فصل: في المسابقة بالبيعة :
كان للنبي صلى الله عليه
وآله بيعة عامة وبيعة خاصة، فالخاصة بيعة الجن ولم يكن للانس فيها نصيب، وبيعة
الانصار ولم يكن للمهاجرين فيها نصيب، وبيعة العشيرة ابتداء وبيعة الغدير انتهاء
وقد تفرد علي بهما وأخذ بطرفيهما. وأما البيعة العامة فهي بيعة الشجرة وهي شجرة أو
اراك عند بئر الحديبية ويقال لها بيعة الرضوان لقوله (رضى الله عن المؤمنين)
والموضع مجهول والشجرة مفقودة فيقال انها بروحاء فلا يدرى أروحاء مكه عند الحمام أو
روحاء في طريقها وقالوا الشجرة ذهبت السيول بها، وقد سبق أمير المؤمنين الصحابة
كلهم في هذه البيعة أيضا بأشياء، منها انه كان من السابقين فيها. ذكر أبو بكر
الشيرازي في كتابه عن جابر الانصاري: ان أول من قام للبيعة أمير المؤمنين ثم أبو
سنان عبد الله بن وهب الاسدي ثم سلمان الفارسي. وفي أخبار الليث ان أول من بايع
عمار - يعني بعد علي -، ثم انه أولى الناس بهذه الآية لان حكم البيعة ما ذكره الله
تعالى (ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل
الله فيتقلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن) الآية. ورووا
جميعا عن جابر الانصاري انه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله على الموت.
وفي معرفة النسوي انه سئل سلمة على أي شئ كنتم تبايعون تحت الشجرة ؟ قال: على
الموت. وفي أحاديث البصريين عن أحمد قال أحمد بن يسار: ان أهل الحديبية بايعوا رسول
الله على أن لا يفروا، وقد صح انه لم يفر في موضع قط ولم يصح ذلك لغيره، ثم ان الله
تعالى علق الرضا في الآية بالمؤمنين، وكان أصحاب البيعة ألفا وثلاثمائة عن ابن
أوفى، وألفا وأربعمائة عن جابر بن عبد الله، وألفا وخمسمائة عن ابن المسيب،
[ 304 ]
وألفا وستمائة عن ابن عباس ولا شك انه كان فيهم جماعة من
المنافقين مثل جد بن قيس و عبد الله بن أبي سلول، ثم ان الله تعالى علق الرضا في
الآية بالمؤمنين الموصوفين بأوصاف قوله (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم)
ولم ينزل السكينة على أبي بكر في آية الغار قوله (فأنزل الله سكينته عليه). قال
السيدي ومجاهد: فأول من رضى الله عنه ممن بايعه علي فعلم في قلبه الصدق والوفاء، ثم
ان حكم البيعة ما ذكره الله (واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد
توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) وقال (ان الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد
الله فوق أيديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه) الآية، وإنما سميت بيعة لانها عقدت
على بيع أنفسهم بالجنة للزومهم في الحرب الى النصر. وقال ابن عباس: أخذ النبي تحت
شجرة السمرة بيعتهم على أن لا يفروا وليس لاحد من الصحابة إلا نقض عهدا في الظاهر
بفعل أو بقول وقد ذمهم الله تعالى فقال في يوم الخندق (ولقد كانوا عاهدوا الله من
قبل لا يولون الادبار)، وفي يوم حنين (وضاقت عليكم الارض بما رحبت ثم وليتم الادبار
مدبرين)، وفي يوم احد (إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في اخريكم)،
وانهزم أبو بكر وعمر في يوم خيبر بالاجماع وعلي في وفائه اتفاق فانه لم يفرقط وثبت
مع رسول الله صلى الله عليه وآله حتى نزل (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) ولم يقل
كل المؤمنين (فمنهم من قضى نحبه) يعني حمزة وجعفر وعبيدة (ومنهم من ينتظر) يعني
عليا علي موفي العهد ، وما كان بغدار .
قال السوسي:
ذاك الامام المرتضى * ان غدر
القوم وفى
أو كدر القوم صفا * فهو له مطاول
مونسه في وحدته * صاحبه في شدته
حقا
مجلي كربته * والكرب كرب شامل
ثم ان الله تعالى قال (وأثابهم فتحا قريبا) يعني فتح
خيبر وكان على يد علي بالاتفاق، وقد وجدنا النكث في أكثرهم خاصة في الاول والثاني
لما قصدوا في تلك السنة الى بلاد خيبر فانهزم الشيخان ثم انهزموا كلهم في يوم حنين
فلم يثبت منهم تحت (المناقب ج 1، م 38)
[ 305 ]
راية علي إلاتمانية من بني هاشم ذكرهم ابن قتيبة في المعارف.
قال الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد وهم: العباس بن عبد المطلب عن يمين رسول
الله والفضل بن العباس بن عبد المطلب عن يساره وابو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب
ممسك بسرجه عند لغد بغلته وأمير المؤمنين علي بن ابي طالب بين يديه يقاتل بسيفه
ونوفل بن الحرث بن عبد المطلب وربيعة بن الحرث بن عبد المطلب و عبد الله بن الزبير
بن عبد المطلب وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب بن عبد المطلب حوله. وقال العباس:
نصرنا
رسول الله في الحرب تسعة * وقد فر من قد فر منهم فاقشعوا
وقال مالك بن عبادة:
لم
يواس النبي غير بني هاشم * عند السيوف يوم حنين
هرب الناس غير تسعة رهط * فهم
يهتفون بالناس أين
والتاسع أيمن بن عبيد قتل بين يدي النبي صلى الله عليه وآله. قال
العوني:
وهل بيعة الرضوان إلا أمانة * فأول من قد خالف السلفان
ثم ان النبي إنما
كان يأخذ البيعة لنفسه ولذريته، روى الحافظ بن مردويه في كتابه بثلاثة طرق عن
الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عن جعفر بن محمد عليهم السلام قال: أشهد لقد حدثني
ابي عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: لما جاءت الانصار تبايع
رسول الله على العقبة قال: قم يا علي، فقال علي: على ما ابايعهم يا رسول الله ؟
قال: على أن يطاع الله فلا يعصى وعلى أن يمنعوا رسول الله وأهل بيته وذريته مما
يمنعون منه أنفسهم وذرايهم، ثم انه كان الذي كتب الكتاب بينهم. ذكر أحمد في الفضايل
عن حبة العرني وعن ابن عباس وعن الزهري ان كاتب الكتاب يوم الحديبية علي بن أبي
طالب. وذكر الطبري في تاريخه باسناده عن البراء بن عازب عن قيس النخعي، وذكر القطان
ووكيع والثوري والسدي ومجاهد في تفاسيرهم عن ابن عباس في خبر طويل ان النبي صلى
الله عليه وآله قال: ما كتبت يا علي حرفا إلا وجبرئيل ينظر اليك ويفرح ويستبشر بك.
واما بيعة العشيرة قال النبي: بعثت الى أهل بيتي خاصة والى الناس عامة، وقد كان بعد
مبعثه بثلاث سنين على ما ذكره الطبري في تاريخه والخركوشي في تفسيره ومحمد ابن
اسحاق في كتابه عن أبي مالك عن ابن عباس وعن ابن جبير انه لما نزل قوله: (وانذر
عشيرتك الاقربين) جمع رسول الله بني هاشم وهم يومئذ اربعون رجلا وأمر
[ 306 ]
عليا أن ينضج رجل شاة وخبزلهم صاعا من طعام وجاء بعس من لبن ثم
جعل يدخل إليه عشرة عشرة حتى شبعوا وان منهم لمن يأكل الجذعة ويشرب الفرق. وفى
رواية مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس انه قال: وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم. وفى
رواية البراء بن عازب وابن عباس انه بدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل، ثم
قال لهم النبي صلى الله عليه وآله: اني بعثت الى الاسود والابيض والاحمران الله
أمرني أن انذر عشيرتي الاقربين واني لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن تقولوا لا إله
إلا الله، فقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا، ثم تفرقوا عنه فنزلت (تبت يدا أبي لهب وتب)
ثم دعاهم دفعة ثانية وأطعمهم وسقاهم تم قال لهم: يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا
ملوك الارض وحكامها وما بعث الله نبيا إلا جعل له وصيا أخا ووزيرا فأيكم يكون أخي
ووزيري ؟ ووصيي ووارثى وقاضي دينى، وفى رواية الطبري عن ابن جبير وابن عباس فأيكم
يوازرني على هذا الامر على أن يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم، فأحجم القوم. وفى رواية
ابي بكر الشيرازي عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، وفى مسند العشرة وفضايل الصحابة
عن احمد باسناده عن ربيعة بن ناجذ عن علي (ع): فأيكم يبايعني عن ان يكون اخي وصاحبي
فلم يقم إليه احد وكان علي اصغر القوم يقول انا فقال في الثالثة أجل وضرب بيده على
يد أمير المؤمنين. وفى تفسير الخركوشي عن ابن عباس وابن جبير وابي مالك وفى تفسير
الثعلبي عن البراء بن عازب فقال علي وهو اصغر القوم: انا يا رسول الله، فقال: أنت،
فلذلك كان وصيه، قالوا فقام القوم وهم يقولون لابي طالب: أطع ابنك فقد امر عليك وفى
تاريخ الطبري: فأحجم القوم فقال علي: انا يا نبي الله اكون وزيرك عليه، فأخذ برقبته
ثم قال: هذا اخي ووصي وخليفتي فيكم فاسمعوا له واطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون
فيقولون لابي طالب: قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع. وفى رواية الحرث بن نوفل وابي
رافع وعباد بن عبد الله الاسدي عن علي فقلت: انا يا رسول الله قال: أنت وادناني
إليه وتفل في في فقاموا يتضاحكون ويقولون: بئس ما حبا ابن عمه إذا اتبعه وصدقه.
تاريخ الطبري عن ربيعة بن ناجذ ان رجلا قال لعلي: يا أمير المؤمنين بم ورثت ابن عمك
دون عمك ؟ فقال (ع) بعد كلام ذكر فيه حديث الدعوة فلم يقم إليه احد فقمت إليه وكنت
من اصغر القوم قال فقال اجلس ثم قال ذلك ثلاث مرات كل ذلك
[ 307 ]
اقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي
قال فبذلك ورثت ابن عمي دون عمي. وفى حديث ابي رافع انه قال أبو بكر للعباس: انشدك
الله تعلم ان رسول الله قد جمعكم وقال يا بني عبد المطلب انه لم يبعث الله نبيا إلا
جعل له من اهله وزيرا وأخا ووصيا وخليفة في اهله فمن يقم منكم يبايعني على ان يكون
اخي ووزيري ووارثي ووصي وخليفتي في اهلي فبايعه علي على ما شرط له، وإذا صحت هذه
الجملة وجبت إمامته بعد النبي صلى الله عليه وآله بلا فصل. قال الحميري:
وقيل له
انذر عشيرتك الالى * وهم من شباب اربعين وشيب
فقال لهم اني رسول اليكم * ولست اراني
عندكم بكذوب
وقد جئتكم من عند رب مهيمن * جزيل العطايا للجزيل وهوب
فأيكم يقفوا
مقالي فأمسكوا * فقال ألا من ناطق فمجيبي
ففاز بها منهم علي وسادهم * وما ذاك من
عاداته بغريب
وله ايضا:
انت اولى الناس بالناس * وخير الناس دينا
كنت في الدنيا
اخاه * يوم يدعو الاقربينا
ليجيبوه الى الله * فكانوا اربعينا
بين عم وابن عم *
حوله كانوا عرينا
وله ايضا:
ويوم قال له جبريل قد علموا * انذر عشيرتك الادنين ان
بصروا
فقام يدعوهم من دون امته * فما تخلف عنه منهم بشر
فمنهم آكل في مجلس جذعا *
وشارب مثل عس وهو محتفر
فصدهم عن نواحي قصعة شبعا * فيها من الحب صاع فوقه الوزر
فقال يا قوم ان الله ارسلني * اليكم فأجيبوا الله وادكروا
فأيكم يجتبي قولي ويؤمن
بي * اني نبي رسول فانبرى عذر
فقل تبا (كذا) أتدعونا لتلفتنا * عن ديننا ثم قام
القوم فانشمروا
من الذي قال منهم وهو احدثهم * سنا وخيرهم في الذكر إذ سطروا
آمنت
بالله قد اعطيت نافلة * لم يعطها احد جن ولا بشر
[ 308 ]
وان ما قلته حق وانهم * ان لم تجيبوا فقد خانوا وقد خسروا
ففاز
قدما بها والله اكرمه * فكان سباق غايات إذا ابتدروا
وله ايضا:
أبو حسن غلام من
قريش * أبرهم واكرمهم نصابا
دعاهم احمد لما اتته * من الله النبوة فاستجابا
فأدبه
وعلمه وأملى * عليه الوحي يكتبه كتابا
فأحصى كل ما املى عليه * وبينه له بابا فبابا
وله ايضا:
لاقدم امته الاولين * هدى ولاحدئهم مولدا
دعاه ابن آمنة المصطفى * وكان
رشيد الهدى مرشدا
الى ان يوحد رب السماء * تعالى وجل وان يعبدا
فلباه لما دعاه إليه
* ووحده مثل ما وحدا
واخبره انه مرسل * فقال صدقت وما فندا
فصلى الصلاة وصام الصيام
* غلاما ووافى الوغى
امردا فلم يُر يوما كأيامه * ولا مثل مشهده مشهدا
وقال العوني:
تخيره الله من خلقه * فحمله الذكر وهو الخبير
وانزل بالسور المحكمات * عليه كتابا
مبين منير
واغشاه نورا وناداه قم * فأنذر وانت البشير النذير
فلاح الهدى واضمحل
العمى * وولى الضلال وعيف الغرور
فوصى عليا فنعم الوصي * ونعم الولي ونعم النصير
وله ايضا:
ان رسول الله مصباح الهدى * وحجة الله على كل البشر
جاء بقرآن مبين ناطق
* بالحق من عند مليك مقتدر
فكان من اول من صدقه * وصيه وهو بسن من صغر
ولم يكن اشرك
بالله ولا * دنس يوما بسجود لحجر
فذاكم اول من آمن بالله * ومن جاهد فيه وصبر
[ 309 ]
اول من صلى من القوم ومن طاف * ومن حج بنسك واعتمر
وقال دعبل:
سقيا لبيعة احمد ووصيه * اعني الامام ولينا المحسودا
اعني الذي نصر النبي محمدا *
قبل البرية ناشيا ووليدا
أعني الذي كشف الكروب ولم يكن * في الحرب عند لقائها
رعديدا
اعني الموحد قبل كل موحد * لا عابدا وثنا ولا جلمودا
وقال آخر:
فلما دعى
المصطفى اهله * الى الله دعاه سرا رفيقا
ولاطفهم عارضا نفسه * على قومه فجزوه
عقوقا
فبايعه دون اصحابه * وكان لحمل أذاه مطيقا
ووحد من قبلهم سابقا * وكان الى كل
فضل سبوقا
فصل: في المسابقة بالعلم :
سفيان عن ابن جريح عن عطاه عن ابن عباس في قوله
(والذين اوتوا العلم والايمان) قال: قد يكون مؤمنا ولا يكون عالما فو الله لقد جمع
لعلي كلاهما العلم والايمان مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس في قوله (إنما
يخشى الله من عباده العلماء) قال: كان علي يخشى الله ويراقبه ويعمل بفرايضه ويجاهد
في سبيله. الصفواني في الاحن والمحن عن الكلبي عن ابي صالح عن ابن عباس قال: حم اسم
من اسماء الله (عسق) علم علي سبق كل جماعة وتعالى عن كل فرقة. محمد بن مسلم وابو
حمزة الثمالي وجابر بن يزيد عن الباقر (ع) وعلي بن فضال والفضيل بن يسار وابو بصير
عن الصادق (ع) واحمد بن محمد الحلبي ومحمد بن الفضيل عن الرضا (ع)، وقد روي عن موسى
بن جعفر (ع) وعن زيد بن علي وعن محمد ابن الحنفية رضى الله عنه وعن سلمان الفارسي
وعن ابي سعيد الخدري وعن اسماعيل السدي انهم قالوا في قوله تعالى (قل كفى بالله
شهيدا بيني وبينكم ومن عند علم الكتاب) هو علي بن ابي طالب (ع). الثعلبي في تفسيره
باسناده عن ابي معاوية عن الاعمش عن ابي صالح عن ابن عباس وروي عن عبد الله بن عطاء
عن ابي جعفر (ع) انه قيل لهما: زعموا ان الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام،
قال: ذاك علي بن ابي طالب.
[ 310 ]
ثم روى ايضا انه سئل سعيد بن جبير (ومن عنده علم الكتاب) عبد
الله بن سالم ؟ قال: لا فكيف وهذه سورة مكية. وقد روي عن ابن عباس: لا والله ما هو
إلا علي بن ابي طالب لقد كان عالما بالتفسير والتأويل والناسخ والمنسوخ والحلال
والحرام. وروي عن ابن الحنفية: علي بن ابي طالب عنده علم الكتاب الاول والآخر،
ورواه النطنزي في الخصايص، ومن المستحيل ان الله تعالى يستشهد بيهودي ويجعله ثاني
نفسه، وقوله (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) موافق لقوله كلا
انزل في أمير المؤمنين علي. وعدد حروف كل واحد منهما ثمانمائة وسبعة عشر. قال
العوني:
ومن عنده علم الكتاب وعلم ما * يكون وما قد كان علما مكتما
وقال أبو مقاتل
بن الداعي العلوي:
وان عندك علم الكون أجمعه * ما كان من سالف منه ومؤتنف
وقال نصر
بن المنتصر:
ومن حوى علم الكتاب كله * علم الذي يأتي وعلم ما مضى
وقد ظهر علمه على
سائر الصحابة حتى اعترفوا بعلمه وبايعوه، قال الجاحظ: اجتمعت الامة على ان الصحابة
كانوا يأخذون العلم من اربعة علي وابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت، وقال: قالت
طائفة وعمر بن الخطاب، ثم اجمعوا على ان الاربعة كانوا أقرأ لكتاب الله من عمر،
وقال (ع): يؤم بالناس أقرأهم، فسقط عمر ثم أجمعوا على ان النبي صلى الله عليه وآله
قال: الائمة من قريش، فسقط ابن مسعود وزيد وبقى علي وابن العباس إذ كانا عالمين
فقيهين قرشيين فأكثرهما سنا واقدمهما هجرة علي فسقط ابن عباس وبقي علي أحق بالامامة
بالاجماع. وكانوا يسألونه ولم يسأل هو أحدا، وقال النبي: إذا اختلفتم في شئ فكونوا
مع علي بن ابي طالب. عبادة بن الصامت قال عمر: كنا أمرنا إذا اختلفنا في شئ ان نحكم
عليا ولهذا تابعه المذكورون بالعلم من الصحابة نحو سلمان وعمار وحذيفة وابوذر وابي
بن كعب وجابر الانصاري وابن عباس وابن مسعود وزيد بن صوحان ولم يتأخر إلا زيد بن
ثابت وابو موسى ومعاذ وعثمان وكلهم معترفون له بالعلم مقرون له بالفضل. النقاش في
تفسيره قال ابن عباس: علي علم علما علمه رسول الله ورسول الله علمه الله فعلم النبي
علم الله وعلم علي من علم النبي وعلمي من علم علي وما علمي وعلم
[ 311 ]
اصحاب محمد في علم علي إلا كقطرة في سبعة ابحر. الضحاك عن ابن
عباس قال: اعطى علي بن ابي طالب تسعة اعشار العلم وانه لاعلمهم بالعشر الباقي.
أمالي الطوسي: مر أمير المؤمنين بملا فيهم سلمان فقال لهم سلمان: قوموا فخذوا بحجزة
هذا فو الله لا يخبركم بسر نبيكم غيره. أمالي ابن بابويه قال محمد بن المنذر: سمعت
أبا أمامة يقول: كان علي (ع) إذا قال شيئا لم يشك فيه وذلك انا سمعنا رسول الله صلى
الله عليه وآله يقول: خازن سري بعدي علي. قال الحميري:
وعلي خازن الوحي الذي * كان
مستودع آيات السور
يحيى بن معين باسناده عن عطاء بن ابي رياح انه سئل هل تعلم احدا
بعد رسول الله أعلم من علي ؟ فقال: لا والله ما اعلمه. فأما قول عمر بن الخطاب في
ذلك فكثير، رواه الخطيب في الاربيعن قال عمر: العلم ستة اسداس لعلي من ذلك خمسة
اسداس وللناس سدس ولقد شاركنا في السدس حتى لهو اعلم به منا. عكرمة عن ابن عباس ان
عمر بن الخطاب قال له: يا أبا الحسن انك لتعجل في الحكم والفصل للشئ إذا سئلت عنه،
قال: فأبرز علي كفه وقال له: كم هذا ؟ فقال عمر: خمسة، فقال: عجلت يا ابا حفص، قال:
لم يخف علي، فقال علي: انا اسرع فيما لا يخفى علي. واستعجم عليه شئ ونازع عبد
الرحمن فكتبنا إليه ان يتجشم بالحضور فكتب اليهما: العلم يؤتى ولا يأتي، فقال عمر:
هناك شيخ من بني هاشم واثارة من علم يؤتى إليه ولا يأتي، فصار إليه فوجنده متكئا
على مسحاة فسأله عما اراد فأعطاه الجواب فقال عمر: لقد عدل عنك قومك وانك لاحقبه،
فقال (ع): يوم الفصل كان ميقاتا يونس عن عبيد قال الحسن: ان عمر بن الخطاب قال:
اللهم اني اعوذ بك من عضيهة ليس لها علي عندي حاضرا. ابانة بن بطة، كان عمر يقول
فيما يسأله عن علي فيفرج عنه: لا ابقاني الله بعدك تاريخ البلاذري: لا ابقاني الله
لمعضلة ليس لها أبو الحسن. الابانة والفايق: اعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن.
وقد ظهر رجوعه الى علي (ع) في ثلاث وعشرين مسألة حتى قال: لو لا علي لهلك عمر، وقد
رواه الخلق منهم أبو بكر بن عباس وابو المظفر السمعاني. قال الصاحب:
[ 312 ]
في مثل فتواك إذ قالوا مجاهرة * لو لا علي هلكنا في فتاوينا
وقال خطيب خوارزم:
إذا عمر تخطى في جواب * ونبهه علي بالصواب
يقول بعدله لولا علي *
هلكت هلكت في ذاك الجواب
وقد اشتهر عن ابي بكر قوله: فان استقمت فاتبعوني وان زغت
فقوموني، وقوله: اما الفاكهة فأعرفها واما الاب فالله اعلم، وقوله في الكلالة: اقول
فيها برأي فان اصبت فمن الله وان أخطأت فمني ومن الشيطان الكلالة ما دون الولد
والوالد. وعن عمر: سؤال السبيع عن الذاريات وقوله لا تتعجبوا من إمام أخطأ، وامرأة
اصابت: ناضلت اميركم فنضلته، ومسألة الحمارية، وآية الكلالة، وقضاؤه في الجد، وغير
ذلك. وقد شهد له رسول الله بالعلم قوله: علي عيبة علمي، وقوله: علي أعلمكم علما
وأقدمكم سلما، وقوله: اعلم امتي من بعدي علي بن ابى طالب، رواه علي بن هاشم وابن
شيرويه الديلمي باسنادهما الى سلمان. النبي صلى الله عليه وآله: اعطى الله عليا من
الفضل جزءا لو قسم على اهل الارض لوسعهم. حلية الاولياء سئل النبي عن علي بن ابى
طالب فقال: قسمت الحكمة عشرة اجزاء فاعطي علي تسعة اجزاء والناس جزء واحد. ربيع بن
خثيم: ما رأيت رجلا من يحبه اشد حبا من علي ولا من يبغضه اشد بغضا من علي، ثم التفت
فقال: ومن اوتي الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا. واستدل بالحساب فقالوا اعلم الامة علي
بن ابى طالب اتفقا في مائتين وثمانية عشر، وكذلك قولهم اعلم الامة جمال الامة علي
بن ابى طالب سيد النجباء اتفقا في ثلاثمائة وسبعين، قال ديك الجن:
هو الذي سمي أبا
البيان * صدقت قد اصبت بالبيان
وهو أبو العلم الذي لا يعلم * من قوله قولوا ولا
تحمحموا
وقد أجمعوا على ان النبي صلى الله عليه وآله قال: أقضاكم علي، وروينا عن
سعيد بن
(1) البيان اسم من اسماء الله وفي رسالة البيان لجابر بن حيان طبعة هو لميارد
تفصيل ذلك(مناقب ج 1، م 39)
[ 313 ]
أبي الخصيب وغيره انه قال الصادق (ع) لابن أبى ليلى: أتقضي بين
الناس يا عبد الرحمن قال: نعم يابن رسول الله، قال: بأي شئ تقضي ؟ قال: بكتاب الله،
قال: فما لم تجد في كتاب الله ؟ قال: من سنة رسول الله وما لم أجده فيهما أخذته عن
الصحابة بما اجتمعوا عليه، قال: فإذا اختلفوا فبقول من تأخذ منهم ؟ قال: بقول من
أردت واخالف الباقين، قال: فهل تخالف عليا فيما بلغك انه قضى به ؟ قال: ربما خالفته
الى غيره منهم، قال أبو عبد الله: ما تقول يوم القيامة إذا رسول الله قال أي رب ان
هذا بلغه عني قول فخالفه ؟ قال: وأين خالفت قوله يابن رسول الله ؟ قال: فبلغك ان
رسول الله قال أقضاكم علي ؟ قال: نعم، قال: فإذا خالفت قوله ألم تخالف قول رسول
الله ؟ فاصفر وجه ابن أبى ليلى وسكت. الابانة، قال أبو أمامة قال رسول الله: أعلم
بالسنة والقضاء بعدي علي بن أبي طالب. كتاب الجلاء والشفاء، والاحن والمحن قال
الصادق (ع): قضى علي بقضية باليمن فأتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: ان عليا
ظلمنا، فقال: ان عليا ليس بظالم ولم يخلق للظلم وان عليا وليكم بعدي والحكم حكمه
والقول قوله لا يرد حكمه إلا كافر ولا يرضى به إلا مؤمن. وإذا ثبت ذلك فلا ينبغي
لهم أن يتحاكموا بعده الى غير علي والقضاء يجمع علوم الدين فإذا يكون هو الاعلم فلا
يجوز تقديم غيره عليه لانه يقبح تقديم المفضول على الفاضل. قال الاصفهانى:
وله يقول
محمد أقضاكم * هذا واعلم يا ذوي الاذهان
اني مدينة علمكم وأخي له * باب وثيق الركن
مصراعان
فأتوا بيوت العلم من أبوابها * فالبيت لا يؤتى من الحيطان
وقال العونى:
أمن
سواه إذا أتى بقضية * طرف الشكوك وأخرس الحكاما
فإذا راى رأيا فخالف رأيه * قوم وان
كدوا له الافهاما
نزل الكتاب برأيه فكأنما * عقد الاله برأيه الاحكاما
وقال ابن
حماد:
عليم بما قد كان أو هو كائن * وما هو دق في الشرائع أو جل
مسمى مجلى في
الصحايف كلها * فسل أهلها واسمع تلاوة من يتلو
ولو لا قضاياه التي شاع ذكرها *
لعطلت الاحكام والفرض والنفل
[ 314 ]
وقال الحميري:
من كان أعلمهم وأقضاهم ومن * جعل الرعية والرعاء
سواء
الباقر وأمير المؤمنين عليهما السلام في قوله (وليس البر بأن تأتوا البيوت)
الآية وقوله تعالى (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية) نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى
من أبوابها نحن باب الله وبيوته التي نؤتى منه فمن تابعنا وأقر بولايتنا فقد أتى
البيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها. وقال
النبي بالاجماع: أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد العلم فليأت الباب، رواه أحمد
من ثمانية طرق وابراهيم الثقفي من سبعة طرق وابن بطة من ستة طرق والقاضى الجعانى من
خمسة طرق وابن شاهين من اربعة طرق والخطيب التاريخي من ثلاثة طرق ويحيى بن معين من
طريقين وقد رواه السمعاني والقاضى الماوردي وأبو منصور السكري وابو الصلت الهروي و
عبد الرزاق وشريك عن ابن عباس ومجاهد وجابر، وهذا يقتضى وجوب الرجوع الى أمير
المؤمنين لانه كنى عنه بالمدينة وأخبر ان الوصول الى علمه من جهة علي خاصة لانه
جعله كباب المدينة الذي لا يدخل إليها إلا منه، ثم أوجب ذلك الامر به بقوله: فليأت
الباب، وفيه دليل على عصمته لانه من ليس بمعصوم يصح منه وقوع القبيح فإذا وقع كان
الاقتداء به قبيحا فيؤدي الى ان يكون صلى الله عليه وآله قد أمر بالقبيح وذلك لا
يجوز. ويدل ايضا انه اعلم الامة، يؤيد ذلك ما قد علمناه من اختلافها ورجوع بعضها
الى بعض وغناؤه صلى الله عليه وآله عنها، وأبان ولاية علي وإمامته وانه لا يصح اخذ
العلم والحكمة في حياته وبعد وفاته إلا من قبله وروايته عنه كما قال الله تعالى
(وأتوا البيوت من ابوابها)، وفي الحساب علي بن ابى طالب باب مدينة الحكمة استويا في
مائتين وثمانية عشر. قال البشنوي.
فمدينة العلم التي هو بابها * أضحى قسيم النار
يوم مآبه
فعدوه أشقى البرية في لضى * ووليه المحبوب يوم حسابه
وله ايضا:
مدينة
العلم ما عن بابها عوض * لطالب العلم إذ ذو العلم مسئول
وقال الصاحب :
كان النبي
مدينة هو بابها * لو أثبت النضاب ذات المرسل
[ 315 ]
وله ايضا :
باب المدينة لا تبغوا سواه لها * لتدخلوها فخلوا جانب
التيه
وقال السيد الحميري:
من كان باب مدينة العلم الذي * ذكر النزول وفسر الانباء
وقال ابن حماد :
باب الاله تعالى لم يصل احد * إليه إلا الذي من بابه يلج
وله ايضا
:
هذا الامام لكم بعدي يسددكم * رشدا ويوسعكم علما وآدابا
انى مدينة علم الله وهو لها
* باب فمن رامها فليقصد البابا
وقال خطيب منبج :
أنا دار الهدى والعلم فيكم * وهذا
بابها للداخلينا
اطيعونى بطاعته وكونوا * بحبل ولائه مستمسكينا
وقال خطيب خوارزم:
ان
النبي مدينة لعلومه * وعلي الهادي لها كالباب
أفلا يكون أعلم الناس وكان مع النبي
صلى الله عليه وآله في البيت والمسجد يكتب وحيه ومسائله ويسمع فتاويه ويسأله، وروي
انه كان النبي إذا نزل عليه الوحي ليلالم يصبح حتى يخبر به عليا وإذا نزل عليه
الوحي نهارا لم يمس حتى يخبر به عليا، ومن المشهور إنفاقه الدينار قبل مناجاة
الرسول وسأله عن عشر مسائل فتح له منها الف باب فتح من كل باب الف باب، وكذلك حين
وصى النبي قبل وفاته. أبو نعيم الحافظ باسناده عن زيد بن علي عن ابيه عن جده عن علي
عليه السلام قال: علمني رسول الله الف باب يفتح كل باب إلي الف باب، وقد روى أبو
جعفر بن بابويه هذا الخبر في الخصال من اربع وعشرين طريقة وسعد بن عبد الله القمي
في بصائر الدرجات من ستة وستين طريقة. أبو عبد الله (ع): كان في ذؤابة سيف النبي
صلى الله عليه وآله صحيفة صغيرة هي الاحرف التي يفتح كل حرف الف حرف فما خرج منها
حرفان حتى الساعة، وفي رواية ان عليا دفعها الى الحسن فقرأ منها حروفا ثم اعطاها
الحسين فقرأها ايضا ثم اعطاها محمدا فلم يقدر على ان يفتحها، قال أبو القاسم
البستي: وذلك نحو أن يقول الربوا في كل مكيل في العادة أي موضع كان وفي كل موزون،
وإذا قال يحل من البيض كل مادق أعلاه
[ 316 ]
وغلظ أسفله، وإذا قال يحرم من السباع كل ذي ناب وذي مخلب من
الطير ويحل الباقي، وكذلك قول الصادق (ع): كل ما غلب الله عليه من امره فالله أعذر
لعبده، قال الحميري:
حدثه في مجلس واحد * الف حديث معجب حاجب
كل حديث من احاديثه *
بفتح الف عدة الحاسب
فتلك وفت الف الف له * فيها جماع المحكم الصائب
وله ايضا :
وكفاه
بألف الف حديث * قد وعاهن من وحي مجيد
قد وعاها في مجلس بمعانيها * وأسبابها ووقت
الحدود
وله ايضا :
علي أمير المؤمنين اخو الهدى * وافضل ذى نعل ومن كان حافيا
أسرء
إليه احمد العلم جملة * وكان له دون البرية واعيا
ودونه في مجلس منه واحد * بألف
حديث كلها كان هاديا
وكل حديث من اولئك فاتح * له الف باب فاحتواها كما هيا
وقال
الشريف بن الرضا :
يا بني احمد اناديكم اليوم * وأنتم غدا لرد جوابي
الف باب اعطيتم
ثم افضى * كل باب منها الى الف باب
لكم الامر كله واليكم * ولديكم يؤل فصل الخطاب
ابان بن تغلب والحسين بن معاويه وسليمان الجعفري واسماعيل بن عبد الله بن جعفر كلهم
عن ابى عبد الله (ع) قال: لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله الموت دخل عليه علي
(ع) فأدخل رأسه معه ثم قال: يا علي إذا أنا مت فغسلني وكفني ثم اقعدني وسايلني
واكتب. تهذيب الاحكام: فخذ بمجامع كفني واجلسني ثم اسألني عما شئت فو الله لا
نسألني عن شئ إلا أجبتك فيه، وفي رواية أبى عوانة باسناده قال علي: ففعلت فأنبأني
بما هو كائن الى يوم القيامة. جميع بن عمير التيمي عن عائشة في خبر انها قالت:
وسالت نفس رسول الله في كفه ثم ردها في فيه. وبلغني عن الصفوانى انه قال: حدثني أبو
بكر بن مهرويه باسناده الى ام سلمة
[ 317 ]
في خبر قالت: كنت عند النبي فدفع إلي كتابا فقال من طلب هذا
الكتاب منك ممن يقوم بعدى فادفعيه إليه، ثم ذكرت قيام ابي بكر وعمر وعثمان وانهم ما
طلبوه ثم قالت: فلما بويع علي نزل عن المنبر ومر وقال لي يا ام سلمة هاتي الكتاب
الذي دفع اليك رسول الله فقالت: قلت له أنت صاحبه ؟ فقال نعم، فدفعته إليه، قيل ما
كان في الكتاب ؟ قال: كل شئ دون قيام الساعة. وفي رواية ابن عباس فلما قام علي
أتاها وطلب الكتاب ففتحه ونظر فيه فقال هذا علم الابد. قال أبو عبد الله: يمصون
الثماد ويدعون النهر الاعظم، فسئل عن معنى ذلك فقال: علم النبيين بأسره أوحاه الله
الى محمد فجعل محمد ذلك كله عند علي، وكان (ع) يدعي في العلم دعوى ما سمعت قط من
أحد. روى حنش الكناني انه سمع عليا يقول: والله لقد علمت بتبليغ الرسالات وتصديق
العدات وتمام الكلمات، وقوله: ان بين جنبي لعلما جما لو أصبت له حملة، وقوله: لو
كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا. قال ابن العودي.
ومن ذا يساميه بمجد ولم يزل * يقول
سلوني ما يحل ويحرم
سلونى ففي جني علم ورثته * عن المصطفى ما فات مني به القم
سلونى
عن طرق السماوات انني * بها عن سلوك الطرق في الارض أعلم
ولو كشف الله الغطاء لم
أزد به * يقينا على ما كنت أدري وأفهم
وقال الزاهي :
ما زلت بعد رسول الله منفردا *
بحرا يفيض على الوراد زاخره
أمواجه العلم والبرهان لجته * والحلم شطاه والتقوى
جواهره
وورى ابن أي البختري من ستة طرق وابن المفضل من عشر طرق وابراهيم الثقفي من
أربعة عشر طريقا منهم عدي بن حاتم والاصبغ بن نباتة وعلقمة بن قيس ويحيى بن ام
الطويل وزر بن حبيش وعباية بن ربعي وعباية بن رفاعة وأبو الطفيل ان أمير المؤمنين
(ع) قال بحضرة المهاجرين والانصار وأشار الى صدره: كيف ملئ علما لو وجدت له طالبا
سلونى قبل أن تفقدوني وهذا سفط العلم هذا لعاب رسول الله هذا ما زقني به رسول الله
زقا فاسألوني فان عندي علم الاولين والآخرين أما والله لو ثنيت لي الوسادة ثم اجلست
عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الانجيل بانجيلهم وبين أهل الزبور
بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم حتى ينادي كل كتاب بأن عليا حكم في بحكم الله
في، وفي رواية حتى ينطق الله التوراه والانجيل، وفي
[ 318 ]
رواية حتى يزهر كل كتاب من هذه الكتب ويقول يا رب ان عليا قضى
بقضائك، ثم قال: سلونى قبل أن تفقدوني فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو سألتموني عن
آية آية في ليلة انزلت أو في نهار انزلت مكيها ومدنيها وسفريها وحضريها ناسخها
ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وتأويلها وتنزيلها لاخبرتكم، وفي غرر الحكم عن الآمدي
سلونى قبل أن تفقدوني فانى بطرق السماوات أخبر منكم بطرق الارض. وفي نهج البلاغة فو
الذي نفسي بيده لا تسألونى عن شئ فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تهدي مائة وتضل
مائة إلا أنبأنكم بناعقها وقائدها وسايقها ومناخ ركابها ومحط رحاها ومن يقتل من
أهلها قتلا ويموت موتا، وفي رواية لو شثت اخبرت كل واحد منكم بمخرجه ومولجه وجميع
شانه لفعلت. وعن سلمان انه قال (ع): عندي علم المنايا والبلايا والوصايا والالباب
وفصل الخطاب ومولد الاسلام ومولد الكفر وأنا صاحب الميسم وأنا الفاروق الاكبر ودولة
الدول فسلوني عما يكون الى يوم القيامة وعما كان قبلي وعلى عهدي والى أن يعبد الله
قال ابن المسيب: ما كان في أصحاب رسول الله أحد يقول سلونى غير علي بن أبى طالب،
وقال ابن شبرمة: ما أحد قال على المنبر سلونى غير علي، وقال الله تعالى (تبيانا لكل
شئ) وقال (وكل شئ احصيناه في امام مبين) وقال (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين)
فإذا كان ذلك لا يوجد في ظاهره فهل يكون موجودا إلا في تأويله كما قال (وما يعلم
تأويله إلا الله والراسخون في العلم) وهو الذي عنى (ع) سلونى قبل ان تفقدوني، ولو
كان إنما عنى به في ظاهره فكان في الامة كثير يعلم ذلك ولا يخطئ فيه حرفا، ولم يكن
(ع) ليقول من ذلك على رؤس الاشهاد ما يعلم انه لا يصح من قوله وان غيره يساويه فيه
أو يدعي على شئ منه معه، فإذا ثبت انه لا نظير له في العلم صح انه أولى بالامامة.
وقالي العونى :
وكم علوم مقفلات في الورى * قد فتح الله به أقفالها
حرم بعد المصطفى
حرامها * كما أحل بينهم حلالها
وكم بحمد الله من قضية * مشكلة حل لهم اشكالها
حتى
أقرت أنفس القوم بأن * لو لا الوصي ارتكبت ضلالها
وله ايضا :
ومن ركب الاعود يخطب في
الورى * وقال سلونى قبل فقدي لافهما
[ 319 ]
وقال ابن حماد :
قلت سلونى قبل فقدي ان لي * علما وما فيكم له
مستودع
وكذاك لو ثني الوساد حكمت * بالكتب التي فيها الشرايع تشرع
وله ايضا :
سلونى
ايها الناس * سلونى قبل فقداني فعندي
علم ما كان * وما يأتي وما يانى
شهدنا انك
العالم * في علمك ربانى
وقلت الحق يا حق * ولم تنطق ببهتان
وله ايضا :
هل سمعتم بقائل
قبله * قال سلونى من قبل ان تفقدون
وله ايضا :
من قال بالبصرة للناس سلونى * من قبل
ان افقد من طرق السماء
وقال زيد المرزكي :
مدينة العلم علي بابها * وكل من حاد عن
الباب جهل
ام هل سمعتم قبله من قائل * قال سلونى قبل ادراك الاجل
وقال شاعر آخر :
قال
اسألوني قبل فقدي وذا * ابانة عن علمه الباهر
لو شئت اخبرت بمن قد مضى * وما بقى في
الزمن الغابر
ومن عجب امره في هذا الباب انه لا شئ من العلوم إلا واهله يجعلون عليا
قدوة فصار قوله قبلة في الشريعة، فمنه سمع القرآن. ذكر الشيرازي في نزول القرآن
وابو يوسف يعقوب في تفسيره عن ابن عباس في قوله (لا تحرك به لسانك) كان النبي يحرك
شفتيه عند الوحي ليحفظه وقيل له لا تحرك به لسانك يعني بالقرآن لتعجل به من قبل ان
يفرغ به من قراءته عليك (ان علينا جمعه وقرآنه) قال ضمن الله محمدا ان يجمع القرآن
بعد رسول الله علي بن ابى طالب. قال ابن عباس: فجمع الله القرآن في قلب علي وجمعه
علي بعد موت رسول الله بستة اشهر. وفى اخبار ابن ابى رافع ان النبي قال في مرضه
الذي توفى فيه لعلي: يا علي هذا كتاب الله خذه اليك، فجمعه على في ثوب فمضى الى
منزله فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جلس على (ع) فألفه كما انزله الله وكان به
عالما.
[ 320 ]
وحدثني أبو العلاء العطار والموفق خطيب خوارزم في كتابيهما
بالاسناد عن علي بن رباح ان النبي امر عليا بتأليف القرآن فألفه وكتبه. جبلة بن
سحيم عن ابيه عن أمير المؤمنين قال: لو ثنيت لي الوسادة وعرف لي حقي لاخرجت مصحفا
كتبته واملاه علي رسول الله. ورويتم ايضا انه إنما أبطأ على (ع) عن بيعة ابى بكر
لتأليف القرآن. أبو نعيم في الحلية والخطيب في الاربعين بالاسناد عن السدي عن عبد
خير عن على (ع) قال: لما قبض رسول الله اقسمت لو حلفت ان لا اضع رداي عن ظهرى حتى
اجمع ما بين اللوحين فما وضعت رداى حتى جمعت القرآن. وفى اخبار اهل البيت عليهم
السلام انه آلى ان لا يضع رداءه على عاتقه إلا للصلاة حتى يؤلف القرآن ويجمعه
فانقطع عنهم مدة الى ان جمعه ثم خرج إليهم به في ازار يحمله وهم مجتمعون في المسجد
فأنكروا مصيره بعد انقطاع مع البته (1) فقالوا: الامر ما جاء به أبو الحسن، فلما
توسطهم وضع الكتاب بينهم ثم قال: ان رسول الله قال: انى مخلف فيكم ما ان تمسكتم به
لن تضلوا كتاب الله وعترتي اهل بيتي وهذا الكتاب وانا العترة، فقام إليه الثاني
فقال له: ان يكن عندك قرآن فعندنا مثله فلا حاجة لنا فيكما، فحمل عليه السلام
الكتاب وعاد بعد ان الزمهم الحجة. وفى خبر طويل عن الصادق (ع) انه حمله وولى راجعا
نحو حجرته وهو يقول (فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون)،
ولهذا قرأ ابن مسعود ان عليا جمعه وقرأ به فإذا قرأه فاتبعوا قراءته. قال الناشي:
جامع وحي الله إذ فرقه * من رام جمع آية فما ضبط
اشكله لشكله بجهله * فاستعجمت
احرفه حين نقط
وقال العوني :
لما رأى الامر قبيح المدخل * حرد في جمع الكتاب المنزل
وقال الصاحب :
هل مثل جمعك للقرآن تعرفه * نظما ومعنى وتأويلا
وتبيينا وقال خطيب منبج
علي جامع القرآن جمعا *
يقصر عنه جمع الجامعينا
(1) الالبة بالضم المجاعة.(المناقب ج 1، م 40)
[ 321 ]
فأما ما روي انه جمعه أبو بكر وعمر وعثمان فان أبا بكر أقر لما
التمسوا منه جمع القرآن فقال: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ولا أمرني به، ذكره
البخاري في صحيحفه وادعى علي ان النبي أمره بالتأليف، ثم انهم أمروا زيد بن ثابت
وسعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هاشم و عبد الله بن الزبير بجمعه فالقرآن
يكون جمع هؤلاء جميعهم، ومنهم العلماء بالقرآن. أحمد بن حنبل وابن بطة وأبو يعلى في
مصنفاتهم عن الاعمش عن أبي بكر بن عياش في خبر طويل انه قرأ رجلان ثلاثين آية من
الاحقاف فاختلفا في قراآتهما فقال ابن مسعود هذا بخلاف ما أقرأه فذهب بهما الى
النبي فغضب وعلي عنده فقال علي: رسول الله يأمركم أن تقرأوا كما علمتم. وهذا دليل
على علم علي بوجوه القراءات المختلفة، وروي ان زيدا لما قرأ التابوة قال علي اكتبه
التابوت فكتبه كذلك، والقراء السبعة الى قراءته يرجعون، فاما حمزة والكسائي فيعولان
على قراءة علي وابن مسعود وليس مصحفهما مصحف ابن مسعود فهما إنما يرجعان الى علي
ويوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الاعراب، وقد قال ابن مسعود: ما رأيت أحدا أقرا
من علي ابن أبي طالب للقرآن. واما نافع وابن كثير وأبو عمرو فمعظم قراءاتهم ترجع
الى ابن عباس وابن عباس قرأ على أبي بن كعب وعلي، والذي قرأه هؤلاء القراء يخالف
قراءة ابي، فهو إذا مأخوذ عن علي (ع). واما عاصم فقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي،
وقال أبو عبد الرحمن: قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب، فقالوا أفصح القراءات
قراءة عاصم لانه أتى بالاصل وذلك انه يظهر ما أدغمه غيره ويحقق من الهمز مالينه
غيره ويفتح من الالفات ما أماله غيره. والعدد الكوفي في القرآن منسوب الى علي (ع)
وليس في الصحابة من ينسب إليه العدد غيره، وإنما كتب عدد ذلك كل مصر عن بعض
التابعين ومنهم المفسرون كعبد الله بن عباس و عبد الله بن مسعود وابي بن كعب وزيد
بن ثابت وهم معترفون له بالتقدم. تفسير النقاش، قال ابن عباس: جعل ما تعلمت من
التفسير من علي بن أبي طالب وابن مسعود ان القرآن انزل على سبعة أحرف ما منها إلا
وله ظهر وبطن وان علي بن أبي طالب علم الظاهر والباطن. فضايل العكبري، قال الشعبي:
ما أحد أعلم بكتاب الله بعد نبي الله من علي بن
[ 322 ]
أبي طالب. تاريخ البلاذري وحلية الاولياء وقال علي (ع): والله
ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت أبليل نزلت أم بنهار نزلت في سهل أو
جبل ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤلا. قوت القلوب، قال علي (ع): لو شئت لاوقرت
سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب، ولما وجد المفسرون قوله لا يأخذون إلا به. سئل
ابن الكواء وهو على المنبر: ما الذاريات ذروا ؟ فقال: الرياح، فقال: وما الحاملات
وقرأ ؟ قال: السحاب، قال: وما الجاريات يسرا ؟ قال: الفلك، قال: فما المقسمات أمرا
؟ قال الملائكة، فالمفسرون كلهم على قوله. وجهلوا تفسير قوله (ان أول بيت وضع
للناس) فقال له رجل: هو أول بيت ؟ قال: لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع
للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة وأول من بناه ابراهيم ثم بناه قوم من العرب
من جرهم ثم هدم فبنته قريش، وإنما استحسن قول ابن عباس فيه لانه قد أخذ منه. أحمد
في المسند، لما توفي النبي صلى الله عليه وآله كان ابن عباس ابن عشر سنين وكان قرأ
المحكم - يعني المفصل - قال الصاحب:
هل مثل علمك لو زلوا وان وهنوا * وقد هديت كما
أصبحت تهدينا
ومنهم الفقهاء وهو أفقههم فانه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر منه، ثم ان
جميع فقهاء الامصار إليه يرجعون ومن بحره يغترفون، اما أهل الكوفة وفقهاؤهم: سفيان
الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك بن عبد الله وابن أبي ليلى وهؤلاء يفرعون
المسائل ويقولون هذا قياس قول علي ويترجمون الابواب بذلك. واما أهل البصرة فقهاؤهم:
الحسن وابن سيرين وكلاهما كانا يأخذان عمن أخذ عن علي، وابن سيرين يفصح بأنه أخذ عن
الكوفيين وعن عبيده السمعاني وهو أخص الناس بعلي (ع). وأما أهل مكة فانهم أخذوا عن
ابن عباس وعن علي وقد أخذ عبد الله معظم علمه عنه. وأما أهل المدينة فعنه أخذوا.
وقد صنف الشافعي كتابا مفردا في الدلالة على اتباع أهل المدينة لعلي و عبد الله
وقال محمد بن الحسن الفقيه: لو لا علي بن أبي طالب ما علمنا حم أهل البغي، ولمحمد
بن الحسن كتابا يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعله.
[ 323 ]
مسند أبي حنيفة، قال هشام بن الحكم قال الصادق لابي حنيفة: من
أين أخذت القياس ؟ قال: من قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت، وحين شاهدهما عمر في
الجد مع الاخوة فقال له علي: لو ان شجرة انشعب منها غصن وانشعب من الغصن غصنان أيما
أقرب الى أحد الغصنين أصاحبه الذي يخرج معه أم الشجرة ؟ فقال زيد: لو ان جدولا
انبعث فيه ساقية فانبعث من الساقية ساقيتان أيما أقرب أحد الساقيتين الى صاحبهما أم
الجدول ؟، ومنهم الفرضيون وهو أشهرهم فيها. فضايل أحمد، قال عبد الله: ان أعلم
المدينة بالفرايض علي بن أبي طالب، قال الشعبي: ما رأيت أفرض من علي ولا أحسب منه،
وقد سئل وهو على المنبر يخطب عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين كم نصيب المرأة
؟ فقال (ع): صار ثمنها تسعا، فلقبت بالمسألة المنبرية. (شرح ذلك) للابوين السدسان
وللبنتين الثلثان وللمرأة الثمن عالت الفريضة فكان لها ثلث من أربعة وعشرين ثمنها
فلما صارت الى سبعة وعشرين صار ثمنها تسعا، فان ثلاثة من سبعة وعشرين تسعها ويبقى
أربعة وعشرون للابنتين ستة عشر وثمانية للابوين سواء قال هذا على الاستفهام أو على
قولهم صار ثمنها تسعا أو على مذهب نفسه أو بين كيف يجئ الحكم على مذهب من يقول
بالعول، فبين الجواب والحساب والقسمة والنسبة، ومنه المسألة الدينارية وصورتها.
ومنهم أصحاب الروايات نيفا وعشرون رجلا منهم: ابن عباس وابن مسعود وجابر الانصاري
وأبو أيوب وأبو هريرة وأنس وأبو سعيد الخدري وأبو رافع وغيرهم، وهو أكثرهم رواية
وأتقنهم حجة ومأمون الباطن لقوله: علي مع الحق. الترمذي والبلاذري، قيل لعلي: ما
بالك أكثر أصحاب النبي حديثا ؟ قال: كنت إذا سألته أنبأني وإذا سكت عنه ابتدأني.
كتاب ابن مردويه، انه قال: كنت إذا سألت اعطيت وإذا سكت ابتديت. قال محمد الاسكافي:
حبر عليهم بالذي هو كائن * واليه في علم الرسالة يرجع
أصفاه احمد من خفي علومه *
فهو البطين من العلوم الانزع
ومنهم المتكلمون وهو الاصل في الكلام، قال النبي صلى
الله عليه وآله: علي رباني هذه الامة وفي الاخبار ان أول من سن دعوة المبتدعة
بالمجادلة الى الحق على، وقد ناظره الملاحدة
[ 324 ]
في مناقضات القرآن، وأجاب مشكلات مسائل الجاثليق حتى أسلم. أبو
بكر بن مردويه في كتابه عن سفيان انه قال: ما حاج علي أحدا إلا حجه. أبو بكر
الشيرازي في كتابه عن مالك عن أنس عن ابن شهاب، وأبو يوسف يعقوب بن سفيان في
تفسيره، وأحمد بن حنبل وأبو يعلي في مسنديهما قال ابن شهاب أخبرني علي بن الحسين ان
أباه الحسين بن علي أخبره ان علي بن أبي طالب أخبره ان النبي طرقه وفاطمة بنت رسول
الله فقال ألا تصلون ؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا
- أي يكثر اللطف بنا - فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي ثم سمعته وهو مول يضرب
فخذيه يقول: وكان الانسان يعني على بن أبي طالب أكثر شئ جدلا - يعني متكلما بالحق
والصدق -. وقال لرأس الجالوت لما قال له: لم تلبثوا بعد نبيكم إلا ثلاثين سنة حتى
ضرب بعضكم وجه بعض بالسيف، فقال (ع): وأنتم لم تجف أقدامكم من ماء البحر حتى قلتم
لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. وأرسل إليه أهل البصرة كليبا الجرمي بعد يوم
الجمل ليزيل الشبهة عنهم في أمره فذكر له ما علم انه على الحق ثم قال له بايع فقال
اني رسول القوم فلا احدث حدثا حتى ارجع إليهم، فقال: أرأيت لو ان الذين ولوك بعثوك
رائدا تبتغي لهم مساقط الغيث فرجعت إليهم فأخبرتهم عن الكلا والماء، قال: فامدد إذا
يدك، قال كليب: فوالله ما استطعت أن أمتنع عند قيام الحجة علي فبايعته. وقوله (ع):
أول معرفة الله توحيده وأصل توحيده نفي الصفات عنه، الى آخر الخبر، وما أطنب
المتكلمون في الاصول إنما هو زيادة لتلك الجمل وشرح لتلك الاصول، فالامامية يرجعون
الى الصادق وهو الى آبائه والمعتزلة والزيدية يرويه لهم القاضي عبد الجبار بن أحمد
عن أبي عبد الله الحسين البصري وأبي اسحاق عباس عن أبي هاشم الجبائي عن أبيه أبي
علي عن أبي يعقوب الشحام عن أبي الهذيل العلاف عن أبى عثمان الطويل عن واصل بن عطا
عن أبى هاشم عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه محمد بن الحنفية عنه عليه السلام، قال
الوراق القمي:
علي لهذا الناس قد بين الذي * هم اختلفوا فيه ولم يتوهم
علي أعاش
الدين وفاه حقه * ولو لاه ما أفضى الى عشر درهم
ومنهم النحاة وهو واضع النحو لانهم
يروونه عن الخليل بن أحمد بن عيسى بن
[ 325 ]
عمرو الثقفي عن عبد الله بن اسحاق الحضرمي عن أبى عمرو بن
العلاء عن ميمون الافرن عن عنبسة الفيل عن أبى الاسود الدؤلي عنه (ع)، والسبب في
ذلك ان قريشا كانوا يزوجون بالانباط فوقع فيما بينهم أولاد ففسد لسانهم حتى ان بنتا
لخويلد الاسدي كانت متزوجة بالانباط فقالت: ان أبوي مات وترك علي مال كثير، فلما
رأوا فساد لسانها اسس النحو. وروي ان أعرابيا سمع من سوقي يقرأ: ان الله برئ من
المشركين ورسوله، فشج رأسه فخاصمه الى أمير المؤمنين فقال له في ذلك فقال: انه كفر
بالله في قراءته، فقال عليه السلام: انه لم يتعمد ذلك. وروي ان أبا الاسود كان في
بصره سوء وله بنية تقوده الى علي (ع) فقالت: يا ابتاه ما اشد حر الرمضاء ! تريد
التعجب فنهاها عن مقالتها فأخبر أمير المؤمنين بذلك فأسس. وروي ان ابا الاسود كان
يمشي خلف جنازة فقال له رجل من المتوفي فقال الله ثم اخبر عليا بذلك
فأسس. فعلى أي
وجه كان وقعه الى ابى الاسود وقال: ما احسن هذا النحو اجش له بالمسائل، فسمي نحوا.
قال ابن سلام: كانت الرقعة الكلام ثلاثة اشياء اسم وفعل وحرف جاء لمعنى فالاسم ما
انبأ عن المسمى والفعل ما انبأ عن حركة المسمى والحرف ما اوجد معنى في غيره. وكتب
علي بن أبو طالب فعجزوا عن ذلك، فقالوا: أبو طالب اسمه كنيته وقالوا: هذا تركيب مثل
دراخنا وحضر موت. وقال الزمخشري في الفايق: ترك في حال الجر على لفظه في حال الرفع
لانه اشتهر بذلك وعرف فجرى مجرى المثل الذي لا يغير. ومنهم الخطباء وهو أخطبهم، ألا
ترى الى خطبه مثل: التوحيد والشقشقية والهداية والملاحم واللؤلؤة والغراء والقاصعة
والافتخار والاشباح والدرة اليتيمة والاقاليم والوسيلة والطالوتية والقصبية
والنخيلة والسلمانية والناطقة والدامغة والفاضحة بل الى نهج البلاغة عن الشريف
الرضي وكتاب خطب أمير المؤمنين عليه السلام عن اسماعيل بن مهران السكوني عن زيد بن
وهب ايضا. قال الحميري:
من كان اخطبهم وانطقهم ومن * قد كان يشفى حوله البرحاء
من
كان انزعهم من الاشراك و * للعلم كان البطن منه خفاء
من ذا الذي امروا إذ اختلفوا
بأن * يرضوا به في امرهم قضاء
من قيل لولاه ولولا علمه * هلكوا وعانوا فتنة صماء
ومنهم الفصحاء والبلغاء وهو اوفرهم حظا، قال الرضى: كان أمير المؤمنين
[ 326 ]
مشرع الفصاحة وموردها ومنشأ البلاغة ومولدها ومنه ظهر مكنونها
وعنه اخذت قوانينها. الجاحظ في كتاب الغرة، كتب الى معاوية: غرك عزك فصار قصارى ذلك
ذلك فاخش فاحش فعلك فعلك تهدى بهدى. وقال (ع): من آمن أمن. وروى الكلبي عن ابى صالح
وابو جعفر بن بابويه باسناده عن الرضا عن آبائه عليهم السلام انه اجتمعت الصحابة
فتذاكروا ان الالف اكثر دخولا في الكلام فارتجل عليه السلام الخطبة المونقة التي
اولها: حمدت من عظمت منته وسبغت نعمته وسبقت رحمته وتمت كلمته ونفذت مشيته وبلغت
قضيته، الى آخرها. ثم ارتجل خطبة اخرى من غير النقط التي أولها: الحمد لله اهل
الحمد ومأواه وله اوكد الحمد واحلاه واسرع الحمد واسراه واظهر الحمد واسماه واكرم
الحمد واولاه، الى آخرها، وقد اوردتهما في المخزون المكنون. ومن كلامه: تخففوا
تلحقوا فانما ينتظر بأولكم آخركم، وقوله: ومن يقبض يده عن عشيرته فانما يقبض عنهم
بيد واحدة ويقبض منهم عنه أيد كثيرة ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة، وقوله:
من جهل شيئا عاداه، مثله (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه)، وقوله: المرء مخبو تحت
لسانه فإذا تكلم ظهر، مثله (ولتعرفنهم في لحن القول)، وقوله: قيمة كل امرئ ما يحسن،
مثله (ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)، وقوله: القتل يقل القتل،
مثله (ولكم في القصاص حياة) ومنهم الشعراء وهو أشعرهم، الجاحظ في كتاب البيان
والتبيين وفي كتاب فضايل بنى هاشم ايضا، والبلاذري في انساب الاشراف ان عليا أشعر
الصحابة وافصحهم واخطبهم واكتبهم. تاريخ البلاذري، كان أبو بكر يقول الشعر وعمر
يقول الشعر وعثمان يقول الشعر وكان علي اشعر الثلاثة. ومنهم العروضيون ومن داره
خرجت العروض، روي ان الخليل بن احمد اخذ رسم العروض عن رجل من اصحاب محمد الباقر أو
علي بن الحسين فوضع لذلك اصولا ومنهم اصحاب العربية وهو احكمهم، ابن الحريري البصري
في درة الغواص، وابن فياض في شرح الاخبار ان الصحابة قد اختلفوا في المؤودة فقال
لهم علي (ع) انها لا تكون مؤودة حتى يأنى عليها الثارات السبع، فقال له عمر: صدقت
اطال الله بقاك، اراد بذلك المبينة في قوله (ولقد خلقنا الانسان من سلالة) الآية،
فأشار انه
[ 327 ]
إذا استهل بعد الولادة ثم دفن فقد وئد. ومنهم الوعاظ وليس لاحد
من الامثال والبعر والمواعظ والزواجر ماله، نحو قوله: من زرع العدوان حصد الخسران،
من ذكر المنية نسى الامنية، من قعد به العقل قام به الجهل، يا اهل الغرور ما ابهجكم
بدار خيرها زهيد وشرها عتيد ونعيمها مسلوب وعزيزها منكوب ومسالمها محروم ومالكها
مملوك وتراشها متروك. وصنف عبد الواحد الامدي غرر الحكم من كلامه (ع). ومنهم
الفلاسفة وهو ارجحهم، قال (ع): انا النقطة ابا الخط انا الخط انا النقطة انا النقطة
والخط، فقال جماعة: ان القدرة هي الاصل والجسم حجابه والصورة حجاب الجسم لان النقطة
هي الاصل والخط حجابه ومقامه والحجاب غير الجسد الناسوتى. وسئل (ع) عن العالم
العلوي فقال: صور عارية عن المواد عالية عن القوة والاستعداد تجلى لها فأشرقت
وطالعها فتلالات والقى في هويتها مثاله فأظهر عنها افعاله وخلق الانسان ذا نفس
ناطقة ان زكاها بالعلم فقد شابهت جواهر اوايل عللها وإذا اعتدل مزاجها وفارقت
الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد. أبو علي بن سينا: لم يكن شجاعا فيلسوفا قط إلا
علي. الشريف الرضي: من سمع كلامه لا يشك انه كلام من قبع في كسر بيت أو انقطع في
سفح جبل لا يسمع إلا حسه ولا يري إلا نفسه ولا يكاد يوقن بأنه كلام من يتغمس في
الحرب مصلتا سيفه فيقط الرقاب ويجدل الابطال ويعود به ينطف دما ويقطر مهجا وهو مع
ذلك زاهد الزهاد وبدل الابدال. وهذه من فضايله العجيبة وخصايصة التي جمع بها بين
الاضداد، قال السوسي:
في كفه سبب الموت الوفي فمن * عصاه مد
لهُ من ذلك السبب
في فيه
سيف حكاه سيف راحته * سيان ذاك وذا في الخطب والخطب
لو قال للحي مت لم يحيي من رهب
* أو قال للميت عش ما مات من رعب
أو قال لليل كن صبحا لكان ولو * للشمس قال اطلعي
بالليل لم تغب
أو مد كفا الى الدنيا ليقلبها * هانت عليه بلا كد ولا تعب
ذاك الامام
الذي جبريل خادمه * ان ناب خطب ينب عنه ولا ينب
وعزرائيل مطواع له فمتى * يقل أمت
ذا يمل أو هبه لي يهب
رضوان راض به مولى ومالك * مملوك يطيعانه في كل منتدب
[ 328 ]
ومنهم المهندسون وهو أعلمهم، حفص بن غالب مرفوعا قال: بينا
رجلان جالسان في زمن عمر إذ مر بهما عبد مقيد فقال احدهما: ان لم يكن في قيده كذا
وكذا فامرأته طالق ثلاثا، وحلف الآخر بخلاف مقاله فسئل مولى العبد ان يحل قيده حتى
يعرف وزنه فأبي فارتفعا الى عمر فقال لهما: اعتزلا نساء كما، وبعث الى علي وسأله عن
ذلك فدعا باجانة فأمر الغلام ان يجعل رجله فيها ثم امر ان يصب الماء حتى غمر القيد
والرجل ثم علم في الاجانة علامة وامره ان يرفع قيده من رجله فنزل الماء من العلامة
فدعا بالحديد فوضعه في الاجانة حتى تراجع الماء الى موضعه ثم امر ان يوزن الحديد
فوزن فكان وزنه بمثل وزن القيد واخرج القيد فوزن فكان مثل ذلك فعجب عمر. التهذيب،
قال رجل لأمير المؤمنين: انى حلفت ان ازن الفيل، فقال: لم تحلفون بما لا تطيقون،
فقال: قد ابتليت، فأمر (ع) بقرقور فيه قصب فأخرج منه قصب كثير ثم علم صنع الماء
بقدر ما عرف صنع الماء قبل ان يخرج القصب ثم صير الفيل فيه حتى رجع الى مقداره الذي
كان انتهى إليه صنع الماء اولا ثم امر بوزن القصب الذي اخرج فلما وزن قال هذا وزن
الفيل، ويقال وضع كلكا وعمل المجداف واجري على الفرات ايام صفين. ومنهم المنجمون
وهو اكيسهم، سعيد بن جبير انه قال: استقبل أمير المؤمنين دهقان، وفى رواية قيس بن
سعدانه مزجان بن شاشوا استقبله من المداين الى جسر بوران فقال له: يا أمير المؤمنين
تناحست النجوم الطالعات وتناحست السعود بالنحوس فإذا كان مثل هذا اليوم وجب على
الحكيم الاختفاء و يومك هذا يوم صعب قد اقترن فيه كوكبان وانكفى فيه الميزان وانقدح
من برجك النيران وليس الحرب لك بمكان فقال أمير المؤمنين: ايها الدهقان المنبئ
بالاثار المخوف من الاقدار ما كان البارحة صاحب الميزان وفى أي برج كان صاحب
السرطان وكم الطالع من الاسد والساعات في الحركات وكم بين السراري والذراري، قال:
سأنظر الى الاصطرلاب، فتبسم أمير المؤمنين وقال له: ويلك يا دهقان انت مسير
الثابتات أم كيف تقضي على الجاريات واين ساعات الاسد من المطالع وما الزهرة من
التوابع والجوامع وما دور السراري المحركات وكم قدر شعاع المنيرات وكم التحصيل
بالغدوات ؟ فقال لا علم لي بذلك يا أمير المؤمنين، فقال له: يا دهقان هل نتج علمك
ان انتقل بيت ملك الصين واحترقت (مناقب ج 1، م 41)
[ 329 ]
دور بالزنج وخمد ؟ بيت نار فارس وانهدمت منارة الهند وغرقت
سرانديب وانقض حصن الاندلس ونبح بترك الروم بالرومية، وفى رواية: البارحة وقع بيت
بالصين وانفرج برج ماجين وسقط سور سر انديب وانهزم بطريق الروم بأرمينية وفقد ديان
اليهود بايلة وهاج النمل بوادي النمل وهلك ملك افريقية أكنت عالما بهذا ؟ قال لا يا
أمير المؤمنين وفي رواية: أظنك حكمت باختلاف المشتري وزحل إنما أنا لك في الشفق
ولاح لك شعاع المريخ في السحر واتصل جرمه بجرم القمر، ثم قال: البارحة سعد سبعون
الف عالم وولد في كل عالم سبعون الفا والليلة يموت مثلهم وهذا منهم وأومى بيده الى
سعد ابن مسعدة الحارثي وكان جاسوسا للخوارج في عسكره فظن الملعون انه يقول خذوه
فأخذ بنفسه فمات فخر الدهقان ساجدا فلما أفاق قال أمير المؤمنين ألم أروك من عين
التوفيق ؟ فقال بلى، فقال: أنا وصاحبي لا شرقيون ولا غربيون نحن ناشئة القطب وأعلام
الفلك أما قولك انقدح من برجك النيران فكان الواجب ان تحكم به لي لا علي اما نوره
وضياؤه فعندي واما حريقه ولهبه فذهب عني وهذه مسألة عميقه احسبها ان كنت حاسبا،
فقال الدهقان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وانك علي ولي الله ومنهم
الحساب وهو أوفرهم نصيبا، ابن أبي ليلى: ان رجلين تغديا في سفر ومع أحدهما خمسة
أرغفة ومع الآخر ثلاثة وواكلهما ثالث فأعطاهما ثمانية دراهم عوضا فاختصما وارتفعا
الى أمير المؤمنين (ع) فقال: هذا أمر فيه دناءة والخصومة فيه غير جميلة والصلح
أحسن، فأبى صاحب الثلاثة إلا مر القضاء فقال (ع): إذا كنت لا ترضى إلا بمر القضاء
فان لك واحدة من ثمانية ولصاحبك سبعة أليس كان لك ثلاثة أرغفة ولصاحبك خمسة ؟ قال
بلى، قال: فهذه أربعة وعشرون ثلثا أكلت منه ثمانية وللضيف ثمانية فلما أعطا كما
الثانية الدراهم كان لصاحبك سبعة ولك واحدة. ومنهم أصحاب الكيمياء وهو أكثرهم حظا،
سئل أمير المؤمنين عن الصنعة فقال: هي اخت النبوة وعصمة المروة والناس يتكلمون فيها
بالظاهر واني لاعلم ظاهرها وباطنها هي والله ما هي إلا ماء جامد وهواء راكد ونار
جائلة وأرض سائلة، وسئل في أثناء خطبته: هل الكيمياء يكون ؟ فقال: وهو كائن وسيكون،
فقيل من أي شئ هو ؟ فقال: انه من الزئبق الرجراج والاسرب والزاج والحديد المزعفر
وزنجار النحاس الاخضر الحور إلا توقف على عابرهن، فقيل: فهمنا لا يبلغ الى ذلك،
فقال: اجعلوا البعض أرضا واجعلوا البعض ماء وافلحوا الارض بالماء وقد تم، فقيل زدنا
يا أمير المؤمنين، فقال: لا زيادة عليه فان الحكماء القدماء ما زادوا عليه كيما
يتلاعب
[ 330 ]
به الناس. قال ابن رزيك:
علي الذي قد كان ناظر قلبه * يريه
عيانا ما وراء العواقب
علي الذي قد كان أفرس من علا * على صهوات الصافنات الشوارب
ومنهم الاطباء وهو اكثرهم فطنة، أبو عبد الله (ع) قال: كان أمير المؤمنين يقول: إذا
كان الغلام ملتاث الاذرة صغير الذكر ساكن النظر فهو ممن يرجى خيره ويؤمن شره وإذا
كان الغلام شديد الاذرة كبير الذكر حاد النظر فهو ممن لا يرجى خيره ولا يؤمن شره.
وعنه (ع) قال: يعيش الولد استة اشهر ولسبعة ولتسعة ولا يعيش لثمانية اشهر وعنه: لبن
الجارية وبولها يخرج من مثانة امها ولبن الغلام يخرج من العضدين والمنكبين، وعنه:
يشب الصبي كل سنة اربع اصابع بأصابع نفسه. وسأل رجل أمير المؤمنين عن الولد ما باله
تارة يشبه اباه وامه وتارة يشبه خاله وعمه ؟ فقال للحسين أجبه، فقال (ع): اما الولد
فان الرجل إذا اتى اهله بنفس ساكنة وجوارح غير مضطربة اعتلجت النطفتان كاعتلاج
المتنازعين فان علت نطفة الرجل نطفة المرأة جاء الولد يشبه اباه وإذا علت نطفة
المرأة نطفة الرجل شبه امه وإذا اتاها بنفس منزعجة وجوارح مضطربة غير ساكنة اضطربت
النطفتان فسقطتا عن يمنة الرحم وبسرته فان سقطت عن يمنة الرحمن سقطت على عروق
الاعمام والعمات فشبه اعمامه وعماته وان سقطت عن يسرة الرحم سقطت على عروق الاخوال
والخالات فشبه اخواله وخالانه ؟، فقام الرجل وهو يقول: الله اعلم حيث يجعل رسالاته،
وروي انه كان الخضر (ع). وسئل النبي صلى الله عليه وآله: كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر
الرجل ؟ قال: يلتقي الماء ان فإذا علاماء المرأة ماء الرجل انثت وان علاماء الرجل
ماء المرأة اذكرت. ومنهم من تكلم في علم المعاملة على طريق السوقية وهم يعترفون انه
الاصل في علومهم ولا يوجد لغيره إلا اليسير حتى قال مشايخهم: لو تفرغ الى اظهار ما
علم من علومنا لاغنى في هذا الباب. ومن فرط حكمته ما روي عن اسامة بن زيد وابي رافع
في خبر ان جبرئيل نزل على النبي فقال: يا محمد ألا ابشرك بخبيئة لذريتك فحدثه بشأن
التوراة وقد وجدها رهط من اهل اليمن بين حجرين اسودين وسماهم له، فلما قدموا على
رسول الله قال لهم: كما انتم حتى اخبركم بأسمائكم واسماء آبائكم وانتم وجدتم
التوراة وقد جئتم بها معكم،
[ 331 ]
فدفعوها له واسلموا فوضعها النبي صلى الله عليه وآله عند رأسه
ثم دعا الله باسمه فأصحبت عربية ففتحها ونظر فيها ثم رفعها الى علي بن ابي طالب
وقال: هذا ذكر لك ولذريتك من بعدي. أمير المؤمنين، في قوله (ورسلا قد قصصناهم عليك
ورسلا لم نقصصهم عليك) بعث الله نبيا اسود لم يقص علينا قصته. وكتب معاوية الى ابي
ايوب الانصاري: اما بعد فحاجيتك لا تنسى شيئا، فقال أمير المؤمنين: اخبره انه من
قتله عثمان وان من قتل عنده مثل الشيباء فان الشيباء لا تنسى قاتل بكرها ولا ابا
مخدرها ابدا. ومن وفور علمه (ع) انه عبر منطق الطير والوحوش والدواب، زرارة عن ابي
عبد الله قال: قال أمير المؤمنين: علمنا منطق الطير كما علمه سليمان بن داود وكل
دابة في بر أو بحر. ابن عباس قال: قال علي (ع): نقيق الديك (اذكروا الله يا غافلين)
وصهيل الفرس: (اللهم انصر عبادك المؤمنين على عبادك الكافرين)، ونهيق الحماران يلعن
العشارين وينهق في عين الشيطان، ونقيق الضفدع: (سبحان ربي المعبود المسبح في لحج
البحار)، وانيق القبرة: (اللهم العن مبغضي آل محمد)، قال العبدي:
وعلمك الذي علم
البرايا * وألهمك الذي لا يعلمونا
فزادك في الورى شرفا وعزا * ومجدا فوق وصف
الواصفينا
وروى سعيد بن طريف عن الصادق، وروى أبو امامة الباهلي كلاهما عن النبي في
خبر طويل واللفظ لابي امامة: ان الناس دخلوا على النبي وهنؤه بمولوده ثم قام رجل في
وسط الناس فقال: بأبي انت وامي يا رسول الله رأينا من علي عجبا في هذا اليوم، قال
وما رأيتم ؟ قال: اتيناك لنسلم عليك ونهنيك بمولودك الحسين فحجبنا عنك واعلمنا انه
هبط عليه مائة الف ملك واربعة وعشرون الف ملك فعجبنا من احصائه وعدده الملائكة،
فقال النبي: واقبل بوجهه إليه متبسما ما علمك انه هبط علي مائة واربعة وعشرون الف
ملك ؟ قال: بأبي انت وامي يا رسول الله سمعت مائة الف لغة واربعة وعشرين الف لغة
فعلمت انهم مائة واربعة وعشرون الف ملك، قال: زادك الله علما وحلما يا ابا الحسن:
الفايق عن الزمخشري انه سئل شريح عن امرأة طلقت فذكرت انها حاضت ثلاث حيضات في شهر
واحد فقال شريح: ان شهدت ثلاث نسوة من بطانة اهلها انها كانت تحيض قبل ان طلقت في
كل شهر فالقول قولها، فقال (ع): قالون - أي اصبت
[ 332 ]
بالرومية - وهذا إذا اتهمت المرأة. بصائر الدرجات عن سعد القمي
ان أمير المؤمنين (ع) حين اتى اهل النهر نزل قطقطا فاجتمع إليه اهل بادوريا فشكوا
ثقل خراجهم وكلموه بالنبطية وان لهم جيرانا اوسع ارضا منهم واقل خراجا، فأجابهم
بالنبطية زعرا وطائه من زعرا رباه، معناه دخن صغير خير من دخن كبير. وروي انه قال
(ع) لابنة يزدجرد: ما اسمك ؟ قالت: جهان بانويه، فقال: بل شهر بانويه، واجابها
بالعجمية. وانه عليه السلام قد فسر صوت الناقوس، ذكره صاحب مصباح الواعظ وجمهور
اصحابنا عن الحارث الاعور وزيد وصعصعة ابني صوحان والبراء بن سيرة والاصبغ بن نباتة
وجابر بن شرحبيل ومحمود بن الكواء انه قال (ع) يقول: سبحان الله حقا حقا، ان المولى
صمد يبقى، يحلم عنا رفقا رفقا، لو لا حلمه كنا نشقى، حقا حقا صدقا صدقا، ان المولى
يسائلنا، ويوافقنا ويحاسبنا، يا مولا بالاتهلكنا وتداركنا واستخدمنا، واستخلصنا
حلمك عنا، قد جرأنا عفوك عنا، ان الدنيا قد غرتنا، واشتغلتنا واستهوتنا، واستهلتنا
واستغوتنا، يابن الدنيا جمعا جمعا، يابن الدنيا مهلا مهلا، يابن الدنيا دقا دقا،
تفنى الدنيا قرنا قرنا، ما من يوم يمضي عنا، إلا يهوى مناركنا، قد ضيعنا دارا تبقى،
واستوطنا دارا تفنى، تفنى الدنيا قرنا قرنا، كلا موتا كلا موتا، كلا موتا كلا دفنا،
كلا فيها موتا كلا، فناء كلافيها موتا، نقلا نقلا دفنا دفنا، يابن الدنيا مهلا
مهلا، زن ما يأتي وزنا وزنا، لولا جهلي ما ان كانت، عندي الدنيا إلا سجنا، خيرا
خيرا شرا شرا، شيئا شيئا حزنا حزنا، ماذا من ذاكم ذا أم ذا، ترجو تنجو تخشى تردى،
عجل قبل الموت الوزنا، ما من يوم يمضي عنا، إلا أوهى مناركنا، ان المولى قد انذرنا،
إنا تحشر ؟ عزلا بهما. قال ثم انقطع صوت الناقوس فسمع الديراني ذلك وأسلم وقال: اني
وجدت في الكتاب ان في آخر الانبياء من يفسر ما يقول الناقوس. أجمعوا على ان خيرة
الله من خلقه هم المتقون لقوله (ان اكرمكم عند الله اتقاكم) ثم أجمعوا على ان خيرة
المتقين الخاشعون لقوله (وازلفت الجنة للمتقين غير بعيد) الى قوله (منيب)، ثم
أجمعوا على ان اعظم الناس خشية العلماء لقوله (إنما يخشى الله من عباده العلماء)،
وأجمعوا على ان اعلم الناس اهداهم الى الحق واحقهم ان يكون متبعا ولا يكون تابعا
لقوله (أفمن يهدي الى الحق أحق ان يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى)
[ 333 ]
وأجمعوا على أن أعلم الناس بالعدل أدلهم عليه وأحقهم أن يكون
متبعا ولا يكون تابعا لقوله (يحكم به ذوا عدل منكم)، فدل كتاب الله وسنة نبيه
وإجماع الامة على ان افضل هذه الامة بعد نبيها علي عليه السلام.
فصل: في المسابقة
الى الهجرة :
للصحابة الهجرة، وأولها الى الشعب وهو شعب ابي طالب و عبد المطلب
والاجماع انهم كانوا بني هاشم وقال الله تعالى فيهم (والسابقون الاولون من
المهاجرين والانصار)، وثانيها هجرة الحبشة. معرفة النسوي قال: أمرنا رسول الله ان
ننطلق مع جعفر الى ارض النجاشي فخرج في اثنين وثمانين رجلا. الواحدي، نزل فيهم
(إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) حين لم يتركوا دينهم ولما اشتد عليهم الامر
صبروا وهاجروا. ثالثها للانصار الاولين وهم العقبيون باجماع اهل الاثر وكانوا سبعين
رجلا واول من بايع فيه أبو الهيثم بن التيهان. ورابعها للمهاجرين الى المدينة
والسابق فيه: مصعب بن عمير وعمار بن ياسر وابو سلمة المخزومي وعامر بن ربيعة و عبد
الله بن جحش وابن ام مكتوم وبلال وسعد ثم ساروا ارسالا. قال ابن عباس نزل فيهم (ان
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين أووا ونصروا اولئك هم المؤمنون
حقا لهم مغفرة ورزق كريم والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فاولئك منكم
واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) ذكر المؤمنين ثم المهاجرين ثم
المجاهدين وفضل عليهم كلهم فقال (واولوا الارحام أولى ببعض)، فعلي (ع) سبقهم
بالايمان ثم بالهجرة الى الشعب ثم بالجهاد ثم سبقهم بعد هذه الثلاثة الرتب بكونه من
ذوي الارحام، فاما أبو بكر فقد هاجر الى المدينة إلا ان لعلي مزايا فيها عليه، وذلك
ان النبي أخرجه مع نفسه أو خرج هو لعلة وترك عليا للمبيت باذلا مهجته فبذل النفس
اعظم من الاتقاء على النفس في الهرب الى الغار، وقد روى أبو المفضل الشيباني
باسناده عن مجاهد قال: فخرج عايشة بأبيها ومكانه مع رسول الله في العار، فقال عبد
الله بن شداد بن الهاد: فأين أنت من على
[ 334 ]
ابن ابي طالب حيث نام في مكانه وهو يرى انه يقتل، فسكتت ولم تحر
جوابا. وشتان بين قوله (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) وبين قوله (لا
تحزن ان الله معنا)، وكان النبي صلى الله عليه وآله معه يقوي قلبه ولم يكن مع علي،
وهو لم يصبه وجع وعلي يرمى بالحجارة، وهو مختف في الغار وعلي ظاهر للكفار. واستخلفه
الرسول لرد الودايع لانه كان أمينا فلما أداها قام على الكعبة فنادى بصوت رفيع: يا
ايها الناس هل من صاحب امانة ؟ هل من صاحب وصية ؟ هل من عدة له قبل رسول الله ؟
فلما لم يأت احد لحق بالنبي وكان في ذلك دلالة على خلافته وامانته وشجاعته، وحمل
نساء الرسول خلفه بعد ثلاثة ايام وفيهن عايشة فله المنة على ابي بكر بحفظ ولده،
ولعلي (ع) المنة عليه في هجرته، وعلي ذو الهجرتين والشجاع البايت بين اربعمائة سيف،
وإنما أباته على فراشه ثقة بنجدته فكانوا محدقين به الى طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا
فيذهب دمه بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبايل. قال ابن عباس: فكان من بني عبد
شمس عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن هشام وابو سفيان، ومن بني نوفل طعمة بن عبدي وجبير بن
مطعم والحارث بن عمر، ومن بني عبدالدار النضر بن الحارث، ومن بني اسد ابوالبختري
وزمعة بن الاسود وحكيم بن حزام، ومن مخزوم أبو جهل، ومن بني سهم نبيه ومنبه ابنا
الحجاج، ومن بني جمح امية بن خلف ممن لا يعد من قريش، ووصى إليه في ماله واهله
وولده فأنامه منامه وأقامه مقامه وهذا دليل على انه وصيه. تاريخ الخطيب والطبري
وتفسير الثعلي والقزويني في قوله (وإذ يمكر بك الذين كفروا)، والقصة مشهورة جاء
جبرئيل الى النبي فقال له: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه فلما
كانت العتمة اجتمعوا على بابه يرصدونه فقال لعلي: نم على فراشي واتشح ببردي الحضرمي
الاخضر وخرج النبي، قالوا: فلما دنوا من علي عرفوه فقالوا: اين صاحبك ؟ فقال: لا
ادري أو رقيبا كنت عليه أمرتموه بالخروج فخرج. ابي رافع، ان النبي صلى الله عليه
وآله قال: يا علي ان الله قد أذن لي بالهجرة واني آمرك ان تبيت على فراشي وان قريشا
إذا رأوك لم يعلموا بخروجي. الطبري والخطيب والقزويني والثعلبي (ونجا الله رسوله من
مكرهم) وكان مكر الله تعالى بيات على على فراشه.
[ 335 ]
عمار وابو رافع وهند بن ابي هالة ان أمير المؤمنين (ع) وثب وشد
عليهم بسيفه فانحازوا عنه. محمد بن سلام في حديث طويل عن أمير المؤمنين: ومضى رسول
الله واضطجعت في مضجعه أنتظر مجئ القوم إلي حتى دخلوا علي فلما استوى بي وبهم البيت
نهضت إليهم بسيفي فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه الناس، فلما اصبح (ع) امتنع ببأسه
وله عشرون سنة واقام بمكة وحده مراغما لاهلها حتى ادى الى كل ذي حق حقه. محمد
الواقدي وابو الفرج النجدي وابو الحسن البكري واسحاق الطبراني ان عليا لما عزم على
الهجرة قال له العباس: ان محمدا ما خرج إلا خفيا وقد طلبته قريش اشد طلب وانت تخرج
جهارا في اناث وهو ادج ومال ورجال ونساء وتقطع بهم السباسب والشعاب من بين قبايل
قريش ما ارى لك ان تمضي إلا في خفارة خزاعة، فقال علي (ع):
ان المنية شربة مورودة *
لا تنزعن وشد للترحيل
ان ابن آمنة النبي محمدا * رجل صدوق قال عن جبريل
أرخ الزمام
ولا تخف من عائق * فالله يرديهم عن التنكيل
إني بربي واثق وبأحمد * وسبيله متلاحق
بسبيلي
قالوا: فكمن مهلع غلام حنظلة بن ابي سفيان في طريقه بالليل فلما رآه سل سيفه
ونهض إليه فصاح علي صيحة خز ؟ على وجهه وجلله بسيفه، فلما اصبح توجه نحو المدينة
فلما شارف ضجنان ادركه الطلب بثمانية فوارس وقالوا يا غدر اظننت انك ناج بالنسوة،
القصة. وكان الله تعالى قد فرض على الصحابة الهجرة وعلى علي المبيت ثم الهجره، ثم
انه تعالى قد كان امتحنه بمثل ما امتحن به ابراهيم باسماعيل و عبد المطلب بعبد
الله، ثم ان التفدية كانت دابه في الشعب فان كان بات أبو بكر في الغار ثلاث ليال
فان عليا بات على فراش النبي في الشعب ثلاث سنين، وفى رواية اربع سنين. العكبري في
فضايل الصحابة والفنجكردي ؟ في سلوة الشيعة ان عليا قال:
وقيت بنفسي من وطأ الحصى *
ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر
محمد لما خاف ان يمكروا به * فوقاه ربي ذو الجلال عن
المكر
وبت اراعيهم وما يثبتونني * وقد صبرت نفسي على القتل والاسر
[ 336 ]
وبات رسول الله في الغار آمنا * وذلك في حفظ
الإله وفي ستر
اردت به نصر الإله تبتلا * واضمرته حتى اوسد في قبري
وقال الحميري:
ومن ذا الذي قد
بات فوق فراشه * وادنى وساد المصطفى فتوسدا
وخمر منه وجهه بلحافه * ليدفع عنه كيد
من كان اكيدا
فلما بدا صبح يلوح تكشفت * له قطع من حالك اللون اسودا
ودارت به
احراسهم يطلبونه * وبالامس ما سب النبي واوعدا
انوا طاهرا والطيب الطهر قد مضى *
الى الغار يخشى فيه ان يتوردا
فهموا به ان يقتلوه وقد سطوا * بأيديهم ضربا مقيما
ومقعدا
وله ايضا:
وليلة كاد المشركون محمدا * شرى نفسه لله إذ بت لا نشري
فبات
مبيتا لم يكن ليبيته * ضعيف عمود القلب منتفح السحر
وله ايضا:
باتوا وبات على
الفراش ملفقا * فيرون ان محمدا لم يذهب
حتى إذا طلع الشميط كأنه * في الليل صفحة خد
ادهم معرب
ثار والاحداج الفراش فصادفت * غير الذي طلبت اكف الخيب
فوقاه بادرة
الحتوف بنفسه * حذرا عليه من العدو المجلب
حتى تغيب عنهم في مدخل * صلى الاله عليه
من متغيب
وله ايضا:
وسرى النبي وخاف ان يسطى به * عند انقطاع مواثق ومعاهد
واتى
النبي فبات فوق فراشه * متدثرا بدثاره كالراقد
وذكت عيون المشركين ونطقوا * ابيات
آل محمد بمراصد
حتى إذا ما اصبح لاح كأنه * سيف تخرق عنه غمد الغامد
ثاروا وظنوا
انهم ظفروا به * فتعاوروه وخاب كيد الكايد
فوقاه بادرة الحتوف بنفسه * ولقد تنوول
راسه بجلامد "
مناقب ج 1، م 42 "
[ 337 ]
وله ايضا:
وبات على فراش أخيه فردا * يقيه من العتاة الظالمينا
وقد كنت رجال من قريش بأسياف يلحن إذا انتضينا
فلما ان أضاء الصبح جاءت * عداتهم
جميعا مخلفينا
فلما أبصروه تجنبوه * وما زالوا له متجنبينا
وقال ابن علوية:
أمن شرى
لله مهجة نفسه * دون النبي عليه ذا تكلان
هل جاد غير أخيه ثم بنفسه * فوق الفراش
يغط كالنعسان
وقال الصاحب:
هل مثل فعلك في ليل الفراش وقد * فديت بالروح ختام
النبيبنا
وقال المرزكي:
ونام على الفراش له فداء * وأنتم في مضاجعكم رقود
وقال ابن
طوطي:
ولما سرى الهادي النبي مهاجرا * وقد مكر الاعداء والله أمكر
ونام علي في
الفراش بنفسه * وبات ربيط الجاش ما كان يذعر
فوافوا بياتا والدجى متقوض * وقد لاح
معروف من الصبح اشقر
فألفوا أبا شبلين شاكي سلاحه * له ظفر من صائك الدم أحمر
فصال
علي بالحسام عليهم * كما صال في العريس ليث غضنفر
فولوا سراعا نافرين كأنما * هم
حمر من قسور الغاب تنفر
فكان مكان المكر حيدرة الرضا * من الله لما كان بالقوم يمكر
وقال الزاهي:
بات على فرش النبي آمنا * والليل قد طافت به احراسه
حتى اذاما هجم
القوم على * مستيقظ ينصله اشماسه
ثار إليهم فتولوا مزقا * يمنعهم عن قربه حماسه
وقال الناشي:
وقي النبي بنفس كان يبذلها * دون النبي قرير العين محتسبا
حتى إذا ما
أتاه القوم عاجلهم * بقلب ليث يعاف الرشد ما وجبا
[ 338 ]
فسائلوه عن الهادي فشاجرهم * فخوفوه فلما خافهم وثبا
وقال ابن
دريد الاسدي:
أولم يبت عنه أبو حسن * والمشركون هناك ترصده
متلففا ليرد كيدهم *
ومهاد خير الناس ممهده
فوقى النبي ببذل مهجته * وبأعين الكفار منجده
وقال دعبل:
وهو
المقيم على فراش محمد * حتى وقاه كايدا ومكيدا
وهو المقدم عند حو مات الندى * ما
ليس ينكر طارفا وتليدا
وقال مهيار:
وأحق بالتمييز عند محمد * من كان منهم منكبيه
راقيا
من بات عنه موقيا حوباؤه * حذر العدا فوق الفراش وقاديا
وقال العبدي:
ما لعلي
سوى أخيه * محمد في الورى نظير
فداه إذ أقبلت قريش * عليه في فرشه الامير
وافاه في
خم وارتضاه * خليفة بعده وزير
وقال لاأجل المرتضى:
وهو الذي ما كان دين ظاهر * في
الناس لو لا رمحه وحسامه
وهو الذي لا يقتضى في موقف * اقدامه نكص به اقدامه
ثانيه
في كل الامور وحصنه * في الباينات وركنه ودعامه
لله در بلائه ودفاعه * فاليوم يغشى
الدالعين قتامه
وكأنما اجم العوالي غيله * وكأنما هو بينه ضرغامه
طلبوا مداه فقاتهم
سبقا الى * أمد يشق على الرجال مرامه
وقال العوني:
أبن لي من كان المقدم في الوغى *
بمهجته عن وجه احمد دافعا
أبن لي من في القوم جدل مرحبا * وكان لباب الحصن بالكف
قالعا
ومن باع منهم نفسه واقيا بها * نبي الهدى في الفرش أفديه يافعا
وقد وقفوا طرا
بجنب مبيته * قريش تهز المرهفات القواطعا
[ 339 ]
ومولاي يقظان يرى كل فعلهم * فما كان مجزاعا من القوم فازعا
وقال شاعر آخر:
وليلته في الفرش إذ صمدت له * عصايب لا نالوا عليه انهجامها
فلما
تراؤا ذا الفقار بكفه * أطار بها خوف الردى وأهامها
وكم كربة عن وجه أحمد لم يزل *
يفرجها قدما وينفي اهتمامها
كلما كانت المحنة أغلظ كان الاجر أعظم وأدل على شده
الاخلاص وقوة البصيرة، والفارس يمكنه الكر والفر والروغان والجولان، والراجل قد
ارتبط روحه وأوثق نفسه والحج بدنه محتسبا صابرا على مكروه الجراح وفراق المحبوب
فكيف النائم على الفراش بين الثياب والرياش نزل قوله (ومن الناس من يشري نفسه
ابتغاء مرضاة الله) في علي (ع) حين بات على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله رواه
ابراهيم الثقفي، والفلكي الطوسي بالاسناد عن الحكم عن السدي، وعن أبي مالك عن ابن
عباس ورواه أبو المفضل الشيباني باسناده عن زين العابدين (ع)، وعن الحسن البصري عن
أنس، وعن أبي زيد الانصاري عن أبي عمرو بن العلاء، ورواه الثعلبي عن ابن عباس
والسدي ومعبد انها نزلت في علي بن مكة والمدينة لما بات علي على فراش رسول الله
فضايل الصحابة عن عبد الملك العكبري، وعن أبي المظفر السمعاني باسنادهما عن علي بن
الحسين عليهما السلام قال: أول من شرى نفسه لله علي بن أبي طالب كان المشركون
يطلبون رسول الله فقام من فراشه وانطلق هو وأبو بكر واضطجع علي على فراش رسول الله
فجاء المشركون فوجودا عليا ولم يجدوا رسول الله صلى الله عليه وآله. الثعلبي في
تفسيره، وابن عقب في ملحمته، وأبو السعادات في فضايل العشرة، والغزالي في الاحياء
وفى كيمياء السعادة أيضا برواياتهم عن أبي اليقظان، وجماعة من اصحابنا ومن ينتمي
الينا نحو: ابن بابويه وابن شاذان والكليني والطوسي وابن عقدة والبرقي وابن فياض
والعبد لي والصفواني والثقفي بأسانيدهم عن ابن عباس وأبي رافع وهند بن أبي هالة انه
قال رسول الله: أوحى الله الى جبرئيل وميكائيل اني آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما
أطول من عمر صاحبه فأيكما يؤثر أخاه ؟ فكلاهما كرها الموت فأوحى الله اليهما ألا
كنتما مثل وليي طالب آخيت بينه وبين محمد بني فآثره بالحياة على نفسه ثم ظل اؤرقه
على فراشه يقيه بمهجته اهبطا الى الارض جميعا فاحفظاه من عدوه، فهبط جبرئيل فجلس
عند رأسه وميكائيل عند رجليه وجعل
[ 340 ]
جبرئيل يقول: بخ بخ من مثلك يابن أبي طالب والله يباهي به
الملائكة، فأنزل الله (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله)، قال الشاعر:
يجود بالنفس إذ ضمن الجواد بها * والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وقال ابن حماد:
باهى به الرحمن أملاك العلى * لما انثنى من فرش احمد يهجع
يا جبرئيل وميكائيل فانني
* آخيت بينكما وفضلي أوسع
أفأن بدا في واحد أمرى فمن * يفدي أخاه من المنون ويقنع
فتوثقا كل يضمن بنفسه * قال الإله أنا الاعز الارفع
ان الوصي فدى أخاه بنفسه *
ولفعله زلفى لدي وموضع
فلتهبطا ولتمنعا من رامه * أم من لم بمكيده يتسرع
وقال خطيب
خوارزم:
علي في مهاد الموت عار * وأحمد مكنس غار اغتراب
يقول الروح بخ بخ يا علي *
فقد عرضت روحك لانتهاب
فصل: في المسابقة بالجهاد :
اجتمعت الامة ووافق الكتاب والسنة
ان لله خيرة من خلقه وان خيرته من خلقه المتقون قوله (ان أكرمكم عند الله أتقاكم)،
وان خيرته من المتقين المجاهدون (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين
درجة)، وان خيرته من المجاهدين السابقون الى الجهاد قوله (لا يستوي من أنفق من قبل
الفتح وقاتل) الآية، وان خيرته من المجاهدين أكثرهم عملا في الجهاد، واجتمعت الامة
على ان السابقين الى الجهاد هم البدريون وان خيرة البدربين علي فلم يزل القرآن يصدق
بعضه بعضا باجماعهم حتى دلوا بأن عليا خيرة هذه الامة بعد نبيها، قال العلوي
البصري:
ولو يستوي بالنهوض الجلوس * لما بين الله فضل الجهاد
قوله تعالى: (يا ايها
النبي جاهد الكفار والمنافقين) فجاهد النبي صلى الله عليه وآله الكفار في حياته
وأمر عليا (ع) بجهاد المنافقين، قوله: تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وحديث
خاصف النعل، وحديث كلاب الحوأب، وحديث تقتلك الفئة الباغية، وحديث ذى الثدية وغير
ذلك، وهذا من صفات الخلفاء، ولا يعارض ذلك يقتال
[ 341 ]
أهل الردة لان النبي كان أمر عليا بقتال هؤلاء باجماع أهل الاثر
وحكم المسمين أهل الردة لا يخفى على منصف. المعروفون بالجهاد علي وحمزة وجعفر
وعبيدة بن الحارث والزبير وطلحة وأبو دجانة وسعد بن أبي وقاص والبراء بن عازب وسعد
بن معاذ ومحمد بن مسلمة، وقد اجتمعت الامة على ان هؤلاء لا يقاسون بعلي في شوكته
وكثرة جهاده، فاما أبو بكر وعمر فقد تصفحنا كتب المغازي فما وجدنا لهما فيه أثرا
البتة. وقد اجتمعت الامة على ان عليا كان المجاهد في سبيل الله والكاشف الكروب عن
وجه رسول الله المقدم في ساير الغزوات إذا لم يحضر النبي صلى الله عليه وآله وإذا
حضر فهو تاليه وصاحب الراية واللواء معا وما كان قط تحت لواء جماعة أحد ولا فر من
زحف وانهما فرا في غير موضع وكانا تحت لواء جماعة. واستدل اصحابنا بقوله (ليس
البران تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وجاهد
في سبيل الله) ان المعني بها أمير المؤمنين لانه كان جامعا لهذه الخصال بالانفاق
ولا قطع على كون غيره جامعا لها، ولهذا قال الزجاج والفراء كأنها مخصوصة بالانبياء
والمرسلين، وقال الزاهي:
أيجعل سيد الثقلين شبها * لما لا يرتضيه له غلاما
الى من
قط لم يهزم شجاعا * ولم يحمل بقبضته حساما
ابن عباس في قوله (وله أسلم من في
السماوات والارض) قال: أسلمت الملائكة في السماوات والمؤمنون في الارض وأولهم علي
إسلاما ومع المشركين قتالا وقاتل من بعده المقاتلين ومن أسلم كرها. تفسير عطاء
الخراساني قال ابن عباس في قوله (ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) أي قوى ظهرك بعلي
بن أبي طالب. أبو معاوية الضرير عن الاعمش عن مجاهد في قوله (هو الذي أيدك بنصره)
أي قومك بأمير المؤمنين وجعفر وحمزة وعقيل، وقد روينا نحو ذلك عن الكلبي عن أبي
صالح عن أبي هريرة. كتاب أبي بكر الشيرازي قال ابن عباس (وقل رب ادخلني مدخل صدق
واخرجني مخرج صدق) يعني مكة (واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا) قال: لقد استجاب الله
لنبيه دعاءه وأعطاه علي بن أبي طالب سلطانا ينصره على أعداءه.
[ 342 ]
العكبري في فضايل الصحابة عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله يوم
فتح مكة متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول: اللهم ابعث إلي من بني عمي من يعضدني، فهبط
عليه جبرئيل كالغضب فقال: يا محمد أو ليس قد أيدك الله بسيف من سيوف الله مجرد على
أعداء الله - يعني بذلك علي بن ابي طالب عليه السلام. أبوالمضابيح مولى الرضا عن
الرضا عن آبائه عليهم السلام في قوله (لننصرون رسلنا والذين آمنوا) قال: منهم علي
بن أبي طالب عليه السلام، قال الناشي:
أيا ناصر المصطفى أحمد * تعلمت نصرته من
أبيكا
وناصبت نصابه عنوة * فلعنة ربي على ناصبيكا
ولو آمنوا بني الهدى * وبالله ذى
الطول ما ناصبوكا
وقال غيره:
كان يصير له سيف الرشاد انتضى * سل على كل من عن أمره
أعرضا
قوله (ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيل الله صفا كأنهم بنيان مرصوص) وكان
(ع) إذا صف في القتال كأنه بنيان مرصوص وما قتل المشركين قتله أحد. سفيان الثوري،
كان علي بن أبي طالب عليه السلام كالجبل بين المسلمين والمشركين أعز الله به
المسلمين وأذل به المشركين. قال العوني:
فلك النجاة وباب للجنان غدا * وملتجى وصراط
غير ذي جنف
جنب عزيز يلوذ اللائذون به * حبل متين قوي محكم الطرف
ويقال انه نزل فيه
(وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم). أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام نزل
قوله (ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة) في أمير المؤمنين وفى حديث جبير: أنت اول من آمن
بي واول من جاهد معي واول من ينشق عنه القبر. وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا
خرج من بيته تبعه أحداث المشركين يرمونه بالحجارة حتى أدموا كعبة وعرقوبيه وكان علي
(ع) يحمل عليهم فينهزمون فنزل (كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة). ولا خلاف ان اول
مبارز في الاسلام علي وحمزة وابو عبيدة بن الحارث في يوم بدر. قال الشعبي: ثم حمل
علي على الكتيبة مصمما وحده واجتمعت الامة انه ما رأى أحد ادعيت له الامامة عمل في
الجهاد ما عمل علي، قال الله تعالى (ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو
نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح)، ولقد فسر قوله (ولقد كنتم تمنون الموت) يعني عليا
لان الكفار كانوا يسمونه الموت الاحمر سموه
[ 343 ]
يوم بدر لعظم بلائه ونكايته، قال العوني:
من اسمه الموت في
القرآن فهل * يسبقه في الحروب من هربا
ومن رأى وحده مبارزه * إلا رأى الموت منه
والعطبا
قال المفسرون: لما أسر العباس يوم بدر أقبل المسلمون فعيروه بكفره بالله
وقطيعة الرحم وأغلظ علي له القول فقال العباس: مالكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون
محاسننا، فقال علي (ع): ألكم محاسن ؟ قال: نعم انا لنعمر المسجد الحرام ونحجب
الكعبة ونستقي الحاج ونفك العاني، فأنزل الله تعالى ردا على العباس ووفاقا لعلي بن
أبي طالب (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله) الآية، ثم قال: (إنما يعمر مساجد
الله) الآية، ثم قال: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله
واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله). وروى اسماعيل بن خالد عن عامر وابن جريح عن عطاء
عن ابن عباس، ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس، والسدي عن أبي صالح وابن أبى خالد،
وزكريا عن الشعبي انه نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب. الثعلبي والقشيري
والجبائي والفلكي في تفاسيرهم، والواحدي في أسباب نزول القرآن عن الحسن البصري
وعامر الشعبي ومحمد بن كعب القرطي، وروينا عن عثمان ابن أبي شيبة ووكيع بن الجراح
وشريك القاضي ومحمد بن سيرين ومقاتل بن سليمان والسديري وأبي مالك ومرة الهمداني
وابن عباس انه افتخر العباس بن عبد المطلب فقال: انا عم محمد وأنا صاحب سقاية
الحجيج فأنا أفضل من علي بن أبي طالب، وقال شيبة بن عثمان أو طلحة الداري أو عثمان:
وأنا اعمر بيت الله الحرام وصاحب حجابته فأنا أفضل، وسمعهما علي (ع) وهما يذكران
ذلك فقال: أنا أفضل منكما لقد صليت قلبكما ست سنين، وفي رواية: سبع سنين وأنا اجاهد
في سبيل الله، وفي رواية الحسكاني عن أبي بريدة ان عليا قال: استحييت لكل فقد اوتيت
على صغرى ما لم تؤتيا فقالا: وما اوتيت يا علي ؟ قال: ضربت خراطيمكما بالسيف حتى
آمنتما بالله وبرسوله، فشكا العباس ذلك الى النبي فقال: ما حملك على ما استقبلت به
عمك ؟ فقال: صدمته بالحق فمن شاء فليغضب ومن شاء فليرض، فنزلت هذه الآية، قال
الناشي:
إذ فاخر العباس عم المصطفى * لعلي المختار صهر محمد
بعمارة البيت المعظم
شأنه * وسقاية الحجاج وسط المسجد
[ 344 ]
فأتى بها جبريل عن رب السما * يقري السلام علي النبي المهتدي
أجعلتم سقي الحجيج وما يرى * من ظاهر الاستار فوق الجلمد ؟
كالمؤمنين الضاربي هام
العدى * وسط العجاج بساعد لم يرعد
وقال البشنوي:
يا قاري القرآن مع تأويله * مع كل
محكمة أتت في حال
أعمارة البيت المحرم مثله * وسقاية الحجاج في الامثال
أم مثلى
التيمي أم عدويهم * هل كان في حال من الاحوال
لا والذي فرض علي وداده * ما عندي
العلماء كالجهال
وقال خطيب منبج:
وقال جعلتم السقيا كمن لا * يزال مجاهدا لا
يستوونا
وقال القاضي بن قابوس المصري:
يا سيد العالم طرا * بدوهم والحضر
ان عظموا سقي
الحجيج * فأنت ساقي الكوثر
أنت الامام المرتضى * وشفيعنا في المحشر
في بعض التفاسير
انه نزل قوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر) الآية في علي (ع) لانه
قتل عشيرته مثل عمرو بن عبدود والوليد بن عتبة في خلق، قال أبقراط النصراني:
أما رد
عمروا يوم سلع بباتر * كأن على جنبيه لطخ العنادم
وعاد بن معدى نحو أحمد خاضعا *
كشارب اثل في خطام الغمائم
وعاديت في الله القبايل كلها * ولم تخش في الرحمن لومة
لائم
وكنت أحق الناس بعد محمد * وليس جهول القوم فضلا كعالم
" المناقب ج 1، م 43 "
