[ 1 ]

مناقب آل أبى طالب

تأليف الامام الحافظ ابن شهر اشوب

مشير الدين أبى عبد الله محمد بن على بن شهر اشوب

ابن أبى نصر بن أبى حبيشى السروى المازندرانى

المتوفى سنة 588 ه‍ـ

قام بتصحيحه وشرحه ومقابلته على عدة نسخ خطية

لجنة من أساتذة النجف الاشرف

الجزء الاول من ثلاثة أجزاء

قام بطبعه محمد كاظم الكتبى صاحب المكتبة والمطبعة الحيدرية

وله حقوق الطبع محفوظة 1376 هـ 1956 م طبع في المطبعة الحيدرية في النجف


 

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً

(القرآن الكريم)


 

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله الذي خلقني فهو يهديني، والذي هو يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو يشفيني، والذي يميتني ثم يحييني، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين، وصلى الله على سيدنا نبيه محمد خاتم النبيين، وعلى أخيه ووصيه وبعل ابنته أمير المؤمنين وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين. قال محمد بن علي بن شهر اشوب المازندراني: لما رأيت كفر العداة والشراة (1) بأمير المؤمنين، ووجدت الشيعة والسنة فيه مختلفين، وأكثر الناس عن ولاء أهل البيت ناكصين، وعن ذكرهم هاربين، وفي علومهم طاعنين، ولمحبتهم كارهين، انتبهت من نومة الغافلين، وصار لي ذلك لطفا الى كشف الاحوال، والنظر في اختلاف الاقوال، فإذا هو مما روته العامة من أحاديث مختلفة، وأخبار مضطربة، عن الناكثين والقاسطين والمارقين والخاذلين والواقفين والضعفاء والمجروحين والخوارج والشاكين (وما آفة الاخبار إلا رواتها) فإذا هم مجتمعون على إطفاء نور الله تعالى، ألا ترى أن أزكاهم قد ألقى حديث الخاتم وقصة الغدير وخبر الطير وآية التطهير، وان أنصفهم قد كنتم حديث الكهف والاجابة والتحف والارتقاء، وان خيرهم قد طعن في حديث: أنا مدينة العلم، وحديث اللوح، وان أشهرهم قد توقف عن حديث الوصية وتأويل: يوفون بالنذر ونعم المطية. فقلت: ان هذا لشئ عجاب، أفبهذا الحديث أنتم مدهنون فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون، ووجدت جماعة يؤولون الاخبار الجممع عليها نحو (إنما وليكم الله ورسوله)، و: أنت مني بمنزلة هارون من موسى، و: اني تارك فيكم الثقلين ]

 

(1) الشراة كقضاة هم الخوارج الذين خرجوا عن طاعة الامام علي في حرب صفين، وانما لزمهم هذا اللقب لزعمهم بأنهم شروا دنياهم بالآخرة التى باعوا (*).


 

[ 4 ]

وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وغلوا (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم)، وجماعة جعلوا مقابل كل حق باطلا، وبازاء كل مقال قائلا مثل: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وكان أحب الناس الى رسول الله من الرجال علي، ومن النساء فاطمة، وغروا الجاهل بمقالات باطلة (ويجادل الذين كفروا بالباطل ليد حضوا به الحق وقد ضلوا ضلالا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) وجماعة زادوا في الاخبار أو نقصوا منها نحو: من كنت مولاه فعلي مولاه، ولا يقولون ما بعده من الدعاء، و: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي، ولا يذكرون: ولو كان لكنت، والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ولا يروون: وأبوهما خير منهما. وروى بعضهم (1) عن علي عليه السلام انه قال لعمر بن الخطاب: أما علمت ان القلم رفع عن الجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يدرك، وعن النائم حتى يستيقظ. فترك أول الحديث وهو: ان عمرا هم أن يقيم الحد على مجنونة زنت، وترك الخبر وهو قول عمر: قد كدت أهلك بحد هذه المجنونة (فمن بدله بعدما سمعه فانما إثمه على الذين يبدلونه). وجماعة نقلوا مناقبهم الى غيرهم كحديث سد الابواب، وصالح المؤمنين، والاسم المكتوب (2) على العرش، وتسليم جبرئيل.

يروي مناقب فضلها أعداؤها * أبدا ويسندها الى أضدادها (3)

(الذين يستحبون الحيوة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله اولئك في ضلال بعيد). وجماعة يجرحون (4) رواة المناقب ويطعنون في ألفاظها، ويقدحون في معانيها، ويعدلون الخوارج فيما حملوا من فضائل أعدائهم مما لا يقبلها العقل، ولا يضبطها النقل :

إذا ماروى الراوون الف فضيلة * لاصحاب مولانا النبي محمد

يقولون هذا في الصحيحين مثبت * بخط الامامين الحديث فسدد

ومهما روينا في علي فضيلة * يقولون هذا من أحاديث ملحد

 

(1) هذا الراوى هو البخاري. (2) روى ذلك: البخاري والواقدي والواحدي. (3) هذا البيت للسيد الرضي عليه الرحمة. (4) من هؤلاء الجارحين أبو عمرو الجاحظ الكاتب المشهور (*).


 

[ 5 ]

(سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب مما كانوا يصدفون). وجماعة يذكرون أكثر المناقب مثل حديث الحباب (1) والثعبان والاسد والجان (2) والسفرجل (3) والرمان، فيقولون: هذا إفك قديم وبهتان عظيم.

إذا في مجلس ذكروا عليا * وسبطيه وفاطمة الزكيه

يقول الحاضرون ذروا فهذا * سقيم من حديث الرافضية

(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله).

وجماعة جعلت الامة من آل محمد والصحابة من العترة (4) والنساء من أهل البيت وأنكرت (5) أن يكون أولاد الرسول ذريته وآله. قال الباقر عليه السلام: (فبدل الذين ظلموا) في آل محمد (قولا غير الذي قيل لهم) وذلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتغرق معها غيرها بل إذا زل العالم يزل بزلته العالم. وجماعة من السفساف حملهم العناد على أن قالوا: كان أبو بكر أشجع من علي، وان مرحبا قتله محمد بن مسلمة، وان ذا الثدية (6) قتل بمصر، وان في أداء سورة براءة كان أبو بكر أميرا على علي، وربما قالوا: قراها أنس بن مالك، وان محسنا ولدته فاطمة في زمن النبي صلى الله عليه وآله سقطا، وان النبي قال (7): ان بني هشام بن المغيرة استأذنونني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن لهم إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، وان صدقة النبي كانت بيد علي والعباس فمنعها علي عباسا فغليه عليها (ومن ركب الباطل زلت قدمه وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين). وجماعة جاهروهم بالعداوة، كما طعن النظام في أحكامه عليه السلام في كتابيه: الفتيا والنكت. وكقول الجاحظ: ليس ايمان علي بايمان لانه آمن وهو صبي ولا شجاعته بشجاعة لان النبي قد أخبره انه يقتله ابن ملجم. ونسبه جماعة الى ان حروبه كانت خطأ وانه قتل المسلمين عمدا. وقول هشيم: كان لعلي ولد صغار

 

(1) يروي ذلك أبو داود السجستاني. (2) يشير الى هذا أحمد بن حنبل. (3) يريد بذلك الراوية المعروف ابن شاهين. (4) ممن قال بذلك عكرم المفسر. (5) ممن أنكر ذلك الحجاج بن يوسف والي الاموريين على العراق وقد شدد النكير على آل لرسول ؟ (6) في القاموس: ذوالثدية كسنية لقب عمرو بن عبدود قتيل علي بن أبى طالب كرم الله وجهه (7) ذكر ذلك البخاري وابن شاهين (*).


 

[ 6 ]

وقد قتل الحسن (ع) ابن ملجم ولم ينتظر به. وقول القتبي: أول خارجي في الاسلام الحسين (ع) (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله اولئك في ضلال بعيد). ولعمري ان هذا لامر عظيم، وخطب في الاسلام جسيم، بل هو كما قال الله تعالى: (ان هذا لهو الضلال المبين)، فصار الغوغاء يزعقون على المحدثين والمذكرين في ذكرهم عليا عليه السلام حتى قال الشاعر:

إذا ما ذكرنا من علي فضيلة * رمينا بزنديق وبغض أبي بكر

وقال الآخر:

وان قلت عينا من علي تغامزوا * علي وقالوا قد سببت معاويه

(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم).

وبقي علماء الشيعة في امورهم تائهين، وعلى أنفسهم خائفين، وفي الزوايا منحجرين، بل حالهم كحال الانبياء والمرسلين، كما حكى الله تعالى عن الكافرين: (لئن لم تنته يالوط لتكونن من المخرجين * لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين * لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا * وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا). فقلت: (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين). فعلى من يعتمد، والى رواية من يستند، فالكف عند حيرة الضلال خير من ركوب الاهوال، ولا خير في قوم ليسوا بناصحين ولا يحبون الناصحين، ولا خير في الكذابين، ولا العلماء الافاكين، لقد قل من يوثق به، وعز من يؤخذ عنه. فنظرت بعين الانصاف، ورفضت مذهب التعصب في الخلاف، وكتبت على نفسي ان اميز الشبهة من الحجة، والبدعة من السنة، وافرق بين الصحيح والسقيم، والحديث والقديم، واعرف الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، وأنصر الحق وأتبعه، وأقهر الباطل وأقمعه، وأظهر ما كتموا، وأجمع ما فرقوا، وأذكر ما أجمعوا عليه واختلفوا فيه، على ما أدته الرواية، وأشير الى ما رواه الخاصة (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم) فاستصوبت من عيون كتب العامة والخاصة معا لانه إذا اتفق المتضادان في النقل على خبر فالخبر حاكم عليهما، وشاهد للمحق في اعتقاده منهما، وإذا اعتقدت فرقة خلاف ماروت ودانت بضد ما نقلت وأخبرت، فقد أخطأت، وإلا فلم يروي الانسان ما هو كذب عنده ؟ ويشهد بما يعتقد فيه ضده ؟ وكيف


 

[ 7 ]

وكيف يعترف بما يحتج به خصمه، ويسطر ما يخالفه علمه ! ولا عجب في رواياتهم مما هو حجة عليهم (1) فقد أنطقهم الله الذي أنطق كل شئ، وان كان الشيطان يثبت غروره فقد يأبى الله إلا أن يتم نوره. فوفقت في جمع هذا الكتاب، مع اني أقول: مالي وللتصنيف والتأليف، مع قلة البضاعة، وعظم شأن هذه الصناعة، إلا انني في ذلك بمنزلة رجل وجد جوهرا منثورا، فاتخذ له عقدا منظوما، وكم دنف نجا، وصحيح هوى، وربما أصاب الاعمى قصده، وأخطأ البصير رشده. وذلك بعد ما أذن لي جماعة من أهل العلم والديانة بالسماع والقراءة والمناولة والمكاتبة والاجازة، فصحت لي الرواية عنهم بأن أقول: حدثني، وأخبرني، وأنباني، وسمعت، واعترف لي بأنه سمعه ورواه كما قرأته وناولني من طرق الخاصة. وأما طرق العامة فقد صح لنا اسناد البخاري عن أبي عبد الله محمد بن الفضل الصاعد الفراري (2) وعن أبي عثمان سعيد بن عبد الله العيار الصعلوكي، وعن الخبازى، كلهم عن أبي الهيثم الكشميهني (3) عن أبي عبد الله محمد الفريري عن محمد بن اسماعيل بن المغيرة البخاري، وعن أبي الوقت عبد الاول بن عيسي السجري عن الداودي عن السرخسي عن الفريري عن البخاري. اسناد مسلم عن الفراري عن أبي الحسين عبد الغافر الفارسي النيسابوري عن أبي أحمد محمد بن عمرويه الجلودي عن أبي اسحاق ابراهيم بن محمد الفقيه عن أبي الحسين مسلم بن حجاج النيسابوري (4). اسناد الترمذي عن أبي سعيد محمد بن أحمد الصفار الاصفهاني عن أبي القاسم الخزاعي عن أبي سعيد بن كليب الشاشي عن أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (5).

 

(1) نقل عن البخاري انه قال: صنفت كتاب الصحيح بست عشرة سنة خرجته من ستمائة الف حديث وجعلته حجة فيما بيني وبين الله تعالى، وقد توفي البخاري سنة ست وخمسين ومائتين هـ.

(2) نسبة الى بلد بخراسان.

(3) كشميهنة: بضم الكاف وكسر الميم وفتح الهاء قرية من قرى مرو.

(4) أبو الحسين مسلم بن حجاج القشيري النيسابوري توفي سنة 161 ه‍.

(5) أبو عيسى محمد بن السلمي الترمذي كان من تلامذة البخاري توفي بترمذ سنة 179 ه‍ (*).


 

[ 8 ]

اسناد الدارقطني (1) عن أبي بكر محمد بن علي بن محمد بن ياسر الجبائي عن المنصوري عن أبي الحسن المهراني عن أبي الحسن علي بن مهدي الدارقطني. اسناد معرفة اصول الحديث عن عبد اللطيف بن أبي سعيد البغدادي الاصفهاني عن أبي علي الحداد عن الحاكم أبي عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري ابن البيع. اسناد الموطا عن القعنبي وعن معن عن يحيى بن يحيى من طريق محمد بن الحسن عن مالك بن أنس (2). اسناد مسند أبي حنيفة (3) عن أبي القاسم بن صفوان الموصلي عن أحمد بن طوق عن نصر بن المرجى عن أبي القاسم الشاهد العدل البغار. اسناد مسند الشافعي عن الجياني عن أبي القاسم الصوفي عن محمد بن علي الساوي عن أبي العباس الاصم عن الربيع عن محمد بن ادريس (4) الشافعي. اسناد مسند أحمد والفضائل عن أبي سعد بن عبد الله الدجاجي عن الحسن بن علي المذهب عن أبي بكر بن مالك القطيفي عن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل (5) عن أبيه اسناد مسند أبى يعلى عن أبى القاسم الشحامي عن أبى سعيد الكنجرودي عن أبى عمرو الحيري عن أبى يعلى أحمد بن المثنى الموصلي. اسناد تاريخ الخطيب عن عبد الرحمن بن بهريق القزاز البغدادي عن الخطيب أبى بكر ثابت البغدادي. اسناد تاريخ النسوي عن أبى عبد الله المالكي عن محمد بن الحسين بن الفضل القطان عن درستويه النحوي عن يعقوب بن صفوان النسوي. اسناد تاريخ الطبري عن القطيفي عن أبى عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن محمد باسناده عن محمد بن جرير بن بريد الطبري.

 

(1) الدارقطني نسبة الى محلة ببغداد، توفي في شهر ذى الحجة سنة 385 ه‍.

(2) مالك بن أنس الاصبحي المدنى، وقيل: القرشي النميمي صاحب كتاب الموطا في الفقه وأحد الائمة الاربع توفي في شهر ربيع الاول سنة 179 ه‍ بعد أن عاش أربعا وثمانين ودفن في البقيع .

(3) أبو حنيفة النعمان بن ثابت أحد الائمة الاربع أصله من فارس توفي سنة 150 ه‍ ببغداد وله سبعون سنة.

(4) محمد بن ادريس بن عباس بن عثمان بن الشافع المطلبى أحد الائمة ومجدد المذهب على رأس المائتين ولد يوم وفاة أبي حنيفة ومات سنة 204 ه‍ وله أربع وخمسون سنة.

(5) أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزى نزيل بغداد وأحد الاربع، توفي سنة 241 ه‍ وله من العمر 77 سنة ودفن ببغداد (*). " مناقب ج 1، م 1 "


 

[ 9 ]

وهذا اسناد تاريخ أبي الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري. اسناد تاريخ علي بن مجاهد عن القطيفي عن السلمي عن أبي الحسن علي بن محمد دلوية (1) القنطري عن المأمون بن أحمد عن عبد الرحمن بن محمد الدجاج عن ابن جريح عن مجاهد. اسناد تاريخي أبي علي الحسن البيهقي السلامي وأبي علي مسلويه عن أبي منصور محمد بن حفدة العطاري الطوسي عن الخطيب أبي زكريا التبريزي باسناده اليهما. اسناد كتابي المبتدا عن وهب بن منبه اليماني عن أبي حذيفة حدثنا القطيفي عن الثعلبي عن محمد بن الحسن الازهري عن الحسن بن محمد العبدي عن عبد المنعم بن ادريس عنهما. اسناد الاغاني عن الفصيحي عن عبدالقاهر الجرجاني عن عبد الله بن حامد عن محمد ابن محمد عن علي بن عبد العزيز اليماني عن أبي الفرج علي بن الحسين الاصفهاني. وهذا اسناد فتوح الاعثم الكوفي. اسناد سنن السجستاني عن أبي الحسن الابنوسي عن أبي العباس بن علي التستري عن الهاشمي عن اللؤلؤي عن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني. اسناد سنن اللالكائي (2) عن أبي بكر احمد بن علي الطرثيثى عن أبي القاسم هبة الله بن المحسن الطبري اللالكائى. اسناد سنن ابن ماجه عن ابن الناصر البغدادي عن المقري (3) القزويني عن ابن أبى طلحة (4) بن المنذر عن أبى الحسن القطان عن أبى عبد الله الرقي عن أبى القاسم ابن أحمد الخزاعي عن الهيثم بن كليب الشاشي عن أبى عيسى الترمذي. وهذا اسناد شرف المصطفى عن أبى سعيد الخركوشي. اسناد حلية الاولياء عن عبد اللطيف الاصفهانى عن أبى علي الحداد عن أبى نعيم اسناد احياء علوم الدين عن أحمد بن محمد الغزالي عن أخيه أبى حامد محمد بن محمد ابن محمد الغزالي الطوسي.

 

(1) كذا في الاصل والظاهر ان العبادة هكذا عن دلوية. قال ابن حجر في التقريب: دلوية لقب زياد بن أيوب الطوسي وكان يغضب من اللقب ثقة حافظ من العاشرة توفي سنة 252 ه‍.

(2) اللالكائى بهمزة في الآخر، هو أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري .

(3) في نسخة: عن المقرمي.

(4) في نسخة: عن أبى طلحة (*).


 

[ 10 ]

اسناد العقد عن محمد بن منصور السرخسي عمن رواه عن ابن عبدربه الاندلسي. اسناد فضائل السمعاني عن شهر اشوب بن أبى نصر بن أبى الجيش السروي جدي عن أبى المظفر عبد الملك السمعاني. اسناد فضائل ابن شاهين عن أبى عمرو الصوفي عن القاضي عن أبى محمد المرندي عن أبى حفص عمر بن شاهين المروزي. اسناد فضائل الزعفراني عن يوسف بن آدم المراغي مسندا الى محمد بن الصباح الزعفراني. اسناد فضائل العكبري عن أبي منصور ما شادة الاصفهاني (1) عن مشيخته عن عبد الملك بن عيسى العكبرى (2). اسناد مناقب ابن شاهين عن المنتهى بن أبي زيد بن كبابكي الجثنى (3) الجرجاني عن الاجل المرتضي الموسوي عن المصنف. اسناد مناقب ابن مردويه عن الاديب أبي العلا عن أبيه أبى الفضل الحسن بن زيد عن أبى بكر مردويه الاصفهانى. اسناد أمالي الحاكم عن المهدي بن أبى جرب الحسني الجرجاني عن الحاكم النيسابوري اسناد مجموع ابن عقدة أبى العباس أحمد بن محمد. ومعجم أبى القاسم سليمان بن أحمد الطبراني بحق روايتي عن أبى العلاء العطار الهمداني باسناده عنهما. اسناد الوسيط وكتاب الاسباب والنزول عن أبى الفضائل محمد اليهيني عن أبى الحسن علي بن أحمد الواحدي. اسناد معرفة الصحابة عن عبد اللطيف البغدادي عن والده أبى سعيد عن أبى يحيى ابن منده عن والده. اسناد دلائل النبوة والجامع عن الحسين بن عبد الله المروزي عن أبى النصر العاصمي عن أبى العباس البغوي عن أبى بكر أحمد بن الحسين البيهقي. اسناد أحاديث علي بن أحمد الجوهري وأحاديث شعبة بن الحجاج عن محمد البغوي عن الحراجي (4) عن المحبوي عن ابن عيسى عمن رواها منهما. اسناد المغازي عن الكرماني عن أبى الحسن القدوسي عن الحسين بن صديق

 

(1) في نسخة: عن ماشاذة بالذال المعجمة.

(2) نسبة الى عكبرى بالضم قرية بالقرب من سامراء.

(3) في نسخة: الحسني.

(4) في نسخة: الجراجي (*).


 

[ 11 ]

الزورعنجي عن محمد بن اسحاق الواقدي. اسناد البيان والتبيين والغرة والفتيا عن الكرماني عن أبى سهل الانماطي عن أحمد ابن محمد عن أبى عبد الله بن محمد الخازن عن علي بن موسى القمي عن عمرو بن بحر الجاحظ (1) اسناد غريب القرآن عن القطيفي عن أبيه عن أبى بكر محمد بن عزيز العزيزي السجستاني. اسناد شوف العروس عن القاضي عزيزي عن أبى عبد الله الدامغاني. اسناد عيون المجالس عن القطيفي عن أبى عبد الله طاهر بن محمد بن أحمد الخربلوي. اسناد المعارف، وعيون الاخبار، وغريب الحديث، وغريب القرآن، عن الكرماني عن أبيه عن جده عن محمد بن يعقوب عن أبى بكر المالكي عن عبد الله بن مسلم بن قتيبه. اسناد غريب الحديث عن القطيفي عن السلمي عن أبى محمد دعلج عن أبى عبدالقاسم ابن سلام. وهذا اسناد كامل أبى العباس المبرد (2). اسناد نزهة القلوب عن الفطيفي وشهر اشوب جدي كليهما عن أبى اسحاق الثعلبي. اسناد أعلام النبوة عن عمر بن حمزة العلوي الكوفي عمن رواه عن القاضي أبى الحسن الماوردي. اسناد الابانة، وكتاب اللوامع عن مهدي بن أبى حرب الحسني (3) عن أبى سعيد أحمد بن عبد الملك الخركوشي. اسناد دلائل النبوة، وكتاب جوامع الكلم عن عبد العزيز عن أحمد الحلواني عن أبى الحسن بن محمد الفارسي عن أبى بكر محمد بن علي بن اسماعيل القفال الشاشي (4). اسناد نزهة الابصار عن شهر اشوب عن القاضي أبى المحاسن الرؤيانى عن أبى الحسن

 

(1) جاء لقب الجاحظ لما كان عليه من جحوظ العينين أي نتوؤهما، والى الجاحظ تنسب الجاحظية فرقة من المعتزلة تقول بما قال الجاحظ، توفي بالبصرة سنة 255 وله مؤلفات أدية مشهورة ولقب بأمير البيان العربي.

(2) أبو العباس محمد بن يزيد المبرد " بصيغة اسم الفاعل " الاديب الراوية المعروف توفى سنة 285 ه‍.

(3) في نسخة: الحسيني.

(4) الشاشي نسبة الى شاش بلد بما وراء النهر، وهذا اصطلاح جغرافى قديم يراد به بلاد تركستان (*).


 

[ 12 ]

علي بن مهدي المامطيري. اسناد المحاضرات من باب المفردات عن الهيثم الشاشى عن القاضى عزيزي عن أبى بكر بن علي الخزاعي عن أبي القاسم الراغب الاصفهانى. اسناد الابانة عن الفراري (1) عن أبي عبد الله الجوهري عن القطيفي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه عن أبي عبد الله محمد بن بطة العكبري، اسناد قوت القلوب عن القطيفي عن أبيه عن أبي القاسم الحسن بن محمد عن أبي يعقوب يوسف بن منصور السياري. اسناد الترغيب والترهيب عن أبى العباس أحمد الاصفهانى عن أبى القاسم الاصفهانى اسناد كتاب أبى الحسن المدائني عن القطيفي عن أبى بكر محمد بن عمر بن حمدان عن ابراهيم بن محمد بن سعيد النحوي. اسناد الدارمي، واعتقاد أهل السنة عن أبى حامد محمد بن محمد عن زيد بن حمدان المنوجهري عن علي بن عبد العزيز الاشنهي. وحدثني محمود بن عمر الزمخشري بكتاب الكشف، والفايق، وربيع الابرار. وأخبرني الكباشين (2). وغير شهردار الديلمي بالفردوس، وأنبأني أبو العلاء العطار الهمداني بزاد المسافر، وكاتبني الموفق بن أحمد المكي خطيب خوارزم بالاربعين، وروى لي القاضى أبو السعادات الفضائل، وناولني أبو عبد الله محمد بن أحمد النطنزي الخصائص العلوية، وأجاز لي أبو بكر محمد بن مؤمن الشيرازي رواية كتاب ما نزل من القرآن في علي وكثيرا ما استند إلي أبى العزيز كلاش (3) العكبري، وأبى الحسن العاصمي الخوارزمي، ويحيى بن سعدون القرطي وأشباههم. أسانيد التفاسير واما أسانيد التفاسير والمعاني فقد ذكرتها في الاسباب والتزول وهي: تفسير البصري، والطبري، والقشيري، والزمخشري، والجبائي، والطائي، والسدى، والواقدى، والواحدي، والماوردي: والكلبي، والثعلبي، والوالبي، وقتادة، والقرطي، ومجاهد، والخركوشى، وعطاء بن رباح، وعطاء الخراساني،

 

(1) في نسخة: الفزاري. (2) في نسخة: الكباشني ولعل هذا هو الصحيح. (3) في نسخة: كادش (*).


 

[ 13 ]

ووكيع، وابن جريح، وعكرمة، والنقاشي، وأبى العالية، والضحاك، وابن عيينة، وأبى صالح، ومقاتل، والقطان، والسمان، ويعقوب بن سفيان، والاصم، والزجاج، والفراء، وأبي عبيد وأبى العباس، والنجاشى، والدمياطي، والعوفي، والنهدى، والثمالي، وابن فودك، وابن حبيب.

أسانيد كتب الشيعة:

فاما أسانيد كتب أصحابنا فأكثرها عن الشيخ أبى جعفر الطوسى حدثنا بذلك أبو الفضل الداعي بن علي الحسيني السروى، وأبو الرضا فضل الله بن علي الحسيني القاشانى، و عبد الجليل بن عيسى بن عبد الوهاب الرازي، وأبو الفتوح الحسين بن علي بن محمد الرازي، ومحمد وعلي ابنا علي بن عبد الصمد النيسابوري، ومحمد بن الحسن الشوهاني، وأبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل الطبرسي، وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسن الحلبي، ومسعود بن علي الصوابى، والحسين بن أحمد بن طحال المقدادى، وعلي بن شهر اشوب السروى والدى، كلهم عن الشيخين المفيدين أبى علي الحسن بن محمد بن الحسن الطوسى، وأبى الوفا عبد الجبار بن علي المقرى الرازي عنه. وحدثنا أيضا المنتهى بن أبى زيد بن كبابكي الحسيني الجرجاني، ومحمد ابن الحسن الفتال النيسابوري، وجدى شهر اشوب عنه أيضا سماعا وقراءة ومناولة واجازة بأكثر كتبه ورواياته. وأما أسانيد كتب الشريفين المرتضى والرضي ورواياتهما فعن السيد أبى الصمصام ذي الفقار بن معبد الحسني المروزي عن أبي عبد الله محمد بن علي الحلواني عنهما، وبحق روايتي عن السيد المنتهى عن أبيه أبي زيد، وعن محمد بن علي القتال الفارسي عن أبيه الحسن كليهما عن المرتضى، وقد سمع المنتهى والفتال بقراءة أبويهما عليه أيضا، وما سمعنا من القاضي الحسن الاسترابادي عن ابن المعافى بن قدامة عنه أيضا، وما صح لنا من طريق الشيخ أبي جعفر عنه، وروى السعيد المنتهى عن أبيه عن الشريف الرضي. واما أسانيد كتب الشيخ المفيد فعن ابي جعفر وابي القاسم اني كميح عن ابيه عن ابن البراج عن الشيخ، ومن طرق ابي جعفر الطوسي ايضا عنه. واما اسانيد كتب ابي جعفر بن بابويه عن محمد وعلي ابني علي بن عبد الصمد عن ابيهما عن ابي البركات علي بن الحسين الحسيني الخوزي عنه، وكذلك من


 

[ 14 ]

روايات ابي جعفر الطوسي. واما اسانيد كتب ابن شاذان، وابن فضال، وابن الوليد، وابن الحاشر، وعلي بن ابراهيم، والحسن بن حمزة، والكليني، والصفواني، والعبدكي، والفلكي وغيرهم، فهو على ما نص عليها أبو جعفر الطوسي في الفهرست، وحدثني الفتال بالتنوير في معاني التفسير وبكتاب روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، وانبأني الطبرسي بمجمع البيان لعلوم القرآن وبكتاب اعلام الورى بأعلام الهدى، واجاز لي أبو الفتوح رواية روض الجنان وروح الجنان في تفسير القرآن، وناولني أبو الحسن البيهقي حلية الاشراف، وقد أذن لي الآمدي في رواية غرر الحكم. ووجدت بخط ابي طالب الطبرسي كتاب الاحتجاج. وذلك مما يكثر تعداده ولا يحتاج الى ذكره لاجتماعهم عليه، وما هذا إلا جزء من كل ولا أنا علم الله تعالى إلا معترف بالعجز والتقصير كما قال أبو الجوائز:

رويت وما رويت من الرواية * وكيف وما انتهيت الى نهايه

وللاعمال غايات تناهى * وان طالت وما للعلم غايه

وقد قصدت في هذا الكتاب من الاختصار، على متون الاخبار، وعدلت عن الاطالة والاكثار، والاحتجاج من الظواهر والاستدلال على فحواها ومعناها، وحذفت اسانيدها لشهرتها ولا شارتي الى رواتها وطرقها والكتب المتتزعة منها، لتخرج بذلك عن حد المراسيل وتلحق بباب المسندات. وربما تتداخل الاخبار بعضها في بعض أو تختصر منها موضع الحاجة أو تختار ما هو أقل لفظا أو جاءت غريبة من مظان بعيدة أو وردت مفردة محتاجة الى التأويل فمنها ما وافقه القرآن، ومنها ما رواه خلق كثير حتى صار علما ضروريا يلزمهم العمل به، ومنها ما بقيت آثارها رؤية أو سمعا، ومنها ما نطقت به نالشعراء والشعرورة (1) لتبذلها، فظهرت مناقب اهل البيت عليهم السلام باجماع موافقيهم وإجماعهم حجة على ما ذكر في غير موضع، واشتهرت على ألسنة مخالفيهم على وجه الاضطرار ولا يقدرون على الانكار، على ما أنطق الله به رواتهم وأجراها على افواه ثقاتهم، مع تواتر الشيعة بها وذلك خرق العادة وعظة لمن تذكر، فصارت الشيعة موفقة لما نقلته ميسرة، والناصبة مخيبة فيما حملته مسخرة لنقل هذه الفرقة ما هو دليل لها في دينها وحمل تلك ما هو حجة لخصمها دونها وهذا كاف لمن (ألقى السمع وهو شهيد) وان هذا

 

(1) شعرورة بالضم مصغر شاعر (*).


 

[ 15 ]

لهو البلاء المبين وتذكرة للمتذكرين ولطف من الله تعالى للعالمين. ثم وشحت هذه الاخبار بشواهد الاشعار وتوجتها بالآيات فرحم الله امرءا اعتبر وأحسن لنفسه النظر، فالرجوع الى الحق خير من التمادي في الباطل، ولان تكون تابعا في الخير خير من أن تكون متبوعا للشر، وخير العمل ما أصلحت به رشادك وشره ما أفسدت به معادك، وافتتحت ذلك بذكر سيد الانبياء والمرسلين، ثم بذكر الائمة الصادقين، وختمته بذكر الصحابة والتابعين وسميته ب‍ (مناقب آل ابى طالب) ونظمته للمعاد لا للمعاش وادخرته للدين لا للدنيا، فأسأل الله تعالى ان يجعله سبب تجاتي وحط سيئاتي ورفع درجاني انه سميع مجيب.


 

[ 16 ]

باب ذكر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله

فصل: في البشائر بنبوته

منها بشائر موسى في السفر الاول، وبشائر ابراهيم في السفر الثاني الثاني وفي السفر الخامس عشر، وفي الثالث والخمسين من مزامير داود، ومنها بشائر عويبنا (1) وحيقوق وحزقيل ودانيال وشيعا. وقال داود في زبوره: اللهم ابعث مقيم السنة بعد الفترة، وقال عيسى في الانجيل: ان البر ذاهب والبار قليطا جاء من بعده و هو يخفف الاصار ويفسر كلم كل شئ ويشهد لي كما شهدت له انا جئتكم بالامثال وهو يأتيكم بالتأويل. وكان كعب بن لوى بن غالب يجتمع إليه الناس في كل جمعة وكانوا يسمونها عروبة فسماه كعب يوم الجمعة وكان يخطب فيه الناس ويذكر فيه خبر النبي آخر خطبته كلما خطب، وبين موته والفيل خمسمائة وعشرون سنة فقال: أم والله لو كنت فيها ذا سمع وبصر ويد ورجل لتنصبت فيها تنصب الجمل ولارقلت فيها ارقال (2) الفحل، ثم قال:

ياليتني شاهد فحواى دعوته * حين العشيرة تبغي الحق خذلانا

محمد بن اسحاق: ان زيد بن عمرو بن نفيل ضرب في الارض يطلب الدين الحنيف فقال له راهب بالشام: انك لتسأل عن دين ذهب من كان يعرفه ولكنك قد أظلك خروج نبي يأتي ملة ابراهيم الحنيفيه وهذا زمانه، فخرج سريعا حتى إذا كان بأرض لخم عهدوا عليه فقتلوه، وقال النبي صلى الله عليه وآله: زيد بن عمرو يبعث امة وحده. ورثاه ورقة بن نوفل:

رشدت وأنعمت ابن عمرو وإئما * تجنبت تنورا من الله حاميا

بدينك ربا ليس رب كمثله * وتركك أوثان الطواغي كما هيا

وقد تدرك الانسان رحمة ربه * ولو كان تحت الارض ستين واديا

 

(1) في نسخة: عويديا بن البرة. (2) الارقال: الاسراع (*). " مناقب ج 1، م 2 "


 

[ 17 ]

وكان تبع الاول من الخمسة التي كانت لهم الدنيا بأسرها فسار في الآفاق وكايختار من كل بلدة عشرة أنفس من حكمائهم، فلما وصل الى مكة كان معه أربعة آلاف رجل من العلماء فلم يعظمه أهل مكة فغضب عليهم وقال لوزيره عميا ريسا في ذلك فقال الوزير: انهم جاهلون ويعجبون بهذا البيت، فعزم الملك في نفسه أن يخربها ويقتل أهلها فأخذة الله بالصدام (1) وفتح من عينيه واذنيه وأنفه وفمه ماء منتنا عجزت الاطباء عنه وقالوا: هذا أمر سماوي، وتفرقوا. فلما أمسى جاء عالم الى وزيره وأسر إليه: إن صدق الامير بنيته عالجته، فاستأذن الوزير له فلما خلا به قال له: هل أنت نويت في هذا البيت أمرا ؟ قال: كذا وكذا فقال العالم: تب من ذلك ولك خير الدنيا والآخرة، فقال: قد تبت مما كنت نويت فعوفي في الساعة فآمن بالله وبإبراهيم الخليل، وخلع على الكعبة سبعة أثواب، وهو أول من ؟ ؟ الكعبة، وخرج الى يثرب ويثرب هي أرض فيها عين ماء، فاعتزل من بين أربعة آلاف رجل عالم أربعمائة رجل عالم على انهم يسكنون فيها وجاؤا الى باب الملك وقالوا: انا خرجنا من بلداننا وطفنا مع الملك زمانا وجئنا الى هذا المقام الى أن نموت فيه، فقال الوزير: ما الحكمة في ذلك ؟ قالوا: اعلم أيها الوزير ان شرف هذا البيت بشرف محمد صاحب القرآن والقبلة واللواء والمنبر مولده بمكة وهجرته الى ههنا وانا على رجاء أن ندركه أو يدركه أولادنا، فلما سمع الملك ذلك تفكر أن يقيم معهم سنة رجاء أن يدرك محمدا، وأمر أن يبنوا أربعمائة دار لكل واحد دارا وزوج كل واحد منهم بجارية معتقة وأعطى لكل واحد منهم مالا جزيلا. ابن بابويه في كتاب النبوة انه قال أبو عبد الله (ع): ان تبعا (2) قال للاوس والخزرج: كونوا ههنا حتى يخرج هذا النبي اما أنا لو أدركته لخدمته ولخرجت معه. وروي انه قال:

قالوا بمكة بيت مال داثر * وكنوزه من لؤلؤ وزبرجد

بادرت أمرا حال ربي دونه * والله يدفع عن خراب المسجد

فتركت فيه من رجالي عصبة * نجبا ذوي حسب ورب محمد

وكتب كتابا الى النبي عليه السلام يذكر فيه إيمانه وإسلامه وانه من امته

 

(1) الصدام بالكسر داء في رؤس الدواب، ولا يضم وان كان هو القياس. (2) تبع: جمعه تبابعة، يقال ذلك لملوك اليمن، ولا يسمى به الا إذا كانت له حمير وحضر موت (*).


 

[ 18 ]

فليجعله تحت شفاعته وعنوان الكتاب: الى محمد بن عبد الله خاتم النبيين ورسول رب العالمين من تبع الاول. ودفع الكتاب الى العالم الذي نصح له ثم خرج منه وسار حتى مات بغلسان بلد من بلاد الهند. وكان بين موته ومولد النبي صلى الله عليه وآله الف سنة. ثم ان النبي صلى الله عليه وآله لما بعث وآمن به أكثر أهل المدينة أنفذوا الكتاب إليه على يد أبي ليلى فوجد النبي صلى الله عليه وآله في قبيلة بني سليم فعرفه رسول الله فقال له: أنت أبو ليلى ؟ قال: نعم، قال: كتاب تبع الاول ؟ فتحير الرجل فقال صلى الله عليه وآله: هات الكتاب، فأخرجه ودفعه الى رسول الله فدفعه النبي الى علي بن أبي طالب فقرأه عليه، فلما سمع النبي صلى الله عليه وآله كلام تبع قال: مرحبا بالاخ الصالح، ثلاث مرات، وأمر أبا ليلى بالرجوع الى المدينة. اكمال الدين (1) عن ابن بابويه وروضة الواعظين عن محمد الفتال انه كان عند تربة النبي جماعة فسأل أمير المؤمنين سلمان عن مبدأ أمره فقال: كنت من أبناء الدهاقين بشيراز وكنت عزيزا على والدي فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا بصومعة وإذا فيها رجل ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فرصف حب محمد في لحمي ودمي فلما انصرفت الى منزلي إذا أنا بكتاب معلق من السقف فسألت امي عنه فقالت: لا نقربه فانه يقتلك أبوك. فلما جن الليل اخذت الكتاب فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا عهد من الله الى آدم انه خالق من صلبه نبيا يقال له محمد يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن عبادة الاوثان ياروز به أنت وصي عيسى فآمن واترك المجوسية قال: فصعقت صعقة فأخذني أبي وامي وجعلاني في بئر عتيقة وقالا: ان رجعت وإلا قتلناك وضيقوا علي الاكل والشرب فلما طال أمري دعوت الله بحق محمد ووصيه أن يريحني مما أنا فيه فأتاني آت عليه ثياب بيض فقال: قم يا روزبه، فأخذ بيدي وأتي بي الصومعة فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فقال الديراني: يا روزبه اصعد، فصعدت إليه فخدمته حولين فقال: اني ميت اوصيك براهب انطاكية فاقرأه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح وناولني لوحا، فلما فرغت من دفنه أتيت الصومعة وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن عيسى روح الله وأن محمدا حبيب الله، فقال: اصعد يا روزبه، فصعدت إليه فخدمته حولين فقال: اني ميت، قلت: على من تخلفني ؟ فقال: لا أعرف أحدا يقول

 

(1) هذا تلخيص لما ذكره الشيخ الصدوق رحمه الله والالفاظ هنا ليست بأعيانها بل بعضها منقول بمعانيه فليقتصر على ما في الكتاب (*).


 

[ 19 ]

بمقالتي هذه في الدنيا وأن ولادة محمد قد حانت فإذا أتيته فاقرأه مني السلام وادفع إليه هذا اللوح، فلما فرغت من دفنه صحبت قوما لما أرادوا أن يأكلوا شدوا على شاة فقتلوها بالضرب ثم جعلوا بعضها كبابا وبعضها شواءا فامتنعت من الاكل فقالوا كل، فقلت: اني غلام ديراني وان الديرانيين لا يأكلون اللحم فضربوني وكادوا يقتلونني، فقال بعضهم: امسكوا عنه حتى يأتيكم شرابكم فانه لا يشرب فلما أتوا بالشراب قالوا: تشرب ؟ فقلت مثل ذلك فضربوني وكادوا يقتلونني، فأقررت لواحد منهم بالعبودية فأخرجني وباعني بثلاثمائة درهم من رجل يهودي فسألني عن قصتي فأخبرته وقلت له: ليس لي ذنب سوى حبي محمدا ووصيه، فقال اليهودي: واني لابغضك وأبغض محمدا، ثم أخرجني الى باب داره وإذا رمل كثير فقال: والله لئن أصبحت ولم تنقل هذا الرمل كله من هذا الموضع لاقتلنك، قال: فجعلت أحمل طول ليلي فلما أجهدني التعب سألت الله تعالى الراحة منه فبعث الله ريحا فنقلت ذلك الرمل فلما أصبح نظر الى الرمل فقال: أنت ساحر قد خفت منك، فباعني من امرأة سلمية لها حائط فقالت: افعل بهذا الحائط ما شئت، فكنت فيه فإذا أنا بسبعة رهط تظلهم غمامة فلما دخلوا كان رسول الله وأمير المؤمنين وأبو ذر والمقداد وعقيل وحمزة وزيد فأوردتهم طبقا من رطب فقلت: هذه صدقة، فقال النبي صلى الله عليه وآله: كلوا، وأمسك رسول الله وأمير المؤمنين ووضعت طبقا آخر فقلت: هذه هدية، فمد يده وقال: بسم الله كلوا، فقلت في نفسي: بدت ثلاث علامات، وكنت أدور خلفه إذ التفت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا روزبه تطلب خاتم النبوة وكشف عن كتفيه فإذا أنا بخاتم النبوة معجون بين كتفيه عليه شعرات فسقطت على قدميه اقبلها فقال لي: ادخل على هذه المرأة وقل لها يقول لك محمد بن عبد بيعينا هذا الغلام فلما أخبرتها قالت: قل له لا أبيعكه إلا بأربعمائة نخلة مائتي نخلة صفراء ومائتي نخلة حمراء، فأخبرته بذلك فقال: ما أهون ما سألت قم يا علي واجمع هذا النوى كله فأخذه وغرسه ثم قال: اسقه، فسقاه فلما بلغ آخره خرج النخل ولحق بعضه بعضا فقال قل لها خذي شيئا وادفعي الينا شيئا فخرجت فقالت: والله لا أبيعكه إلا بأربعمائة نخلة كلها صفراء، فهبط جبرئيل فمسح جناحه على النخل فصار كله أصفر فنظرت وقالت نخلة من هذه أحب إلي من محمد ومنك، فقلت لها: والله ان يوما من محمد أحب إلي منك ومن كل شئ أنت فيه فأعتقني رسول الله وسماني سلمان.


 

[ 20 ]

قال نصر بن المنتصر:

من غرس النخل فجاءت يانعة * مرضية لبوسها من النوى

وله أيضا:

ومن غرس النوى فأتت بنخل * لذيذ طعمها للذائقينا

ابن بابويه في تمام النعمة (1) والثعلبي في نزهة القلوب عن ابن عباس: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة واسترجع ملك أبيه وقومه وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه وآله بسنتين أتته وفد العرب وأشرافها بالتهيئة وفيهم عبد المطلب فقال: أيها الملك ان الله تعالى قد أحلك محلا رفيعا صعبا منيعا باذخا شامخا وأنبتك منبتا طابت أرومته (2) وعذبت (3) جرثومته ثبت أصله وبسق فرعه في أكرم معدن وأطيب موطن فأنت أبيت اللعن (4) ملك العرب الذي له تنقاد وعمودها الذي عليه العماد ومعقلها الذي يلجأ إليه العباد سلفك خير سلف وأنت لنا منهم أفضل خلف فلن يجهل من أنت سلفه ولن يهلك من أتت خلفه ونحن أيها الملك أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا اليك الذي أبهجنا من كشفك الكرب الذي فدحنا فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزية. قال سيف: وأيهم أنت أيها المتكلم ؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم، قال: ابن اختنا ؟ قال: نعم، فأدناه وقرب مجلسه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال: مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا ونحلا يعطى عطاء جزيلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابتكم وقبل وسيلتكم فأنتم أهل البلد وأهل النهار لكم الكرامة ما أقمتم والحبا إذا ظعنتم. ثم انتهضوا الى دار الضيافة فأقاموا شهرا، ثم أرسل الى عبد المطلب ليلا فأخلاه وقال: انى مفوض اليك من سر علمي فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فان الله بالغ أمره، فقال عبد المطلب: مثلك أيها الملك من سر وبرفما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر، فقال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الامامة ولكم به الزعامة الى يوم القيامة، فقال: أيها الملك قد أبت بخير ما آب بمثله وافد ولو لا هيبة الملك واجلاله لسألته عن مساره إياي ما ازداد به سرورا، قال: هذا

 

(1) اسم الكتاب الشائع اكمال الدين واتمام النعمة وما ذكر هنا تلخيص لما في الكتاب أيضا (2) الارومة: أصل الشجرة. (3) في الاصل غرت وفي نسخة عزت، ولعل ما ذكرناه هو الصحيح. (4) أي أبيت أن تفعل فعلا تلعن بسببه وتذم به (*).


 

[ 21 ]

حينه الذي يولد فيه أو قد ولد اسمه محمد يموت ابوه وامه، ويكفله جده وعمه وقد ولد سرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا انصارا، الى آخر كلام له، فقال عبد المطلب: ايها الملك دام ملكك وعلا كعبك فهل الملك سارى بافصاح فقد اوضح لي بعض الايضاح، فقال سيف: والبيت ذي الحجب والعلامات على النصب (1) انك يا عبد المطلب لجده غير كذب، فحر عبد المطلب ساجدا. ثم انه اعطى عبد المطلب بعشرة اضعاف ذلك: فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول يا معشر قريش لا يغبطني احد بجزيل عطاء الملك وان كثر فانه الى نفاد ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبى من بعدي ذكره وفخرجه وشرفه، فإذا قيل له: ما ذاك ؟ يقول: ستعلمون نبأه بعد حين. قال ابن رزيك (2):

محمد خاتم الرسل الذي سبقت * به بشارة قس وابن ذي يزن

وانذر النطقاء الصادقون بما * يكون من امره والطهر لم يكن

الكامل الوصف في حلم وفي كرم * والطاهر الاصل من دأم ومن

درن ظل الا له ومفتاح النجاة وينـ‍ * ـبوع الحياة وغيث الفارض الهتن(3)

فاجعله ذخرك في الدارين معتصما * به وبالمرتضى الهادي أبى الحسن

وتصور لعبد المطلب ان ذبح الولد أفضل قربة لما علم من حال اسماعيل فنذر انه متى رزق عشرة اولاد ذكور أن ينحر احدهم للكعبة شكرا لربه فلما وجدهم عشرة قال لهم: يا بني ما تقولون في نذري ؟ فقالوا: الامر اليك ونحن بين يديك، فقال: لينطلق كل واحد منكم الى قدحه وليكتب عليه اسمه، ففعلوا وأتوه بالقداح فأخذها وقال:

عاهدته والآن اوفي عهده * إذ كان مولاي وكنت عبده

نذرت نذرا لا أحب رده * ولا احب ان اعيش بعده

فقدحهم ثم تعلق بأستار الكعبة ونادى: اللهم رب البيت الحرام والركن والمقام ورب المشاعر العظام والملائكة الكرام، اللهم انت خلقت الخلق لطاعتك وامرتهم

 

(1) النصب كل ما عبد من دون الله والانصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح لغير الله تعالى. (2) هو طلائع بن رزيك وزير مصر، وزريك كقبيط: ولد الملك الصالح. (3) الفارض: استعارة عن السحاب مأخوذ من الفرض بمعنى ما تجود به بغير ثواب، والهتن من قولك: هتنت السماء إذا انصيت (*).


 

[ 22 ]

بعبادتك لا حاجة منك في كلام له. ثم امر بضرب القداح وقال: اللهم اليك أسلمتهم ولك اعطيتهم فخذ من احببت منهم فاني راض بما حكمت وهب لي اصغرهم سنا فانه اضعفهم ركنا، ثم أنشأ يقول:

يا رب لا تخرج عليه قد حي * واجعل له واقية من ذبحي

فخرج السهم على عبد الله فأخذ الشفرة واتى عبد الله حتى اضجعه في الكعبة وقال:

هذا بني قد اريد نحره * والله لا يقدر شئ قدره

فان تؤخره تقبل عذره وهم بذبحه فأمسك أبو طالب يده وقال:

كلا ورب البيت ذى الانصاب * ما ذبح عبد الله بالتلعاب

ثم قال:

اللهم اجعلني فديته وهب لي ذبحته، ثم قال:

خذها اليك هدية يا خالقي * روحي وانت مليك هذا الخالق

وعاونه اخواله من مخوم وقال بعضهم: يا عجبا من فعل عبد المطلب * وذبحه ابنا كتمثال الذهب فأشاروا عليه بكاهنة بني سعد فخرج في ثمانمائة رجل وهو يقول:

تغادرني أمر فضقت به ذرعا * ولم أستطع مما تجللني دفعا

نذرت ونذ المرء دين ملازم * وما للفتى مما قضى ربه منعا

وعاهدته عشرا إذا ما تكملوا * اقرر منهم واحدا ماله رجعا

فأكملهم عشرا فلما هممت ان * أفئ بذاك النذر نازله جمعا

يصدونني عن أمر ربي وانني * سأرضيه مشكورا ليلبسني نفعا

فلما دخلوا عليها قال:

 يا رب اني فاعل لما تود * ان شئت الهمت الصواب والرشد

فقالت: كم ديه الرجل عندكم ؟ قالوا: عشرة من الابل، قالت: واضربوا على الغلام وعلى الابل القداح فان خرج القداح على الابل فانحروها وان خرج عليه فزيدوا في الابل عشرة عشرة حتى يرضى ربكم وكانوا يضربون القداح على عبد الله وعلى عشرة فيخرج السهم على عبد الله الى ان جعلها مائة وضرب فخرج القدح على الابل فكبر عبد المطلب وكبرت قريش ووقع عبد المطلب مغشيا عليه وتواثبت بنو مخزوم فحملوه على أكتافهم فلما أفاق من غشيته قالوا: قد قبل الله منك فداء ولدك، فبيناهم كذلك فإذا بهاتف يهتف في داخل البيت وهو يقول: قبل الفداء ونفذ القضاء


 

[ 23 ]

وان ظهور محمد المصطفى فقال عبد المطلب: القداح تخطي وتصيب حتى اضرب ثلاثا فلما ضربها خرج على الابل فارتجز يقول:

دعوت ربي مخلصا وجهرا * يا رب لا تنحر بنى نحرا

فنحرها كلها فجرت السنة في الدية بمائة من الابل. أبو بكر البيقهي في دلائل النبوة انه قال راهب اطلحة في سوق بصرى (1) هل ظهر محمد فهذا شهره الذي يظهر فيه، في كلام له. وقال عفكلان الحميري لعبد الرحمن بن عوف: ألا ابشرك ببشارة وهي خير لك من التجارة انبئك بالمعجمة وابشرك بالمرغبة ان الله قد بعث في الشهر الاول من قومك نبيا ارتضاه وصفيا انزل عليه كتابا جعل له ثوابا ينهى عن الاصنام ويدعو الى الاسلام أخف الوقفة وعجل الرجعة، وكتب الى النبي صلى الله عليه وآله:

أشهد بالله رب موسى * انك ارسلت بالبطاح

فكن شفيعي إلى مليك * يدعو البرايا الى الفلاح

فلما دخل على النبي قال: أحملت إلي وديعة أم أرسلك إلي مرسل برسالة فهاتها ؟ ورأت كاهنة عثمان فقالت: يا عثمان لك الحجج لك البيان هوان في الرهبان (2) ارسله بحق الديان، وجاءها بالتنزيل والفرقان. فتعاهد مع ابى بكر لو زوج منى رقية لاسلمت. وبشر اوس بن حارث بن ثعلبة قبل مبعثه بثلاثمائة عام واوصى اهله باتباعه في حديث طويل وهو القائل:

إذا بعث المبعوث من آل غالب * بمكة فيما بين زمزم والحجر

هنالك فأشروا نصره ببلادكم * بنى غامر ان السعادة في النصر

وفيه يقول النبي صلى الله عليه وآله: رحم الله اوسا مات في الحنفية وحث على نصرتنا في الجاهلية. وبشر قس بن ساعدة الايادي به وبأولاده. وكلام عبد المطلب وابي طالب رضي الله عنهما لا يحصى في الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله والحث على نصرته. وابو طالب قد بين في قصديته اللامية من سيرته منها:

تطاع به الاعداء ودوا لو اننا * يسد بنا أبواب ترك وكابل

(ترك مدينة خرج منها اول الا تراك).

 

(1) بصرى كحبلى بلد بالشام. (2) هو اتي الرهان كذا في جميع النسخ (*).


 

[ 24 ]

ومنها:

كذبتم وبيت الله ان حل ما نرى * لتلتبسن أسيافنا بالامائل

وقوله (ع) لما استسقى وقال: حوالينا ولا علينا، لله در ابى طالب لو كان حيا لقرت عيناه من ينشدنا شعره ؟ يريد قوله:

وابيض يستسقى الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للارامل (1)

 

فصل: في المنامات والآيات :

الخركوشي في شرف النبي ان أبا طالب قال: رأى عبد المطلب في منامه شجرة نبتت على ظهره قد نال رأسها السماء وضربت أغصانها الشرق والغرب ونورا يزهر بينها اعظم من نور الشمس سبعين ضعفا والعرب والعجم ساجدة لها وهي كل يوم تزداد عظما ونورا ورأى رهطا من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب من أحسن الناس وجها وأنظفهم ثيابا فيأخذهم ويكسر ظهورهم ويقلع أعينهم فقص ذلك على كاهنة قريش قالت: لئن صدقت ليخرجن من صلبك ولد يملك الشرق والغرب ويتنبأ في الناس. وقال العباس بن عبد المطلب: رأيت في منامي عبد الله كأنه خرج من منخره طائر ابيض فطار فبلغ المشرق والمغرب ثم رجع وسقط على بيت الكعبة فسجدت له قريش كلا، فبينما الناس يتأملون إذ صار نورا بين السماء والارض وامتد حتى بلغ المشرق والمغرب. قال: فسألت كاهنة بنى مخزوم فقالت: ليخرجن من صلبه ولد يصير اهل المشرق والمغرب تبعا له. ذكر الماوردي ان عبد المطلب رأى في منامه كأنه خرج من ظهره سلسلة بيضاء لها اربعة اطراف طرف قد اخذ المغرب وطرف اخذ المشرق وطرف لحق بأعنان السماء وطرف لحق بثرى الارض: فبينما هو يتعجب إذ التقت الانوار فصارت شجرة خضراء مجتمعة الاغصان متدلية الاثمار كثيرة الاوراق قد اخذت اغصانها اقطار الارض في الطول والعرض ولها نور قد اخذ الخافقين وكأني قد جلست تحت الشجرة وبازاي شخصان بهيان وهما نوح وابراهيم قد استظلا به، فقص ذلك على كاهن ففسره بولادة النبي صلى الله عليه وآله.

 

(1) يأتي تمام القصة في باب المعجزات فيما ظهر من الحيوانات والجمادات (*). " المناقب ج 1، م 3 "


 

[ 25 ]

محمد بن اسحاق: كتب كسرى الى النعمان بن المنذر ليوجه إليه عالما فوجه إليه بعبد المسيح بن تغلبة الغساني فلما قص عليه رؤياه قال: علم ذلك عند خال لي بمشارق الشام يقال له سطيح فوجهه إليه فلما أتاه وجده وقد أشرف على الموت فأنشأ أبياتا في قدومه ففتح سطيح عينيه ثم قال: عبدالمسيح على جمل مشيح (1) جاء الى سطيح وقد وافى الضريح، بعثك ملك بنى ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبدان، يا عبدالمسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة (2)، وفاض وادي السماوة (3)، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات، على عدد الشرفات، وكل ما هو آت. ثم قضى سطيح مكانه (4) فقدم عبدالمسيح على كسرى وأخبره بما قال فقال: الى أن يملك منا أربعة عشر ملكا قد كانت امور، قال: فملك منهم عشرة في أربع سنين والباقون الى أيام عثمان، وكان سطيح ولد في سيل العرم فعاش الى ملك ذي نواس أكثر من ثلاثين قرنا. الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: بعث الله الى كسرى ملكا وقت الهاجرة وقال: يا كسرى تسلم أو اكسر هذه العصا، فقال: بهل بهل، فانصرف عنه فدعا حراسه وقال: من أدخل هذا الرجل علي ؟ فقالوا: ما رأيناه، ثم أتاه في العام المقبل ووقته فكان كما كان أولا ثم أتاه في العام الثالث فقال: تسلم أو أكسر هذه العصا ؟ فقال: بهل بهل، فكسر العصائم ؟ خرج فلم يلبث أن وثب عليه ابنه فقتله. قال الاجل المرتضى:

اطَّرَحُوا النهج ولم يحفلوا * بما لكم في محكم الذكر

واستلبوا ارثكم منكم * من غير حق بيد العسر

كسرتم الدين ولم تعلموا * وكسرة الدين بلا جبر

فيالها مظلمة أو لجت * على رسول الله في القبر

وكان يرى النور في آباء النبي صلى الله عليه وآله خلفا عن سلف. لما قصد أبرهة بن الصباح

 

(1) المشيخ بالضم: الجاد والمسرع. (2) الهراوة: العصا. وصاحب الهراوة هو النبي. (3) السماوة: موضع بين الكوفة والشام، وقال الخليل في العين: هي فلاة بالبادية تتصل بالشام. (4) كذا في الاصل ولعل الصحيح ثم فارق سطيح مكانه كناية عن الموت (*).


 

[ 26 ]

لهدم الكعبة أتاه عبد المطلب ليسترد منه إبله فقال: تعلمني (1) في مائة بعير وتترك دينك ودين آبائك وقد جئت لهدمه ! فقال عبد المطلب: أنا رب الابل وان للبيت ربا سيمنعه منك، فرد إليه إبله فانصرف الى قريش فأخبرهم الخبر فأخذ بحلقة الباب قائلا :

يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا

ان عدو البيت من عاداكا * امنعهم أن يحربوا قراكا(2)

وله أيضا:

اللهم ان المرء يمنع رحلة فامنع رحالك * لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدوا محالك

فانجلى نوره على الكعبة فقال لقومه: انصرفوا فو الله ما انجلى من جبيني هذا النور إلا ظفرت والآن قد انجلى عنه وسجد الفيل له فقال للفيل: يا محمود، فحرك الفيل رأسه، فقال له: تدري لم جاؤا بك ؟ فقال الفيل برأسه: لا، فقال: جاؤا بك لتهدم بيت ربك أفتراك فاعل ذلك ؟ فقال الفيل برأشه: لا. وكانت امرأة يقال لها فاطمة بنت مرة قد قرأت الكتب فمر بها عبد الله بن عبد المطلب فقالت: أنت الذي فداك أبوك بمائة من الابل ؟ قال: نعم، فقالت: هل لك أن تقع علي مرة واعطيك من الابل مائة، فنظر إليها وأنشأ:

اما الحرام فالممات دونه * واحل لا حل فاستبينه

فكيف بالامر الذي تبتغينه ومضى مع ابيه فزوجه ابوه آمنة فظل عندها يوما وليلة فحملت بالنبي صلى الله عليه وآله ثم انصرف عبد الله فمر بها فلم يربها حرصا على ما قالت أولا فقال لها عند ذلك مختبرا: هل لك فيما قلت لي فقلت لا ؟ قالت: (قد كان ذلك مرة فاليوم لا) فذهبت كلمتها مثلا ثم قالت: أي شئ صنعت بعدي ؟ قال: زوجني أبي آمنة فبت عندها، فقالت: لله ما زهرية سلبت * ثوبيك ما سلبت وما تدري ثم قالت: رأيت في وجهك نور النبوة فأردت ان يكون في وأبي الله إلا أن يضعه حيث يحب، ثم قالت:

بني هاشم قد غادرت من اخيكم * أمينة إذ للباه يعتلجان (3)

كما غادر المصباح بعد خبوه * فتائل قد ميثت (4) له بدخان

 

(1) الظاهر ان الكلمة محرفة والصحيح فيها تسألني. (2) في نسخة: انهم لم يقهروا قواكا. (3) الباه: الجامعة، ويعتلجان: يتصارعان. (4) مات موثا: خلطه ودافه (*).


 

[ 27 ]

وما كان ما يحوى الفتى من نصيبه * بحرص ولا ما فاته بتواني

ويقال: انه مر بها وبين عينيه غرة كغرة الفرس. وكان عند الاخبار جبة صوف بيضاء قد غمست في دم يحيى بن زكريا، وكانوا قد قرأوا في كتبهم: إذا رأيتم هذه الجبة تقطر دما فاعلموا انه قد ولد أبو السفاك الهتاك، فلما رأوا ذلك من الجبة اغتموا واجتمع خلق على ان يقتلوا عبد الله فوجدوا الفرصة منه لكون عبد المطلب في الصيد فقصدوه فأدرك وهب بن عبد مناف الزهري فجاز منه فنظر الى رجال نزلوا من السماء وكشفوهم عنه فزوج ابنته من عبد الله قال: فمتن من نساء قريش مائتا امرأة غيرة، ويقال: ان عبد الله كان في جبينه نور يتلالا، فلما قرب من حمل محمد لم يطق احد رؤيته وما مر بحجر ولا شجر إلا سجد له وسلم عليه فنقل الله منه نوره يوم عرفة وقت العصر وكان يوم الجمعة الى آمنة وكانت السباع تهرب عن ابي طالب فاستقبله اسد في طريق الطائف وبصبص له وتمرغ قبله فقال أبو طالب بحق خالقك ان تبين لي حالك ؟ فقال الاسد: إنما انت أبو اسد الله ناصر نبي الله ومربيه، فازداد أبو طالب في حب النبي صلى الله عليه وآله والايمان به والاصل في ذلك ان النبي قال: خلقت انا وعلي من نور واحد نسبح الله يمنة العرش قبل ان يخلق الله آدم بألفي عام. الخير. انشد العباس في النبي:

من قبلها طبت في الظلال وفى * مستودع حيث يخصف الورق

ثم هبطت البلاد لا بشر انت * ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفير وقد * الجم نسرا واهله الغرق

تنقل من صالب الى رحم * إذا مضى عام بذا طبق

حتى احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء نحلتها النطق

وانت لما ولدت اشرقت الارض * وضاءت بنورك الافق

فنحن في ذلك الضياء وفى * النور وسبل الرشاد نحترق

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يفضض الله فاك.

 

فصل: في مولده صلى الله عليه وآله

ابان بن عثمان رفعه باسناده قالت آمنة رضى الله عنها لما قربت ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله رأيت جناح طائر ابيض قد مسح على فؤادي فذهب الرعب عني واتيت بشربة بيضاء وكنت عطشى فشربتها فأصابني نور عال، ثم رأيت نسوة


 

[ 28 ]

كالنخل طوالا تحدثني وسمعت كلاما لا يشبه كلام الآدميين حتى رأيت كالديباج الابيض قد ملا بين السماء والارض وقائل يقول: خذوه من أعز الناس، ورأيت رجالا وقوفا في الهواء بأيديهم أباريق ورأيت مشارق الارض ومغاربها ورأيتة علما من سندس على قضيب من ياقوتة قد ضرب بين السماء والارض في ظهر الكعبة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله رافعا اصبعه الى السماء ورأيت سحابة بيضاء تنزل من السماء حتى غشيته، فسمعت نداء: طوفوا بمحمد شرق الارض وغربها والبحار لتعرفوه باسمه ونعته وصورته، ثم انجلت عنه الغامة فإذا أنا به في ثوب أبيض من اللبن وتحته حريرة خضراء وقد قبض على ثلاثة مفاتيح من اللؤلؤ الرطب وقائل يقول: قبض محمد على مفاتيح النصرة والريح والنبوة، ثم اقبلت سحابة اخرى فغيبته عن وجهي أطول من المرة الاولى وسمعت نداء: طوفوا بمحمد الشرق والغرب واعرضوه على روحاني الجن والانس والطير والسباع واعطوه صفاء آدم ورقة نوح وخله ابراهيم ولسان اسماعيل وكمال يوسف وبشرى يعقوب وصوت داود وزهد يحيى وكرم عيسى، ثم انكشف عنه فإذا أنا به وبيده حريرة بيضاء قد طويت طيا شديدا وقد قبض عليها وقائل يقول: قد قبض محمد على الدنيا كلها فلم يبق شئ إلا حل في قبضته، ثم ان ثلاثة نفر كأن الشمس تطلع من وجوههم في يد أحدهم ابريق فضة ونافحة مسك وفي يد الثاني طست من زمردة خضراء لها أربع جوانب من كان جانب لؤلؤة بيضاء وقائل يقول: هذه الدنيا فاقبض عليها يا حبيب الله فقبض على وسطها وقائل يقول: اقبض الكعبة، وفي يد الثالث حريرة بيضاء مطوية فنشرها فأخرج منها خاتما تحار أبصار الناظرين فيه فغسل بذلك الماء من الابريق سبع مرات ثم ضرب الخاتم على كتفيه وتفل في فيه فاستنطقه فنطق فلم أفهم ما قال إلا أنه قال: في أمان الله وحفظه وكلاءته قد حشوت قلبك ايمانا وعلما ويقينا وعقلا وشجاعة أنت خير البشر طوبى لمن اتبعك وويل لمن تخلف عنك، ثم ادخل بين أجنحتهم ساعة وكان الفاعل به هذا رضوان ثم انصرف وجعل يلتفت إليه ويقول: ابشر بعز الدنيا والآخرة ورأيت نورا يسطع من رأسه حتى بلغ السماء ورأيت قصور الشامات كأنه شعلة نار نورا ورأيت حولي من القطاء أمرا عظيما قد نشرت أجنحتها. عبد المطلب: لما انتصف تلك الليلة إذا أنا ببيت الله قد اشتمل بجوانبه الاربعة وخر ساجدا في مقام ابراهيم ثم استوى البيت مناديا: الله أكبر رب محمد المصطفى الآن قد طهرني ربي من أنجاس المشركين وأرجاس الكافرين، ثم انتقضت الاصنام وخرت


 

[ 29 ]

على وجوهها وإذا أنا بطير الارض حاشرة إليها فإذا جبال مكة مشرفة عليها وإذا بسحابة بيضاء بازاء حجرتها فأتيتها وقلت: أنا نائم أو يقظان ؟ قالت: بل يقظان، قلت: فأين نور جبهتك ؟ قالت: قد وضعته وهذه الطير تنازعني أن أدفعه إليها فتحمله الى أعشاشها وهذه السحاب تسألني كذلك، قلت: هاتيه أنظر إليه، قالت: حيل بينك وبينه الى ثلاثة أيام، فسللت سيفي وقلت: لتخرجنه أو لاقتلنك، قالت: شأنك وإياه، فلما هممت أن ألج البيت بدر إلي من داخل البيت رجل وقال لي: ارجع وراءك فلا سبيل لاحد من ولد آدم الى رؤيته أو ان تنقضي زيارة الملائكة، فارتعدت وخرجت. ابن اسحاق قالت آمنة: وسمعت في الضوء نداءا: انك ولدت سيد الناس فقولي أعيذه بالواحد من شر كل حاسد وسميه محمدا واتي به عبد المطلب فوضعه في حجره ثم قال:

الحمد لله الذي أعطاني * هذا الغلام الطيب الاردان

قد ساد في المهد على الغلمان * عوذه الا له بالاركان

حتى أراه مبلغ الغشيان * أعيذه من كل ذي شان

من حاسد ذي طرف العينان (1)

وقال فيه أشعاراً كثيرة. الصادق (ع): اصحبت الاصنام على وجوهها وارتجس ايوان كسرى وسقط منه اربع عشرة شرافة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ولم يبق سرير لملك إلا اصبح منكوسا والملك مخرسا لا يتكلم يومه ذلك وانتزع علم الكهنة وبطل سحر السحرة ولم تبق كاهنة في العرب إلا حجبت عن عن صاحبها. قال القيرواني:

وصرح كسرى تداعى من قواعده * وانغاض منكسر الاوداج ذا ميل ونار

فارس لم توقد وما خمدت * مذ الف عام ونهر القوم

لم يسل خرت لمبعثه الاوثان وانبعثت * ثواقب الشهب ترمي الجن بالشعل

الصادق (ع): ورأى الموبدان (2) في تلك الليلة في المنام إبلا صعابا تقود خيلا

 

(1) كذا وجدنا الابيات في الاصل. (2) الموبدان بفتح الباء: ففيه الفرس وحاكم المجوس كالمؤبد. قال الجزائري: الموبدان المجوس كقاضي القضاة المسلمين (*).


 

[ 30 ]

عرابا حتى عبرت دجلة وانسربت في بلادهم وانقصم طاق كسرى من وسطه وانحراف عليه دجلة وانتشر في تلك الليلة نور من قبل الحجاز ثم استطال حتى بلغ المشرق. علي بن ابراهيم بن هاشم عن رجاله قال: كان بمكة يهودي يقال له يوسف فلما رأى النجوم تقذف وتتحرك ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله قال: نجد في كتبنا انه إذا ولد آخر الانبياء رجمت الشياطين وحجبوا عن السماء، فلما اصبح كان يتجسس عن المولود فدل على عبد المطلب فأتاه فلما نظر الى عينيه وكشف عن كتفيه وعليها شعرات وقع مغشيا عليه فقال: ذهبت النبوة عن بني اسرائيل، فتعجب منه قريش وضحكوا منه فقال: هذا نبي السيف ليبتزنكم. الصادق (ع): كان ابليس يخترق السماوات السبع فلما ولد عيسى حجب عن ثلاث سماوات وكان يخترق اربع سماوات فلما ولد رسول الله حجب عن السماوات كلها ورميت الشياطين بالنجوم وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنا نسمع اهل الكتب يذكرونه، فقال عمرو بن امية: ان كان رمى بما تهتدون بها فهو هلاك كل شئ وان كانت تثبت ورمى بغيرها فهو أمر حدث. وسئل خطر بن مالك الكاهن عن علة النجوم التي ترمى بها ؟ فقال: اصابه اصابه بأمره عقابه، انه من هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالمكاحم، وقتل كل ظالم. فقال فيه النبي: وانه ليحشر امة وحده. كعب: بلغني انه ما بقى يومئذ جبل إلا نادى صاحبه بالبشارة وخضعت كلها لابي قبيس ولقد قدست الاشجار اربعين يوما بأنواع افنائها وثمارها ولقد ضرب بين السماء والارض اربعين عمودا في انواع الانوار وان الكوثر اضطرب في الجنة فرمى بسبعمائة الف قصر من قصور الدر والياقوت نثارا له ولقد ضحت الجنة فهي ضاحكة ابدا. الصادق (ع)): صاح ابليس في أبا لسته فاجتمعوا له فقال: انظروا لقد حدث الليلة حدث ما حدث مثله رفع عيسى، فافترقوا ثم اجتمعوا إليه فقالوا: ما وجدنا شيئا، فقال ابليس: أنا لهذا الامر، ثم انغمس في الدنيا فجالها حتى انتهى الى الحرم فوجد الحرم محفوظا بالملائكة فذهب ليدخل فصاحوا به فقال له جبرئيل: ما وراك ؟ قال: حرف اسألك عنه ما هذا الحدث الليلة ؟ فقال: ولد محمد، فقال: هل لي فيه نصيب ؟ قال: لا، قال: ففي امته ؟ قال: نعم، قال: رضيت. وهب: ولقد ذم ابليس وغل والقي في الحصن اربعين يوما وغرق اربعين يوما


 

[ 31 ]

ولقد تنكست الاصنام كلها فصاحت وولولت ولقد سمعوا صوتا من الكعبة قال: يا قريش جاءكم النذير معه عز الابد والربح الاكبر وهو خاتم الانبياء. أمير المؤمنين (ع): لما ولد رسول الله (ص) القيت الاصنام في الكعبة على وجوهها فلما أمسى سمع صيحة من السماء: جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا وورد انه أضاء تلك الليلة جميع الدنيا وضحك كل حجر ومدر وشجر وسبح كل شئ في السماوات والارض لله عزوجل وانهزم الشيطان وهو يقول: خير الامم واكرم العبيد واعظم العالم محمد. محمد المفضل بن عمر: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: لما ولد رسول الله صلى الله عليه وآله فتح لآمنة بياض فارس وقصور الشام فجاءت فاطمة بنت أسد الى ابي طالب ضاحكة مستبشرة فأعلمته ما قالته آمنة فقال لها أبو طالب: وتتعجبين من هذا انك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره. وفي رواية ابن مسكان فقال لها أبو طالب: اصبري لي سبتا آتيك بمثله إلا النبوة وقالوا السبت ثلاثون سنة. قال أبو المظفر الابيوردي:

من دوحة بسقت لا الفرع مؤتشب (1) * منها ولا عرقها في الحي مدخول

أني بمكه ابراهيم والده * قرم على كرم الاخلاق مجبول

وقال غيره:

لقد طابت الدنيا بطيب محمد * وزيدت به الايام حسنا على حسن

لقد فك اغلال العتاة محمد * وانزال اهل الخوف في كنف الامن

 

فصل: في منشه ؟ صلى الله عليه وآله :

ابانة بن بطة (2) قال: ولد النبي صلى الله عليه وآله مختونا مسرورا فحكى ذلك عنده جده عبد المطلب فقال: ليكونن لابني هذا شان. كافي الكليني، الصادق (ع): لما ولد النبي صلى الله عليه وآله مكث اياما ليس له لبن فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل الله فيه لبنا فرضع منه اياما حتى وقع أبو طالب على حليمة (3) فدفعه إليها.

 

(1) مؤتشب بالفتح: غير صريح في نسبه.

(2) ابن بطة: الظاهر هنا هو أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان بن بطة العكبري الحنبلي صاحب الابانة توفي سنة 387 ه‍ـ.

(3) هي حليمة السعدية حاضنة النبي التي اشتهرت بالعفة والطهارة (*).


 

[ 32 ]

ذكرت حليمة بنت ابي ذؤيب عبد الله بن الحرث من مضر زوجة الحرث بن عبد العزى المضري ان البوادي اجذبت وحملنا الجهد على دخول البلد فدخلت مكة ونساء بنى سعد قد سبقن الى مراضعهن فسألت مرضعا فدلوني على عبد المطلب وذكر ان له مولودا يحتاج الى مرضع له فأتيت إليه فقال: يا هذه عندي بني لي يتيم اسمه محمد (1) فحملته ففتح عينيه لينظر إلي بهما فسطع منهما نور فشرب من ثديي الايمن ساعة ولم يرغب في الايسر اصلا واستعمل في رضاعه عدلا فناصف فيه شريكه واختار اليمين وكان ابني لا يشرب حتى يشرب رسول الله فحملته على الانان وكانت قد ضعفت عند قدومي مكة فجعلت تبادر وسائر الحمر (2) اسراعا وقوة ونشاطا واستقبلت الكعبة وسجدت لها ثلاث مرات وقالت: برئت من مرضي وسلمت من غثي وعلي سيد المرسلين وخاتم النبيين وخير الاولين والآخرين، فكان الناس يعجبون منها ومن سمني وبرائي ودر لبني فلما انتهينا الى غار خرج رجل يتلالا نوره الى عنان السماء وسلم عليه وقال: ان الله تعالى وكلني برعايته، قابلنا ظباء وقلن: يا حليمة لا تعرفين من تربين هو اطيب الطيبين واطهر الطاهرين وما علونا قلعة ولا هبطنا واديا إلا سلموا عليه فعرفنا البركة والزيادة في معاشنا ورياشنا حتى اثرينا وكثرت مواشينا واموالنا ولم يحدث في ثيابه ولم تبدر عورته ولم يحتج في يوم إلامرة وكان مسرورا مختونا وكنت أرى شابا على فراشه يعدله ثيابه فربيته خمس سنين ويومين فقال لي يوما اين يذهب اخواني كل يوم ؟ قلت: يرعون غنما، فقال: انني اليوم ارافقهم، فلما ذهب معهم اخذه ملائكة وعلوه على قلة جبل وقاموا بغسله وتنظيفه فأناني ابني وقال: ادركي محمدا فانه قد سلب، فأتيته فإذا هو بنور ساطع في السماء فقبلته وقلت: ما أصابت ؟ قال: لا تحزني ان الله معنا وقص عليها قصة فانتشر منه فوح مسك أذفر وقال الناس: غلبت عليه الشياطين، وهو يقول: ما اصابني شئ وما علي من بأس فرآه كاهن وصاح وقال: هذا الذي يقهر الملوك ويفرق العرب. وروي عن حليمة انه جلس محمد وهو ابن ثلاثة اشهر ولعب مع الصبيان وهو ابن تسعة وطلب منى ان يسير مع الغنم يرعى وهو ابن عشرة وناضل الغلمان بالنبل وهو ابن خمسة عشر وصارع الغلمان وهو ابن ثلاثين ثم اوردته الى جده. ابن عباس: انه كان يفرب الى الصبيان يصبحهم فيختلسون ويكف ويصبح

 

(1) في رواية البحار: اسمه أحمد. (2) الحمر بالضم: جمع حمار (*). " المناقب ج 1، م 4 "


 

[ 33 ]

الصبيان غمصا (1) ورمصا ويصبح صقيلا دهينا. ونادى شيخ على الكعبة: يا عبد المطلب ان حليمة امرأة عربية وقد فقدت ابنها واسمه محمد فغضب عبد المطلب وكان إذا غضب خاف الناس منه فنادى: يا بني هاشم ويا بني غالب اركبوا فقد محمد، وحلف أن لا أنزال حتى أجد محمدا أو أقتل ألف أعرابي ومائة قرشي وكان يطوف حول الكعبة وينشد أشعارا منها:

يا رب رد راكبي محمدا * رد إلي واتخذ عندي يدا

يا رب ان محمدا لن يوجدا * تصبح قريش كلهم مبددا

فسمع نداء: ان الله لا يضيع محمدا، فقال: أين هو ؟ قال: في وادي فلان تحت شجرة ام غيلان (2). قال ابن مسعود: فأتينا الوادي فرأيناه يأكل الرطب من ام غيلان وحوله شابان فلما قربنا منه ذهب الشابان وكانا جبرائيل وميكائيل عليهما السلام فسألناه من أنت وماذا تصنع ؟ قال: أنا ابن عبد الله بن عبد المطلب، فحمله عبد المطلب على عنقه وطاف به حول الكعبة وكانت النساء اجتمعن عند آمنة على مصيبته فلما رآها تمسك بها وما التفت الى أحد وكان عبد المطلب أرسل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله الى رعاية في إبل قد ندت له بجمعها فلما أبطأ عليه أنفذر وراءه في كل طريق وكل شعب وأخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول: (يا رب ان صغوا بهلك آلك أن تفعل فأمر ما بدالك) فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله بالابل فلما رآه أخذه فقبله فقال: بأبي لا وجهتك بعد هذا في شئ فاني أخاف أن تغتال فتقتل. عكرمة: كان يوضع فراش لعبد المطلب في ظل الكعبه ولا يجلس عليه أحد إلا هو إجلالا له وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج فكان رسول الله يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه فقال لهم عبد المطلب: دعوا ابني فوالله ان له لشأنا عظيما اني أرى انه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم اني أرى عزته عزة تسود الناس، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله ويوصيه الى أبى طالب (3)

 

(1) قال الجزري في النهاية في حديث المولود: انه كان يتيما في حجر أبي طالب وكان يقرب الى الصبيان تصبيحهم فيختلسون فيكف على غدائهم. (2) الغيلان بالفتح: ضرب من الغضاة والغضا شجر. (3) هذا الكلام منقول من اكمال الدين بتلخيص يسير (*).


 

[ 34 ]

القاضى المعتمد (1) في تفسيره عن ابن عباس انه وقع بين أبي طالب وبين يهودي كلام وهو بالشام فقال اليهودي: لم تفخر علينا وابن أخيك بمكة يسأل الناس، فغضب أبو طالب وترك تجارته وقدم مكة فرأى غلمانا يلعبون ومحمد فيهم مختل الحال فقال له: يا غلام من أنت ومن أبوك ؟ قال: أنا محمد بن عبد الله أنا يتيم لا أب لي ولا ام، فعانقه أبو طالب وقبله ثم ألبسه جبة مصرية ودهن رأسه وشد دينارا في ردائه ونشر قبله تمرا فقال: يا غلمان هلموا فكلوا، ثم أخذ أربع تمرات الى ام كبشة وقص عليها فقالت: فلعله أبوك أبو طالب، قال: لا أدري رأيت شيخا بارا، إذ مر أبو طالب فقالت: يا محمد كان هذا ؟ قال: نعم، قالت: هذا أبوك أبو طالب، فأسرع إليه النبي صلى الله عليه وآله وتعلق به وقال: يا أبه الحمد لله الذي أرانيك لا تخلفني في هذه البلاد، فحمله أبو طالب. الاوزاعي (2): كان النبي صلى الله عليه وآله في حجر عبد المطلب فلما أتي عليه اثنان ومائة سنة ورسول الله ابن ثمان سنين جمع بنيه وقال: محمد بتيم فآووه وعائل فأغنوه احفظوا وصيتي فيه، فقال أبو لهب: أنا له، فقال: كف شرك عنه، فقال العباس: أنا له، فقال: أنت غضبان لعلك تؤذيه، فقال أبو طالب: انا له، فقال: أنت له يا محمد أطع له، فقال رسول الله: يا أبه لا تحزن فان لي ربالا يضيعني، فأمسكه أبو طالب في حجره وقام بأمره يحميه بنفسه وماله وجاهه في صغره من اليهود المرضدة له بالعداوة ومن غيرهم من بني أعمامه ومن العرب قاطبة الذين يحسدونه على ما آتاه الله من النبوة، وأنشأ عبد المطلب:

اوصيك يا عبد مناف بعدي * بموحد بعد أبيه فرد

وقال:

وصيت من كفيته بطالب * عبدمناف وهو ذو تجارب

يابن الحبيب أكرم الاقارب * يابن الذي قد غاب غير آيب

فتمثل أبو طالب وكان سمع من الراهب وصفه:

لا توصني بلازم وواجب * اني سمعت أعجب العجائب

من كل حبر عالم وكاتب * بان بحمد الله قول الراهب

 

(1) هو القاضي عبد العزيز بن نحرير ؟ المكنى بابن البراج صاحب المهذب والمعتمد وغيرهما. كان قاضيا بطرابلس يذكره ابن شهر اشوب في رجاله كما في أمل الآمل. (2) هو عبد الرحمن بن أبي عمرو الاوزاعي الفقيه ثقة جليل من السابعة توفي سنة 157 ه‍ (*).


 

[ 35 ]

أبو سعيد الواعظ في كتاب شرف المصطفى انه لما حضرت عبد المطلب الوفاة دعا ابنه أبا طالب فقال له: يا بني قد علمت شدة حبي لمحمد ووجدي به أنظر كيف تحفظني فيه ؟ قال أبو طالب: يا أبه لا توصني بمحمد فانه ابني وابن أخي، فلما توفي عبد المطلب كان أبو طالب يؤثره بالنفقة والكسوة على نفسه وعلى جميع أهله. ابن عباس قال أبو طالب لاخيه: يا عباس أخبرك عن محمد اني ضممته فلما افارقه ساعة من ليل أو نهار فلم أأتمن أحدا حتى نومته في فراشي فأمرته أن يخلع ثيابه وينام معي فرأيت في وجهه الكراهيه فقال: يا عماه اصرف بوجهك عني حتى أخلع ثيابي وأدخل فراشي، فقلت له: ولم ذاك ؟ فقال: لا ينبغي لاحد أن ينظر الى جسدي فتعجبت من قوله وصرفت بصري عنه حتى دخل فراشه فإذا دخلت أنا الفراش إذا بينه وبيني ثوب والله ما أدخلته في فراشي فأمسه فإذا هو ألين ثوب ثم شممته كأنه غمس في مسك وكنت إذا أصبحت فقدت فكان هذا دأبي ودأبه وكنت كثيرا ما أفتقده في فراشي فإذا قمت لاطلبه بادرني من فراشي ها أنا ذا يا عم فارجع الى مكانك وكان النبي صلى الله عليه وآله يأتي زمزم فيشرب منها شربة فربما عرض عليه أبو طالب الغدا فيقول لا أريده أنا شبعان وكان أبو طالب إذا أراد أن يعشي أولاده أو يغديهم يقول كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله فيأكل معهم فيبقى الطعام. القاضي المعتمد في تفسيره قال أبو طالب: لقد كنت كثيرا ما أسمع منه إذا ذهب من الليل كلاما يعجبنى وكنا لا نسمي على الطعام ولا على الشراب حتى سمعته يقول: بسم الله الاحد، ثم يأكل فإذا فرغ من طعامه قال: الحمد لله كثيرا. فتعجبت منه وكنت ربما أتيت غفلة فأرى من لدن رأسه نورا ممدودا قد بلغ السماء ثم لم أرمنه كذبة قط ولا جاهلية قط ولا رأيته بضحك في غير موضع الضحك ولا مع الصبيان في لعب ولا التفت إليهم وكانت الوحدة أحب إليه والتواضع. وكان النبي ابن سبع سنين فقالت اليهود: وجدنا في كتبنا ان محمدا يجنبه ربه من الحرام والشبهات فجربوه، فقدموا الى أبي طالب دجاجة مسمنة فكانت قريش يأكلون منها والرسول صلى الله عليه وآله تعدل يده عنها فقالوا: مالك ؟ قال: أراها حراما يصوننى ربي عنها، فقالوا: هي حلال فنلقمك، قال: فافعلوا إن قدرتم، فكانت أيديهم تعدل بها الى الجهات فجاؤه بدجاجة اخرى قد أخذوها لجار لهم غائب على أن يؤدوا ثمنها إذا جاء فتناول منها لقمة فسقطت من يده فقال صلى الله عليه وآله: وما أراها إلا من شبهة يصوننى ربي عنها، فقالوا: نلقمك منها، فكلما تناولوا منها ثقلت أيديهم فقالوا لهذا شأن عظيم


 

[ 36 ]

ولما ظهر امره صلى الله عليه وآله عاداه أبو جهل وجمع صبيان بنى مخزوم فقال: أنا أميركم، وانعقد صبيان بنى هاشم وبنى عبد المطلب على النبي وقالوا: أنت الامير، قالت ام علي (ع) وكان في صحن داري شجرة قد يبست وخاست ولها رمان يابسة فأتى النبي يوما الى الشجرة فمسها بكفه فصارت من وقتها وساعتها خضراء وحملت الرطب فكنت في كل يوم أجمع له الرطب في دوخلة (1) فإذا كان وقت ضاحي النهار يدخل فيقول يا اماه اعطيني ديوان العسكر فكان يأخذ الدوخلة ثم يخرج ويقسم الرطب على صبيان بنى هاشم، فلما كان بعض الايام دخل وقال: يا اماه اعطيني ديوان العسكر، فقلت يا ولدي اعلم ان النخلة ما أعطتنا اليوم شيئا، قالت: فوحق نور وجهه لقد رأيته وقد تقدم نحو النخلة وتكلم بكلمات وإذا بالنخلة قد انحنت حتى صار رأسها عنده فأخذ من الرطب ما أراد ثم عادت النخلة الى ما كانت، فمن ذلك اليوم قلت: اللهم رب السماء ارزقني ولدا ذكرا يكون أخا لمحمد ففي تلك الليلة واقعنى أبو طالب فحملت بعلي بن أبي طالب فرزقته فما كان يقرب صنما ولا يسجد لوثن كل ذلك ببركة محمد. المفسرون عن عبد الله بن عباس في قوله تعالى (لايلاف قريش) انه كانت لهم في كل سنة رحلتان باليمن والشام، وكان من وقاية أبي طالب انه عزم على الخروج في ركب من قريش الى الشام تاجرا سنة ثمان من مولده صلى الله عليه وآله أخذ النبي بزمام ناقته وقال: يا عم على من تخلفنى ولا أب لي ولا ام ؟ وكان قيل لي (2) ما يفعل به في هذا الحر وهو غلام صغير فقال: والله لاخرجن به ولا افارقه أبدا. وفي رواية الطبري ضب به رسول الله صلى الله عليه وآله فرق له أبو طالب فخشيت له خشية (3) وكانوا ركبانا كثيرا فكان والله البعير الذي كان عليه محمد أمامي ولا يفارقنى ويسبق الركب كلهم وكانت سحابة بيضاء مثل الثلج تظله وربما أمطرت علينا أنواع الفواكه، وكان يكثر الماء وتخضر الارض، وكان وقف جمال قوم فمشى إليها ومسح عليها فسارت فلما قربنا من بصرى إذا نحن بصومعة تمشي كما تمشي الدابة السريعة حتى إذا قربت منا وقفت وإذا فيها راهب، فلما نظر الى النبي صلى الله عليه وآله قال: ان كان أحد فأنت أنت قال: فنزلنا تحت شجرة عظيمة قليلة الاغصان ليس لها حمل فاهتزت الشجرة وألقت أغصانها عليه وحملت ثلاثة أنواع فاكهتين للصيف وفاكهة للشتاء فجاء بحيراء بطعام

 

(1) الدوخلة بالتشديد: كالزمبيل. (2) هكذا في الاصل والصحيح قيل له: (3) الظاهر في العبارة: قال فحشوت له حشية (*).


 

[ 37 ]

يكفي النبي صلى الله عليه وآله وقال: من يتولى أمر هذا الغلام ؟ فقلت: أنا، قال: أي شئ تكون منه ؟ قلت: أنا عمه، فقال: له أعمام أيهم أنت ؟ قلت: أنا أخو أبيه من أم واحدة، فقال: أشهد انه هو وإلا فلست بحيراء، فأذن في تقريب الطعام فقلت: رجل أحب أن يكرمك فكل، فقال: هو لي من دون أصحابي ؟ قال: هو لك خاصة فقال: فاني لا آكل دون هؤلاء، فقال له: انه لم يكن عندي أكثر من هذا، قال أفتأذن أن يأكلوا معي ؟ قال بلى، قال: كلوا بسم الله، فأكل وأكلنا معه فو الله لقد كنا مائة وسبعين رجلا فأكل كل واحد منا حتى شبع وتجشأ وبحيراء على رأسه يذب عن النبي صلى الله عليه وآله ويتعجب من كثرة الرجال وقلة الطعام وفي كل ساعة يقبل يافوخه ويقول: هو هو ورب المسيح، فقالوا له: ان لك لشأنا، قال: إني لارى ما لا ترون وأعلم ما لا تعلمون وان تحت هذه الشجرة لغلاما لو أنتم تعلمون منه ما أعلم لحملتموه على أعناقكم حتى تردوه الى وطنه ولقد رأيت له وقد أقبل نورا أمامه ما بين السماء والارض ولقد رأيت رجالا في أيديهم مراوح الياقوت والزبرجد يروحونه وآخرين ينثرون عليه انواع الفواكه ثم هذه السحابة لا تفارقه ثم صومعتي مشت إليه كما تمشي الدابة على رجلها ثم هذه الشجرة لم تزل يابسة قليلة الاغصان وقد كثرت اغصانها واهتزت وحملت ثلاثة انواع من الفواكه ثم فاضت هذه الحياض بعد ما غارت في ايام الحواريين، ثم قال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى عن ثلاث، فقال: والله ما أبغضت شيئا كبغضي إياهما، فسأله بالله عن حاله ونومه وهيئته ثم نظر الى خاتم النبوة فجعل يقبل رجليه فقال لابي طالب: ما هو منك ؟ قال: ابني، قال: ما هو بابنك ولا ينبغي ان يكون ابوه حيا. فقال: انه ابن أخي مات أبوه وهو صغير، فقال: صدقت الآن فارجع به الى بلده واحذر عليه اليهود والله لئن عرفوا منه ما عرفت ليقتلنه وان لابن اخيك لشأنا عظيما فقال: ان كان الامر كما وصفت فهو في حصن الله، وفي ذلك يقول أبو طالب وقد أوردها محمد بن اسحاق:

ان ابن آمنة النبي محمدا * عندي بمثل منازل الاولاد

لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلصن بالازواد

فارفض من عينى دمع ذارف * مثل الجمان مفرد الافراد

راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الاجداد

وأمرته بالسير بين عمومه * بيض الوجوه مصاله الانجاد


 

[ 38 ]

حتى إذا ما القوم بصرى(1) عاينوا * لاقوا على شرف من المرصاد

حبرا فأخبرهم حديثا صادقا * عنه ورد معاشر الحساد

بكر بن عبد الله الاشجعي: ان أبا المويهب الراهب (2) سأل عبد مناف بن كنانة ونوفل بن معاوية بالشام: هل قدم معكما غيركما من الشام ؟ قالا: نعم شاب من بنى هاشم اسمه محمد، قال: إياه أردت، قالوا: انه يتيم أبي طالب أجير خديجة، فأخذ يحرك رأسه ويقول: هو هو فدلاني عليه، فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم رسول الله فقال: هو هو، فخلا به يناجيه ويقبل بين عينيه وأخرج شيئا من كمه ليعطيه والنبي صلى الله عليه وآله يأبى ان يقبله فلما فارقه قال: هذا نبي آخر الزمان سيخرج عن قريب ثم قال هل ولد لعمه ابي طالب علي ؟ فقلنا: لا، فقال: هذه سنته وهو أول من يؤمن به وانا لنجد صفته عندنا بالوصية كما نجد صفة محمد بالنبوة، الخبر. يعلى بن سيابه قال: حكى خالد بن اسيد بن أبي العاص وطليق بن ابي صفيان بن أمية انهما كانا مع النبي صلى الله عليه وآله في سفر ولما قربنا من الشام رأينا والله قصور الشامات كلها قد اهتزت وعلا منها نور اعظم من نور الشمس فلما توسطنا الشام ما قدرنا ان تجوز السوق من ازدحام الناس ينظرون الى النبي صلى الله عليه وآله فجاء حبر عظيم اسمه نسطور فجلس بحذائه ينظر إليه فقال لابي طالب: ما اسمه قال: محمد بن عبد الله، فتغير لونه ثم قال: اريداكشف ظهره، فلما كشف رأى الخاتم فانكب عليه يقبله ويبكي وقال اسرع برده الى موضعه فما اكثر عدوه في ارضنا، فلم يزل يتعاهدنا في كل يوم واتاه بقميص فلم يقبله فأخذه أبو طالب مخافة ان يغتم الرجل. وزوج أبو طالب خديجة من النبي صلى الله عليه وآله وذلك ان نساء قريش اجتمعن في المسجد في عيد فاذاهن بيهودي يقول: ليوشك ان يبعث فيكن نبي فأيكن استطاعت ان تكون له ارضا يطأها فلتفعل، فحصبنه (3) وقر ذلك القول في قلب خديجة وكان النبي صلى الله عليه وآله قد استأجرته خديجة على ان تعطيه بكرين ويسير مع غلامها ميسرة الى الشام فلما أقبلا في سفرها نزل النبي تحت شجرة فرآه راهب يقال له نسطور فاستقبله وقبل يديه ورجليه وقال: اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله لما رأى منه علامات وانه نزل تحت الشجرة، ثم قال لميسرة: طاوعه في اوامره ونواهيه

 

(1) الظاهر اسقاط الالف واللام فتكون: قوم بصرى. (2) قصة أبي مويهب هذه ملخصة أيضا عن اكمال الدين للصدوق. (3) أي رمينه بالحصياء وهو الحصاء الصغار (*).


 

[ 39 ]

فانه نبى والله ما جلس هذا المجلس بعد عيسى احد غيره ولقد بشر به عيسى (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد وهو يملك الارض بأسرها) وقال ميسرة: يا محمد لقد جزنا عقبات بليلة كنا نجوزها بأيام كثيرة وربحنا في هذه السفرة ما لم تربح من اربعين سنة ببركتك يا محمد فاستقبل بخديجة وابشرها بربحنا، وكانت وقتئذ جالسة على منظرة لها فرأت راكبا على يمينه ملك مصلت سيفه وفوقه سحابة معلق عليها قنديل من زبرجدة وحوله قبة من ياقوتة حمراء فظنت ملكا يأتي بخطبتها وقالت اللهم إلي والى دارى، فلما أتى كان محمدا وبشرها بالارباح فقالت: واين ميسرة ؟ قال: يقفو اثري، قالت: فارجع إليه وكن معه، ومقصودها لتستيقن حال السحابة فكانت السحابة تمر معه فأقبل ميسرة الى خديجة واخبرها بحاله وقال لها: اني كنت آكل معه حتى نشبع ويبقى الطعام بحاله كما هو وكنت ارى وقت الهاجرة ملكين يظللانه فدعت خديجة بطبق عليه رطب ودعت رجالا ورسول الله صلى الله عليه وآله فأكلوا حتى شبعوا ولم ينقص شيئا فأعتقت ميسرة واولاده واعطته عشرة آلاف درهم لتلك البشارة ورتبت الخطبة من عمرو بن اسد عمها. قال النسوي في تاريخه: أنكحه إياها ابوها خويلد بن اسد، فخطب أبو طالب بما رواه الخركوشي في شرف المصطفى، والزمخشري في ربيع الابرار وفى تفسيره الكشاف، وابن بطة في الابانة، والجويني في السير عن الحسن، والواقدي وابى صالح والعتبي، فقال: الحمد لله الذي جعلنا من زرع ابراهيم الخليل ومن ذرية الصفي وضئضئ (1) معد وعنصر مضر وجعلنا حضنة بيته وسواس حرمه وجعل مسكننا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا الحكام على الناس ثم ابن اخي هذا محمد بن عبد الله لا يوازن برجل من قريش إلا رجح به ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه وان كان في المال مقلا فان المال ورق (2) حائل (3) وظل زائل، وله والله خطب عظيم ونبأ شائع، وله رغبة في خديجة ولها فيه رغبة فزوجوه، والصداق ما سألتموه من مالي عاجله وآجله. فقال خويلد: زوجناه ورضينا به. وروي انه قال بعض قريش:

 

(1) الضئضئ: الاصل، يقال: ضئضئ صدق وضؤضؤ صدق، وحكى بعضهم ضئضئ بوزن قنديل. وفي النهاية في حديث الخوارج: يخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. (2) الورق مثلثة: كجبل المال من ابل ودراهم وغيرها. (3) حائل: أي متغير (*).


 

[ 40 ]

يا عجباه أيمهر النساء الرجال ! فغضب أبو طالب وقال: إذا كانوا مثل ابن اخي هذا طلبت الرجال بأغلى الاثمان وإذا كانوا امثالكم لم يزوجوا إلا بالمهر الغالي، فقال من قريش يقال له عبد الله بن غنم:

هنيئا مريئا يا خديجة قد جرت * لك الطير فيما كان منك بأسعد

تزوجته خير البرية كلها * ومن ذا الذي في الناس مثل محمد

وبشر به المرءان عيسى بن مريم * وموسى بن عمران فيا قرب موعد

أقرت به الكتاب قدما بأنه * رسول من البطحاء هاد ومهتدي

 

فصل: في مبعث النبي صلى الله عليه وآله

(يا ايها النبي انا ارسلناك بالحق هو الذي ارسل رسوله ما كان محمد أبا احد) ارسله الله تعالى بعد اربعين سنة من عمره حين تكامل بها واشتد قواه ليكون متهيبا ومتأهبا لما انذر به، ولبعثته درجات (اولها) الرؤيا الصادقة (والثانية) ما رواه الشعبي وداود بن عامر ان الله تعالى قرن جبرئيل بنبوة نبيه ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه ويعلمه الشئ بعد الشئ ولا ينزل عليه القرآن، فكان في هذه المدة مبشرا غير مبعوث الى الامة (والثالثة) حديث خديجة وورقة بن نوفل (والرابعة) امره بتحديث النعم فأذن له في ذكره دون انذاره قوله (واما بنعمة ربك فحدث) أي بما جاءك من النبوة (والخامسة) حين نزل عليه القرآن بالامر والنهي فصار به مبعوثا ولم يؤمر بالجهر ونزل (يا ايها المدثر) فأسلم علي وخديجة ثم زيد ثم جعفر (والسادسة) امر بأن يعم بالانذار بعد خصوصه ويجهر بذلك ونزل (واصدع بما تؤمر) قال ابن اسحاق: وذلك بعد ثلاث سنين من مبعثه ونزل (وانذر عشيرتك الاقربين) فنادى: يا صباحاه (1) (والسابعة) العبادات لم يشرع منها مدة مقامه بمكة إلا الطهارة والصلاة وكانت فرضا عليه وسنة لامته، ثم فرضت الصلوات الخمس بعد اسرائه، وذلك في السنة التاسعة من نبوته، فلما تحول الى المدينة فرض صيام شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة في شعبان وحولت القبلة وفرض زكاة الفطر

 

(1) واصباحاه كلمة بقولها المستغيث وأصلها إذا صاحوا للغارة لانهم أكثر ما كانوا يغيرون عند الصباح، ويسمون يوم الغارة يوم الصباح، فكأن القائل: واصباحاه أويا صباحاه، يقول: قد غشينا العدو (*). " مناقب ج 1، م 5 "


 

[ 41 ]

وفرض فيها صلاة العيد، وكان فرض الجمعة في اول الهجرة بدلا من صلاة الظهر ثم فرضت زكاة الاموال ثم الحج والعمرة والتحليل والتحريم والخطر والاباحة والاستحباب والكراهة ثم فرض الجهاد ثم ولايه أمير المؤمنين (ع) ونزل (اليوم أكملت لكم دينكم). وأما كيفية نزول الوحي فقد سأله الحرث بن هشام: كيف يأتيك الوحي ؟ فقال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده على فيفصم عني فقد وعيت ما قال وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول. وروي انه كان إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه دوي كدوي النحل. وروي انه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وان جبينه لينفصد عرقا. وروي انه كان إذا نزل عليه الوحي كرب (1) لذلك ويربد وجهه ونكس رأسه ونكس أصحابه رؤسهم منه، ومنه يقال: برحاء الوحي (2). قال ابن عباس: كان النبي إذا نزل عليه القرآن تلقاه بلسانه وشفتيه كان يعالج من ذلك شدة فنزل (لا تحرك به لسانك) وكان إذا نزل عليه الوحي وجد منه ألما شديدا ويتصدع رأسه ويجد ثقلا قوله تعالى (انا سنلقي عليك قولا ثقيلا) وسمعت مذاكرة انه نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله ستين الف مرة. علي بن ابراهيم بن هاشم القمي في كتابه: ان النبي صلى الله عليه وآله لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، فينكر ذلك، فلما طال عليه الامر كان يوما بين الجبال يرعى غنما لابي طالب، فنظر الى شخص يقول: يا رسول الله، فقال له: من أنت ؟ قال: أنا جبرئيل أرسلني الله اليك ليتخذك رسولا فأخبر النبي خديجة بذلك فقالت: يا محمد أرجو أن يكون كذلك، فنزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماء من السماء وعلمه الوضوء والركوع والسجود، فلما تم له أربعون سنة علمه حدود الصلاة ولم ينزل عليه أوقاتها فكان يصلي ركعتين ركعتين في كل وقت أبو ميسرة وبريدة: ان النبي صلى الله عليه وآله كان إذا انطلق بارزا سمع صوتا: يا محمد، فيأتي خديجة فيقول: يا خديجة قد خشيت أن يكون خالط عقلي شئ اني إذا خلوت أسمع صوتا وأرى نورا.

 

(1) كرب: تغير الى الغبرة. (2) في النهاية: البرح الشدة، ومنه الحديث: فأخذه البرحاء، أي شدة الكرب من ثقل الوحي (*).


 

[ 42 ]

محمد بن كعب وعائشة: أول ما بدأ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة وكان يرى الرؤيا فتأتيه مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلا فكان يخلو بغار حري (1) فسمع نداء: يا محمد، فغشى عليه، فلما كان اليوم الثاني سمع مثله نداء فرجع الى خديجة فقال زملوني زملوني فوالله لقد خشيت على عقلي، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا انك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فانطلقت خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل فقال ورقة: هذا والله الناموس الذي انزل على موسى وعيسى وانى أرى في المنام ثلاث ليال ان الله أرسل في مكة رسولا اسمه محمد وقد قرب وقته وقد قرب وقته ولست أرى في الناس رجلا أفضل منه، فخرج الى حرى فرأى كرسيا من ياقوتة حمراء مرقاة من زبرجد ومرقاة من لؤلؤ، فلما رأى ذلك غشى عليه فقال ورقة: يا خديجة فإذا أتته الحالة فاكشفي عن رأسك فان خرج فهو ملك وإن بقى فهو شيطان، فنزعت خمارها فخرج الجائي فلما اختمرت عاد، فسأله ورقة عن صفة الجائي فلما حكاه قام وقبل رأسه وقال: ذاك الناموس الاكبر الذي نزل على موسى وعيسى، ثم قال: ابشر فانك أنت النبي الذي بشر به موسى وعيسى وانك نبي مرسل ستؤمر بالجهاد وتوجه نحوها وأنشأ يقول:

فان يك حقا يا خديجة فاعلمي * حديثك إيانا فأحمد مرسل

وجبربل يأتيه وميكال معهما * من الله وحي يشرح الصدر منزل

يفوز به من فاز عزا لدينه * ويشقى به الغاوي الشقي المضلل

فريقان منهم فرقة في جنانه * واخرى بأغلال الجحيم تغلل

ومن قصيدة له:

يا للرجال لصرف الدهر والقدر * وما لشئ قضاه الله من غير

حتى خديجة تدعوني لاخبرها * وما لنا بحقي العلم من خبر

فخبرتني فأمر قد سمعت به * فيما مضى من قديم الناس والعصر

بأن أحمد يأتيه فيخبره * جبريل انك مبعوث الى البشر

ومن قصيدة له:

فخبرنا (2) عن كل خير بعلمه * وللحق أبواب لهن مفاتح

 

(1) أو حراء على المشهور في التسمية، قال القيومي: حراء ككتاب جبل بمكة يذكر ويؤنث وحكى الفيروز آبادي استعماله كعلى أيضا. (2) في الاصل فخبرنا بالحاء المهملة (*).


 

[ 43 ]

وان ابن عبد الله أحمد مرسل * الى كل من ضمت عليه الاباطح

وظني به أن سوف يبعث صادقا * كما أرسل العبدان نوح وصالح

وموسى وابراهيم حتى يرى له * بهاء ومنشور من الذكر واضح

وروي انه نزل جبرئيل على جواد أصفر والنبي صلى الله عليه وآله بين علي وجعفر فجلس جبرئيل عند رأسه وميكائيل عند رجليه ولم ينبهاه إعظاما له فقال ميكائيل: الى أيهم بعثت ؟ قال: الى الاوسط، فلما انتبه أدى إليه جبرئيل الرسالة عن الله تعالى، فلما نهض جبرئيل ليقوم أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بثوبه ثم قال: ما اسمك ؟ قال: جبرئيل، ثم نهض النبي ليلحق بقومه فما مر بشجرة ولا مدرة إلا سلمت عليه وهنأته، ثم كان جبرئيل يأتيه ولا يدنو منه إلا بعد أن يستأذن عليه فأتاه يوما وهو بأعلى مكمة فغمز بعقبه بناحية الوادي فانفجر عين فتوضأ جبرئيل وتطهر الرسول ثم صلى الظهر وهي أول صلاة فرضها الله تعالى وصلى أمير المؤمنين (ع) مع النبي ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله من يومه الى خديجة فأخبرها فتوضأت وصلت صلاة العصر من ذلك اليوم. وروي ان جبرئيل أخرج قطعة ديباج فيه خط فقال: اقرأ، قلت: كيف أقرأ ولست بقارئ ؟ الى ثلاث مرات فقال في المرة الرابعة (اقرأ باسم ربك) الى قوله (ما لم يعلم) ثم أنزل الله جبرئيل وميكائيل (ع) ومع كل واحد منهما سبعون الف ملك، وأتى بالكراسي ووضع تاج على رأس محمد صلى الله عليه وآله وأعطى لواء الحمد بيده فقال اصعد عليه واحمد الله، فلما نزل عن الكرسي توجه الى خديجة فكان كل شئ يسجد له ويقول بلسان فصيح: السلام عليك يا نبي الله، فلما دخل الدار صارت الدار منورة فقالت خديجة: وما هذا النور ! قال: هذا نور النبوة قولي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فقالت: طال ما قد عرفت ذلك، ثم أسلمت، فقال يا خديجة انى لاجد بردا، فدثرت عليه فنام فنودي (يا أيها المدثر) الآية، فقام وجعل اصبعه في اذنه وقال: الله أكبر الله أكبر، فكان كل موجود يسمعه يوافقه. وروي انه لما نزل قوله (وانذر عشيرتك الاقربين) صعد رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم الصفا فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: مالك ؟ قال: أرأيتكم إن أخبرتكم ان العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني، قالوا: بلى، قال: فانى نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك ألهذا دعوتنا، فنزلت سورة تبت يدا أبى لهب.


 

[ 44 ]

قتادة: انه خطب ثم قال: أيها الناس ان الرائد (1) لا يكذب اهله ولو كنت كاذبا لما كذبتم والله الذي لا إله إلا هو إنى رسول الله اليكم حقا خاصة والى الناس عامة والله لتموتون كما تنامون ولتبعثون كما تستيقظون ولتحاسبون كما تعلمون ولتجزون بالاحسان إحسانا وبالسوء سوءا وانها الجنة ابدا والنار ابدا وانكم اول من انذرتم ثم فتر الوحي فجزع لذلك النبي صلى الله عليه وآله جزعا شديدا فقالت له خديجة: لقد قلاك (2) ربك فنزلت سورة الضحى فقال لجبرئيل: ما يمنعك ان تزورنا في كل يوم ؟ فنزل (وما ننزل إلا بأمر ربك) الى قوله (نسيا). ابن جبير: توجه النبي صلى الله عليه وآله تلقاء مكة وقام بنخلة في جوف الليل يصلي فمرء به نفر من الجن فوجدوه يصلي صلاة الغداة ويتلو القرآن فاستمعوا إليه وقال آخرون امر رسول الله ان ينذر الجن فصرت الله إليه نفرا من الجن من نينوى، قوله (وإذ صرفنا اليك نفرا من الجن) وكان بات في وادي الجن وهو على ميل من المدينة فقال إنى امرت ان أقر أعلى الجن الليلة فأيكم يتبعني ؟ فاتبعه ابن مسعود فلما دخل الحجون (3) من مكة خط لي خطا ثم امرني ان اجلس فيه وقال: لا تخرج منه حتى اعود اليك، ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن فغشيته اسود كثيرة حتى حالت بينى وبينه حتى لم اسمع صوته ثم انطلقوا ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب وفرغ النبي صلى الله عليه وآله مع الفجر فقال لي: هل رأيت شيئا ؟ فوصفتهم فقال: اولئك جن نصيبين. الكلبي، قال ابن مسعود: لم أكن مع النبي صلى الله عليه وآله ليلة الجن وودت انى كنت معه، وهو الصحيح. روي عن ابن عباس انهم كانوا سبعة نفر من جن نصيبين فجعلهم رسول الله رسلا الى قومهم. وقال زر بن حبيش (4): كانوا سبعة منهم زوبعة. وقال غيره: وهم مسار وبسار ولارد وخميع. محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: لما قرأ النبي سورة الرحمن على الناس سكتوا فلم يقولوا شيئا، فقال صلى الله عليه وآله الجن كانوا احسن جوابا منكم لما قرأت عليهم

 

(1) الرائد: الذي يرسل في طلب الكلا، يقال: لا يكذب الرائد أهله. (2) قلاك أي عافك. (3) الحجون: وزان رسول جبل مشرف على مكة. (4) زر: بالاولى المعجمة ثم المهملة ابن حبيش بالحاء المهملة وآخرها المعجمة: هو من رجال الامام علي (ع) (*).


 

[ 45 ]

(فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: لا بشئ من آلائك ربنا نكذب. علي بن ابراهيم: فجاؤا الى النبي صلى الله عليه وآله فآمنوا به وعلمهم النبي شرائع الاسلام وأنزل (قل اوحي) الى آخر السورة، وكانوا يفدون الى النبي في كل وقت ومكان قال حزيمة بن حكيم النهدي:

ويعلو أمره حتى تراه * يشير إليه أعظم ما مشير

وهذا عمه سيذب عنه * وينصره بمشحوذ بتور

وتخرجه قريش بعد هذا * إذا ما العم صار الى القبور

وينصره بيثرب كل قوم * بنو أوس وخزرج الاثير

سيقتل من قريش كل قوم * وكبشهم سينحر كالجزور

وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله: مرحبا بالمهاجر الاول.