الصفحة 124

وقال القسطلاني في ارشاد الساري (1) (7 / 270)، قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الاية. رواه الحاكم (2) وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، والطبراني (3) عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الاية عن وفاة أبي طالب والاصل عدم تكرار النزول.

قال الاميني: هلا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلم الى يوم تبوك بعد تلكم الايات النازلة التي أسلفناها في (ص (10 ـ 12)، أنه غير مسوغ له وللمؤمنين الاستغفار للمشركين والشفاعة لهم، فجاء يستأذن ربه أن يستغفر لامه ويشفع لها؟ أو كان يحسب أن لامه حسابا آخر دون سائر البشر؟ أو أن الرواية مختلقة تمس كرامة النبي الاقدس، وتدنس ذيل قداسة أمه الطاهرة عن الشرك.

ومنها: ما أخرجه الطبري في تفسيره (4) (11 / 31) عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: يا نبي الله ان من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الرحم، ويفك العاني، ويوفي بالذمم، أفلا نستغفر لهم؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلي] (5) والله لاستغفرن لابي كما استغفر ابراهيم لابيه، فأنزل الله: (ما كان للنبي)، ثم عذر الله ابراهيم عليه الصلاة والسلام فقال: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه) الى قوله: (تبرأ منه).

وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يستغفر لابيه فنهاه الله عن ذلك بقوله: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن

____________

(1) إرشاد الساري: 10 / 560 ـ 561 ح 4772.

(2) المستدرك على الصحيحن: 2 / 366 ح 3292.

(3) المعجم الكبير: 11 / 296 ح 12049.

(4) جامع البيان: مج 7 / ج 11 / 43.

(5) من المصدر.

الصفحة 125
يستغفروا للمشركين) الاية. قال: فان ابراهيم قد استغفر لابيه، فنزلت: (وما كان استغفار ابراهيم لابيه الا عن موعدة) الاية: الدر المنثور (1) (3 / 283).

وفي هاتين الروايتين نص على أن نزول الاية الكريمة في أبيه وآباء رجال من أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم لا في عمه ولا في أمه.

ومنها: ما جاء به الطبري في تفسيره (2) (11 / 33)، قال: قال آخرون: الاستغفار في هذا الموضع بمعنى الصلاة. ثم أخرج من طريق المثنى عن عطاء بن أبي رباح قال: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة ولو كانت حبشية حبلى من الزنا، لاني لم أسمع الله يحجب الصلاة الا عن المشركين يقول الل: (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) الاية.

وهذا التفسير ان صح فهو مخالف لجميع ما تقدم من الروايات الدالة على أن المراد من الاية هو طلب المغفرة كما هو الناهر المتفاهم من اللفظ.

ونفس هذا الاضطراب والمناقضة بين هذه المنقولات وبين ما جاء به البخاري مما يفت في عضد الجميع، وينهك من اعتباره، فلا يحتج بمثله ولا سيما في مثل المقام من تكفير مسلم بار، وتبعيد المتفاني دون الدين عنه.

5 ـ ان المستفاد من رواية البخاري نزول آية الاستغفار عند موت أبي طالب كما هو ناهر ما أخرجه اسحاق بن بشر وابن عساكر عن الحسن، قال: لما مات أبو طالب قال النبي: صلى الله عليه وآله وسلم ان ابراهيم استغفر لابيه وهو مشرك وأنا أستغفر لعمي حتى أبلغ، فأنزل الله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين). الاية. يعني به أبا طالب، فاشتد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وما كان استغفار

____________

(1) الدر المنثور: 4 / 302.

(2) جامع البيان: مج 7 / ج 11 / 44.

الصفحة 126
ابراهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه) الدر المنثور (1) (3 / 283) وان ناقضها ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بموت أبي طالب فبكي فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه. ففعلت وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الاية: (ما كان للنبي والذين آمنوا) الآية (2).

ولعله ناهر ما أخرجه ابن سعد وأبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمر قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رحمك الله وغفر لك، لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله، فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) الدر المنثور (3 / 283).

لكن الامة أصفقت على أن نزول سورة البراءة التي تضمنت الاية الكريمة آخر ما نزل من القرآن كما مر في (ص 10) وكان ذلك بعد الفتح، وهي هي التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر ليتلوها علي أهل مكة ثم استرجعه بوحي من الله سبحانه وقيض لها مولانا أمير المؤمنين فقال: «لا يبلغها عني الا أنا أو رجل مني» (3) وقد جاء في صحيحة مرت من عدة طرق في (ص ل13) من أن آية الاستغفار نزلت بعد ما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك وكانت في سنة تسع فأين من هذه كلها نزولها عند وفاة أبي طالب أو بعدها بأيام؟ وأني يصح ما جاء به البخاري ومن يشاكله في رواية البواطيل.

____________

(1) الدر المنثور: 4 / 301.

(2) طبقات ابن سعد: 1 / 105 (1 / 123)، الدر المنثور: 3 / 282 (4 / 301) نقلا عن ابن سعد وعساكر (مختصر تاريخ مدينة دمشق: 29 / 32). (المؤلف).

(3) راجع الجزء السادس من كتابنا هذا: ص 338 ـ 350. (المؤلف).

الصفحة 127

6 ـ ان سياق الاية الكريمة ـ آية الاستغفار سياق نفي لا نهي فلا نص فيها على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استغفر فنهى عنه، وانما يلتئم مع استغفاره لعلمه بايمان عمه، وبما أن في الحضور من كان لا يعرف ذلك من ظاهر حال أبي طالب الذي كان يماشي به قريشا، فقالوا في ذلك أو اتخذوه مدركا لجواز الاستغفار للمشركين، كما ربما احتجوا بفعل ابراهيم عليه السلام فأنزل الله سبحانه الاية وما بعدها من قوله تعالى: (وما كان استغفار ابراهيم) الاية. تنزيها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعذيرا لابراهيم عليه السلام، وايعازا الى أن من استغفر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مشركا كما حسبوه، وأن مرتبة النبوة تأبى عن الاستغفار للمشركين، فنفس صدوره منه صلى الله عليه وآله وسلم برهنة كافية على أن أبا طالب لم يكن مشركا، وقد عرفت ذلك أفذاذ من الامة فلم يحتجوا بعمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاستغفارهم لابائهم المشركين، وانما اقتصروا في الاحتجاج بعمل ابراهيم عليه السلام كما مر في صحيحة عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال: «سمعت رجلا يستغفر لابويه وهما مشركان فقلت: تستغفر لابويك وهما مشركان؟ قال: أو لم يستغفر ابراهيم؟». الحديث. راجع صفحة (12) من هذا الجزء.

ولو كان يعرف هذا الرجل أبا طالب مشركا لكان الاستدلال لتبرير عمله باستغفار نبي الاسلام له ـ ولم يكن يخفي على أي أحد أولى من استغفار ابراهيم لابيه لكنه اقتصر على ما استدل به.

7 ـ انا علي تقدير التسليم لرواية البخاري وغض الطرف عما سبق عن العباس من أن أبا طالب لهج بالشهادتين، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد لله الذي هداك يا عم وما مر عن مولانا أمير المؤمنين من أنه ما مات حتى أعطى رسول الله من نفسه الرضا، وما مر من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «كل الخير أرجو من ربي لابي طالب». وما مر من وصية أبي طالب عند الوفاة لقريش وبني عبد المطلب باطاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه والتسليم لامره وأن فيه الرشد والفلاح، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم الامين في قريش والصديق في العرب. الى تلكم النصوص الجمة في نثره وننمه، فبعد غض الطرف عن هذه كلها

الصفحة 128
لا نسلم أن أبا طالب عليه السلام أبى عن الايمان في ساعته الاخيرة لقوله: على ملة عبد المطلب. ونحن لا نرتاب في أن عبد المطلب سلام الله عليه كان على المبدأ الحق، وعلى دين الله الذي ارتضاه للناس رب العالمين يومئذ، وكان معترفا بالمبدأ والمعاد، عارفا بأمر الرسالة، اللائح على أساريره نورها، الساكن في صلبه صاحبها، وللشهرستاني حول سيدنا عبدالمطلب كلمة ذكرنا جملة منها في الجزء السابع (ص 346 و 353) فراجع الملل والنحل (1) والكتب التي ألفها السيوطي (2) في آباء النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتي تعرف جلية الحال، فقول أبي طالب عليه السلام: على ملة عبد المطلب. صريح في أنه معتنق تلكم المبادي كلها، أضف الى ذلك نصوصه المتواصلة طيلة حياته على صحة الدعوة المحمدية.

8 ـ نظرة في الثانية من الايتين، ولعلك عرفت بطلان دلالتها على ما ارتأوه من كفر شيخ الاباطح ـ سلام الله عليه من بعض ما ذكرناه من الوجوه، فهلم معي لننظر فيها خاصة وفيما جاء فيها بمفردها، فنقول:

أولا: ان هذه الاية متوسطة بين آي تصف المؤمنين، وأخرى يذكر سبحانه فيها الذين لم يؤمنوا حذار أن يتخطفوا من مكة المعظمة، فمقتضى سياق الايات أنه سبحانه لم يرد بهذه الاية الا بيان أن الذين اهتدوا من المذكورين قبلها لم تستند هدايتهم الى دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فحسب، وانما الاستناد الحقيقي الي مشيئته وارادته سبحانه على وجه لا ينتهي الى الالجاء بنحو من التوفيق، كما أن استناد الاضلال اليه سبحانه بنحو من الخذلان، وان كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسيطا في تبليغ الدعوة (فان تولوا

____________

(1) الملل والنحل: 2 / 249.

(2) منها: مسالك الحنفا في والدي المصطفى، الدرج المنيفة في الآباء الشريفة، المقامة السندسية في النسبة المصطفوية، التعظيم والمنة في أن أبوي رسول الله في الجنة، نشر العلمين في إحياء الأبوين، السبل الجلية في الآباء العلية. (المؤلف).

الصفحة 129
فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وان تطيعوه تهتدوا وما على الرسول الا البلاغ المبين) (1)). وفي الذكر الحكيم: (انما امرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ووله كل شيء وامرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين) (2)، كما أن ابليس اللعين يزين للعاصي عمله (أولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير) (3)، (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل) (4)، (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله) (5) (ان الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملي لهم) (6) وقد جاء فيما أخرجه العقيلي (7) وابن عدي (8) وابن مردويه والديلمي (9) وابن عساكر وابن النجار عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بعثت داعيا ومبلغا وليس الى من الهدي شيء، وخلق ابليس مزينا وليس اليه من الضلالة شيء) (10).

فهذه الاية الكريمة كبقية ما جاء في الذكر الحكيم من اسناد كل من الهداية والضلال اليه سبحانه كقوله تعالي:

1 ـ (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء) البقرة: 272.

2 ـ (ان تحرص على هداهم فان الله لا يهدي من يضل) النحل: 37.

____________

(1) النور: 54.

(2) النمل: 91 و 92.

(3) لقمان: 21.

(4) العنكبوت: 38، النمل: 24.

(5) المجادلة: 19.

(6) محمد: 25.

(7) الضعفاء الكبير: 2 / 9 رقم 410.

(8) الكامل في ضعفاء الرجال: 3 / 39 رقم 597.

(9) الفردوس بمأثور الخطاب: 2 / 11 ح 2094.

(10) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، الجامع الصغير للسيوطي (1 / 487 ح 3153). (المؤلف).

الصفحة 130

3 ـ (أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين) الزخرف:40.

4 ـ (وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم) النمل:81.

5 ـ (أتريدون أن تهدوا من أضل الله) النساء: 88.

6 ـ (أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) يونس: 43.

7 ـ (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) الكهف:17.

8 ـ (ان الله يضل من يشاء ويهدي اليه من أناب) الرعد:27.

9 ـ (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم) ابراهيم: 4.

10 ـ (ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء) النحل: 93.

الى آيات كثيرة مما يدل على استناد الهداية والضلال الى الله تعالى على وجه لا ينافي اختيار العبد فيهما، ولذلك أسندا اليه والى مشيئته أيضا في آي أخرى كقوله تعالى:

1 ـ (فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها) يونس:108.

2 ـ (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف:29.

3 ـ (ان هو الا ذكر للعالمين ں لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير: 27، 28.

4 ـ (من اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها) الاسراء: 51.

5 ـ (فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل انما أنا من المنذرين) النمل:92.

6 ـ (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم) البقرة: 16.

الصفحة 131

7 ـ (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) الاعراف: 30.

8 ـ (ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين) القصص: 85.

9 ـ (ان أحسنتم أحسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها) الاسراء: 7.

10 ـ (فان أسلموا فقد اهتدوا وان تولوا فانما عليك البلاغ) آل عمران: 20.

الى آيات أخرى، ولا مناقضة بين هذين الفريقين من الاي الكريمة بما قدمناه وبما ثبت من صحة اسناد الفعل الى الباعث تارة والى المباشر المختار أخرى.

فآيتنا هذه صاحبة البحث والعنوان من الفريق الاول، وقد سيق بيانها بعد آيات المؤمنين لافادة ما أريدت افادته من لداتها، ولبيان أن هؤلاء المذكورين من المهتدين هم على شاكلة غيرهم في اسناد هدايتهم اليه سبحانه، فلا صلة لها بأي انسان خاص أبي طالب أو غيره، وان ماشينا القوم على وجود الصلة بينها وبين أبي طالب عليه السلام فانها بمعونة سابقتها على ايمانه أدل. هكذا ينبغي أن تفسر هذه الاية غير مكترث لما جاء حولها من التافهات مما سبق ويأتي.

وثانيا: ان ما روي فيها بمفردها كلها مراسيل، فان منها: ما رواه عبد بن حميد ومسلم (1) والترمذي (2) وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عنه قال: لما حضرت وفاة أبي طالب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا عماه قل: لا اله الا الله، أشهد لك بها عند الله يوم القيامة، فقال: لولا أن تعيرني قريش يقولون: ما حمله عليها الا جزعه من الموت لاقررت بها عينك فأنزل الله عليه: (انك لا تهدي من أحببت) الآية (3).

كيف يرويه أبو هريرة وكان يوم وفاة أبي طالب شحاذا من متكففي دوس

____________

(1) صحيح مسلم: 1 / 84 ح 42 كتاب الإيمان.

(2) سنن الترمذي: 5 / 318 ح 3188.

(3) الدر المنثور: 5 / 133 (6 / 428). (المؤلف).

الصفحة 132
باليمن الكفرة، يسأل الناس الحافا، ويكتنفه البؤس من جوانبه، وما ألم بالاسلام الا عام خيبر سنة سبع من الهجرة الشريفة باتفاق من الجمهور؟ فأين كان هو من وفاة أبي طالب، وما دار هنالك من الحديث؟ فان صدق في روايته فهو راو عمن لم ينوه باسمه، وان كان تدليس أبي هريرة قد اطرد في موارد كثيرة، روي أشياء ادعى فيها المشاهدة أو دل عليها السياق لكنه لم يشاهد شيئا منها، ومن أراد الوقوف على هذه وغيرها من أمر أبي هريرة فليراجع كتاب أبو هريرة لسيدنا المصلح الشريف الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي حياه الله وبياه فقد جمع ذلك فأوعى.

ومنها: ما أخرجه ابن مردويه وغيره من طريق أبي سهل السري بن سهل بالاسناد عن عبد القدوس، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزلت: (انك لا تهدي من أحببت) الاية، في أبي طالب ألح عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسلم فأبى، فأنزل الله (إنك لا تهدي)، الحديث (1).

أبو سهل السري أحد الكذابين وضاع كان يسرق الحديث كما مر في سلسلة الكذابين (5 / 231)، وعبد القدوس أبو سعيد الدمشقي أحد الكذابين كما أسلفناه في الجزء الخامس (ص 238).

وظاهر هذه الرواية كسابقتها هو المشاهدة، والاثبت على ما قاله ابن حجر في الاصابة(2 / 331): أن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث. فهو عند وفاة عمه أبي طالب كان يرضع ثدي أمه فلا يسعه الحضور في ذلك المشهد.

وان صدقت الرواية عنه ـ وأنى تصدق؟ فان ابن عباس أسند ما يقوله الى من لا نعرفه، ولعل رواة السوء حذفوه لضعفه، كما حذف غير واحد من المؤلفين أبا سهل السري وعبد القدوس ونظراءهما من أسانيد هذه الافائك سترا على عللها.

____________

(1) الدر المنثور: 5 / 133 (6 / 429).

الصفحة 133

والقول الفصل: ان حبر الامة لم يلهج بتلكم الخزاية، وان لهج بشيء من أمر ذلك المشهد عن أحد فأولى له أن يقول ما قاله أبوه من أنه سمع أبا طالب يشهد بالشهادتين عند وفاته (1). أو يفوه بما أسلفناه عن ابن عمه الاقدس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2)، أو يروي ما جاء عن ابن عمه الطاهر أمير المؤمنين عليه السلام (3) أليس ابن عباس راوي ما ثبت عنه من قول أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما مر في(7 / 355): قم يا سيدي فتكلم بما تحب وبلغ رسالة ربك فانك الصادق المصدق؟

ومنها: ما أخرجه أبو سهل السري الكذاب المذكور من طريق عبد القدوس الكذاب أيضا، عن نافع، عن ابن عمر قال: (انك لا تهدي من أحببت)ا لاية. نزلت في أبي طالب عند موته، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند رأسه وهو يقول: يا عم قل لا اله الا الله أشفع لك بها يوم القيامة، قال أبو طالب: لاتعيرني نساء قريش بعدي أني جزعت عند موتي، فأنزل الله تعالي: (انك لا تهدي من أحببت) الحديث (4).

لعل ابن عمر لا يدعي في روايته الحضور في ذلك المحضر. وليس له أن يدعي ذلك لانه كان وقتئذ ابن سبع سنين تقريبا، فان مولده كان بعد البعثة بثلاث (5) ومن طبع الحال أن من هو بهذا السن لا يطلق سراحه الى ذلك المنتدى الرهيب، والمسجى فيه سيد الاباطح ويلي أمره نبي العظمة، ويحضره مشيخة قريش، فلابد من أنه سمع من يقول ذلك ممن حضر واطلع، ولا يخلو أن يكون ذلك اما ولد المتوفي وهو مولانا أمير المؤمنين والثابت عنه ما مر في الجزء السابع، أو عن بقية أولاده من طالب وجعفر

____________

(1) راجع ما أسلفناه في صحفة: 370 من الجزء السابع. (المؤلف).

(2) راجع ما مر في صفحة 373 من الجزء السابع. (المؤلف).

(3) راجع ما سبق في صفحة 379 من الجزء السابع. (المؤلف)

الصفحة 134
وعقيل ولم ينبسوا في هذا الامر ببنت شفة، أو عن أخيه العباس وقد صح عنه ماأسلفناه في الجزء السابع، أو عن ابن أخيه الرسول الاعظم صلى الله عليه وآله وسلم فقد عرفت قوله فيه فيما مر، فممن أخذ ابن عمر؟ ولماذا حذف اسمه؟ ولما شرك أبا جهل مع أبي طالب في احدى روايتيه، ولم يقل به أحد غيره؟ وهل في الرواة من تقول عليه كل ذلك؟ فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.

واعطف على هذه ما عزوه الى مجاهد وقتادة في شأن نزول الاية (1) فان مستند أقوالهما اما هذه الروايات أو أنهما سمعاها من أناس مجهولين، فمراسيل كهذه لا يحتج بها على أمر خطير مثل تكفير أبي طالب بعد ثبوت ايمانه بما صدع به الصادع الكريم وتفانيه دونه والذب عنه بالبرهنة القاطعة.

ومن التفسير بالرأي والدعوى المجردة ما عن قتادة ومن يشاكله مرسلا من تبعيض الاية بين أبي طالب والعباس، فجعل صدرها لابي طالب وذيلها للعباس (2) الذي أسلم بعد نزول الاية بعدة سنين كما هو المتسالم عليه عنه الجمهور.

وأنت تعرف بعد هذه كلها قيمة قول الزجاج: أجمع المسلمون على أنها نزلت في أبي طالب. وما عقبه به القرطبي من قوله: والصواب أن يقال: أجمع جل المفسرين على أنها نزلت في شأن أبي طالب (3). (انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به اثما مبينا) (4).

____________

(1) تاريخ ابن كثير: 3 / 124 (3 / 153).(المؤلف).

(2) تفسير القرطبي: 13 / 299 (13 / 198)، الدر المنثور: 5 / 133 (6 / 429). (المؤلف)

(3) تفسير القرطبي: 13 / 299 (13 / 198). (المؤلف)

(4) النساء: 50.

الصفحة 135

حديث الضحضاح

الى هنا انتهي كل ما للقوم من نبل تقله كنانة الاحقاد، أو ذخيرة في علبة الضغائن رموا بها أبا طالب، وقد أتينا عليها فجعلناها هباء منثورا، ولم يبق لهم الا رواية الضحضاح، وما لاعداء أبي طالب حولها من مكاء وتصدية، وهي على مايلي:

أخرج البخاري ومسلم من طريق سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير، عن عبدالله بن الحارث قال: حدثنا العباس بن عبد المطلب أنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أغنيت عن عمك فانه كان يحوطك ويغضب لك. قال: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل.

وفي لفظ آخر: قلت: يا رسول الله ان أبا طالب كان يحفظك وينصرك فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته الى ضحضاح.

ومن حديث الليث حدثني ابن الهاد عن عبدالله بن خباب، عن أبي سعيد أنه سمع النبي صل عليه وآله وسلم ذكر أبو طالب عنده فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.

وفي صحيح البخاري من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن يزيد بن الهاد نحوه، غير أن فيه تغلي منه أم دماغه.

راجع (1) صحيح البخاري في أبواب المناقب باب قصة أبي طالب (6/33، 34) وفي كتاب الادب باب كنية المشرك (9/92)، صحيح مسلم كتاب الايمان،

____________

(1) صحيح البخاري: 3 / 1408 ح 3670، ص 1409 ح 3672 و 5 / 2293 ح 5855، ص 2400 ـ 2401 ح 6196، صحيح مسلم: 1 / 247 ح 357 كتاب الإيمان، الطبقات الكبرى: 1 / 124، مسند أحمد: 1 / 339 ح 1766، ص 340 ح 1771، عيون الأثر: 1 / 172، البداية والنهاية: 3 / 154.

الصفحة 136

طبقات ابن سعد (1/106) طبعة مصر، مسند أحمد (1/206، 207)، عيون الاثر (1 / 132) تاريخ ابن كثير (3 / 125).

قال الاميني: نحن لا تروقنا المناقشة في الاسانيد لمكان سفيان الثوري وما مر فيه (ص4) من أنه كان يدلس عن الضعفاء ويكتب عن الكذابين. ولا لمكان عبدالملك بن عمير اللخمي الكوفي الذي طال عمره وساء حفنه، قال أبو حاتم (1): ليس بحافظ تغير حفنه، وقال أحمد (2): ضعيف، وقال ابن معين (3) مخلم، وقال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، وذكر الكوسج عن أحمد أنه ضعفه جدا (4).

ولا لمكان عبد العزيز الدراوردي، قال أحمد بن حنبل: اذا حدث من حفنه يهم ليس هوبشيء، واذا حدث من كتابه فنعم، واذا حدث جاء ببواطيل، وقال أبو حاتم (5) لا يحتج به، وقال أبو زرعة: سيئ الحفظ (6).

كما أنا لا نناقش بتضارب متون الرواية بأن قوله: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، يعطي أن الضحضاح مؤجل له الى يوم القيامة بنحو من الرجاء المدلول عليه لقوله: لعله. وان قوله: وجدته في غمرات النار فأخرجته الى ضحضاح. هو واضح في تعجيل الضحضاح له وثبوت الشفاعة قبل صدور الكلام.

لكن لنا هاهنا كلمة واحدة وهي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أناط شفاعته لابي طالب عند وفاته بالشهادة بكلمة الاخلاص بقوله صلى الله عليه وآله وسلم يا عم قل لا اله الا الله كلمة

____________

(1) الجرح والتعديل: 5 / 361 رقم 1700.

(2) العلل ومعرفة الرجال: 1 / 249 رقم 339.

(3) التاريخ: 2 / 373.

(4) ميزان الاعتدال: 2 / 151 (2 / 660 رقم 5235). (المؤلف).

(5) الجرح والتعديل: 5 / 395 رقم 1833.

(6) ميزان الاعتدال: 2 / 128 (2 / 633 رقم 5125). (المؤلف).

الصفحة 137
استحل لك بها الشفاعة يوم القيامة (1) كما أنه صلى الله عليه وآله وسلم أناطها بها في مطلق الشفاعة، وجاء ذلك في أخبار كثيرة جمع جملة منها الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب (2) (4 / 150 ـ 158) منها في حديث عن عبدالله بن عمر مرفوعا: قيل لي: «سل فان كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي الى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا اله الا الله» فقال: رواه أحمد (3) باسناد صحيح.

ومنها: عن أبي ذر الغفاري مرفوعا في حديث: «أعطيت الشفاعة وهي نائلة من أمتي من لا يشرك بالله شيئا»: فقال: رواه البزار واسناده جيد الا أن فيه انقطاعا.

ومنها: عن عوف بن مالك الاشجعي في حديث: «ان شفاعتي لكل مسلم» فقال: رواه الطبراني (4) بأسانيد أحدها جيد، وابن حبان في صحيحه (5) وفي لفظه: «الشفاعة لمن مات لا يشرك بالله شيئا».

ومنها: عن أنس في حديث: أوحي الله الى جبريل عليه السلام أن اذهب الى محمد فقل له: ارفع رأسك سل تعم واشفع تشفع ـ الى قوله: أدخل من أمتك من خلق الله من شهد أن لا اله الا الله يوما واحدا مخلصا ومات على ذلك.

فقال المنذري (6) رواه أحمد (7) ورواته محتج بهم في الصحيح.

____________

(1) مستدرك الحاكم: 2 / 326 ح 3291، وكذا في تلخيصه) صححه هو والذهبي في التلخيص، تاريخ أبي الفداء: 1 / 120، المواهب اللدنية: 1 / 71 (1 / 262)، كشف الغمة للشعراني: 2 / 144، كنز العمال: 7 / 128 (14 / 37 ح 37874)، شرح المواهب للزرقاني: 1 / 291. (المؤلف).

(2) الترغيب والترهيب: 4 / 432 ـ 437 ح 91، 93، 94، 96، 98.

(3) مسند أحمد: 2 / 444 ح 7028.

(4) المعجم الكبير: 18 / 59 ح 107.

(5) الإحسان في تقريب صححي ابن حبان: 14 / 376 ح 6463.

(6) الترغيب والترهيب: 4 / 436 ح 096

(7) مسند أحمد: 3 / 561 ح 11743.

الصفحة 138

ومنها: عن أبي هريرة مرفوعا في حديث: «شفاعتي لمن شهد أن لا اله الا الله مخلصا، وأن محمدا رسول الله، يصدق لسانه قلبه وقلبه لسانه». رواه أحمد (1) وابن حبان في صحيحه (2).

ومنها: ما مر في (ص 13) من طريق أبي هريرة وابن عباس من أنه صلى الله عليه وآله وسلم دعا ربه واستأذنه أن يستغفر لامه ويأذن له في شفاعتها يوم القيامة فأبى أن يأذن.

وقال السهيلي في الروض الانف (3) (1 / 113): وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: أستأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي. وفي مسند البزار من حديث بريدة أنه صلى الله عليه وآله وسلم حين أراد أن يستغفر لامه ضرب جبريل عليه السلام عفي صدره وقال له: لا تستغفر لمن كان مشركا، فرجع وهو حزين (4).

فالمنفي في صورة انتفاء الشهادة جنس الشفاعة بمعنى عدمها كلية لعدم أهلية الكافر لها حتى في بعض مراتب العذاب، فالشفاعة للتخفيف في العذاب من مراتبها المنفية، كما أنها نفيت كذلك في كتاب الله العزيز بقوله تعالي: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضي عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور) فاطر: 36.

وبقوله تعال: (واذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون) النحل: 58. وبقوله تعالى: (خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) البقرة: 162، آل عمران: 88.

____________

(1) مسند أحمد: 3 / 323 ح 10335.

(2) الإحسان في تقريب ابن حبان: 14 / 384 ح 6466.

(3) الروض الأنف: 2 / 185.

(4) نحن لا نقيم لمثل هذه الرواية وزنا ولا كرامة، غير أن خضوع القوم لها يلجئنا إلى الحجاج بها. (المؤلف).

الصفحة 139

وبقوله تعالى: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب ں قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين الا في ضلال) غافر: 49، 50.

وبقوله تعالى: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالاخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) البقرة: 86.

وبقوله تعالى: (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وان تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) الانعام: 70.

وبقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة ں الا أصحاب اليمين ں في جنات يتساءلون ں عن المجرمين ںما سلككم في سقر) إلى قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين). المدثر: 38 ـ 48.

وبقوله تعالى: (وأنذرهم يوم الازفة اذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع) غافر: 18.

وبقوله تعالى: (ونسوق المجرمين الى جهنم وردا ں لا يملكون الشفاعة الا من اتخذ عند الرحمن عهدا) مريم: 86، 87.

الاستثناء في الاية الشريفة منقطع، والعهد: شهادة أن لا اله الا الله والقيام بحقها. أي لا يشفع الا للمؤمن.

راجع (1) تفسير القرطبي (11 / 154) تفسير البيضاوي (2 / 48) تفسير ابن كثير(3 / 138) تفسير الخازن (3 / 243).

____________

(1) الجامع لأحكام القرآن: 11 / 102 ـ 103، تفسير البيضاوي: 2 / 40، تفسير الخازن: 3 / 232.

الصفحة 140

فرواية الضحضاح على تقدير أن أبا طالب عليه السلام مات مشركا ـ العياذ بالله وما فيها من الشفاعة لتخفيف العذاب عنه بجعله في الضحضاح منافية لكل ما ذكرناه من الايات والاحاديث، فحديث يخالف الكتاب والسنة الثابتة يضرب به عرض الحائط، وقد جاء في الصحيح مرفوعا: «تكثر لكم الاحاديث من بعدي فاذا روي لكم حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافق كتاب الله فاقبلوه وما خالفه فردوه» (1) (2).

ولا يغرنك اخراج البخاري لها، فان كتابه المعبر عنه بالصحيح هو علبة السفاسف وعيبة السقطات، وسنوقفك على جلية الحال في البحث عنه ان شاء الله تعالى.

نختم البحث هاهنا عن ايمان سيدنا أبي طالب ـ سلام الله عليه بقصيدة شيخ الفقه والفلسفة والاخلاق شيخنا الاكبر آية الله الشيخ محمد الحسين الاصبهاني النجفي (3) قال:

نور الهدى في قلب عم المصطفى * في غاية الظهور في عين الخفا

في سره حقيقة الايمان * سر تعالى شأنه عن شان

ايمانه يمثل الواجب في * مقام غيب الذات والكنز الخفي

ايمانه المكنون سام اسمه * الا المطهرون لا يمسه

ايمانه بالغيب غيب ذاته * له التجلي التام في آياته

آياته عند أولي الابصار * أجلى من الشمس ضحى النهار

____________

(1) أخرجه البخاري في صحيحه. (المؤلف).

(2) سنن الدارقطني: 4 / 208 ـ 209 ح 17 ـ 20، المعجم الكبير للطبراني: 2 / 97 ح 1429، مجمع الزوائد: 1 / 170، كنز العمال: 1 م 179 و 196 ح 907 و 992 ـ 994 بألفاظ مختلفة.

(3) أحد شعراء الغدير في القرن الرابع عشر تأتي ترجمته إن شاء الله تعالى. (المؤلف).

الصفحة 141

وهو كفيل خاتم النبوه * وعنه قد حامى بكل قوه

ناصره الوحيد في زمانه * وركنه الشديد في أوانه

عميد أهله زعيم أسرته * وكهفه الحصين يوم عسرته

حجابه العزيز عن أعدائه * وحرزه الحريز في ضرائه

فما أجل شرفا وجاها * من حرز ياسين وكهف طه

قام بنصرة النبي السامي * حتى استوت قواعد الاسلام

جاهد عنه أعظم الجهاد * حتى علا أمر النبي الهادي

حماه عن أذى قريش الكفره * بصولة ذلت لها الجبابره

صابر كل محنة وكربه * والشعب من تلك الكروب شعبه

أكرم به من ناصر وحامي * وكافل لسيد الانام

كفاه فخرا شرف الكفاله * لصاحب الدعوة والرساله

لسانه البليغ في ثنائه * أمضى من السيف على أعدائه

له من المنظوم والمنثور* ما جعل العالم ملء النور

ينبيء عن ايمانه بقلبه * وأنه على هدى من ربه

وأشرقت أم القرى بنوره * وكل نور هو نور طوره

وكيف لا وهو أبو الانوار * ومطلع الشموس والاقمار

مبدأ كل نير وشارق * وكيف وهو مشرق المشارق

بل هو بيضاء سماء المجد * مليك عرشه أبا عن جد

له السمو كابرا عن كابر * فهو تراثه من الاكابر

أزكى فروع دوحة الخليل * فيا له من شرف أصيل

بل شرف الاشراف من عدنان * ملاذها في نوب الزمان

له من السمو ما يسمو على * ذرى الصراح والسماوات العلى

وكيف لا وهو كفيل المصطفى * أبو الميامين الهداة الخلفا

الصفحة 142
ووالد الوصي والطيار * وهو لعمري منتهى الفخار

بضوئه أضاءت البطحاء * لا بل به أضاءت السماء

والنير الاعظم في سمائه * مثل السها في النور من سيمائه

كيف ومن غرته تجلى * لاهله نور العلي الاعلى

ساد الورى بمكة المكرمه * فحاز بالسؤدد كل مكرمه

بل هو فخر البلد الحرام * بل شرف المشاعر العظام

وقبلة الامال والاماني * بل مستجار كعبة الايمان

وفي حمى سؤدده وهيبته * تم لداع الحق أمر دعوته

ما تمت الدعوة للمختار * لولاه فهو أصل دين الباري

كيف وظل الله في الانام * في ظله دعا الى الاسلام

وانتشر الاسلام في حماه * مكرمة ما نالها سواه

رايته علت بعالي همته * كفاه هذا في علو رتبته

مفاخر يعلو بها الفخار* مآثر تحلو بها الاثار

ذاك أبو طالب المنعوت * من قصرت عن شأنه النعوت

يجل عن أي مديح قدره * لكنه يحيي القلوب ذكره
القصيدة

ومن قصيدة للعلامة الحجة شيخنا الشيخ عبد الحسين صادق العاملي قدس سره قوله:

لولاه ما شد أزر المسلمين ولا * عين الحنيفة سالت في مجاريها

آوى وحامى وساوى قيد طاقته * عن خير حاضرها طرا وباديها

ما كان ذاك الحفاظ المر أطة أر * حام وضرب عروق فار غاليها (1)

____________

(1) أطيط الإبل: حنينها.

الصفحة 143

بل للاله كما فاهت روائعه الــ * عصماء في كل شطر من قوافيها

ضاقت بما رحبت أم القرى برسو * ل الله من بعده واسود ضاحيها

فانصاع يدعو له بالخير مبتهلا * بدعوة ليس بالمجبوه داعيها

لولم تكن نفس عم المصطفى طهرت * ما فاه فوه بما فيه ينجيها

عاما قضى عمه فيه وزوجته * قضاه بالحزن يبكيه ويبكيها

أعظم بايمان مبكي المصطفي سنة * أيامها البيض أدجى من لياليها

من صلبه انبثت الانوار قاطبة * فالمرتضى بدؤها والذخر تاليها

هذا أبو طالب شيخ الاباطح وهذه نبذة من آيات ايمانه الخالص (ما كتبناها عليهم الا ابتغاء رضوان الله) (1) (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ايمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) (2) (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رؤوف رحيم) (3).

____________

(1) الحديد: 27.

(2) المدثر: 31.

(3) الحشر: 10.


***