أبو طالب حامي الرسول

نجم الدين العسكري


 

[1]

أبو طالب عليه السلام

حامي الرسول وناصره صلى الله عليه واله وسلم

تأليف

نجم الدين العسكري

مطبعة الاداب

في النجف الاشرف 1380 هج‍


 

[2]

بسم الله الرحمن الرحيم

ابو طالب عليه السلام حامي الرسول وناصره

 

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين نبي الرحمة الذي علمه الله تبارك وتعالى علم الاولين والآخرين الحاوي جميع الكمالات والمنزه من كل نقص وشين ثم الصلاة والسلام على اعمامه الغر الميامين، اللذين آمنوا به وبما جاء به من عند رب العالمين.

 وبعد يقول العبد الفاني نجم الدين الشريف العسكري، الداعي لتأليف هذا المختصر وامثاله هو ما عثرت عليه عند مطالعاتي لكتب بعض علماء المسلمين من امور نسبوها إلى نبيهم صلى الله عليه وآله والى اعمامه الكرام عليهم السلام وهي امور لو تتبع مصادرها ومسانيدها علم علم اليقين ان جميع ذلك من حساد بني هاشم واعدائهم كبني امية واتباعهم ومن تلك الامور ما نسبوه إلى سيد البشر وسيد الانبياء عليه وعليهم السلام انه كان اميا يجهل القراءة والكتابة وبقي اميا إلى ان توفاه الله، وعثرت ايضا على جمع من علماء المسلمين انكروا ذلك وكتبوا ردا على قائله ومن بعض تلك الامور ما نسبوه إلى من رباه وحماه ونصره طول حياته إلى ان توفاه الله وهو أبو طالب مؤمن قريش ومن بذل نفسه ونفسيه في نصرة الرسول ونصرة الحق ونصرة ما جاء به من الله تعالى حتى انتشر ولولاه ما عرف الحق وما اتبعه احد من الخلق اجمعين وذلك انه عليه السلام عرف الحق وما تبعه وما آمن به إلى ان اتاه اليقين وقد انكر ذلك جميع الامامية وجماعة من غيرهم وكتبوا ردا على قائله وقد طبع بعض ذلك وبقى كتب كثيرة


 

[3]

منها لم يطبع فاحببت ان اجمع منها في هذا المختصر جمعا يناسب هذا العصر حتى انزه به ساحة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وابرء مقام عمه الاكرم أبو طالب عليه السلام مما نسبوه إليه نصرة للحق وخدمة لمن بذلوا نفسهم ونفسيهم في احياء الدين الحنيف والشريعة السهلة السمحة الذي يصلح به جميع ما فسد من امور الخلق اجمعين، فاحمد الله الرؤف الرحيم على ما وفقني لجمع ما نزهت به سيد البشر وسيد الخلق اجمعين محمد صلى الله عليه وآله وسميت ما جمعت (نبينا محمد صلى الله عليه وآله يقرأ ويكتب) وقد طبع واشكر الله العلي القدير العظيم على ما وفقني لجمع ما يبرء ساحة عم الرسول صلى الله عليه وآله وحاميه وناصره شيخ ابطح ومؤمن قريش أبو طالب عليه السلام وهو هذا المختصر وسميته (أبو طالب عليه السلام حامي الرسول صلى الله عليه وآله وناصره) فاقول مستعينا بالله العلي العظيم ان من مختصات امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام.

 


 

[4]

 

أحوال أبي طالب

حامي الرسول وناصره صلى الله عليهما وعلى آلهما)

 

نورد هنا بعض ما روي في احوال والد امير المؤمنين مؤمن قريش وحامي رسول الله صلى الله عليه وآله وناصره طول حياته حتى شاع وذاع دينه القويم وصراطه المستقيم.

 (قال المؤلف) من راجع كتب التأريح والحديث والتفسير لعلماء أهل السنة والامامية عليهم الرحمة والرضوان يجد فيها أفعالا واقوالا في النثر والشعر، تدل على أن ابا طالب عليه السلام كان مؤمنا بالله موحدا ومؤمنا بجميع الانبياء آدم ومن بعده عليهم السلام وكان عالما بانه سيبعث الله تبارك وتعالى من بني هاشم نبيا ووصيا له وكان ينتظرهما طول حياته عليه السلام فلما من الله تعالى على خلقه وولدا في أشرف بقعة من الدنيا ومن أفضل والدين عرفهما وآمن بهما قبل كل أحد ولكن لمصلحة العصر والوقت ولان يتمكن من حفظهما عليهما السلام وحفظ من آمن بهما أخفى عن الناس وعلى الاخص من كفار قريش إيمانه بهما ولم يتابعهما في العبادات التي كانا يقومان به، في الظاهر كل ذلك تقية أو اتقاء، وبالتامل فيما يأتي مما نذكره من أفعاله وأقواله عليه السلام يظهر صدق ما ذكرناه فراجع وتأمل فيها بدقة واترك التعصب الباطل والتقليد لمن لا يستحق ذلك (خرج) العلامة شيخ الاسلام الشيخ سليمان القندوزي الحنفي في كتابه (يبابيع المودة ص 255 طبع اسلامبول سنة 1301 ه‍) من المودة الثامنة من كتاب مودة القربى تأليف العلامة السيد علي بن شهاب الهمداني الشافعي وقد نقل جميع ذلك الكتاب في ينابيع المودة (من ص 242 إلى ص 266)


 

[5]

فقال ما هذا لفظه (عن) عباس بن عبد المطلب (عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم) قال لما ولدت فاطمة بنت أسد عليا (عليه السلام) (في بيت الله الحرام) سمته باسم أبيها أسد، فلم يرض أبو طالب بهذا الاسم فقال (لها) هلم حتى نعلو أبا قبيس ليلا وندعو خالق الخضراء فلعله أن ينبئنا في اسمه فلما أمسيا خرجا وصعدا أبا قبيس، ودعيا الله تعالى فانشأ يقول أبو طالب:

يا رب هذا الغسق الدجي *** والفلق المبتلج المضي

بين لنا عن أمرك المقضي *** بما نسمي ذلك الصبي

فإذا خشخشة من السماء، فرفع أبو طالب طرفه، فإذا لوح مثل الزبرجد الاخضر فيه أربعة أسطر فاخذه بكلتا يديه وضمه إلى صدره ضما شديدا فإذا مكتوب (قيه).

 خصصتما بالولد الزكي *** والطاهر المنتجب الرضي

وإسمه من قاهر علي *** علي اشتق من العلي

فسر أبو طالب سرورا عظيما، وخر ساجدا لله تبارك وتعالى وعق بعشرة من الابل، وكان اللوح معلقا في بيت الله الحرام يفتخر به بنو هاشم على قريش حتى غاب زمان قتال الحجاج بن الزبير.

 (قال المؤلف) لم يغب بل سرق وستعرف سارقه فيما يأتي وقد نقل الابيات الكنجي الشافعي محمد ين يوسف بن محمد في كتابه كفاية الطالب (ص 260) طبع النجف الاشرف، وفيها اختلاف في بعض الكلمات وهذا نص الفاظه:

يا رب هذا الغسق الدجي *** والقمر المنبلج المضي

بين لنا من أمرك الخفي *** ماذا ترى في اسم ذا الصبي


 

[6]

قال فسمع صوت هاتف يقول:

يا أهل بيت المصطفى النبي *** خصصتم بالولد الزكي

إن اسمه من شامخ علي *** علي اشتق من العلي

(قال المؤلف) وخرج الابيات في المناقب (ج 1 ص 359) عن أبي علي همام (قال): رفعه، أنه لما ولد علي عليه السلام أخذ أبو طالب بيد فاطمة وعلي على صدره وخرج إلى الابطح ونادى:

يا رب يا ذا الغسق الدجي *** والقمر المنبلج المضي

بين لنا من حكمك المقضي *** ماذا ترى في إسم ذا الصبي

قال فجاء شئ يدب على الارض كالسحاب حتى حصل في صدر أبي طالب فضمه مع علي إلى صدره، فلما أصبح إذا هو بلوح أخضر فيه مكتوب:

خصصتما بالولد الزكي *** والطاهر المنتجب الرضي

فاسمه من شامخ علي *** علي اشتق من العلي

قال فعلقوا اللوح في الكعبة، وما زال هناك حتى اخذه هشام بن عبد الملك، (قال المؤلف): وهو السارق للوح كما اشرنا سابقا (ثم قال): اجتمع أهل البيت (عليهم السلام) أنه (عليه السلام) (ولد) في الزاوية اليمنى من ناحية البيت (أي الكعبة المشرفة).

 (قال المؤلف) فاهل البيت أدرى بمن ولد في البيت، وفي اي مكان منه ولد، والاولاد اعرف باحوال آبائهم من غيرهم، وقد أمرنا بالتمسك بهم، واتباعهم في جميع الامور لانهم أحد الثقلين اللذين تركهما رسول الله صلى الله عليه وآله في أمته وقال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وقد اثبتنا هذا


 

[7]

الحديث في الجزء الاول من كتابنا (محمد وعلي وبنوه الاوصياء) بطرق عديدة من كتب علماء أهل السنة.

(ثم قال أعلى الله مقامه) فالولد الطاهر من النسل الطاهر ولد في الموضع الطاهر، فاين توجد هذه الكرامة لغيره فاشرف البقاع الحرم، واشرف بقاع المسجد الكعبة، ولم يولد (قبله ولا بعده) فيه مولود سواه، فالمولود فيه يكون في غاية الشرف، فليس المولد في سيد الايام يوم الجمعة في الشهر الحرام في البيت الحرام سوى أمير المؤمنين (علي بن ابي طالب) عليهما السلام.

 (وفي المناقب ج 1 ص 358) عن يزيد بن قعنب وجابر الانصاري (قالا) إنه كان راهب يقال له المثرم بن دعيب قد عبد الله مائة وتسعين سنة ولم يسأله حاجة فسأل ربه ان يريه وليا له، فبعث الله بابي طالب إليه فسأله عن مكانه وقبيلته، فلما أجابه وثب إليه وقبل رأسه وقال: الحمد لله الذي لم أمت حتى أراني وليه، ثم قال: ابشر يا هذا ان الله ألهمني أن ولدا يخرج من صلبك هو ولي الله، اسمه علي، فان أدركته فاقرأه مني السلام، فقال ما برهانه ؟ قال: ما تريد قال: طعام من الجنة في وقتي هذا، فدعا الراهب بذلك، فما استتم دعاؤه حتى أتي بطبق عليه من فاكهة الجنة رطب وعنب ورمان، فتناول رمانة فتحولت ماء في صلبه فجامع فاطمة فحملت بعلي وأرتجت الارض وزلزلت بهم أياما وعلت قريش بالاصنام إلى ذروة أبي قبيس، فجعلت ترتج ارتجاجا تدكدكت بهم صم الصخور وتناثرت وتساقطت الآلهة على وجوهها فصعد أبو طالب الجبل وقال: أيها الناس ان الله قد أحدث في هذه الليلة حادثة وخلق فيها خلقا إن لم تطيعوه وتقروا بولايته وتشهدوا بامامته لم يسكن ما بكم فاقروا به فرفع يده وقال: آلهي وسيدي بالمحمدية المحمودة، وبالعلوية


 

[8]

العالية، وبالفاطمية البيضاء، إلا تفضلت على تهامة بالرأفة والرحمة، فكانت العرب تدعو بها في شدايدها في الجاهلية وهي لا تعلمها، فلما قربت ولادته أتت فاطمة إلى بيت الله وقالت: ربي اني مؤمنة بك وبما جاء من عندك من الرسل والكتب، مصدقة بكلام جدي ابراهيم، فبحق الدي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسرت علي ولادتي، فانفتح البيت (من ظهره) ودخلت فيه فإذا هي بحواء ومريم وآسية وام موسى وغيرهن فصنعن ما صنعن برسول الله صلى الله عليه وآله وقت ولادته (الحديث) قال المؤلف: يعرف من هذا الحديث وامثاله أن ابا طالب وفاطمة بنت اسد كانا يعرفان الانبياء ويومنان بهم.

 (وخرج في المناقب ايضا ج 1 ص 359) عن شعبة عن قتادة عن أنس العباس بن عبد المطلب، وفي رواية الحسن بن محبوب عن الصادق عليه السلام، ومختصر الحديث انه انفتح البيت من ظهره ودخلت فاطمة (بنت أسد) فيه ثم عادت الفتحة والتصقت وبقيت فيه (اي في الكعبة) ثلاثة ايام فاكلت من ثمار الجنة، فلما خرجت (وعلي عليه السلام على صدرها) قال علي: السلام عليك يا أبة ورحمة الله وبركاته (الحديث).

 (وفي المناقب ايضا ج 1 ص 357) قال: وعن شيخ السنة القاضي ابي عمرو، عثمان بن احمد في خبر طويل أن فاطمة بنت أسد رأت النبي صلى الله عليه وآله يأكل تمرا له رائحة تزداد على كل الاطايب من المسك والعنبر، من نخلة لا شماريخ لها، فقالت ناولني أنل منها (اي آكل منها) قال صلى الله عليه وآله لا تصلح (أن تأكلي منها)


 

[9]

إلا أن تشهدي معي أن لا إله إلا الله، وأني محمد رسول الله، فشهدت الشهادتين فناولها (1).

 فاكلت فازدادت رغبتها وطلبت أخرى لابي طالب (فاعطاها) فعاهدها أن لا تعطيه إلا بعد الشهادتين، فلما جن عليها الليل اشتم أبو طالب نسما ما اشتم مثله قط فاظهرت ما معها فالتمسه منها، فابت عليه إلا أن يشهد الشهادتين، فلم يملك (أبو طالب) نفسه أن شهد الشهادتين، غير أنه سألها أن تكتم عليه لئلا تعيره قريش فعاهدته على ذلك، فاعطته ما معها (فاكله) وآوى إلى زوجته فعلقت بعلي عليه السلام في تلك الليلة، ولما حملت بعلي عليه السلام ازداد حسنها فكان (الجنين الذي في بطنها) يتكلم (وهو) في بطنها فكانت (يوما) في الكعبة فتكلم علي (وهو في بطن أمه) مع جعفر (فاندهش) فغشي عليه فالتفتت (إلى) الاصنام (وقد) خرت على وجوهها (تعظيما له) فمسحت على بطنها وقالت: يا قرة العين سجدت لك الاصنام داخلا فكيف شأنك خارجا، وذكرت لابي طالب ذلك فقال: هو الذي قال لي أسد في طريق الطائف (أي أخبره باحوال ابنه علي عليه السلام جده أسد عليه السلام.

(قال المؤلف) فبالتأمل في كلام الراهب مثرم، وفي حديث قاضي السنة ابي عمرو يثبت لك أن ابا طالب وزوجته فاطمة بنت اسد كانا داخلين في الشريعة المحمدية معترفين برسالته بعد أن كانا على الشريعة الابراهيمية، وعندما اجتمع أبو طالب عليه السلام مع زوجته فاطمة بنت اسد فحملت بعلي عليه السلام كانا مؤمنين موحدين مسلمين وكان ذلك


 
(1) (قال المؤلف انما طلب النبي صلى الله عليه وآله الشهادتين الشهادة بالتوحيد والشهادة برسالته للدخول في الشريعة الاسلامية بعد ان كانت مؤمنة بشريعة ابيها ابراهيم عليه السلام).
 [*]

 

[10]

بعد تزويج النبي صلى الله عليه وآله بخديجة عليها السلام بسنين على اختلاف الروايات فاقلها تسع سنين واكثرها سبع عشرة سنة.

(قال المؤلف) وبالتأمل في الحديث الآتي تعرف تاريخ حمل فاطمة بنت أسد بامير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، كما تعرف تأريخ دخولهما في الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وآله بعد أن كانوا يعملون بشريعة أبيهم ابراهيم الخليل عليه السلام.

 (وفي المناقب ج 1 ص 363) قال خرج الطبري في تأريخه، وكذلك البلاذري والثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) والواحدي في تفسيره وفي كتاب (شرف النبي) وأربعين الخوارزمي (وهو المعروف بالمناقب) للموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي المطبوع في ايران، وفي كتاب (الدرجات لمحفوظ البستي) وفي مغازي محمد بن اسحاق، وفي غيرها من الكتب المعتبرة والكل يروون عن مجاهد (انه قال) كان من نعم الله على علي بن أبي طالب أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة (اي قحط وغلاء) وكان أبو طالب ذا عيال كثيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لحمزة والعباس إن ابا طالب كثير العيال وقد اصاب الناس ما ترون من هذه الازمة فانطلق بنا نخفف عن عياله، فدخلوا عليه وطالبوه بذلك فقال إذا تركتم لي عقيلا فافعلوا ما شئتم فبقي عقيل عنده إلى أن مات أبو طالب، ثم بقي في مكة وحده إلى أن أخذوه يوم بدر، واخذ حمزة جعفرا فلم يزل عنده في الجاهلية والاسلام إلى أن قتل حمزة، وأخذ العباس طالبا وكان معه إلى أن اخرجوه يوم بدر ثم فقد فلم يعرف له خبر، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وهو ابن ست سنين كسنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أخذه أبو طالب (من جده عبد المطلب) فربته خديجة والمصطفى صلى الله عليه وآله إلى ان جاء الاسلام، وتربيتهما أحسن


 

[11]

من تربية أبي طالب وفاطمة بنت أسد، فكان مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن مضى (رسول الله صلى الله عليه وآله إلى دار البقاء) وبقي علي عليه السلام بعده حافظا للمسلمين واماما ومرشدا لهم.

 (وفيه ايضا ج 1 ص 363) قال: ذكر أبو القاسم في أخبار ابي رافع من ثلاثة طرق: أن النبي صلى الله عليه وآله حين تزوج خديجة قال لعمه (ابي طالب): إني أحب أن تدفع إلي بعض ولدك يعينني على أمري ويكفيني وأشكر لك بلاءك عندي، فقال أبو طالب خذ ايهم شئت فاخذ عليا (عليه السلام).

 (وفي خطب نهج البلاغة) يشير إلى ما ذكرناه فيقول السيد الرضي رحمه الله قال عليه السلام: وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وانا وليد، يضمني إلى صدره، ويلفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرقه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة في فعل (الخ).

(قال المؤلف) تقدم نقلا من المناقب (ج 1 ص 358) رواية جابر بن عبد الله قضية مثرم بن دعيب الراهب وما فعله مع أبي طالب عليه السلام، وهذه القضية ورواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه خرجها الكنجي الشافعي في كفاية الطالب (ص 260) وفيه اختلاف، وله مقدمة لم يذكرها في المناقب اليك نصها وقد تقدم.

 (عن جابر بن عبد الله) قال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ميلاد علي بن ابي طالب فقال: لقد سألتني عن خير مولود ولد في شبه المسيح (الحديث) وقد تقدم جميع ألفاظه والمقصود من ذكره أن ابا طالب عليه الكلام كان عالما باحوال ابن اخيه محمد صلى الله


 

[12]

عليه وآله وسلم واحوال ولده علي بن ابي طالب قبل ولادتهما، وكان مؤمنا بهما، معترفا برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ووصاية ولده له، ولذلك لما جمعهم النبي صلى الله عليه وآله يوم الانذار وأخبرهم بانه رسول الله إليهم وأن عليا وصيه قبل ذلك أبو طالب ولم يتكلم ولم يرد على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما رد عليه غيره فضحكوا على أبي طالب عليه السلام وقالوا له: ألا ترى ان محمدا يأمرك باتباع ولدك ؟.

 

 

بعض ما روي في بدء الشريعة المحمدية ومعرفة

ابي طالب عليه السلام ذلك

 

(قال المؤلف) ومما يؤيد ما ذكرناه وهو معرفة ابي طالب عليه السلام بنبوة ابن اخيه صلى الله عليه وآله حديث أخرجه فقيه الحنابلة ابراهيم بن علي بن محمد الدينوري في كتابه، (نهاية الطلب وغاية السؤول في مناقب آل الرسول) باسناده عن طاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال للعباس رضي الله عنه: ان الله أمرني باظهار أمري وقد أنبأني وأستنبأني، فما عندك ؟ فقال له العباس يابن أخي تعلم أن قريشا أشد الناس حسدا لولد أبيك، وإن كانت هذه الخصلة كانت الطامة الطماء، والداهية العظيمة، ورمينا عن قوس واحد وانتسفونا نسفا، ولكن قرب إلى عمك أبي طالب فانه كان اكبر أعمامك إن لا ينصرك ولا يخذلك ولا يسلمك، فاتياه فلما رآهما أبو طالب ففال: إن لكما لظنة وخبرا، ما جاء بكما في هذا الوقت ؟ فعرفه العباس ما قال له النبي صلى الله عليه وآله، وما أجابه به العباس، فتظر إليه


 

[13]

ابو طالب وقال له: أخرج ابن ابي، فانك الرفيع كعبا، والمنيع حزبا والاعلى أبا، والله لا يسلقك لسان إلا سلقته ألسن حداد، واجتذبه سيوف حداد، والله لتذلن لك العرب ذل البهم لحاضنها، ولقد كان أبي (عبد المطلب شيبة الحمد عليه السلام) يقرأ الكتاب جميعا، ولقد قال إن من صلبي لنبيا لوددت أني أدركت ذلك الزمان فآمنت به، فمن ادركه من ولدي فليؤمن به.

(قال المؤلف) خرج هذا الحديث الشريف العلامة الحجة الاميني في كتابه (الغدير ج 7 ص 348) ثم قال ادام الله بقاه: (أترى أن أبا طالب يروي عن ابيه مطمئنا به، فلينشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا التنشيط لاول يومه، ويأمره باشهار أمره والاشادة بذكر الله وهو مخبت بانه هو ذلك النبي الموعود بلسان أبيه والكتب السالفة، ويتكهن بخضوع العرب له، أتراه سلام الله عليه يأتي بهذه كلها ثم لا يؤمن به إن هذا إلا اختلاق) (قال المؤلف) وممال يدل على أن ابا طالب كان عالما بنبوة ابن اخيه قبل بعثته ولما بعث صلى الله عليه وآله آمن به وصدقه وحماه وايده ونصره، ما خرجه ابن عساكر الشافعي في تأريخه المختصر (ج 1 ص 267 طبع روضة الشام سنة (1329) ه‍) قال: إنه صلى الله عليه وآله قدم بصرى من نواحي دمشق قبل أن يوحى إليه وهو صغير (على قول كان له تسع سنين وعلى قول كان له اثنتا عشرة سنة) مع عمه أبي طالب وقدمها مرة ثانية في تجارة لخديجة مع غلامها ميسرة، قال: روي عن أبي موسى قال: خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب (بحيرا) هبطوا وحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به


 

[14]

فلا يخرج إليهم، ولا يلتف، فبينما هم يحلون رحالهم إذ به قد جعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين (كل ذلك يسمعه أبو طالب) فقا له اشياخ من قريش: وما علمك قال: انكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر الا خر ساجدا (له) ولا يسجدون إلا لنبي، وإني لاعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع له طعاما فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الابل قال: أرسلوا إليه، فاقبل وعليه غمامة تضلله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوا إلى فئ الشجرة، فلما جلس (صلى الله عليه وآله وسلم مال فئ الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فئ الشجرة مال عليه، قال: فبينما، هو قائم وهو يناشدهم أن لا يذهبوا به إلى الروم فان الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت فإذا هو بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم فاستقبلهم فقال: ما جاء بكم ؟ قالوا: جئنا إن النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق الا بعث إليه باناس، وانا قد أخبرنا خبره فبعثنا إلى طريقك هذا، قال فهل خلفتم خلفكم احدا هو خير منكم ؟ قالوا: لا، إنما اخترنا خيرة لطريقك هذا، قال: أفرأيتم إن أراد الله أمرا أن يمضيه هل يستطيع احد ان يرده ؟ قالوا: لا قال: فبايعوه فاقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكم الله أيكم وليه ؟ قال أبو طالب أنا فلم يزل يناشده حتى رده (إلى مكة.

(قال المؤلف) وان كان هذا الحديث ضعيفا ولكن يوخذ به في باب الفضائل على القاعدة التي ذكرت في الحديث، وهو عند علماء أهل السنة مجمع عليه كما ذكره ابن حجر في اول كتاب (تطهير الجنان) المطبوع بهامش (ص 26) من الصواعق، وهذا الحديث هو حديث بحيرا


 

[15]

ولكن نقل بالمعنى وزيد فيه ما ليس منه.

(قال المؤلف) وقد أخرجنا حديثا نحوه مفصلا من الخصائص الكبرى للسيوطي الشافعي في هذا الختصر، فيه دلالة واضحة على ما نحن بصدده، وخرج في ذيل تاريخ ابن عساكر (ج 1 ص 268) أن الحديث المتقدم خرجه الترمذي في كتابه، وذكره البزاز في مسنده مع اختلاف وذكر في التأريخ ايضا (ج 1 ص 268) بسنده عن ابي مجلز (انه قال) لما مات عبد الله (عليه السلام والد النبي صلى الله عليه وآله) عطف عبد المطلب أو أبو طالب على محمد (صلى الله عليه وآله) فكان لا يسافر سفرا إلا كان معه فيه، فتوجه نحو الشام فنزل منزلا فاتاه فيه راهب فقال: إن فيكم رجلا صالحا فقال: إن فينا من يقري الضيف، ويفك الاسير، ويفعل المعروف، فقال: أرجو أعلى من هذا ثم (أشار إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: أين أبو هذا الغلام ؟ فقيل له: هذا وليه، فقال له: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشام إن اليهود حساد، وإني أخشاهم عليه، قال ما أنت تقول ذلك ولكن الله يقوله، فرده وقال: اللهم إني أستودعك محمدا ثم إن الراهب مات.

(قال المؤلف) ثم إن ابن عساكر ذكر قضية بحيرا الراهب واطعامهم الطعام في (ج 1 ص 269 ص 271) وسيمر عليك تفصيل حديثه نقلا من الخصائص، ولفظه يوافق لفظ السيوطي الشافعي في الخصائص، غير أن السيوطي زاد كلمات في الحديث شرحا له، وذكر أن أبا طالب عليه السلام قال في ذلك أبياتا، منها:

فما رجعوا حتى رأوا من محمد *** أحاديث تجلو غم كل فؤاد

فذكر ستة ابيات بعده تراها بعد الحديث فيما يأتي، ولكن ابن عساكر لما ذكر القضية بكاملها ذكر لابي طالب عليه السلام ابياتا غير ما ذكره


 

[16]

جلال الدين السيوطي في الخصائص، ونحن نذكر الابيات فقط دون القضية قال ابن عساكر ثم نظر (بحيرا) إلى ظهره عليه السلام فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، فقال أبو طالب في ذلك:

ان ابن آمنة النبي محمدا *** عندي يفوق منازل الاولاد (1)

لما تعلق بلزمام رحمته *** والعيس قد قلصن بالازواد

فارفض من عيني دمع ذارف *** مثل الجمان مفرق الافراد

راعيت فيه قرابة موصولة *** وحفظت فيه وصية الاجداد

وامرته بالسير بين عمومة *** بيض الوجوه مصالت انجاد

ساروا لابعد طية معلومة *** فلقد تباعد طية المرتاد

حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا *** لاقوا على شرك من المرصاد

حبرا فاخبرهم حديثا صادقا *** عنه ورد معاشر الحساد

قوما يهودا قد رأوا لما رأى *** ظل الغمام وعن ذي الاكباد

ساروا لقتل محمد فنهاهم *** عنه واجهد أحسن الاجهاد

فثنى زبيرا من بحيرا فانثنى *** في القوم بعد تجاول وبعاد

ونهى دريسا فانثنى عن قوله *** حبر يوافق أمره برشاد

وقال (أبو طالب عليه السلام) ايضا في قضية سفره مع ان أخيه صلى الله عليه وآله:

ألم ترني من بعدهم هممته *** بفرقة حر الوالدين حرام

باحمد لما أن شددت مطيتي *** برحلي وقد ودعته بسلام

بكى حزنا والعيس قد فصلت بنا *** وأخذت بالكفين فضل زمام

ذكرت اباه حين رقرق عبرة *** تجود من العينين ذات سجام


(1) في رواية ابن عساكر في تاريخه (ج 1 ص 271) بدل الشطر الثاني (عندي بمثل منازل الاولاد).
 [*]

 

[17]

فقلت ترحل راشدا في عمومة *** مواسين في البأساء غير لئام

وفي كتاب الحجة على الذاهب: (وقلت له رح راشدا في عمومة)

فرحنا مع العير التي راح أهلها *** شآم الهوى والاصل غير شآم

 

وفي الديوان:

وجاء مع العير التي راح ركبها *** شآمى الهوى والركب غير شآم

فلما هبطنا ارض بصرى تشرفوا *** لنا فوق دور ينظرون عظام

فجاء بحيرا عند ذلك حاشدا *** لنا بشراب طيب وطعام

فقال اجمعوا اصحابكم عندما رأى *** فقلنا جمعنا القوم غير غلام

يتيم فقال ادعوه ان طعامنا *** له دونكم من سوقة وإمام

وآلى يمنيا برة إن زادنا *** كثير عليه اليوم غير حرام

فلو لا الذي خبرتم عن محمد *** لكنتم لدينا اليوم غير كرام

فلما رآه مقبلا نحو داره *** يوقيه حر الشمس ظل غمام

حنا رأسه شبه السجود وضمه *** إلى نحره والصدر أي ضمام

واقبل ركب يطلبون الذي رأى *** بحيرا من الاعلام وسط خيام

فذلك من اعلامه وبيانه *** وليس نهار واضح كظلام

فثار إليهم خشية لعرامهم *** وكانوا ذوي بغي لنا وعرام

دريسا وتماما وقد كان فيهم *** زدير وكل القوم غير نيام

فجاؤا وقد هموا بقتل محمد *** فردهم عنه بحسن خصام

بتأويله التوراة حتى تيقنوا *** فقال لهم ما انتم بطغام

(قال المؤلف) ثم ذكر ابن عساكر البيت المتقدم ذكره (فذلك من اعلامه وبيانه) الخ، ولكن في الديوان المطبوع في النجف الاشرف جمع ابي هفان ذكر بيتا آخر وهو:

وإن الذي نختاره منه مانع *** سيكفيه منكم كيد كل طغام


 

[18]

ثم ذكر البيت المتقدم (فذلك من إعلامه وبيانه) الخ، بعده فالابيات في الديوان (32) في القصيدتين، وقي تاريخ ابن عساكر (30) بيتا، وفي (كتاب الغدير) للامبني (33)، وفي كتاب (الحجة على الذاهب) لفخار بن معد (19) بيتا، وفي كتاب (أبو طالب مؤمن قريش) للخنيزي (20) بيتا.

(قال المؤلف) خرج هذه الابيات من القصيدتين جماعة أشرنا إليهم وخرجهما السيد العلامة العاملي في الاعيان (ج 39 ص 147) وذكر بعضها في معجم القبور (ج 1 ص 185) للسيد العلامة الحجة السيد محمد مهدي الاصبهاني الكاظمي، وخرجها العلامة الخنيزي في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش (ص 134 ص 135) (ثم قال) ونعم ما قال: لسنا نشك بعد هذا في أن أبا طالب عليه السلام كان ينظر إلى هذه الارهاصات (ثم قال) فما هذه الملامح والدلالات التي كان يراها من ابن اخيه صلى الله عليه وآله، بالتي يجدها عند غيره من هذا الحشد من الناس (ثم قال) إنها لدلائل صارخة ليس له أن يخالجه فيها شك أو يعارضه ريب في أن ابن اخيه سيكون نبيا ورسولا مبعوثا يجب طاعته ويلزم نصرته، فقام عليه السلام بواجبه ورأى ذلك فوق طاقته وأمر إخوانه وأولاده وساير عشيرته بمتابعته وتأييده ونصرته حتى يتمكن من بث دعوته.

(قال المؤلف) وقال السيد العلامة الحجة السيد شمس الدين الموسوي ابن معد في (الحجة على الذاهب ص 77): لما توفي عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفله جده عبد المطلب ثماني سنين ثم احتضر الموت فدعا ابنه أبا طالب وقال له: يا بني تسلم ابن اخيك مني، فانت شيخ قومك وعاقلهم ومن أجد فيه الحجى (العقل خ ل) دونهم، وهذا الغلام تحدثت به


 

[19]

الكهان، وقد روينا في الاخبار، انه سيظهر من تهامة نبي كريم، وروي فيه علامات قد وجدتها فيه، فأكرم مثواه، واحفظه من اليهود، فانهم أعداؤه، فلم يزل أبو طالب لقول عبد المطلب له حافظا، ولوصيته راعبا ومن هنا قال (فيما تقدم) (وحفظت فيه وصية الاجداد) ثم أنه اعلى الله مقامه ذكر بعض القصيدة الثانية إلى قوله (وليس نهار واضح كظلام) ثم قال ومن قصيدة (له) في ذلك.

وما برحوا حتى رأوا من محمد *** أحاديث تجلو غم كل فؤاد

ولم يذكر بقية القصيدة ولكن ذكرها غيره.

(قال المؤلف) وهذا البيت من قصيدة ذكرها جلال الدين السيوطي الشافعي في الخصائص الكبرى (ج 1 ص 84 ص 85) وإليك نصها:

فما رجعوا حتى رأوا من محمد *** أحاديث تجلو غم كل فؤاد

وحتى رأوا أحبار كل مدينة *** سجودا له من عصبة وفراد

زبيرا وتماما وقد كان شاهدا *** دريسا وهموا كلهم بفساد

فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا *** له بعد تكذيب وطول بعاد

كما قال للرهط الذين تهودوا *** وجاهدهم في الله كل جهاد

فقال ولم يترك له النصح رده *** فان له إرصاد كل مصاد

فاني أخاف الحاسدين وإنه *** لفي الكتب مكتوب بكل مداد

(قال المؤلف) ثم ذكر السيد شمس الدين بن معد في (الحجة على الذاهب (ص 78) بعد ذكره البيت المتقدم: (وما برحوا حتى رأوا من محمد) الخ وقال لما اشتد أذى أبي جهل بن هشام للنبي صلى الله عليه وآله وعناده له، قال أبو طالب له متهددا، وبالحرب متوعدا ولرسول الله صلى الله عليه وآله ولدينه محققا معتقدا.

 صدق ابن آمنة النبي محمدا *** فتميزوا غيظا به وتقطعوا


 

[20]

إن ابن آمنة النبي محمدا *** سيقوم بالحق الجلي ويصدع

فاربع أبا جهل على ظلع فما *** زالت جدودك تستخف وتظلع

سترى بعينك إن رأيت قتاله *** وعناده من أمره ما تسمع

(ثم قال السيد اعلى الله مقامه) لله در أبي طالب كأنه أوحي إليه ما يكون من أمر عدو الله أبي جهل إذ جد في عناد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقتاله، حتى أراه الله بعينه يوم بدر، وما وعده أبو طالب من تعفير خده وإتعاس جده.

(قال المؤلف) ايذاء أبي جهل للنبي صلى الله عليه وآله معروف مشهور ذكر ذلك اغلب المؤرخين ومن جملة أذاياه ما ذكره ابن شهر آشوب في المناقب ج 1 ص 442 الطبع الثاني، قال: روي عن ابن عباس أنه قال دخل النبي صلى الله عليه وآله الكعبة، وافتتح الصلاة فقال أبو جهل: من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته ؟ فقام ابن الزبعري وتناول فرثا ودما وألقى ذلك عليه فجاء أبو طالب وقد سل سيفه فلما رأوه جعلوا ينهضون، فقال: والله لئن قام أحد جللته بسيفي، (ثم قال) يابن أخي من الفاعل بك هذا ؟ قال: عبد الله، فأخذ أبو طالب فرثا ودما وألقى عليه (قال): وفي رواية أمر عبيده أن يلقوا السلا عن ظهره ويغسلوه ثم أمرهم أن يأخذوه (اي يأخذوا السلا) فيمروا على اسبلة القوم بذلك (وفي رواية) إن فاطمة عليها السلام أماطته ثم أوسعتهم شتما وهم يضحكون (قال) فلما سلم النبي صلى الله عليه وآله قال: اللهم عليك الملا من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، وعقبة بن ابي معيط، وامية بن خلف (قال): فوالله الذي لا إله إلا هو ما سمى النبي صلى الله عليه وآله يومئذ أحدا إلا وقد رأيته يوم بدر وقد أخذ برجله تجر إلى القليب مقتولا.

 


 

[21]

(قال المؤلف) إن ابا طالب وعد أبا جهل هذا اليوم وقد رأى ما وعده عليه السلام.

(قال المؤلف) من جملة أذايا أبي جهل ما ذكره جمع من المحدثين والمؤرخين، منهم ابن ابي الحديد، فقد خرج في شرحه على نهج البلاغة (ج 14 ص 74 ط 2) قال: وقد جاء في الخبر أن أبا جهل بن هشام جاء مرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرضخ به رأسه صلى الله عليه وآله فلصق الحجر بكفه فلم يستطيع ما أراد، فقال أبو طالب في ذلك من جملة أبيات:

أفيقوا بني عمنا وانتهوا *** عن الغي من بغض ذا المنطق

وإلا فاني إذا خائف *** بوائق في داركم تلتقي

كما ذاق من كان من قبلكم *** ثمود وعاد وماذا بقي

(قال) ومنها :

وأعجب من ذاك في أمركم *** عجائب في الحجر الملصق

بكف الذي قام من حينه *** إلى الصابر الصادق المتقي (1)

فاثبته الله في كفه *** على رغم ذا الخائن الاحمق

(قال المؤلف) خرج العلامة السيد في (الحجة على الذاهب) (ص 52) قضية أبي جهل وقصده أذية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: أخبرني الشيخ الفقيه شادان رحمه الله، باسناده الي ابي الفتح الكراجكي رحمه الله يرفعه أن ابا جهل بن هشام جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه حجر، يريد أن يرميه به إذا سجد رسول الله صلى الله عليه وآله فرفع أبو جهل يده فيبست على الحجر، فرجع وقد التصق الحجر بيده، فقال له اشياعه من المشركين أجننت ؟ قال: لا


(1) في شرح نهج البلاغة ج 3 ص 314 ط 1 قال (بكف الذي قام من خبثه).
 [*]

 

[22]

ولكن رأيت بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبة، فقال في ذلك أبو طالب هذه الابيات:

أفيقوا بني عمنا وانتهوا *** عن الغي في بعض ذا المنطق

وإلا فاني إذا خائف *** بوائق في داركم تلتقي

تكون لغابركم عبرة *** ورب المغارب والمشرق (1)

كما ذاق من كان قبلكم *** ثمود وعاد فمن ذا بقى (2)

غداة أتتهم بها صرصر *** وناقة ذي العرش إذ تستقى

فحل عليهم بها سخطة *** من الله في ضربة الازرق

غداة يعض بعرقوبها *** حسام من الهند ذو رونق

وأعجب من ذلك في أمركم *** عجائب في الحجر الملصق

بكف الذي قام في جنبه *** إلى الصابر الصادق المتقى (3)

فاثبته الله في كفه *** على رغم ذا الخائن الاحمق (4)

احيمق مخزومكم إذ غوى *** لغي الغواة ولم يصدق (5)

(قال المؤلف) وخرج السيد العلامة العاملي في كتاب اعيان الشيعة (ج 39 ص 142 ص 143) بعض أبيات القصيدة المذكورة.

(قال المؤلف) وخرج ابن ابي الحديد في شرحه بعد نقله الابيات المتقدمة الذكر (في ج 14 ط 2 ص 73) و (ج 3 ط 1 ص 314) قد اشتهر


(1) (تكون لغيركم عبرة) الغدير، ج 7 ص 336، والديوان.
 (2) (كما نال من لان من قبلكم) الغدير ج 7 ص 336 والديوان.
 (3) (بكف الذي قام في خبثه) الغدير (ج 7 ص 336) وفي شرح نهج البلاغة ط 1 (ج 3 ص 314).
 (4) (على رغمه الجائر الاحمق) الغدير ج 7 ص 336، والديوان.
 (5) هذا البيت من الديوان، وفي الغدير (ج 7 ص 337).
 

 

[23]

عن عبد الله المأمون انه كان يقول: اسلم أبو طالب والله بقوله:

نصرت الرسول رسول المليك *** ببيض تلالا كلمع البروق

أذب وأحمي رسول الآله *** حماية حام عليه شفيق

وما أن أدب لاعدائه *** دبيب البكار حذار الفنيق

ولكن أزير لهم ساميا *** كما زار ليث بغيل مضيق

(قال المؤلف): خرج أبو هفان (1) في الديوان (ص 34) طبع النجف الاشرف الابيات بزيادة بيت واحد فيها مع اختلاف في ترتيبها وهذا نصه قال: وقال أبو طالب:

منعنا الرسول رسول المليك *** ببيض تلالا لمع البروق

بضرب يذيب دون النهاب *** حذار الوتائر والخنفنيق (2)

أذب وأحمي رسول الآله *** حماية حام عليه شفيق

وما إن أدب لاعدائه *** دبيب البكار حذار الفنيق

وقال (أبو طالب) أيضا:

ولكن ازير لهم ساميا *** كما زار ليث بغيل مضيق

(قال المؤلف) خرج العلامة الحجة في المناقب (ج 1 ص 42) بعض الابيات وترك بعضها، وذكر لها مقدمة كانت سببا لانشاد أبي طالب عليه السلام الابيات، واليك المقدمة والابيات بنصها: (قال عليه الرحمة) روى الطبري والبلاذري والضحاك (وقالوا):


 
(1) عبد الله بن احمد المهزمي العبدي ابن حرب بن خالد اللغوي الشاعر المتوفي سنة خمس وتسعين ومائة، كما في معجم الادباء ج 12 ص 54 طبع دار الامان، وله ترجمة في تأريخ بغداد (ج 9 ص 370).
 (2) (الخنفنيق) الداهية.
 

 

[24]

لما رأت قريش حمية قومه وذب عمه أبو طالب عنه جاؤا إليه (أي إلى ابي طالب عليه السلام) وقالوا: جئناك بفتى قريش جمالا وجودا، وشهامة عمارة بن الوليد، ندفعه اليك يكون نصره وميراثه لك، ومع ذلك (نعطيك) من عندنا مالا، وتدفع الينا ابن اخيك الذي فرق جماعتنا وسفه احلامنا فنقتله، فقال (عليه السلام): والله ما انصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وتأخذون ابني تقتلونه، هذا والله ما يكون أبدا أتعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لا تحن إلى غيره ؟ ثم نهرهم، فهموا باغتياله (أي اغتيال النبي صلى الله عليه وآله) فمنعهم من ذلك وقال فيه:

حميت الرسول رسول الآله *** ببيض تلالا مثل البروق

اذب وأحمي رسول الآله *** حماية عم عليه شفيق

(ثم قال عليه الرحمة): وأنشد (أيضا أبو طالب عليه السلام) وقال:

يقولون لي دع نصر من جاء بالهدى *** وغالب لنا غلاب كل مغالب

وسلم إلينا أحمدا واكفلن لنا *** بنينا ولا تحفل بقول المعاتب

فقلت لهم الله ربي وناصري *** على كل باغ مولوي بن غالب

(قال المؤلف) قضية مجئ قريش إلى أبي طالب عليه السلام وطلبهم منه تسليم ابن اخيه صلى الله عليه وآله إليهم ليقتلوه ذكرها جمع كثير من علماء أهل السنة، وعلماء الامامية عليهم الرحمة أما علماء أهل السنة الذين خرجوا ذلك فهم جماعة: (منهم) الطبري في تاريخه الكبير (ج 2 ص 220 ط م سنة 1326) (ومنهم) قزاغلي سبط ابن الجوزي الحنفي (في تذكرة خواص الامة (ص 5 طبع ايران سنة 1385).

 


 

[25]

(ومنهم) العلامة الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بسيرة الحلبي (ج 1 ص 306 ط م سنة 1308) (ومنهم) العلامة السيد احمد زيني دحلان الشافعي في سيرته المعروفة (بالسيرة النبوية المطبوعة بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 91) (ومنهم) ابن هشام في سيرته (ج 1 ص 246 طبع مصر سنة 1295) وذكر معها قصيدة لابي طالب عليه السلام، اولها، (الا قل لعمرو والوليد ابن مطعم..) الخ، وهي في احد عشر بيتا تأتي قريبا.

 (ومنهم) محمد الصبان الشافعي في اسعاف الراغبين (ص 16) ط م سنة 1328، المطبوع بهامش مشارق الانوار.

 (منهم) ابن سعد في الطبقات (ج 1 ص 134 ط ليدن سنة 1322) وذكرها غير هؤلاء أيضا.

 (منهم) ابن حجر العسقلاني في الاصابة (ج 7 ص 115 ط م سنة 1328).

 (ومنهم) العلامة زيني دحلان الشافعي ايضا في أسنى المطالب (ص 6 طبع مصر وطبع طهران ص 9).

 (وصية ابي طالب لاقربائه ان يطيعوا النبي صلى الله) (عليه وآله وسلم والخطبة التي خطبها في زواج) (خديجة عليها السلام) (قال المؤلف) ذكر زيني دحلان الشافعي قبل ذكره القضية في (ص 8) من أسنى المطالب طبع طهران، وقال: قال أبو طالب


 

[26]

لاقربائه واولاده: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره فاطيعوه ترشدوا (قال) وقد نوه أبو طالب بنبوة النبي قبل أن يبعث صلى الله عليه وآله لانه ذكر في الخطبة التي خطب بها حين تزوج صلى الله عليه (وآله وسلم) بخديجة رضي الله عنها، فقال في خطبته تلك: " الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع اسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حفظة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتا محجوجا، وحرما آمنا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن اخي هذا محمد بن عبد الله لا يوزن برجل إلا رجح شرفا ونبلا، وفضلا وعقلا، وهو والله، بعد هذا له نبأ عظيم، وخطر جسيم " (قال): وكان هذا (القول من أبي طالب عليه السلام) قبل بعثته صلى الله عليه وآله وسلم بخمس عشرة سنة (قال) فانظر كيف تفرس فيه أبو طالب كل خير قيل بعثته صلى الله عليه وآله، فكان الامر كما قال: وذلك من أقوى الدلائل على إيمانه وتصديقه بالنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم حين بعثه الله تعالى، ثم ذكر قضية مجئ قريش وشكايتهم عند أبي طالب ابن اخيه صلى الله عليه وآله (قال): ثم إن ابا طالب قال للنبي إن بني عمك هؤلاء يزعمون أنك تؤذيهم، فقال: لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الامر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وآله باكيا فقال ابو طالب: يابن أخي قل ما أحبيت، فوالله لا أسلمنك لهم ابدا، وقال لقريش والله ما كذب ابن اخي قط، ثم انشأ الابيات المعروفة التي (منها):

فاصدع بامرك ما عليك غضاضة *** وابشر بذلك وقر منه عيونا

... الخ

وقد تقدم تمامها وسيأتي أيضا.

(قال المؤلف) فهل بعد ما مر عليك من التصريحات في الشعر


 

[27]

والنثر بان محمدا صلى الله عليه وآله رسول الآله ونبي مرسل من الله جاء بالدين الصحيح، والشريعة الواضحة، والحق المبين الجلي من الواحد الاحد العلي، وبعدما سمعه من الاحبار والرهبان ومن أبيه عبد المطلب عليه السلام، يبقى مجال للترديد أو التوقف أو الشك في ايمان حامي الرسول الباذل له نفسه ونفيسه في سبيل الدين ابي طالب عليه السلام.

(قال المؤلف) لما رأى المشركون وكفار قريش أن ابا طالب عليه السلام لم يسلم ابن اخيه إليهم ليقتلوه اتفقوا على تركهم لابي طالب مع تبعته وكتبوا الصحيفة الملعونة.