسان ، إلاّ سلقته ألسن جداد ، واحتدمته سيوف حداد ، والله لتذلنّ لك العرب ، ولقد كان أبي يقرأ الكتب جميعاً ، ولقد قال : إنّ من صلبي لنبيّاً ، لوددت أنّي أدركت ذلك فآمنت به ، فمن أدركه من ولدي فليؤمن به .

{وأنذر عشيرتك الأقربين} (الشعراء : 214) :

وفي تفسير هذه الآية ، بعض من المفسّرين ومن أصحاب السير أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) لما قام ليدعو أُسرته ، عارضه أبو لهب ، فقال أبو طالب : اسكت يا أعور! ما أنت وهذا؟ ثمّ قال للنبي(صلى الله عليه وآله) : قم يا سيّدي وتكلّم بما تحب ، وبلّغ رسالة ربّك ، فإنّك الصادق الصديق13 .

وفود قريش

تعاقبت وفود قريش على أبي طالب ، بعد أن أعلن رسول الله(صلى الله عليه وآله) رسالة السماء ، فكان يواجهها بمواقفه المعروفة بالحكمة .

* وفد قريش الأوّل :

ومضى رسول الله(صلى الله عليه وآله) على أمر الله ، مظهراً لأمره ، لا يردّه عنه شيء . فلمّا رأت قريش أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) لا يعتبهم (أي لا يرضيهم) من شيء ، أنكروه عليه ، من فراقهم وعَيب آلهتم ، ورأوا أنّ عمّه أبا طالب قد حَدِبَ عليه ، وقام دونه ، فلم يُسلمه لهم ، مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب ، عتبة وشيبة ابنا ربيعة ابن عبد شمس . . . ، وأبو سفيان بن حرب بن أُميّة . . . وأبو البختري ، والأسود بن عبدالمطلب ابن أسد ، وأبو جهل والوليد بن المغيرة وبنيه ومنبّه ابنا الحجاج والعاص بن وائل . . .

فقالوا وهم على كلمة واحدة لا غيرها : إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا ، وعاب ديننا ، وسفّه أحلامنا ، وضلّل آباءنا ، فإمّا أن تُكفّه عنّا ، وإمّا أن تخلّي بيننا وبينه ، فإنّك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فنكفيكه ، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً ، وردّهم ردّاً جميلاً ، فانصرفوا عنه .

* وفد قريش الثاني :

ثم إنّهم مشوا إلى أبي طالب مرّةً أُخرى ، فقالوا له : يا أبا طالب ، إنّ لك سنّا وشرفاً ومنزلة فينا ، وإنّا استنهيناك من ابن أخيك ، فلم تنهه عنّا ، وإنّا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا ، وتسفيه أحلامنا ، وعيب آلهتنا ، حتى تكفّه عنّا ، أو ننازله وإيّاك في ذلك ، حتى يهلك أحدُ الفريقين . . .

وفي خبر آخر أنّ قريشاً حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة ، بعث إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقال له : ياابن أخي ، إنّ قومك قد جاؤوني ، فقالوا لي كذا وكذا ، للذي كانوا قالوا له ، فأبقِ عليّ وعلى نفسك ، ولا تُحمّلني من الأمر ما لا أطيق ، فظنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قد بدا لعمّه فيه بَداء ، أنّه خاذله ومسلّمه ، وأنّه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : يا عمّ ، والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله ، أو أهلك فيه ، ما تركته ، ثم استعبر رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فبكى ثمّ قام ، فلمّا ولّى ناداه أبو طالب ، فقال : أقبل ياابن أخي ، قال : فأقبل عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، فقال : إذهب يا ابن أخي ، فقل ما أحببت ، فوالله ، لا أُسلّمك لشيء أبداً .

* وفد قريش الثالث :

ثمّ إنَّ قريشاً حين عرفوا أنّ أبا طالب أبى خذلان رسول الله(صلى الله عليه وآله) مشوا إليه بعُمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا له : يا أبا طالب ، هذا عمارة بن الوليد ، أنهد (أشدّ وأقوى) فتى في قريش وأجمله ، فخذه ، فلك عقله ونصره ، واتخذه ولداً فهو لك ، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا ، الذي قد خالف دينك ودين آبائك ، وفرّق جماعة قومك ، وسفّه أحلامهم ، فنقتله ، فإنّما هو رجل برجل ، فقال : والله لبئس ما تسومونني (تكلفونني) أتُعطونني ابنكم أغذوه لكم ، وأعطيكم ابني تقتلونه; هذا والله ما لا يكون أبداً 14...

 

أبو طالب والموقف القرشي

وأخيراً ـ وبعد أن يئست وفودها ـ تيقنت قريش وزعماؤها أنّ أبا طالب لا يسلم ابن أخيه ولا يخذله ، بل سيمنع محمّداً(صلى الله عليه وآله) منهم بكل ما أوتي من قوّة ، وما دام فيه عرق ينبض ، بل راحوا يلمسون ويرون نشاطه الواضح في الترويج للرسالة الجديدة ، ويحرّض أهله على الإيمان بها والوقوف بجانب محمّد(صلى الله عليه وآله)ونصرته .

فتارةً : يأمر ابنه جعفراً بالصلاة ، حيث رأى محمّداً(صلى الله عليه وآله) يصلّي ، وإلى جانبه علي(عليه السلام) ، فيقول لجعفر : صل جناح ابن عمّك15 .

وأُخرى : يقول لأخيه حمزة حينما أعلن إسلامه :

فصبـراً أبـا يـعلى عـلى ديـن أحـمد *** وكـن مـظهراً للـدين وفّـقت صـابرا

وثالثة : يخاطب محمّداً(صلى الله عليه وآله) بعد وفود قريش له ، تستعين به على إيقاف جهد محمّد ونشاطه في تسفيه أحلامهم ومعتقداتهم ، ثمّ دعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى وحده . فيقول له :

والله لـن يــصلوا إلـيك بــجمعهم *** حتـى أوسـد فـي الــتراب دفـينا

 

أبو طالب والحصار في الشعب

لما رأى أبو طالب أنّ قريشاً يئست في كلّ محاولاتها من الوصول إلى هدفها في استمالته إلى جانبها ضد محمّد(صلى الله عليه وآله) ودعوته ، وبالتالي منع الدعوة الجديدة من الانتشار والاتساع في المجتمع المكّي وأطرافه وقبائله ، بدأت تغيّر أساليبها لتقويض الدين الجديد ، فراحت تفكّر بإيذاء الرسول(صلى الله عليه وآله) بل بقتله ، فما كان من أبي طالب إلاّ أن يأمُر بني هاشم وبني المطلب أن يدخلوا برسول الله(صلى الله عليه وآله) الشعب ، ليمنع ما قد تقدم عليه قريش من أذى لرسول الله(صلى الله عليه وآله) . . . أو أنّه دخل ورسول الله(صلى الله عليه وآله) وجمع معه الشعب ، ثمّ انحاز إليهم بنو هاشم والمطلب إلاّ أبا لهب فقد خرج من بني هاشم وظاهر قريشاً .

 

الصحيفة وما آلت إليه

حيث إنّ قريشاً ما إن رأت هذه الخطّة الجديدة من أبي طالب حتى استقرّ رأيها على كتابة عهد يوقّعه الجميع ، يتضمّن مقاطعة شاملة سياسية واقتصادية واجتماعية لبني هاشم والمطلب ، وأن يضيّقوا عليهم ويمنعوهم من حضور الأسواق ، وأن لا يبايعوهم ولا يناكحوهم ، ولا يقبلوا لهم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله(صلى الله عليه وآله) . وبعد أن كتبوا هذه الوثيقة ، وتعاهدوا وتواثقوا فيها في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم ، وكان كاتب هذه الصحيفة منصور بن عكرمة ابن عامر ، ويُقال النضر بن الحارث ، فدعا عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله) فشلّ بعض أصابعه .

وقال أبو طالب شعراً :

ألا أبـلغا عنـي عـلى ذات بـيننا *** لؤيّاً وخُـصّا مـن لؤي بنـي كـعب

ألـم تـعلموا أنّا وجـدنا مـحمّداً ***  نـبيّاً كموسى خُطّ فـي أوّل الكتب؟

و أنّ عــليه فـي الـعباد مـحبةً *** و لا خيـر مـمّن خصّه الله بالـحب

وأنّ الذي ألصـقتم مـن كـتابكم ***  لكـم كـائن نـحساً كراغبة السقب

أفـيقوا أفـيقوا قبل أن يحفر الثرى *** و يصبح من لـم يجن ذنباً كذي الذنب

و لا تـتبعوا أمر الوشاة وتـقطعوا ***  أواصــرنا بـعد الـمودّة والقـرب

فـلسنا وربّ البيت نسلم أحـمداً ***  لعزّاء (لشدة) من عضّ الزمان ولا كرب

أليس أبـونـا هـاشم شـدّ أزره ***  وأوصـى بـنيه بـالطعان و بـالضرب

ولسنا نـملّ الـحرب حتى تـملّنا *** و لا نشتكي ما قـد يـنوب من النكب

ظل بنو هاشم والمطلب ومن معهم ثلاث سنين ، وقول آخر ، مكثوا سنتين في الشعب ، فترك هذا الحصار أثره عليهم ، وأصابتهم ضائقة شديدة ، حتى جهدوا حيث لا يصل اليهم شيء إلاّ سرّاً ، وكان دور أبي طالب وأُمّ المؤمنين خديجة عظيماً في تخفيف المعاناة هذه داخل الشعب ، حيث كانا يدخلان المؤن والأقوات إلى داخل الشعب خفيةً ، حتى هيّأ الله تعالى الأرضة فأكلت معاهدة قريش ، وأوصى الله تعالى إلى رسوله بهذا ، فأخبر عمّه أبا طالب : يا عمّ إنّ ربي الله قد سلّط الأرضة على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها اسماً هو لله إلاّ أثبتته فيها ، ونفت منه الظلم والقطيعة والبهتان .

فقال : أربك أخبرك بهذا؟

قال : نعم .

قال : فوالله ما يدخل عليك أحد .

فبادر أبو طالب إلى مجالس قريش وأنديتها ، ليخبرهم بما آلت إليه وثيقتهم ، وبما صنع الله تعالى في صحيفتهم ، وأنّ الذي أخبره بذلك هو رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

ووضعهم بهذا أمام امتحان واختبار حيث قال لهم : إن كان الحديث كما يقول ابن أخي ، فأفيقوا ، وإن لم ترجعوا ، فوالله لا نسلّمه حتى نموت عن آخرنا ، وإن كان الذي يقول باطلاً ، دفعنا إليكم صاحبنا .

فقالوا : قد رضينا بما تقول ، وتعاقدوا على ذلك ، ثمّ فتحوا الصحيفة ، فوجدوا الأمر كما أخبر به الصادق الأمين .

وعندما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب ، قالوا : هذا سحر ابن أخيك ، وما زادهم ذلك إلاّ بغياً وعتواً وعدواناً . . .

فقال لهم أبو طالب : علام نحبس ونحصر ، وقد بان الأمر ، وتبيّن أنّكم أولى بالظلم والقطيعة والإساءة؟

ثمّ دخل يمين أستار الكعبة ، ودخل معه بنو هاشم قائلين : اللّهمّ انصرنا على من ظلمنا ، وقطع أرحامنا ، واستحل من يحرم عليه منا ، ثمّ انصرفوا إلى الشعب .

وقال أبو طالب في هذا شعراً .

وقد كـان فـي أمـر الصـحيفة عبـرة *** متـى ما يـخبّر غـائب القـوم يـعجب

مـحا الله عـنها كـفرهم وعـقوقـهم ***  ومـا نـقموا من ناطـق الـحقّ مـعرب

فـأصبح مـا قالوا مـن الأمـر بـاطلاً *** ومـن يـختلق ما ليس بالـحق يـكذب16

وفي نهاية هذا الموقف وافق أبا طالب قوم وآمنوا به وامتنع آخرون .

وقام أبو طالب يمدح أولئك النفر الذين قاموا ـ بعد أن اتّضح لهم الحقّ ـ في نقضها في ستة وعشرين بيتاً من الشعر كان منها :

فيخبـرهم أنّ الصـحيفة مـزّقـت *** وأنّ كـلَّ مـا لـم يـرضه الله مـفسد17

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اُنظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد عن زهرة الآداب للجاحظ : 59 .

(2) اُنظر الاحتجاج للطبرسي 1 : 341 ، وفي رحاب الأئمة الاثني عشر لمحسن الأمين .

(3) اُنظر ابن عباس ، في تاريخ ابن عساكر ، والطبقات لابن سعد . . .

(4) اُنظر الاحتجاج للطبرسي 2 : 342 .

(5) سورة الفيل .

(6) السيرة النبوية لابن هشام 1 : 110 .

(7) قيل : إنّ له زوجة أُخرى تُدعى «عَلَّة» ولدت له «طليق» .

(8) اُنظر في هذا وغيره مقالتنا في ميقات الحج 14 .

(9) اُنظر حجر اسماعيل في تأريخ الأزرقي والفاكهي وغيرهما .

(10) الاحتجاج 1 : 343 .

(11) طبقات ابن سعد 1 : 119 ـ 121 .

(12) شرح نهج البلاغة 3 : 469 .

(13) اُنظر غاية السؤول عن ابراهيم الحنبلي بأسانيد عديدة ، وغيره من المصادر .

(14) اُنظر السيرة النبوية 1 : 264 ـ 268 ففيها تفصيل كثير .

(15) اُنظر الإصباح 7 : 112 .

(16) اُنظر ابن الأثير في الكامل 2 : 36 .

(17) اُنظر القصيدة كاملة في السيرة النبوية لابن هشام 1 : 377 ـ 380 .