مقدّمة

تعرّض قسم من الصحابة من أتباع علي(عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)الى الاضطهاد والإقصاء والتنكيل، كما تعرّض القسم الآخر فيما بعد الى القتل والحرمان والتشريد.

ولم تكتف السياسة عند هذا الحد; بل نهجت أساليب اُخرى للنيل من خصومها ومعارضيها، منها قضية تكفير الآباء والأجداد.

وترسّخ هذا الاُسلوب في العصر الاُموي، حين كان الصراع مشتعلاً على أوجه بين الخط الهاشمي والاُموي الذي خسر الجولة أيام رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وجاء العباسيون من بعدهم فوجّهوا هذا الاُسلوب نحو أغراضهم السياسية كما هو التوظيف الاُموي.

ولم تكن ظاهرة التكفير مسؤولية دينية بقدر ماهي سياسية، فليس هناك مثلاً أي نص يجزم بأهمية تكفير أبي طالب على وجه الخصوص، سوى نصوص ملفقة تفتقد القيمة العلمية، كما سنبيّنه في طيات هذا البحث، أمّا التاريخ فلا يسجل لنا ولو واقعة واحدة من حياة أبي طالب تثبت كفره.

والجدير بالذكر أن قضية إسلام أبي طالب لم تكن محل جدل طيلة حكم الخلفاء. الأمر الذي يؤكّد الاُصول الاُموية لهذه القضية في واحدة من مساعيهم للنيل من البيت الهاشمي، الذي ملأت مناقبه ومفاخره الذاكرة الإسلامية، ولا تخفى أهمية أبي طالب الذي يراه البيت الاُموي المنافس الألدّ، الذي حاز الشرف في قريش، واكتسح أبا سفيان زعيم اُميّة...

من هنا سوف نتناول في هذه الدراسة، إثبات إسلام أبي طالب ضمن عدة فصول.

في الفصل الأول: نتعرض فيه الى الخلفية التاريخية التي تولّىبسببها أبو طالب الرئاسة لقريش، كونه يمثل امتداد الخط الإبراهيمي الحنيف.

وفي الفصل الثاني: نعرّف بهوية أبي طالب الشخصية وصفاته وسيرته العامة.

وفي الفصل الثالث: نسلط الضوء على مستوى علاقة أبي طالب(عليه السلام)مع النبي(صلى الله عليه وآله).

وفي الفصل الرابع: سنتناول حوارات أبي طالب(عليه السلام) مع قريش، وتنوع أساليبه وكيفية إعلان وقوفه الى جانب النبي(صلى الله عليه وآله) .

واخترنا في الفصل الخامس: نماذج من تصاريح ومواقف النبي(صلى الله عليه وآله)والأئمة(عليهم السلام)والصحابة في أبي طالب(عليه السلام).

أمّا الفصل السادس والأخير: فتناولنا فيه شبهة كفر أبي طالب(عليه السلام)والجذور التاريخية التي أدت إليها، والأدلة الشرعية التي اعتمدتها ، مناقشةً ونقداً.

 

الفصل الأوّل

رئاسة أبي طالب في عمقها التاريخي

عاشت البشرية في فترة ما قبل الرسالة أسوأ حالات التردي والانحطاط الحضاري، من الظلم والبؤس والاستبداد، وقد لخّص القرآن الكريم تلك الحالة بقوله تعالى: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) [1].

ولم يكن العرب أحسن حالاً من باقي المجتمعات، بل إنهم جزء لا ينفصل من هذا التردي والسقوط الذي عمّ البشرية جمعاء. فكان الجهل والخرافة والظلم هي الظواهر الحاكمة آنذاك.

فنجد مثلاً الحرب هي الاُسلوب الأمثل لحل المشكلات، وهي المحور الـذي تدور حوله رحـى الأبنية الثقافيـة والقانونيـة والاقتصادية.

فالحكم تتفرد به الطبقة الغنية والقوية، فتشرّع هذه الطبقة للمستضعفين ما يحلو لها من القوانين التي تحمي سيادتهم وسلطتهم.

ولذا نجد طبقة الفقراء والعبيد والمرأة ليس لهم الحق في تقرير حياتهم.

ونلاحظ العرب قبل البعثة لم يكونوا أهل كتاب ولا دين، وكانت عبادة الأصنام والأوثان والجن والملائكة، هي اهتمامهم الوحيد أمام تطلعاتهم الحياتية والمستقبلية، فكان المؤثّر فيها هم الكهنة واليهود.

وقد لخّصت فاطمة الزهراء(عليها السلام) حالة العرب والتدهور الذي أصابهم قبل بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله)، بقولها: فرأى ـ الرسول ـ الاُمم فرقاً في أديانها، عكُفاً على نيرانها، عابدةً لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها... الى أن قالت: تشربون الطرق [2] وتقتاتون القد [3] ، أذلة خاسئين، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله بأبي محمد(صلى الله عليه وآله)، بعد اللتيا والتي، وبعد أن مُني بُهم [4] الرجال وذؤبان [5] العرب ومردة أهل الكتاب [6].

فمكة البلد الذي يعتبر من أهم المراكز عند العرب من الناحية الدينية والتجارية والثقافية، وذات العمق الديني والسياسي، تعيش حالة من السقوط الحضاري والتردي الثقافي والاجتماعي بكل معانيه، كما هي عليه الحالة في البلدان الاُخرى.

وإن كانت تعتبر في السابق بلد التوحيد ومنطلق الأديان من أيام إبراهيم وابنه إسماعيل.

لأن البيت الحرام المركز الديني المقدس كان قد أسسه النبي إبراهيم(عليه السلام)، ومن هناك تألقت مكة بين الناس وغدا شعاع توحيدها يعكس نداء إبراهيم الموحّد، وحادثة تكسيره لمبادئ الوثنية والطغيان لازالت ماثلة في القلوب والأذهان.

وبعد هذه الانطلاقة أصبحت مكة وبيت الله الحرام تحت رعاية أبناء إبراهيم، واستمرت الحماية والسيادة الى أن توفي (نبت) بن إسماعيل، وتحولت تلك السيادة من بعده الى قبيلة (جرهم)، أخوال ولد إسماعيل التي لم تُجد الرعاية على أحسن وجه، مما تعرضت لنزاع مرير مع قبيلة خزاعة التي كانت تطمع بالاستيلاء على مكة والبيت الحرام، وأخيراً تمكنت قبيلة خزاعة أن تزيح الجراهمة وتطردهم عن البيت الحرام.

وبعد أن استتب الأمر لصالحها، جاء زعيمهم عمرو بن لحُى الخزاعي بالوثنية من الشام الى مكة، فغيّر كثيراً من معالم مكة الحضارية والدينية، وأصبحت إرشاداته وتعاليمه ووصاياه ديناً يتمسك به قومه.

فشرّع لهم ضلالات كما شاء هواه وتريده شهواته فنصب الأصنام حول مكة، وأتى بالصنم (هُبل) من أرض الجزيرة ونصبه في بطن مكة وغيّر من دين إبراهيم، وهو أول من أحلّ أكل الميتة، فإن القبائل من ولد إسماعيل كانت ما تزال تحرّم أكل الميتة، وقد زعم عمرو بن لُحى أن الله تعالى لا يرضى تحريم أكل الميتة، وكان يقول: كيف لا تأكلون ما قتل الله وتأكلون ما قتلتم؟! [7].

وكان يقول بأن الربّ يشتّي بالطائف عند اللات ويصيّف عند العزّى. فأطاعه قومه وصدّقوه، لأنه كان يطعمهم ويكسوهم في الموسم، ويحمي المستجير وينحر لهم الإبل التي كانت تقدر بالألف ، فانكبّوا على تلك العبادة وأخذوا يهدون إليها كما يهدون الى الكعبة، الى أن جاء قصي بن كلاب من أجداد الرسول(صلى الله عليه وآله) ومن ذرية إبراهيم، الذي كان مبعداً مع اُمه الى الشام [8]، فاستنهض قريشاً وشحذ هممها ودعاها الى مواجهة خزاعة، فأجابوه الى ذلك وبعد أن حشد قواهم ، لأنه يرى نفسه أولى بأمر مكة من خزاعة، ولأن قريشاً أقرب الى إسماعيل من خزاعة، ولهذا استطاع أن يهزم خزاعة من مكة ومن البيت الحرام، بعد معركة اُريقت فيها دماء كثيرة [9].

وبعد هزيمة خزاعة أمام قصي استمر هو بتوحيد كلمة قريش، بعد أن كانت طرائق متفرقة حتى لقّبوه (بمجمع) أي الجامع لقريش [10].

ومنها أصبح قصيّ رئيساً لقريش، فأمرهم أن يبنوا بيوتهم داخل الحرم حول البيت، وجعلوا أبواب بيوتهم لجهته لكل بطن منه باب ينسب إليه، كباب بني شيبة وباب بني سهم وباب بني مخزوم وباب بني جمح.

وبنى قصي دار الندوة وهي أول دار بُنيت بمكة، وهو أول رجل من بني كنانة ملك وحكم، وهو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر.

وحاز قصي بتلك الإنجازات شرف مكة كلّه، فكان بيده السقاية والرفادة والجباية والندوة واللواء والقيادة.

وخلف قصي من بعده عبدالدار وعبدمناف، وقد خص ولده عبدمناف بالسقاية والرئاسة والدار لعبد الدار.

وبعد موت الأخوين تولّى أولاد عبدمناف تلك المهام كلّها والذين هم أشرف بطون قريش، وهم هاشم والمطلب وعبد شمس ونوفل، فاتفق الاُخوة جميعاً على أن تكون الرئاسة وتولي كل هذه الاُمور بعهدة هاشم [11].

وقد أحسن هاشم الرفادة والرئاسة التي سنّها جدّه قصي، فكان إذا حضر موسم الحج قام في قريش فقال: يا معشر قريش! إنكم جيران الله وأهل بيته وإنّكم يأتيكم في هذا الموسم زوّار الله، يعظّمون حرمة بيته وهم ضيف الله وأحق الضيف بالكرامة ضيفه، وقد خصّكم الله بذلك.

وكان هاشم يُخرج من كل سنة مالاً كثيراً، ويأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم، ثم يسقى فيها من الآبار التي بمكة، فيشرب منها الحجيج.

وكان يطعمهم بمكة ومنى ومزدلفة وجمح، وكان يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق ويحمل لهم المياه، فسمّي هاشماً [12].

وبعد وفاة عبدشمس أخي هاشم أسفر اُمية النزق الطائش بالحقد على هاشم، وصعّد الصراع وشن حرباً باردة ضده وحاول أن يستقطب قريشاً من أجل إزاحة هاشم عن موقعه، فكلف نفسه أن يفعل كما يفعل هاشم من إطعام قريش، فعجز من أن يرقى الى أخلاق هاشم لسوء طويّته، فشمت به الناس وعابوه على هذه المزايدة فلم يرتدع وغضب لهذا الاحتجاج [13].

وفي ليلة من الليالي دعا هاشم اُمية فقال له: إن لي سناً وإن لي حقاً عليك، وقد بلغني ما أحبّ أن تدفعه عنك فاتق الله في قالتك عني، فأجاب اُمية بحماقة وطيش: ما تكلمت إلاّ حقّاً . فابتسم سيد قريش وأجابه إن شرفي شرفك وإن تمسه لا تعزّ .

وأخيراً راهن اُميّة هاشماً على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة وعلى جلائه عشر سنين، ظنّاً منه في أن يتخلص من هاشم، ويتولّى الرئاسة بدله، وجعلا حكماً بينهما الكاهن الخزاعي جد عمرو بن الحمق، وكانت النتيجة لصالح هاشم، وخسر اُمية الجولة أمام سيد قريش .

فأخذ هاشم الإبل فنحرها وأطعم لحمها من حضر، وخرج اُمية الى الشام فأقام به عشر سنين [14].

واُمية لم يكن بهذا المستوى من المنافسة مع هاشم; إلاّ أنه حظي بدعم من بني عبدشمس. وكان اُمية صاحب عهار، وكان يعرض لامرأة من بني زُهرة، فضربه رجل منهم بالسيف، وأراد بنو اُمية ومن تابعهم إخراج زُهرة من مكة، فلم يستطيعوا.

وصنع اُمية في الجاهلية شيئاً لم يصنعه أحد قبله من العرب، حيث زوّج ابنه أبا عمرو بن اُمية امرأته في حياته منها [15].

وبعد وفاة هاشم وتولي الرئاسة والرفادة والسقاية ابنه عبدالمطلب، انتقل اُمية بالصراع مع عبدالمطلب، واستمرت الخصومة بينهما طويلاً، الى أن تمكن عبدالمطلب من هزيمة اُمية والتخلص من شرّه عندما راهنه في سباق بين فرسين، ووضع لهذا الرهان شيئاً ثقيلاً ولم يقصد عبدالمطلب الخسارة لاُمية فقط; بل أراد فوق ذلك التحقير والقضاء على الفتنة التي طالما كان يؤجّجها اُمية [16].

وقد فرض هذا الرهان مائة من الإبل وعشرة من العبيد وعشرة من الإماء واستعباد سنة كاملة، ويضاف الى ذلك جزّ ناصية المغلوب.

ونزل الفرسان في الميدان، وتجمع الناس ليشهدوا هذا المشهد، وعبدالمطلب هادئ مطمئن واثق من نفسه راض بما يكون، ولم تفارق الابتسامة شفتيه حتى رأى الناس فرس عبدالمطلب بلغ الغاية قبل فرس اُمية، وبهذا ربح عبدالمطلب الشرط [17].

ويدل على صحة هذه الواقعة التاريخية ما افتخر به عبدالله بن جعفر على يزيد في حضور معاوية في حديث جاء فيه: إن عبدالله قال ليزيد: بأي آبائك تفاخرني؟ بحرب الذي أجرناه؟ أم باُميّة الذي ملكناه؟ أم بعبد شمس الذي كفلناه؟

قال ذلك على مسمع من معاوية، فأقرّ معاوية فخره، وأمر يزيد أن لا يفاخر الهاشميين; لأنهم قوم لا يجهلون ما علموا.

فعبد المطلب الذي أصبح سيداً لقريش بعد أبيه هاشم وعمه المطلب [18]; كان له من السجايا والصفات ما تؤهله أن يكون سيداً لقومه، فهو ابن هاشم الذي أشبع البطون وقت المجاعة. وبذلك تحول القرشيون من فقراء معدمين الى أغنياء متخمين، لأن مال قريش وغير قريش هو من فضل رحلتي الشتاء والصيف اللتين دبّرهما هاشم.

وعبدالمطلب أندى قريش كفاً، وأعظمهم حلماً وأشرفهم وجهاً، وأمدهم جسماً وأطهرهم ذيلاً وأعفّهم أزاراً، كان أبعد رجل عن دنيّة، وأدنى رجل الى كمال نفس ونقاء روح، وهو أول من طيّب غار حراء بذكر الله، فإنه كان يذهب إليه.

فإذا استهلّ رمضان صعد حراء وأطعم المساكين، ورفع من مائدته الى الطير والوحوش في رؤوس الجبال.

ومن سجاياه وأخلاقه أنه كان لا يفكر إلاّ بالناس ومصالحهم وقضاء حوائجهم، ولا فرق عنده بين القريب والبعيد.

وكانت سقاية الحاج بيده فهو وحده الذي كان يدبّر أمر السقاية ورعاية الحجّاج، ولذا تحرّك نحو حفر زمزم لغرض توفير مزيد من الماء، وفي أثناء هذه المهمة الشاقة وسط الأعداء وجد غزالين من ذهب مما أ لّب الخصوم عليه أكثر، وبعد أن تم إنجاز حفر البئر حيث تدفق الماء العذب من داخله تعاظم شأن عبدالمطلب، وتعاظم معه حسدهم إيّاه [19].

وبعد هذه الحادثة التي لم يكن الى جانبه فيها غير ولده الوحيد الحارث، نذر أن يذبح أحد أولاده الذكور إذا بلغوا العشرة.

وبعد أن رزقه الله الأولاد، أحضرهم جميعاً لغرض تنفيذ النذر، ووقع الذبح عن طريق القرعة على عبدالله والد النبي(صلى الله عليه وآله)، لكن العرب أفدوه بدية [20].

ومرت على قريش سنة منعت فيها السماء، فأصبح الناس في محنة وشقاء، فلجأوا الى عبدالمطلب ليستسقي لهم، إذعاناً منهم بفضله وصحة دينه، فأحضر جمعاً من أولاده ومعهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)ومضى بهم الى جبل أبي قبيس، وقال: (اللهم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك ـ واستمر في الدعاء الى أن قال ـ فاذهب عنا الجدب وآتنا بالحياة والخصب) وبعد أن أتم دعاءه هطلت السماء بالمطر [21].

وأما حادثة الفيل التي قال فيها لأبرهة: أردد عليَّ إبلي ودونك والبيت فإنّ له ربّاً سيمنعه. فأمر إبرهة بردّ الإبل ، فلما قبضها عبدالمطلب جعلها هدياً وفرّقها في الحرم من غير راع ولا رقيب، ثم توجه نحو منسكه غار حراء ومعه عمرو بن عائد المخزومي ومطعم بن عدي وأبو مسعود الثقفي، واتجه بكلّه الى ربّه في الدعاء:

لهم إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك *** لا يغلبنّ صليبهم ومحالهم أبداً محالك

إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمرٌ ما بدا لك [22]

فأرسل الله تعالى الطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجّيل . ومن هذه الحوادث وغيرها استدلّ الكثير على إيمان عبدالمطلب وعلوّ منزلته [23].

فعبد المطلب رفض عبادة الأوثان والأصنام، ووحد الله عزّ وجل ووفى بالنذر وسن سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريفة من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، بها، ومنها: الوفاء بالنذر، ومائة من الإبل في الديّة وأن لا تنكح ذات محرم، ولا تؤتى البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق ، والنهي عن قتل المؤودة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحد عليه، والقرعة، وأن لا يطوف أحد بالبيت عرياناً، وإضافة الضيف ، وأن لا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الأشهر الحرم، ونفي ذوات الرايات [24].

وفي السنة الثامنة من مولد النبي(صلى الله عليه وآله) توفي عبدالمطلب وقد أوصى ولده البار أباطالب برعاية محمد(صلى الله عليه وآله) وكفالته بعده، وأنشد في ذلك يقول:

اُوصِيكَ يا عبدَ منَاف بَعْدي *** فارَقَه وهْوَ ضَجيعُ المَهْدِ

فكنتُ كالاُمّ له في الوَجدِ *** بمُفْرَد بَعْدَ أبيه فَرْدِ

لِدَفْعِ ضَيْم أوْ لشَدّ عَقْدِ [25]

 

الفصل الثاني

الصفات الشخصية لأبي طالب

اسمه: عبد مناف بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبدمناف ابن قصي .

لقبه: أبو طالب، وسيد البطحاء، وشيخ قريش، ورئيس مكة وبيضة البلد، والشيخ، وشيخ الأباطح [26] .

و(أبو طالب) لقب غلب عليه حتى لم يُعرف أحد يناديه باسمه الأصلي (عبدمناف) [27].

ولادته: بعد حفر زمزم وقبل عام الفيل ومولد النبي(صلى الله عليه وآله)بخمس وثلاثين سنة.

وفاته: توفي في النصف من شهر شوال في السنة العاشرة من النبوة وعمره حين توفي بضع وثمانون سنة، قبل الهجرة بثلاث سنوات، وذلك بعد خروجه من الشِعب بثمانية أشهر وواحد وعشرين يوماً [28].

اُخوته: اُخوته من اُمه وأبيه عبدالله والد النبي والزبير، واُمهم فاطمة بنت عمرو بن العائد من بني مخزوم وهي آخر زوجات عبدالمطلب .

سيادته على قومه: كان أبو طالب يتمتع بشخصية قوية مهابة في نفوس قومه طاهراً مستقيماً يقلدونه في أفعاله، ولا يتقدمونه بأمر إلاّ بعد أن يستشيروه ، وكانت رئاسة قريش بعد عبدالمطلب لأبي طالب، وكان أمره نافذاً [29].

وجاء في حديث عفيف الكندي: أنه لما رأى النبي(صلى الله عليه وآله)يصلّي في مبدأ الدعوة، ومعه امرأة قال: فقلت للعباس: أي شيء هذا؟ قال هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله الى الناس، ولم يتبعه على قوله إلاّ هذا الغلام، وهو ابن أخي أيضاً، وهذه الإمرأة هي زوجته ، قال، فقلت : فما الذي تقولونه أنتم؟

قال: ننظر ما يفعل الشيخ، يعني أبا طالب [30].

وكانت لعبدالمطلب علاقة خاصة مع أبي طالب لما كان يعرفه من علوّ منزلته، وكان يتفرس به الخير، فهو الامتداد للسلالة الطاهرة من أجداد النبي والوارث لقيمهم ومواقعهم الاجتماعية والسياسية.

وقيل لأكثم بن صيفي ـ وكان من المعمّرين ـ : إنك لأعلم أهل زمانك، وأحكمهم وأحلمهم، فقال: ولم لا أكون كذلك؟ وقد جالست أبا طالب بن عبدالمطلب دهره، وعبدالمطلب دهره، وهاشماً دهره، وعبدمناف دهره، وقصيّاً دهره، وكل هؤلاء سادات أبناء سادات فتخلّقت بأخلاقهم وتعلّمت من حلمهم واقتبست سؤددهم ، واتبعت آثارهم [31].

وطلب عبدالمطلب من ولده أبي طالب أن يتولى كفالة النبي(صلى الله عليه وآله)، فكان عند حسن ظنّ أبيه فرعاه وعطف عليه، ولم يجعله فقط كواحد من أبنائه بل كان يقدّمه عليهم أجمعين [32].

وارتبط أبو طالب بالرسول وانشدّ إليه عاطفياً، فكان يحبّه حباً شديداً، وكان لا ينام إلاّ الى جنبه، ويخرج فيخرج معه.

وصُبَّ به أبو طالب صبابة لم يُصَبَّ مثلها بشيء قط.

وكان يخصّه بالطعام، فإذا أكل عيال أبي طالب جميعاً أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل معهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) شبعوا، فكان إذا أراد أن يغذّيهم قال : كما أنتم حتى يأتي ولدي. فيأتي رسول الله(صلى الله عليه وآله)فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم، وإن لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب : إنّك لمُبارك.

وكان الصبيان من أولاد أبي طالب يصبحون رُمصاً شعثاً ويصبح رسول الله(صلى الله عليه وآله) دهيناً كحيلاً [33].

وشبّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) في كنف أبي طالب يكلؤه ويحفظه ويحوطه من اُمور الجاهلية ومعائبها لما يريد من كرامته [34].

زواج أبي طالب من فاطمة بنت أسد

أبوها أسد بن هاشم بن عبدمناف بن قصي، وهي أوّل هاشمية تتزوج من هاشمي فولدت له: طالباً وعقيلاً وجعفراً وعليّاً.

وكانت فاطمة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة الاُم الحنونة، فتربّى(صلى الله عليه وآله)في حجرها وكان شاكراً لبرِّها، وكان يسمِّيها اُمي، وكانت هي تفضله على أولادها في البرّ.

سبقت الى الإسلام وهاجرت الى المدينة، ولما توفيت كفّنها رسول الله(صلى الله عليه وآله) بقميصه، وأمر أن يحفر قبرها فلما بلغوا لحدها حفره بيده واضطجع فيه وقال:

اللهم اغفر لاُمي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجّتها ووسّع عليها مدخلها، فقيل: يا رسول الله! رأيناك صنعت شيئاً لم تكن تصنعه بأحد قبلها فقال: ألبستها قميصي لتلبس من ثياب الجنة ، واضطجعت في قبرها ليوسّعه الله عليها، وتأمن من ضغطة القبر، إنها كانت من أحسن خلق الله صنعاً إليَّ بعد أبي طالب.

وروت فاطمة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ستة وأربعين حديثاً [35].

وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : هذه المرأة كانت اُمي بعد اُمي التي ولدتني، إن أبا طالب كان يصنع الصنيع وتكون له المأدبة ، وكان يجمعنا على طعامه فكانت هذه المرأة تفضل من كلّه نصيباً فأعود فيه [36].

وقال ابن عباس: هي أوّل امرأة هاجرت من مكة الى المدينة ماشية حافية [37].

ولا يفوتنا خطبة أبي طالب التي تكلّم بها عندما أقدم على زواج فاطمة بنت أسد، الكاشفة عن قوّة شخصيته ومستوى تمسّكه بخط النبوّة، حيث نسب نفسه وسيادته لقريش الى النبي إبراهيم .

فقال: الحمد لله رب العرش العظيم، والمقام الكريم، والمشعر والحطيم، الذي اصطفانا أعلاماً وسدنةً وعرفاء، خُلّصاً، وقادةً وحجبة بهاليل [38] أطهاراً من الخنا والريب والأذى، والعيب [39].

وأقام لنا المشاعر، وفضّلنا على العشائر، نخب آل إبراهيم وصفوته وزرع إسماعيل.

ثم قال: وقد تزوجت فاطمة بنت أسد وسقت المهر ونفّذت الأمر فاسألوه وأشهدوا، فقال أبوها أسد: زوّجناك ورضينا بك، ثم نحر أبو طالب الإبل وأطعم الناس سبعة أيام، فقال اُمية بن أبي الصلت يذكر ذلك:

أغمرنا عرس أبي طالب فنازلوه سبعة *** اُحصيت فكان عرساً ليّن الحالب

اقرأه البدو بأقطاره أيّامها للرجل الحاسب *** من راجل خفّ ومن راكب[40]

 

أبو طالب يخلف أباه:

ورث أبو طالب كل مناصب أبيه ومكانته الاجتماعية، فقد كان قويّ الشخصيّة سامياً في أخلاقه، شجاعاً طيب النفس، فأصبح سيد بني هاشم، ولم يكن هو الابن الأكبر لعبد المطلب.

واحتل السيادة لقريش رغم فقره، لأن السيادة تحتاج الى المال الكثير وهو لا مال له، ولذا قيل: لم يكن أحد يسود قريشاً بلا مال سوى أبي طالب.

قال الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) : أبي ساد فقيراً وما ساد فقير قبله [41].

وحين تولّيه لمكانة أبيه أوكل سقاية الحاج لأخيه العباس بن عبدالمطلب، لأن هذه المهمة تحتاج الإنفاق الكثير، والعباس لديه المال.

وكان أبو طالب واسع التفكير أصيلاً في تربيته، إنه الفرع الذي التزم بمبادئ الحنفية. فنجده أوّل من سنّ القسامة في الجاهلية في دم عمر بن علقمة ، ثم أثبتتها السنّة في الإسلام [42].

وكان أبو طالب ذا هيبة ومكانة عالية في الجاهلية، فكان يباشر جبر ما انكسر من مواشيه وأنعامه بيده فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له.

وكان نديم أبي طالب في الجاهلية مسافر بن عمرو، وهو أحد أزواد الركب، وإنما سُمي بذلك لأنهم كانوا لا يدعون غريباً ولا مارّاً ولا محتاجاً يجتاز بهم إلاّ أنزلوه وتكفّلوا به حتى يظعن [43].

أبو طالب شاعراً

قيل لتأبّط شراً، الشاعر المعروف واسمه ثابت بن جابر: مَن سيد العرب؟

فقال: أخبركم سيد العرب أبو طالب.

وقيل لأكثم: ممّن تعلمت الرئاسة والحكم والسيادة؟

فقال: من حليف الحلم والأدب، سيد العجم والعرب أبي طالب [44].

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الجمعة : 2.

[2] الطرق: ماء السماء الذي تبول فيه الإبل وتبعر ، الصحاح : 4/1513 .

[3] سير يُقد من جلد غير مدبوغ ، النهاية : 4/31 .

[4] أي ابتلي، وبهم الرجال كصُرد الشجعان منهم لأنهم لشدة بأسهم لا يدرون أين يؤتون؟

[5] ذؤبان العرب: لصوصهم وصعاليكهم الذين لا مال لهم.

[6] الاحتجاج : 1/257، باب خطبة الزهراء البتول(عليها السلام).

[7] تاريخ اليعقوبي : 1/307 أديان العرب، والسيرة النبوية لابن كثير: 1 / 62، 63، باب ذكر بني إسماعيل وهم عرب الحجاز وما كان من اُمور الجاهلية ، صيرورة الأمر الى خزاعة.

[8] تاريخ اليعقوبي : 1/288 ـ 289 باب ولد إسماعيل.

[9] تاريخ اليعقوبي : 1/288 ـ 289 باب ولد إسماعيل .

[10] المصدر السابق : 1/290.

[11] طبقات ابن سعد: 1/77 ترجمة هاشم بن مناف.

[12] تاريخ اليعقوبي : 1/293، باب ولد إسماعيل بن إبراهيم، والنزاع والتخاصم للمقريزي: 40 في أصل المفاخرة بين بني هاشم وبنــي اُمية، ترجمة هاشم .

[13] الطبقات لابن سعد : 1/76، ترجمة هاشم بن عبد مناف والسيرة الحلبية: 64 باب نسبه الشريف(صلى الله عليه وآله).

[14] النزاع والتخاصم : 41، باب في أصل المفاخرة بين بني هاشم وبني اُمية، ترجمة هاشم.

[15] النزاع والتخاصم : 42، باب في أصل المفاخرة بين بني هاشم وبني اُمية، ترجمة اُمية.

[16] المصدر السابق، والطبقات لابن سعد : 1/76 .

[17] الطبقات الكبرى لابن سعد: 1/78 والسيرة الحلبية : 1/4، ترجمة عبدالمطلب .

[18] تاريخ اليعقوبي : 1/297، باب ولد إسماعيل بن إبراهيم.

[19] السيرة النبوية لابن كثير: 1/173 ذكر تجديد حفر زمزم.

[20] تاريخ اليعقوبي : 1/303 باب ولد إسماعيل بن إبراهيم.

[21] تاريخ اليعقوبي : 1/334 باب مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

[22] المصدر السابق : 1/305 باب ولد إسماعيل بن إبراهيم.

[23] تاريخ اليعقوبي : 1/304 باب ولد إسماعيل بن إبراهيم، الملل والنحل للشهرستاني: 237، الحاوي للفتاوي / للسيوطي: 2/426.

[24] تاريخ اليعقوبي : 1/331 و 332، باب مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله) .

[25] عمدة الطالب: 6 والمناقب لابن شهرآشوب : 1 / 36 ، ومما يثبت إيمان عبدالمطلبما جاء في تاريخ اليعقوبي: 1 / 335، باب مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله)ط محققة/مؤسسة الأعلمي.

[26] عمدة الطالب في أنساب أبي طالب: 20 ومسند أحمد : 1/209 ومستدرك الصحيحين: 3/183.

[27] قال ابن حجر العسقلاني في الإصابة، اشتهر بكنيته واسمه عبدمناف على المشهور وقيل: عمران، الإصابة في تمييز الصحابة: 4/115، ترجمة أبو طالب رقم 685.

اسم أبي طالب هو عبد مناف على الصحيح، وقيل إنّ اسمه عمران، وهي رواية ضعيفة رواها أبو بكر محمد بن عبدالله الطرسوسي النسابة، وقيل: إسمه كنيته، ويروى ذلك عن أبي علي محمّد بن إبراهيم بن عبدالله بن جعفر الأعرج، وزعم أنّه رأى بخطّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وكتب علي بن أبو طالب، قال ولكن حدّثني تاج الدين محمد بن أبي القاسم النسابة، وجدّي لاُمّي محمّد بن الحسين الأسدي أن الّذي كان في آخر ذلك المصحف علي بن أبي طالب، ولكن الياء مشتبهة بالواو، في الخط الكوفي والصحيح أنّ اسمه عبد مناف، وبذلك نطقت وصيّة أبيه عبدالمطّلب، حين أوصى إليه رسول الله(صلى الله عليه وآله)وهو قوله:

أوصيك يا عبد مُناف بعدي *** بواحد بعد أبيه فرد

أقول: وممّا ينفي القول بأنّ اسمه كنيته، قول عبدالمطّلب أيضاً على ما يلي:

أوصيت من كنيته بطالب *** عبد مُناف وهو ذو تجارب

مواهب الواهب: 71، 72 وعمدة الطلب: 1/138، 204 ط النجف / 1961 وبحار الأنوار: 15/152.

[28] مجمع الأمثال : 1/97 وابن القيم في زاد المعاد : 2/46.

[29] أسنى المطالب للعلامة ابن دحلان: 6.

[30] مسند أحمد بن حنبل : 1/209 مسند عبدالله بن عباس، ومستدرك الصحيحين: 3/183 ونظم درر السمطين: 84، الإصابة: 4/248 وكنز العمال: 6/391، اسد الغابة : 3/414 وتاريخ الطبري : 2/56.

[31] بحار الأنوار : 15/157 عن كنز الكراجكي المتوفى سنة 449 هـ في كتابه كنز الفوائد : 1 / 192، أخبار عبدالمطلب .

[32] سيرة ابن هشام: 1/179 وتاريخ اليعقوبي : 1/335 باب مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، السيرة النبوية لابن كثير: 1/240 .

[33] راجع السيرة النبوية لابن كثير: 1/242.

[34] السيرة النبوية لابن كثير: 1/249 فصل في خروجه مع عمّه الى الشام.

[35] أعلام النساء / عمر رضا كحالة : 33.

[36] المستدرك على الصحيحين: 3/108 كتاب معرفة الصحابة، ذكر فضيلة اُمّ علي بن أبي طالب(رضي الله عنها).

[37] تذكرة الخواص : 13 ومقاتل الطالبيين لأبي الفرج: 27.

[38] البهاليل: جمع بهلول : السيد الجامع لكل خير.

[39] مناقب ابن شهر آشوب: 2/151، فصل في آثار حمله وكيفية ولادته، فاطمة بنت أسد: 58.

[40] بحار الأنوار : 35/98 مناقب آل أبي طالب ، ابن شهرآشوب: 2/172.

[41] تاريخ اليعقوبي : 1/335 باب مولد رسول الله(صلى الله عليه وآله).

[42] الأغاني : 8/48 ـ 51.

[43] يراجع شرح نهج البلاغة : 15/219 من كتاب له(عليه السلام) الى معاوية / 28، فضل بني هاشم على بني عبد شمس، وسيرة ابن هشام: 1/151، ذكر بئار قبائل قريش.

[44] بحار الأنوار: 35/133 .