مواقع النظر في هذه الرواية

1 ـ إن سعيد الذي انفرد بنقل هذه الرواية وكان ممّن ينصب العداء لأمير المؤمنين علي(عليه السلام)، فلا يُحتجّ بما يقوله أو يتقوّله فيه وفي أبيه وفي آله وذويه ، فإنّ الوقيعة فيهم أشهى مأكلة له، فقد قال ابن أبي الحديد في الشرح [1]: وكان سعيد بن المسيب منحرفاً عنه(عليه السلام) ، وجابهه عمر بن علي(عليه السلام)في وجهه بكلام شديد، روى عبدالرحمن بن الأسود عن أبي داود الهمداني قال: شهدت سعيد بن المسيب وأقبل عمر بن علي بن أبي طالب(عليه السلام) فقال له سعيد: يا ابن أخي! ما أراك تكثر غشيان مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، كما يفعل إخوتك وبنو أعمامك؟ فقال عمر: يا ابن المسيب ! أكُلّما دخلت المسجد أجيء فأشهدك؟ فقال سعيد: ما اُحبّ أنت غضب. سمعت أباك يقول: إن لي من الله مقاماً لهو خير لبني عبدالمطلب ممّا على الأرض من شيء. فقال عمر: وأنا سمعت أبي يقول: ما كلمة حكمة في قلب منافق فيخرج من الدنيا إلاّ يتكلّم بها. فقال سعيد: ياابن رسول الله! ياابن أخي! جعلتني منافقاً ؟ قال: هو ما أقول لك. ثم انصرف.

وأخرج الواقدي أن سعيد بن المسيب مرّ بجنازة السجّاد عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) ولم يصلّ عليها، فقيل له: ألا تصلّي على هذا الرجل الصالح من أهل البيت الصالحين؟ فقال: صلاة ركعتين أحبّ إليَّ من الصلاة على الرجل الصالح.

ويعرِّفك سعيد بن المسيب ومبلغه من الحيطة في دين الله ما ذكره ابن حزم [2]. عن قتادة قال: قلت لسعيد: أنصلي خلف الحجّاج؟ قال: إنّا لنصلّي خلف من هو شرّ منه.

2 ـ إنّ ظاهر رواية البخاري كغيرها تعاقب نزول الآيتين عند وفاة أبي طالب(عليه السلام)، كما أنّ صريح ما ورد في كلّ واحدة من الآيتين نزولها عند ذاك ولا يصحّ ذلك، لأنّ الآية الثانية منهما مكّية والاُولى مدنيّة، نزلت بعد الفتح بالاتفاق وهي في سورة البراءة المدنية التي هي آخر ما نزل من القرآن [3]، فبين نزول الآيتين ما يقرب من عشر سنين أو يربو عليها.

3 ـ إنّ آية الاستغفار نزلت بالمدينة بعد موت أبي طالب بعدّة سنين تربو على ثمانية أعوام، فهل كان النبي(صلى الله عليه وآله) خلال هذه المدّة يستغفر لأبي طالب(عليه السلام) ؟ أخذاً بقوله(صلى الله عليه وآله) : والله لأستغفرنّ لك وما لم اُنه عنك؟ وكيف كان يستغفر له؟ وكان هو(صلى الله عليه وآله) والمؤمنون ممنوعين عن موادّة المشركين والمنافقين وموالاتهم والاستغفار لهم ـ الذي هو من أظهر مصاديق التوادد والتحابب ـ منذ دهر طويل بقوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ، اُولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه) [4].

وهذه الآية من سورة المجادلة المدنيّة نازلة قبل سورة براءة التي فيها آية الاستغفار بسبع سور [5] .

إنّ هذه الآية نزلت يوم بدر وكانت في السنة الثانية من الهجرة الشريفة، أو نزلت على ما في بعض التفاسير في اُحد، وكانت في السنة الثالثة باتفاق الجمهور كما قاله الحلبي في السيرة، فعلى هذه كلها نزلت هذه الآية قبل آية الاستغفار بعدّة سنين.

وقال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا للهِ عليكم سلطاناً مبيناً) [6].

وهذه الآية من سورة النساء وهي مكّية على قول النحاس وعلقمة وغيرهما ممّن قالوا: إنّ قوله تعالى: يا أيّها الناس. حيث وقع إنّما هو مكّي [7] وإن أخذنا بما صحّحه القرطبي في تفسيره [8]وذهب إليه الآخرون من أنّها مدنيّة أخذاً بما في صحيح البخاري [9]من حديث عائشة: ما نزلت سورة النساء إلاّ وأنا عند رسول الله(صلى الله عليه وآله)فإنّها نزلت في أوليات الهجرة الشريفة بالمدينة، وعلى كلٍّ من التقديرين فإنّها نزلت قبل سورة براءة التي فيها آية الاستغفار بإحدى وعشرين سورة كما في الإتقان [10].

وقال سبحانه:(الّذين يتّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزّة) [11].

وهذه الآية من سورة النساء وقد عرفت أنّها قد نزلت قبل سورة براءة.

وقال تعالى: (لا يتّخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة ويحذّركم الله نفسه وإلى الله المصير) [12].

وهذه الآية من سورة آل عمران، وقد نزل صدرها الى بضع وثمانين آية في أوائل الهجرة الشريفة، يوم وفد نجران كما في سيرة ابن هشام [13]، وأخذاً بما رواه القرطبي وغيره [14] نزلت هذه الآية في عبادة بن الصامت يوم الأحزاب وكانت في الخمس من الهجرة، وعلى أيّ من التقديرين وغيرهما فقد نزلت آل عمران قبل سورة براءة وآية الاستغفار بأربع وعشرين سورة كما في الإتقان [15].

وقال تعالى: (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم...) [16].

وقد نزلت عام غزوة بني المصطلق سنة ست وهو المشهور عند أصحاب المغازي والسير كما قال ابن كثير [17]. ونزلت قبل البراءة بثمان سور كما في الإتقان [18].

وقال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا لا تـتّخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولّهم منكم فاُولئك هم الظالمون) [19].

وقال تعالى: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر الله لهم) [20].

وهذه الآية وما قبلها من سورة التوبة نزلتا قبل آية الاستغفار.

أترى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) مع هذه الآيات النازلة قبل آية الاستغفار كان يستغفر لعمّه طيلة مدّة سنين وقد مات كافراً ـ والعياذ بالله ـ وهو ينظر إليه من كثب؟ لاها الله، حاشَ نبيّ العظمة [21].

ولعلّ لهذه الأسباب كلها استبعد الحسين بن الفضل نزولها في أبي طالب، وقال: هذا بعيد، لأنّ السورة من آخر ما نزل من القرآن ، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبيّ (صلى الله عليه وآله)بمكّة، وذكره القرطبي وأقرّه في تفسيره [22].

4 ـ إنّ هناك روايات عديدة تضادّ هذه الرواية التي زعموا أنّها تفسّر سبب نزول آية الاستغفار من سورة براءة منها: صحيحة، أخرجها الطيالسي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصحّحه ابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان والضياء في المختارة عن عليّ، قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت : تستغفر لأبويك وهما مشركان ؟ فقال: أوَلم يستغفر إبراهيم؟ فذكرت ذلك للنبي(صلى الله عليه وآله) فنزلت: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا اُولي قربى من بعد ما تبيّن لهم أ نّهم أصحاب الجحيم* وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إيّاه فلمّا تبيّن له أنّه عدوٌّ لله تبرّأ منه إنّ إبراهيم لأوّاه حليم) [23].

يظهر من هذه الرواية أنّ عدم جواز الاستغفار للمشركين كان أمراً معهوداً قبل نزول الآية، ولذلك ردع عنه مولانا أمير المؤمنين الرجل، وقوله(عليه السلام) : هذا لا يلائم استغفار النبي(صلى الله عليه وآله)لعمّه على تقدير عدم إسلامه، وترى الرجل ما استند قطّ في تبرير عمله الى استغفار رسول الله(صلى الله عليه وآله)لعمّه بأنّه(صلى الله عليه وآله) قطّ لا يستغفر لمشرك.

قال السيّد زيني دحلان في أسنى المطالب [24]: هذه الرواية صحيحةٌ، وقد وجدنا لها شاهداً برواية صحيحة من حديث ابن عبّاس(رضي الله عنه) قال: كانوا يستغفرون لآبائهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا ثم أنزل الله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم... الآية) يعني استغفر له وهو على قيد الحياة، فلمّا مات أمسك عن الاستغفار له، قال: وهذا شاهدٌ صحيحٌ فحيث كانت هذه الرواية أصح; كان العمل بها أرجح ، فالأرجح أ نّها نزلت في استغفار اُناس لآبائهم المشركين لا في أبي طالب .

ومنها: ما أخرجه ـ في سبب نزول آية الاستغفار ـ مسلم في صحيحه ، وأحمد في مسنده ، وأبو داود في سننه، والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة: أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) أتى قبر اُمّه فبكى وأبكىمَن حوله، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : استأذنت ربّي في أن أستغفر لها فلميأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنّهاتذكرة الآخرة [25].

وأخرج الطبري والحاكم وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن مسعود وبريدة ، والطبراني وابن مردويه والطبري، من طريق عكرمة عن ابن عباس: أنّه(صلى الله عليه وآله) لمّا أقبل من غزوة تبوك اعتمر فجاء قبر اُمّه، فاستأذن ربّه أن يستغفر لها، ودعا الله تعالى أن يأذن له في شفاعتها يوم القيامة، فأبى أن يأذن فنزلت الآية [26].

وأخرج الطبري في تفسيره [27] عن عطيّة أنّه لمّا قدم رسول الله(صلى الله عليه وآله) مكّة وقف على قبر اُمّه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها حتى نزلت: (ما كان للنبيّ ... الى قوله ـ تبرَّأ منه).

وروى الزمخشري في الكشّاف [28] حديث نزول الآية في أبي طالب، ثمّ ذكر هذا الحديث في سبب نزولها وأردفها بقوله: وهذا أصحّ لأنّ موت أبي طالب كان قبل الهجرة وهذا آخر ما نزل بالمدينة.

وقال القسطلاني [29] : قد ثبت أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أتى قبر اُمّه لمّا اعتمر فاستأذن ربّه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية ، رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، والطبراني عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخّر نزول الآية عن وفاة أبي طالب والأصل عدم تكرار النزول.

قال الأميني: هلاّ كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعلم الى يوم تبوك بعد تلكم الآيات النازلة التي أسلفناها في [30]، أنّه غير مسوغ له وللمؤمنين الاستغفار للمشركين والشفاعة لهم؟ فجاء يستأذن ربّه أن يستغفر لاُمّه ويشفعها، أو كان يحسب أنّ لاُمّه حساباً آخر دون سائر البشر؟ أو أنّ الرواية مختلفة تمسّ كرامة النبي الأقدس، وتدنّس ذيل قداسة اُمّه الطاهرة عن الشرك.

ومنها: ما أخرجه الطبري في تفسيره [31] عن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجالاً من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله)، قالوا: يا نبيّ الله! إنّ من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفكّ العاني، ويوفي بالذمم، أفلا تستغفر لهم؟ قال النبي(صلى الله عليه وآله): والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل الله : (ما كان للنبي (صلى الله عليه وآله)...) ثمّ عذر الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه... الى قوله : تبرّأ منه).

وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) أراد أن يستغفر لأبيه فنهاه الله عن ذلك بقوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين..) الآية. قال: فإنّ إبراهيم قد استغفر لأبيه فنزلت: (وماكان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة) [32].

وفي هاتين الروايتين نصّ على أنّ نزول الآية الكريمة في أبيه وآباء رجل من أصحابه(صلى الله عليه وآله)لا في عمّه ولا في اُمّه.

ومنها: ماجاء به الطبري في تفسيره، حيث قال: قال آخرون: الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة . ثم أخرج من طريق المثنى من عطاء بن أبي رباح قال: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشيّة حبلى من الزنا، لأنّي لم أسمع الله يحجب الصلاة إلاّ عن المشركين ، يقول الله : (ما كان للنبيّ والّذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. الآية) [33].

وهذا التفسير إن صحّ فهو مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالّة على أن المراد من الآية هو طلب المغفرة ، كما هو الظاهر المتفاهم من اللفظ.

ونفس هذا الاضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ما جاء به البخاري ممّا يفتُّ في عضد الجميع، وينهك من اعتباره، فلا يحتجّ بمثله ولا سيما في مثل المقام من تكفير مسلم بارّ، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه.

5 ـ إنّ المستفاد من رواية البخاري نزول آية الاستغفار عند موت أبي طالب كما هو ظاهر ما أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن حيث قال: لما مات أبو طالب قال النبي(صلى الله عليه وآله): إنّ إبراهيم استغفر لأبيه وهو مشرك وأنا استغفر لعمّي حتى أبلغ، فأنزل الله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين.. الآية). يعني به أبا طالب، فاشتدّ على النبي(صلى الله عليه وآله) فقال الله لنبيّه(صلى الله عليه وآله): (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلاّ عن موعدة وعدها إيّاه) [34] .

وقد ناقضها ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن عليّ قال: أخبرت رسول الله(صلى الله عليه وآله) بموت أبي طالب فبكى فقال: اذهب فغسّله وكفّنه وواره، غفر الله له ورحمه. ففعلت وجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله)يستغفر له أيّاماً ، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبرئيل(عليه السلام) بهذه الآية: (ما كان للنبيّ والذين آمنوا) ... الآية.

ولعلّه هو ظاهر ما أخرجه ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: لمّا مات أبو طالب قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله) : رحمك الله وغفر لك، لا أزال استغفر لك حتى ينهاني الله ، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) [35].

لكن الاُمّة أصفقت على أنّ نزول سورة البراءة التي تضمّنت الآية الكريمة آخر ما نزل من القرآن، وكان ذلك بعد الفتح، وهي التي بعث بها رسول الله(صلى الله عليه وآله) أبا بكر ليتلوها على أهل مكة، ثم استرجعه بوحي من الله سبحانه وقيّض لها مولانا أمير المؤمنين فقال: لا يبلّغها عنّي إلاّ أنا أو رجلٌ منّي [36] وقد جاء في صحيحة مرّت من عدّة طرق: أنّ آية الاستغفار نزلت بعدما أقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله) من غزوة تبوك وكانت في سنة تسع، فأين من هذه كلّها نزولها عند وفاة أبي طالب أو بعدها بأيّام ؟ وأ نّى يصحُّ ما جاء به البخاري ومن يشاكله في رواية البواطيل؟ [37].

6 ـ إنّ سياق الآية الكريمة ـ آية الاستغفار ـ سياق نفي لا نهي، فلا نصّ فيها على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) استغفر فنهي عنه، وإنّما يلتئم مع استغفاره لعلمه بإيمان عمّه، وبما أنّ في الحضور كان من لا يعرف ذلك من ظاهر حال أبي طالب الذي كان يماشي به قريشاً، فقالوا في ذلك أو اتّخذوه مدركاً لجواز الاستغفار للمشركين، كما ربّما احتجوا بفعل ابراهيم(عليه السلام)، فأنزل الله سبحانه الآية وما بعدها من قوله تعالى: (وما كان استغفار إبراهيم.. الآية) تنزيهاً للنبي(صلى الله عليه وآله)وتعذيراً لإبراهيم(عليه السلام)، وإيعازاً الى أنّ من استغفر له النبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن مشركاً كما حسبوه، وأنّ مرتبة النبوّة تأبى عن الاستغفار للمشركين، فنفس صدوره منه(صلى الله عليه وآله) فيه برهنةٌ كافيةٌ على أنّ أبا طالب لم يكن مشركاً، وقد عرفت ذلك أفذاذ من الاُمّة، فلم يحتجّوا بعمل النبي(صلى الله عليه وآله)لاستغفارهم لآبائهم المشركين، وإنّما اقتصروا في الاحتجاج بعمل إبراهيم(عليه السلام)، كما مرّ في صحيحة عن مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) إذ قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ قال: أوَلم يستغفر إبراهيم؟. الحديث [38]

ولو كان يعرف هذا الرجل أبا طالب مشركاً لكان الاستدلال لتبرير عمله باستغفار نبيّ الإسلام له ـ ولم يكن يخفى على أحد ـ أولى من استغفار إبراهيم لأبيه لكنّه اقتصر على ما استدلّ به.

7 ـ وإنّا على تقدير التسليم لرواية البخاري، وغضّ الطرف عمّا سبق عن العبّاس من أنّ أبا طالب لهج بالشهادتين ، حتّى قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : الحمدلله الذي هداك يا عمّ! وما مرّ عن مولانا أمير المؤمنين من أ نّه ما مات حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا، وما مرّ من قوله(صلى الله عليه وآله): كلُّ الخير أرجو من ربّي لأبي طالب وما مرّ من وصيّة أبي طالب عند الوفاة لقريش وبني عبدالمطلب، بإطاعة محمد(صلى الله عليه وآله)واتّباعه والتسليم لأمره، وأنّ فيه الرشد والفلاح، وأنّه(صلى الله عليه وآله)الأمين في قريش والصدّيق في العرب. الى سائر النصوص الجمّة في نثرها ونظمها، فبعد غضّ الطرف عن هذه كلّها لا نسلّم أنّ أبا طالب(عليه السلام)أبى إظهار الإيمان في ساعته الأخيرة حين قال: على ملّة عبدالمطلب . ونحن لا نرتاب في أنّ عبدالمطلب سلام الله عليه كان على المبدأ الحقّ، وعلى دين الله الذي ارتضاه للناس ربّ العالمين يومئذ، وكان معترفاً بالمبدأ والمعاد، عارفاً بأمر الرسالة، اللائح على أساريره نورها، الساكن في صلبه صاحبها. وللشهرستاني حول سيّدنا عبدالمطلب كلمة ذكرنا جملة منها في الجزء السابع [39] فراجع الملل والنحل والكتب التي [40] ألّفها السيوطي في آباء النبي(صلى الله عليه وآله)حتى تعرف جليّة الحال، فقول أبي طالب(عليه السلام): على ملّة عبدالمطلب. صريح في أنّه معتنق تلكم المبادئ كلّها، أضف الى ذلك نصوصه المتواصلة طيلة حياته على صحّة الدعوة المحمّدية [41].

أما الروايات والأشعار التي استدلّوا بها على كفر أبي طالب فهي كالآتي:

أ ـ استدلّوا بقول أبي طالب:

فوالله، لولا أن أجيء بسبة [42] *** تجر على أشياخنا في المحافل

لكنا اتبعناه على كل حالة *** من الدهر جداً غير قول التهازل [43]

وقوله:

لولا الملامة أو حذارى سبة *** لوجدتني سحاً بذاك مبيناً [44]

ويلاحظ على هذين القولين أنّه يجد الحرج في الإعلان عن إسلامه، ولكنه يؤكد بهما حقيقة إيمانه. ومن ثم كيف يقال: إنه مات على ما كان عليه قبل الإسلام؟

ب ـ واستدلّوا بما رواه ابن اسحاق من أنه(صلى الله عليه وآله) طمع في إسلام أبي طالب لمّا رأى منه قبل وفاته.

فجعل يقول له: أي عم! قلها ـ أي كلمة التوحيد ـ استحلّ لك بها الشفاعة يوم القيامة فأجابه أبو طالب: يا ابن أخي! والله ـ لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أنني إنّما قلتها فزعاً من الموت، لقلتها، ولا أقولها إلاّ لأسرّك بها [45]، فلما تقارب الموت من أبي طالب; نظر العباس إليه فوجده يحرّك شفتيه، فأصغى إليه باُذنيه، ثم قال: يا ابن أخي! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): لم أسمع [46] فهو هنا مؤمن، ولكنه يخاف ـ من إعلان إسلامه ـ السبّة على محمّد (صلى الله عليه وآله)وعلى بني أبيه.

ولعمري كيف يمكن أن يكون إسلام أبي طالب سبّة على محمد(صلى الله عليه وآله) وهو نبي الإسلام، الداعي إليه، متحملاً من الإيذاء في سبيله ما لا يقبل لغيره به، إذا أسلمنا جدلاً أنه يكون سبّة على بني أبيه؟ بل هل يدعو النبي الى ما فيه سبة عليه؟ وكيف يتصور أن يكون إسلام أبي طالب حينئذ سبّة على بني أبيه؟ وقد كان علي وجعفر وعمّهما حمزة، كلهم في ذلك الوقت مسلمين فعلاً بصورة علنية.

على أنه كيف يتصور أن يهتم العباس بأن يتابع شفتي أبي طالب حينئذ ، ويتسمّع إليه باُذنيه ليتأكد مما يقوله في شأن هذا الذي أمره به النبي(صلى الله عليه وآله). وهو لما يعرف عنه الإسلام بعد، والتاريخ يذكر أنه ظل على موقفه من الإسلام حتى شهد بدراً في صفوف المشركين، وكان من أسراها؟

وحينئذ ، كيف يتصور إذا كان إسلام أبي طالب سبّة على بني آباء محمد (صلى الله عليه وآله) ، أن يحقّق العباس هذه السبّة، فيقول للنبي(صلى الله عليه وآله): يا ابن أخي! لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها وكيف يتصور ـ إذا كان ذلك قد حدث فعلاً ـ أن يقول النبي(صلى الله عليه وآله): لم أسمع مع أنه هو الذي أمره أن يقولها، وأخبره عمّه بنطقه بها؟

ج ـ واستدلّوا أيضاً بما روي أن عليّاً(عليه السلام) جاء الى رسول الله(صلى الله عليه وآله)ـ حين مات أبو طالب ـ فقال: إن عمّك الضال قد مات، فقال: إذهب فغسّله وكفّنه وواراه [47] فكيف يتفق هذا مع ما سبقت روايته عن الإمام علي نفسه من أن أبا طالب ما مات حتى أعطى رسول الله(صلى الله عليه وآله)من نفسه الرضا؟ وإذاً فلابد أن تكون إحدى الروايتين مكذوبة أيضاً على علي(عليه السلام).

ولو سلّمنا جدلاً أن أبا طالب لم يعلن إسلامه قبل مماته، فهل يذكر أحد أنه لم يدع وسيلة لنصرة النبي(صلى الله عليه وآله) وحماية دعوته إلاّ واتبعها؟

وهل من كان هذا شأنه يستحقّ من ابنه المسلم، أن يقول عنه ـ حين مماته ـ لرسول الله: إن عمّك الضال قد مات؟!

أفلا كان يكفيه ، وهو ربيب النبي(صلى الله عليه وآله) ، والمنشأ على أخلاق الإسلام والمتربّي على عفّة اللسان أن يقول حينئذ: إن عمّك قد مات، دون أن يصفه بالضلال؟

وهل هذا من بر الوالدين الذي نزل به القرآن من مثل قوله تعالى: (وصاحبهما في الدنيا معروفاً واتّبع سبيل من أناب إليّ) [48].

وعلى أساس ما تقدم ، نتساءل: الى أي مدى يمكن اعتبار ما نسب الى أبي طالب من الشعر ـ على تعارضه ـ دليلاً على أنه أسلم بالفعل أو لم يسلم؟

والى أي مدى يمكن اعتبار الروايات التي استعرضناها ـ على تعارضها فيما بينها أيضاً ـ دليلاً لهذا الفرض أو ذاك؟

لاشك أن النظرة الدقيقة الى الظروف التي أوحت بهذا الشعر أو ذاك أو بهذه الرواية أو تلك، والى البيئة النفسية التي انتجت كلاً منهما، والى التيارات السياسية التي تقاذفتها عبر قرون زاخرة بالتعصب المذهبي، الذي فرض نفسه على الأفكار والآراء على صعيد العالم الإسلامي كله، طولاً وعرضاً... كل ذلك ينبغي أن يكون في الاعتبار عند النظرة الى هذا الشعر أوذ اك، والى هذه الرواية أو تلك، عن إسلام أو عدم إسلام أبي طالب، الذي شاء له القدر ـ بلا نزاع من أي من الفريقين ـ أن يكون كافل النبي(صلى الله عليه وآله) وهو طفل، وراعيه وهو يافع، وحاميه عند مبعثه، حيث لم يكن له بين الناس حام سواه.

وإذا كان مما لا خلاف فيه أيضاً أن ما جرى لأهل البيت(عليهم السلام)خلال القرون المتوالية على الاُمّة الإسلامية من جحود وقطيعة ـ بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) ـ كان كفيلاً بأن يحول بين صفحات التاريخ وبين أن تخط فيها كلمة إنصاف يكتبها قلم، أو تنطقها شفتان، تثني عليهم أو تعترف بفضلهم.

فلقد كانت الحرب ـ ولا تزال بصورة أو باُخرى ـ معلنة عليهم في كل زمان ومكان. ولقد تعقّبوهم في النفس والولد والمال والسمعة، ولاحقتهم الأحقاد باللعن والسب والإساءة... وحلّ بهم التنكيل والتقتيل في كل مكان. ولم يكن عجباً ـ والحالة هذه ـ أن يتناولهم كثير من الكتّاب ، ورواة الأنباء والأخبار بما يستجيب ويتمشى مع النزعات السياسية والمذهبية المخالفة بما يثلبهم ويقدح فيهم، ويحرف الحقيقة في شأنهم، وأن يكون موقف ذوي الضمير من هؤلاء، وهؤلاء متمثّلاً في إهمال أمرهم، وعدم التعرض لذكرهم بسلب أو بإيجاب، خشية من أن ينالهم ما ينالهم من الأذى والنكال والعقاب، مما كان يحلّ بكل من اتّخذ الموقف الحق منهم. ولدينا في أحداث تاريخنا المعاصر، ما يمدنا بالأمثلة الصارخة والمتعددة، مما يحدث للمعارضين تجاه الحكّام.

ومن ثم فإذا تسرّب إلينا ـ من خلال هذا الحصار والإعصار ـ شيء من سيرتهم المضيئة، أو قبس من أقوالهم ومواقفهم المعبرة عن حقيقة الإسلام، أو شعلة من معالم سلوكهم الرشيد; فلاشك أنه حدث في غفلة من الطغاة وأعوانهم، وعلامة بارزة على أن العقيدة ـ حين تملك على الإنسان وجدانه وسلوكه ـ تدعوه أن يتحدى الأوضاع ، ليتغلب عليها بقدر الإمكان. وهذا هو الذي ظهر فيما بعد حتى أصبح مادة لما نقوله الآن.

لقد وصل إلينا ـ رغماً عن كل الموانع والعوائق ـ شعر يحدّثنا عن إسلام أبي طالب، منسوباً إليه، وروايات تاريخية تؤكد ذلك أنّه منه، أفلا يكون هذا مرجّحاً لما روي من هذا أو ذاك، على ما روي عن الجانب الآخر النافي لإسلامه؟

إن الأمر ـ حينئذ والحالة هذه ـ إن لم يرق الى رتبة الدليل، فإنه بلا شك لا ينزل عن مرتبة القرينة القوية التي تصل بانضمام غيرها من القرائن الى مرتبة الدليل القوي، والبرهان الجلي، دون أن يعنى هذا تهويناً من نسبة هذا الشعر الى أبي طالب، أو صحّة تلك الروايات بما فيها من دلالة صريحة على إسلامه، فقد ورد ذكرهما في كثير من الكتب والمراجع التاريخية المعترف بوثاقتها، وصحّة نقلها مثل: تاريخ ابن كثير، وسيرة ابن هشام، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ومستدرك الحاكم وغيرها.

ومن ثم فإننا نضم الى تلك القرينة القوية غيرها من القرائن الآتية، وسنجد أنها كلها يأخذ بعضها برقاب بعض، مؤكدة إسلام أبي طالب، حتى لا يبقى في ذلك مجال للشك، وذلك أنه من المعلوم أن رابطة الدين هي أقوى الروابط الاجتماعية، وأمامها تذوب بل تزول وتتلاشى سائر الروابط النسبية والسببية، أيّاً كان نوعها، وأيّاً كانت درجة كل نوع منها، حتى لقد يبلغ من قوة تأثيرها أن تدفع الأخ لأن يحارب ـ في سبيلها ـ أخاه، بل وابنه وأباه، وأنها تمنع التوارث بمجرّد اختلافها، وأن الولاء والتناصر يتحققان بين المتفقين فيها ، مهما تباعدوا نَسَبياً، أو تفاوتوا اجتماعياً.

ومن ثم لا يمكن أن يقال: إن رابطة القرابة كانت سبب نصرة أبي طالب لرسول الله(صلى الله عليه وآله)وحمايته له من أعدائه، تلك الحماية التي لولاها لما أمكن للدعوة الإسلامية أن تأخذ مسارها نحو الشيوع والانتشار، وإلاّ فقد كان أبو لهب أيضاً ـ وبنفس المقدار ـ جديراً بنفس النصرة والحماية ، فكلاهما عمّ لرسول الله ولكن أبا لهب على العكس من أبي طالب، فقد كان حرباً عواناً على محمد(صلى الله عليه وآله)وعلى دينه وأتباعه، بكل صنوف الحرب وأنواع الإيذاء [49].

د ـ حديث الضحضاح:

روى بعض الكتّاب مثل البخاري [50]، ومسلم عن رواة نظير سفيان بن سعيد الثوري، عبدالملك بن عمير، عبدالعزيز بن محمّد الدراوردي حديثاً نسبوه الى رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنه قال عن أبي طالب(رحمه الله): وجدتُه في غمرات من النّار فأخرجته الى ضحضاح.

لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيُجعل في ضَحضاح من النّار يبلغُ كعبيه، يغلي منه دماغُهُ [51].

إنّ هذه الرواية وإن كانت تكذّبها عشرات الأحاديث والروايات الإسلامية، والدلائل القاطعة الساطعة ، وتثبت بطلانها وتفاهتها، ولكننا بهدف الوصول الى مزيد من التوضيح نعمد الى دراسة أمرين مرتبطين بهذا الحديث:

1 ـ ضعف أسناد هذه الرواية:

إنّ رواة هذه الرواية ـ كما أسلفنا ـ هم عبارة: عن سفيان بن سعيد الثوري، وعبدالملك بن عمير، وعبدالعزيز بن محمّد الدراوردي، الذين سندرس أحوالهم واحداً واحداً ـ في ضوء أقوال علماء الرجال، المعترف بهم عند أهل السنّة ـ فيما يلي:

أ ـ سفيان بن سعيد الثوري:

قال أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي ـ وهو من علماء الرجال عند أهل السنّة ـ في سفيان الثوري : كان يدلّس عن الضعفاء [52].

إنّ هذا الكلام شاهد قوي على وجود التدليس عند الثوري، وعلى روايته عن الضعفاء، أو المجهولين، وهو وصف يُسقطه عن درجة الاعتبار.

ب ـ عبدالملك بن عمير:

قال عنه الذهبي المذكور: طال عمره وساء حفظه.

قال أبو حاتم: ليس بحافظ، تغيّر حفظه.

وقال أحمد: ضعيف يغلط .

وقال ابن معين: مخلط.

وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، وذكر الكوسج عن أحمد بن حنبل: أنه ضعيف جداً [53].

فمن مجموع هذه العبارات، نعرف أن عبدالملك كان يتّصف بصفات عديدة، هي أنه:

1 ـ سيّء الحفظ.

2 ـ ضعيف.

3 ـ كثير الغلط.

4 ـ مخلّط.

ومن الواضح أن كل واحدة من الصفات المذكورة، كافية لأن تبطل الأحاديث التي يرويها عبدالملك بن عمير، والحال أنه قد اجتمعت جميع نقاط الضعف هذه في هذا الرجل.

ج ـ عبدالعزيز محمد الدراوردي:

وقد وصفه علماء الرجال عند أهل السنّة بالنسيان، وقلة الحفظ، فلا يمكن الاستناد الى مرويّاته.

فقد قال أحمد بن حنبل عنه: إذا حدّث من حفظه جاء بأباطيل [54].

وقال أبو حاتم عنه: لا يُحتَجُّ به [55].

وقال أبو زرعة أيضاً: سيّء الحفظ [56]. ومن مجموعة هذه العبارات يتضح بجلاء، أن الرواة الأصليين لحديث الضحضاح ضعفاء في غاية الضعف، الى درجة لا يمكن الاعتماد على شيء من مروياتهم.

2 ـ نص حديث الضحضاح يخالف الكتاب والسنّة

لقد نُسِب الى النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه الرواية أنه أخرج أبا طالب من نار جهنم الى ضحضاح، وبهذا خفّف عنه العذاب، أو أنه(صلى الله عليه وآله)تمنّى أن يشفع له، فيخفِّف الله عنه العذاب، على حين نفى القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة تخفيف العذاب عن الكفار، كما ونفيا شفاعة أحد في حقّهم.

وعلى هذا الأساس فلو كان أبو طالب كافراً; لم يجز للنبي(صلى الله عليه وآله)أن يخفّف عنه العذاب، أو يتمنّى له الشفاعة في يوم الجزاء.

وبهذا يظهر بطلان محتوى حديث الضحضاح. وإليك فيما يأتي أدلة ما قلناه من الكتاب والسنّة:

ألف: القرآن الكريم:

قال تعالى:

(والّذين كفروا لهم نارُ جهنّم لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفّف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كلّ كفور) [57].

ب : السنّة النبوية:

إن السنّة النبوية تنفي أيضاً الشفاعة للكفّار، ونورد هنا من باب المثال بعض تلك الأحاديث.

1 ـ روى أبو ذر الغفاري عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال:

اُعطيت الشفاعة وهي نائلة من اُمتي من لا يشرك بالله شيئاً [58].

2 ـ روى أبو هريرة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال:

وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلاّ الله مخلصاً، وأنّ محمّداً رسول الله، يصدّق لسانه قلبَه، وقلبُه لسانَه [59].

إن الآيات والروايات المذكورة تثبت بوضوح بطلان نص حديث الضحضاح عند من يقول: بأن أبا طالب مات كافراً.

ونتيجة البحث هي أن حديث الضحضاح لا أساس له من الصحة لا من جهة السند والطريق، ولا من جهة المتن والنص، ولا يمكن الاستدلال به على ما جاء في متنه من اُمور تخالف الكتاب والسنّة.

وبهذا ينهار أقوى دليل يستند إليه الزاعمون في عدم إيمان أبي طالب، وحينئذ لا تجد تأريخاً مستنداً يمكن أن يعارض ما دلّ على إيمان أبي طالب(عليه السلام) [60].

خلاصة البحث:

فتحصل من خلال البحث أن أبا طالب ، هو الامتداد للخط الإبراهيمي الموحّد.

وقد تكفّل النبيّ(صلى الله عليه وآله) بوصيّة من أبيه عبدالمطلب، فرعاه وربّاه وقدّمه على أبنائه، حتى بعثه الله نبيّاً.

وتنوّعت أساليب أبي طالب في نصرته للدين الحنيف، فدخل الشِعب المسمّى باسمه وهو على رأس بني هاشم وبني عبدالمطلب، وتحمّل الصعاب في سبيل نصرته والدفاع عنه. وتصدّى للحوارات والمناقشات السياسية حيث كان يمثّل رسول الله(صلى الله عليه وآله) فيها أمام جبهة قريش.

وكانت علاقته بالرسول(صلى الله عليه وآله) علاقة حبّ وودّ ووعي وعقيدة، ولم يتفارقا حتى توفي، فتوجّع وتألّم النبي(صلى الله عليه وآله) لموته وترحّم عليه.

وثبت من خلال البحث أن الأدلة التي سيقت بكفره لا تمتلك قدرة الإثبات العلمي، وأن حياة أبي طالب وأشعاره ومواقفه وتصاريحه، وتصاريح الرسول والصحابة كلّها تثبت إسلامه.

واتّضح أنّ وراء هذا الزعم المكابر وهذه الاُسطورة التاريخية أسبابٌ تاريخية وعوامل نفسية لازالت تسيطر على نفوس مروّجي هذه الاُسطورة الظالمة بشأنه (عليه السلام).

 

***

 

________________________________________

[1] شرح نهج البلاغة: 1/370.

[2] المحلّى 4/214 .

[3] صحيح البخاري: 5، 185، باب يستفتونك في آخر سورة النساء، الكشاف 2: 315 تفسير الآية 113 من سورة التوبة، تفسير القرطبي 8: 273 تفسير الآية 113 من سورة التوبة، الإتقان 1: 17، تفسير فتح القدير للشوكاني: 2/ 410، تفسير الآية 113 من سورة التوبة، نقلاً عن ابن أبي شيبة والبخاري والنسائي وابن الضريس وابن المنذر والنحاس وأبي الشيخ وابن مردويه عن طريق البراء بن عازب.

[4] المجادلة : 22 .

[5] الاتقان 1: 17، وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وأبو نعيم والبيهقي وابن كثير كما في تفسيره 4: 329، وتفسير الشوكاني 5: 189، وتفسير الآلوسي 28: 37

[6] النساء: 144 .

[7] تفسير القرطبي: 5/ 1 .

[8] الجامع لاحكام القرآن: 5 / 1.

[9] صحيح البخاري: 6/ 100 ـ 101 ، كتاب فضائل القرآن في كتاب التفسير باب تأليف القرآن، وذكره القرطبي في تفسيره: 5 / 1.

[10] الاتقان في علوم القرآن : 1/17.

[11] النساء: 139.

[12] آل عمران: 28.

[13] السيرة النبوية: 2/576، باب ما نزل من آل عمران فيهم.

[14] تفسير القرطبي: 4/ 58، تفسير الخازن: 1/ 235.

[15] الاتقان في علوم القرآن : 1/17.

[16] المنافقون: 6.

[17] الجامع لأحكام القرآن القرطبي: 18/127، تفسير ابن كثير: 4/369.

[18] الإتقان في علوم القرآن: 1/17.

[19] التوبة: 23 .

[20] التوبة: 80 .

[21] الغدير: 8/12، نظرة في الآيات المحرفة في أبي طالب.

[22] الجامع لأحكام القرآن : 8/272 ، 273.

[23] التوبة 113 ، 114.

[24] أسنى المطالب: 18.

[25] إرشاد الساري في شرح البخاري : 10/560 ، 1 ـ باب قوله: (إنّك لا تهدي...) ذيل الحديث 4772.

[26] تفسير الطبري: 11/ 31، ارشاد الساري : 10/314، 16 ـ باب ما كان للنبي، ذيل الحديث 4675 ، الدر المنثور 3: 283.

[27] جامع البيان في تأويل القرآن: 11/31.

[28] الكشاف: 2/315 ، تفسير الآية 113 من سورة التوبة.

[29] ارشاد الساري: 10/314، 16 ـ باب ما كان للنبي، ذيل الحديث 4675.

[30] الغدير للأميني: 8/10 ـ 12.

[31] جامع البيان : 11/31 الطبري.

[32] الدر المنثور: 3/505 ، تفسير الآية 113 من سورة التوبة .

[33] جامع البيان للطبري: 11/31.

[34] الدر المنثور : 3/505، تفسير الآية 113 من سورة التوبة .

[35] الدر المنثور: 3/ 506 تفسير الآية 113 من سورة التوبة.

[36] الغدير : 6 / 338 ـ 350 ط 2 .

[37] الغدير للأميني: 8 / 10 ـ 16.

[38] الغدير للأميني: 12.

[39] الغدير: 8/17، نظرة في الآيات المحرفة في أبي طالب .

[40] منها: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، التعظيم والمنّة في أن أبوي رسول الله في الجنة، نشر العلمين في إحياء الأبوين، النبل الجليّة في الآباء العليّة.

[41] راجع الغدير للأميني : 8/3 ـ 17.

[42] في بعض النسخ بسنَّة.

[43] سيرة ابن هشام : 1/280، شعر أبي طالب في استعطاف قريش.

[44] شرح النهج لابن أبي الحديد : 14/55 كتاب 9، من كتاب له(عليه السلام) الى معاوية.

[45] سيرة ابن هشام : 1/418 ، طمع الرسول في اسلام أبي طالب.

[46] سيرة ابن هشام : 1/418 .

[47] شرح السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني: 1/153، باب الإسلام ح 156.

[48] لقمان : 15.

[49] راجع عقيدة أبي طالب للسيّد طالب الحسني الرفاعي: 31 ـ 42.

[50] صحيح البخاري: 4/ 247، أبواب المناقب، قصّة أبي طالب.

[51] صحيح مسلم : كتاب الإيمان: 1/135 باب شفاعة النبي(صلى الله عليه وآله) لأبي طالب، صحيح البخاري: 4/247، أبواب المناقب، قصة أبي طالب.

[52] ميزان الاعتدال : 2 / 169، ترجمة سفيان بن سعيد الثوري رقم 3322.

[53] المصدر السابق : 2/660 ترجمة عبدالملك بن عمير رقم 5235.

[54] المصدر السابق : 2 / 634 ترجمة عبدالعزيز بن محمد الداوري رقم 5125.

[55] المصدر السابق.

[56] المصدر السابق .

[57] فاطر: 36.

[58] الترغيب والترهيب: 4 / 433، فصل في الشفاعة ح 93.

[59] المصدر السابق : 437، فصل في الشفاعة ح 98.

[60] راجع سيد المرسلين للشيخ جعفر السبحاني: 1/530.