بعض ما ذكره المؤرخون في سبب كتابة الصيحفة

الملعونة التي كتبها أهل مكة من قريش وغيرهم

 

قال الجزري في تاريخ الكامل (ج 2 ص 32 طبع مصر) ولما رأت قريش الاسلام يفشو ويزيد وأن المسلمين قووا باسلام حمزة إئتمروا في أن يكتبوا بينهم كتابا يتعاقدون فيه على ان لا ينكحوا بني هاشم وبني المطلب ولا ينكحوا إليهم، ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم شيئا، فكتبوا بذلك صحيفة وتعاهدوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا لذلك الامر على أنفسهم، فلما فعلت قريش ذلك انحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب.

 فدخلوا معه شعبه، واجتموا وخرج من بني هاشم أبو لهب بن عبد المطلب إلى قريش فلقي هند بنت عتبة فقال: كيف رأيت نصري للات والعزى قالت: لقد احسنت فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا (أو أربعا) حتى جهدوا لا يصل إلى احد منهم شئ الا سرا، وذكروا أن أبا جهل لقي حكيم بن حزام بن خويلد ومعه قمح يريد عمته خديجة وهي


 

[28]

عند رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب، فتعلق به وقال والله لا تبرح حتى أفضحك، فجاء أبو البحتري بن هشام فقال: مالك وله ؟ عنده طعام لعمته أفتمنعه أن يحمله إليها، خل سبيله، فأبى أبو جهل فنال منه فضربه أبو البحتري بلحى جمل فشجه ووطأه وطئا شديدا وحمزة ينظر إليهم، وهم يكرهون أن يبلغ النبي صلى الله عليه وآله ذلك فيشتمت به وهو والمسلمون، ورسول الله صلى الله عليه وآله يدعو الناس سرا وجهرا، والوحي متتابع إليه فبقوا كذلك ثلاث سنين (أو اربع سنين) كما في المناقب لابن شهر اشوب (ج 1 ص 46 من الطبع الثاني سنة: 1317 ه‍) فقام في نقض الصحيفة نفر من قريش، وكان احسنهم بلاء فيه هشام بن عمرو بن الحرث بن عمرو بن لوي، وهو ابن اخي نضلة ابن هشام بن عبد مناف لامه، كان يأتي بالبعير قد أوقره طعاما ليلا ويستقبل به الشعب ويخلع خطامه فيه فيدخل الشعب فلما رأى ما هم فيه وطول المدة عليهم مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي أخي أم سلمة، وكان شديد الغيرة على النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال: يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت، أما إني أحلف بالله لو كان أخوالي أبا الحكم يعني ابا جهل ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك ابدا، فقال: فماذا أصنع وإنما أنا رجل واحد والله لو كان معي رجل آخر لنقضتها، فقال قد وجدت رجلا، قال ومن هو ؟ قال انا، قال زهير أبغنا ثالثا قال قد فعلت، قال من هو ؟ قال زهير بن أمية، قال: أيضا رابعا، قال: نعم، قال من هو ؟ قال: انا وزهير والمطعم، قال أبغني خامسا فذهب إلى زمعة بن الاسود ابن المطلب بن أسد فكلمه وذكره له قرابتهم، قال: وهل على هذا الامر


 

[29]

معين ؟ قال: نعم، وسمى له القوم، فاتعدوا حطم الحجون الذي باعلى مكة، فاجتمعوا هنالك وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة، فقال زهير: أنا أبدؤكم فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال: يا اهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة قال أبو جهل: كذبت والله لا تشق، قال زمعه بن الاسود انت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت، قال أبو البحتري: صدق زمعة لا نرضى بما كتب فيها، قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك، قال ابو جهل: هذا أمر قضي بليل وابو طالب جالس في ناحية المسجد، فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقها فوجد الارضة قد أكلتها الا ما كان باسمك اللهم (وهي كلمة) كانت تفتتح بها كتبهم وكان كاتب الصحيفة منصور ابن عكرمة فشلت يده وقيل كان سبب خروجهم من الشعب ان الصحيفة لما كتبت وعلقت بالكعبة اعتزل الناس بني هاشم وبني المطلب واقام رسول الله صلى الله عليه وآله وابو طالب ومن معهما بالشعب ثلاث سنين فارسل الله الارضة وأكلت ما فيها من ظلم وقطيعة رحم وتركت ما فيها من أسماء الله تعالى فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله فاعلمه بذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله لعمه ابي طالب، وكان أبو طالب لا يشك في قوله فخرج من الشعب إلى الرحم فاجتمع الملا من قريش، وقال: إن ابن اخي أخبرني أن الله أرسل على صحيفتكم الارضة فأكلت ما فيها من قطيعة رحم وظلم وتركت اسم الله ثعالى فاحضروها: فان كان صادقا علمتم أنكم ظالمول لنا، قاطعون لارحامنا وان كان كاذبا علمنا انكم على حق وأنا على باطل، فقاموا سراعا وأحضروها فوجدوا الامر كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله


 

[30]

وسلم، وقويت نفس ابي طالب واشتد صوته وقال: قد تبين لكم أنكم أولى بالظلم والقطيعة فنكسوا رؤوسهم، ثم قالوا: إنما تأتونا بالسحر والبهتان، وقام أولئك النفر في نقضها كما ذكرنا، وقال أبو طالب في أمر الصحيفة وأكل الارضة ما فيها من ظلم وقطيعة رحم ابياتا منها :

وقد كان في أمر الصحيفة عبرة *** متى ما يخبر غائب يعجب

محا الله منهم كفرهم وعقوقهم *** وما نقموا من ناطق الحق معرب

فاصبح ما قالوا من الامر باطلا *** ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

(قال المؤلف) هذه القضية ذكرت باختلاف في كتب التاريخ مفصلا ومختصرا، والرواية الاخيرة التي ذكرها في الكامل اكثر ذكرا من غيرها، والابيات التي ذكرها لها تتمة ذكرت في ديوان أبي طالب عليه السلام، وفيها تصريح بالوحدانية والنبوة وغير ذلك من الامور النافعة المهمة، تثبت لمن تأملها أن ابا طالب عليه السلام كان موحدا مؤمنا بالنبي الامي، ابن اخيه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وإنما أخفى عقيدته ولم يتظاهر بها كساير أصحاب النبي صلى الله عليه وآله لحفظ نفسه وحفظ النبي وحفظ أصحابه، فحاله عليه السلام حال المؤمنين الذين كتموا إيمانهم فكان لهم اجران، وبذلك حفظ النبي وأهل بيته ولم يتمكن أحد من إيذائه رعاية له وخوفا منه، إلى أن توفي سلام الله عليه، ولما توفي عليه السلام قامت قريش وغير قريش بايذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ووصل إلى حد لم يتمكن صلى الله عليه وآله من البقاء في وطنه فقر منها بامر الله تعالى إلى يثرب، حيث كان له هناك أتباع وانصار قاموا بنصرته إلى ان قوي الدين وكثر المسلمون واستولوا على الكافرين من قريش وغيرهم وتمكن من فتح مكة المكرمة ووطنه المبارك، واليك


 

[31]

القصيدة من الديوان (1):

 الا من لهم آخر الليل منصب *** وشعب العصا من قومك المتشعب

وجربى أراها من لوي بن غالب *** متى ما تزاحمها الصحيحة تجرب

إذا قائم في القوم بخطبة *** أقاموا جميعا ثم صاحوا وأجلبوا

وما ذنب من يدعو إلى الله وحده *** ودين قويم أهله غير خيب

وما ظلم من يدعوا إلى البر والتقى *** ورأب الثأى بالرأي لا حين مشعب

وقد جربوا فيما مضى غب امرهم *** وما عالم امرا كمن لم يجرب

وقد كان من امر الصحيفة عبرة *** اتاك بها من غاثب متعصب (2)

محا الله منها كفرهم وعقوقهم *** وما تقموا من صادق القول منجب

وأصبح ما قولوا من الامر باطلا *** ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا *** على ساخط من قومنا غير معتب

فلا تحسبونا خاذلين محمدا *** لذي غربة منا ولا متقرب

ستمنعه منا يد هاشمية *** مركبها في المجد خير مركب

وينصره الله الذي هو ربه *** باهل العقير أو بسكان يثرب(3)

فلا والذي يحدى له كل مرثم *** طليح بجنبي نخلة فالمحصب

يمينا صدقنا الله فيها ولم نكن *** لنحلف بطلا بالعتيق المحجب

نفارقه حتى نصرع حوله *** وما بال تكذيب النبي المقرب


(1) كان الديوان مخطوطا وكان تاريخ كتابته سنة 380 ه‍، ونقل من خط الشيخ أبي الفتح عثمان بن جني النحوي، وأخيرا طبع في النجف الاشرف سنة 1356 ه‍، وصححه وعلق عليه العلامة السيد محمد صادق بحر العلوم.
 (2) يريد عليه السلام الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وعلقوها في الكعبة فمحا الله منها موضع عقوقهم.
 (3) العقير مدينة في البحرين.
 [*]

 

[32]

فيا قومنا لا تظلمونا فاننا *** متى ما نخف ظلم العشيرة نغضب

وكفوا إليكم من فضول حلومكم *** ولا تذهبوا في رأيكم كل مذهب

ولا تبدأونا بالظلامة والاذى *** فنجزيكم ضعفا مع الام والاب

(قال المؤلف) ومن جملة من خرج بعض الابيات المذكورة مؤلف ناسخ التواريخ في ج 1 من الكتاب الثاني ص 260، وهذا نص ما أخرجه بالفاظه:

ألا من لهم آخر الليل منصب *** وشعب العصا من قومك المتشعب

وقد كان في امر الصحيفة عبرة *** متى ما يخبر غائب القوم يعجب

محا الله مها كفرهم وعقوقهم *** وما نقموا من ناطق الحق معرب

فكذب ما قالوا من الامر باطلا *** ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب

وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا *** على سخط من قومنا غير معتب

فلا تحسبونا مسلمين محمدا *** لذى غربة منا ولا متقرب

(قال المؤلف) ومن شعر ابي طالب عليه السلام الدال على انه كان مؤمنا بابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ومعتقدا بنبوته ورسالته ما خرجه ابن ابي الحديد في شرحه على نهج البلاغة ج 14 ص 62 ط 2 وخرجه غيره:

ألا أبلغا عني لويا رسالة *** بحق وما تغني رسالة مرسل

بني عمنا الادنين فيما يخصهم *** وإخواننا من عبد شمس ونوفل

أظاهرتم قوما عليا سفاهة *** وأمرا غويا من غواة وجهل

يقولون لو أنا قتلنا محمدا *** أقرت نواصي هاشم بالتذلل

كذبتم ورب الهدي تدمى نحورها *** بمكة والبيت العتيق المقبل

تنالونه أو تصطلوا دون نيله *** صوارم تفري كل عضو ومفصل

فمهلا ولما تنتج الحرب بكرها *** بخيل تمام أو بآخر معجل


 

[33]

وتلقوا ربيع الابطحين محمدا *** على ربوة في رأس عنقاء عيطل

وتأوى إليه هاشم إن هاشما *** عرانين كعب آخر بعد أول

فان كنتم ترجون قتل محمد *** فروموا بما جمعتم نقل يذبل

فانا سنحميه بكل طمرة *** وذي ميعة نهد المراكل هيكل

وكل ردينى ظماء كعوبه *** وعضب كايماض الغمامة مقصل

ثم قال ابن ابي الحديد: " قلت: كان صديقنا علي بن يحيى البطريق رحمه الله يقول: لو لا خاصة النبوة وسرها لما كان مثل أبي طالب وهو شيخ الابطح وشيخ قريش ورئيسها وذو شرفها يمدح ابن اخيه محمدا وهو شاب قد ربي في حجره وهو يتيمه.

 ومكفوله.

 وجار مجرى أولاده مثل قوله:

وتلقوا ربيع الابطحين محمدا *** على ربوة في رأس عنقاء عيطل

وتأوي إليه هاشم إن هاشما *** عرانين كعب آخر بعد أول

ومثل قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل

يطيف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

فان هذا الاسلوب من الشعر لا يمدح به التابع والذنابي من الناس وانما هو من مديح الملوك والعظماء، فإذا تصورت أنه شعر أبي طالب ذاك الشيخ المبجل العظيم في محمد صلى الله عليه وآله وهو شاب مستجير به، معتصم بظله من قريش، قد رباه في حجره، غلاما وعلا عاتقه طفلا، وبين يديه شابه، يأكل من زاده، ويأوي إلى داره علمت موضع خاصية النبوة وسرها، وأن أمره كان عظيما، وأن الله تعالى أوقع في القلوب والانفس له منزلة رفيعة، ومكانا جليلا ".

(قال المؤلف) لقد انصف علي بن يحيى البطريق، وأظهر الحق


 

[34]

ولم يتعام كما تعامى صديقه ابن ابي الحديد الشافعي وقال: " إني في القول بايمان شيخ قريش من المتوقفين "، ولم يتوقف إلا رعاية لخاله أمير الشام حيث أنكر إيمانه عليه السلام حقدا وعداوة لولده علي عليه السلام الذي قتل أشياخه ببدر وحنين، ولا يخفى على طالبي الحق أن هذه الابيات من شعر أبي طالب عليه السلام خرجها أبو هفان عبد الله بن احمد المهزمي في ديوان ابي طالب عليه السلام شيخ الابطح ص 36 طبع النجف الاشرف وفيه اختلاف في الالفاظ، وزيادة في الابيات واليك نصها فتأملها واغتنم :

ألا ابلغا عني لويا رسالة *** بحق وما تغني رسالة مرسل

بني عمنا الادنين تيما نخصهم *** وإخواننا من عبد شمس ونوفل

أظاهرتم قوما علينا أظنة *** وأمر غوي من غواة وجهل

يقولون لو أنا قتلنا محمدا *** أقرت نواصي هاشم بالتذلل

كذبتم وبيت الله يثلم ركنه *** ومكة والاشعار في كل معمل

(قال) يروى يلثم ركنه اي ركن البيت، ويثلم ركنه، أي ركن محمد صلى الله عليه وآله والاشعار علامة الهدي، قال الاصمعي جاءت أم معبد الجهني الحسن فقالت: يابن ميسان إنك قد أشعرت ابني :

وبالحج أو بالنيب تدمى نحوره *** بمدماه والركن العتيق المقبل

(قال) الناب المسن من الابل أي تقاتلون حتى تثنى السيوف:

تنالونه أو تعطفوا دون قتله *** صوارم تفري كل عظم ومفصل

وتدعوا بارحام وأنتم ظلمتم *** مصاليت في يوم أغر محجل

(قال) أي تدعوا بارحام أنتم قطعتموها:

فمهلا ولما تنتج الحرب بكرها *** ييتن تمام أو بآخر معجل

فانا متى ما نمرها بسيوفنا *** نجالح فنعرك من نشاء بكلكل

(قال نجالح أي نكاشف، ويقال نصبر على حالين، والمجلاح


 

[35]

من النوق الذي يصبر على الحر والبرد:

وتلقوا ربيع الابطحين محمدا *** على ربوة في رأس عيطاء عيطل

(قال) أصل العيط طول العنق ثم استعير، وعيطل طويلة تامة:

وتأوي إليه هاشم إن هاشما *** عرانين كعب آخرا بعد أول

فان كنتم ترجون قتل محمد *** فروموا بما جمعتم نقل يذبل

فانا سنحميه بكل طمرة *** وذي ميعة نهد المراكل هيكل

(قال) طمر الجرح إذا انتفخ.

 ونتاونزا، وطامر بن طامر البرغوث لانه كثير الوثب.

وكل ردينى ظماء كعوبه *** وعضب كايماض الغمامة مقصل

وكل جرور الذيل زغف مفاضة *** دلاص كهزهاز الغدير المسلسل

(قال) المفاضة الواسعة التي تنصب على لابسها كانصباب الماء الفائض.

 وهزهاز كثير الاهتزاز قال جرير:

ويجمعنا والغر من آل فارس *** اب لا نبالي بعده من تغدرا

أي تخلف، وقال الراجز:

قد وردت مثل اليماني الهزهاز *** تدفع من أعناقها بالاعجاز

أعيت على مقصدنا والرجاز أي وردت ماء تجففه الرياح يهتز اهتزاز السيف اليماني، أي يكثر لبنها فلا ننحرها، والمسلسل حسن المر.

بايمان شم من ذوائب هاشم *** مغاوير بالاخطار في كل محفل

(قال) مغاوير ينقصون كل عز بغيرهم، قال المؤلف وفي نسخة:

بايمان شم من ذؤابة هاشم *** مغادير بالابطال في كل جحفل

(قال المؤلف) ان مجموع الابيات في ديوان شيخ الابطح عليه السلام الذي جمعه أبو هفان سبعة عشر بيتا، وما خرجه ابن ابن الحديد اثنا عشر بيتا، والله اعلم بسبب تركه بقية الابيات، ويعلم من توقفه في إيمان ناصر


 

[36]

الرسول صلى الله عليه وآله سبب تركه الابيات الخمسة، ولا يخفى أن هذه القصيدة خرجها في ديوان ابي طالب ص 137 ط بمبئى سنة 1326 هـ وهو غير ديوان ابي هفان عبد الله بن احمد المهزمي، وقد نقل منه العلامة الخنيزي في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش).

(قال المؤلف) حديث شيخ السنة ابي عمرو عثمان بن احمد الذي خرجه في المناقب (ج 1 ص 357) وقد تقدم يثبت أن أبا طالب وفاطمة بنت اسد عليهما السلام كانا مسلمين قائلين برسالة النبي الاكرم صلى الله عليه وآله قبل انعقاد نطفة امير المؤمنين عليه السلام، غير أن أبا طالب عليه السلام كان يكتم إيمانه ولم يتظاهر بالاسلام كما كان يتظاهر بها أولاده واخوانه عليهم السلام، ليتمكن من حفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظ من آمن به، والذب عنهم، ومع ذلك كله كان يأمر أولاده وأقرباءه بمتابعة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله، وكان يبين لهم في شعره ونثره أن ما أتى به ابن أخيه هو الدين الصحيح الحق وأن ما سواه باطل، وإليك بعض أشعاره التي فيها تصريح بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله، وأشعاره الدالة على إيمانه واعترافه برسالة ابن أخيه كثيرة، وقد خرجها علماء أهل السنة، وعلماء الامامية عليهم الرحمة.

 (منها) ما ذكره ابن ابي الحديد الشافعي في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 77 طبع مصر سنة 1382 ه‍، قال: ومن شعره (أي من شعر أبي طالب عليه السلام).

 انت النبي محمد *** قرم أغر مسود

لمسودين أطائب *** كرموا وطاب المولد

نعم الارومة أصلها *** عمرو الخضم الاوحد

هشم الربيكة في الجفا *** ن وعيش مكة أنكد


 

[37]

فجرت بذلك سنة *** فيها الخبيزة تثرد

ولنا السقاية للحجيج *** بها يماث العنجد

والمأزمان وما حوت *** عرفاتها والمسجد

أنى تضام ولم أمت *** وأنا الشجاع العربد

وبطاح مكة لا يرى *** فيها نجيع أسود

وبنو أبيك كأنهم *** أسد العرين توقد

ولقد عهدتك صادقا *** في القول لا يتريد

ما زلت تنطق بالصوا *** ب وأنت طفل أمرد

(قال المؤلف) وخرج الابيات العلامة السيد شمس الدين بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب ص 72 ص 73) مع اختلاف في بعض كلمات القصيدة وتقديم وتأخير في الابيات وزيادة بيت: فالابيات عند أبي الحديد اثنا عشر وعند السيد ثلاثة عشر واليك نصها:

انت النبي محمد *** قرم أغر مسود

لمسودين أطائب *** كرموا وطاب المولد

نعم الارومة أصلها *** عمرو الخضم الاوحد

هشم الربيكة في الجفا *** ن وعيش مكة أنكد

فجرت بذلك سنة *** فيها الخبيزة تثرد

ولنا السقاية للحجيج *** بها يماث العنجد

والمأزمان وما حوت *** عرفاتها والمسجد

أنى تضام ولم أمت *** وأنا الشجاع العربد

وبنو أبيك كأنهم *** أسد العرين توقد

شم قماقمة غيو *** ث ندى بحار تزبد


 

[38]

وبطاح مكة لا يرى *** فيها نجيع أسود

ولقد عهدتك صادقا *** في القول ما تنفند

ما زلت تنطق بالصوا *** ب وانت طفل أمرد

(ثم قال عليه الرحمة) ومن تدبر هذا القول ووعاه علم حقيقة ايمان قائله بشهادته للنبي صلى الله عليه وآله بالصدق وقول الصواب، وفي ذلك كفاية لاولي الالباب، وخرج الابيات في كتاب (هاشم وأمية (ص 173 ص 174) وخرجه في كتاب (شيخ الابطح ص 28) وفي (أعيان الشيعة ج 39 ص 143) وخرجها غيرهم.

(قال المؤلف) ومن أشعاره عليه السلام التي فيها تصريح بنبوة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله قوله كما في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 78 طبع 2):

لقد اكرم الله النبي محمدا *** فاكرم خلق الله في الناس أحمد

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

(قال المؤلف) أخرج السيد في (الحجة على الذاهب ص 74) الاشعار باسنادها قال: أخبرني السيد النقيب أبو جعفر الحسيني يحيى بن محمد بن أبي زيد العلوي الحسني البصري بمدينة السلام في شهر رمصان سنة اربع وستمائة، قال: أخبرني والدي أبو طالب محمد بن محمد بن أبي زيد البصري النقيب، قال: أخبرني تاج الشرف المعروف بابن السخطة العلوي الحسيني البصري، قال: أخبرني السيد العالم النسابة الثقة أبو الحسن علي بن محمد بن الصوفي العلوي العمري رحمه الله، قال: أنشدني أبو عبد الله ابن معية الهاشمي معلمي رحمه الله بالبصرة (وقال ان) لابي طالب عليه السلام:

لقد اكرم الله النبي محمدا *** فاكرم خلق الله في الناس أحمد


 

[39]

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

(واخرج) البيت الثاني ابن حجر العسقلاني الشافعي في الاصابة (ج 7 ص 112) وقال: هي من قصيدة له، وترك البيت الاول لانه يثبت إيمان ابي طالب عليه السلام بنبوة ابن اخيه، وقال ابن حجر بعد نقله البيت من قصيدته عليه السلام: قال ابن عيينة عن علي بن زيد: ما سمعت أحسن من هذا البيت.

(قال المؤلف) جميع أشعاره عليه السلام قد شهد بحسنها علماء الادب ومن جملتهم ابن كثير، فقد صرح بذلك في البداية والنهاية (ج 3 ص 57) وقال: قصيدته عظيمة بليغة جدا وهي أفحل من المعلقات السبع، وابلغ الخ) وخرج ابن عساكر الشافعي البيت الثاني وترك البيت الاول وقال: قبل نقله البيت قال ابن عباس لما ولد النبي صلى الله عليه وآله عق عنه عبد المطلب بكبش وسماه محمدا فقيل له يا أبا الحارث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه باسم آبائه ؟ فقال: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الارض، وقال علي بن زيد بن جدعان تذاكرنا الشعر فقال رجل: ما سمعنا شعرا أحسن من بيت أبي طالب:

وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

(وخرج) في تأريخ الخميس (ج 231 1) أنه قيل لعبد المطلب عليه السلام: ما سميته ؟ قال: سميته محمدا قالوا: لم رغبت عن أسماء آبائه ؟ قال: أردت أن يكون محمودا في السماء لله، وفي الارض لخلقه (وفيه ايضا) انه صلى الله عليه وآله ولد معذورا أي مختونا مقطوع السرة، فاعجب ذلك عبد المطلب وحظي عنده وقال: ليكونن لابني هذا شأن (وفيه ايضا) بطرق عديدة عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قال: من كرامتي على ربي اني ولدت مختونا ولم ير


 

[40]

احد سوأتي (وفيه ايضاً) عن ابن عمر قال: ولد النبي ضلى الله عليه وآله وسلم مسرورا مختونا (وفيه ايضا) قال الحاكم في المستدرك: تواترت الاخبار أنه صلى الله عليه وآله ولد مختونا (وخرج ابن كثير) البيت الثاني من شعر أبي طالب عليه السلام في تاريخه الكبير (ج 2 ص 266) وقال قبل ذلك: قال بعض العلماء ألهم الله عزوجل أن سموه محمدا لما فيه من الصفات الحميدة ليلتقي الاسم والفعل، ويتطابق الاسم والمسمى في الصورة والمعنى، كما قال عمه أبو طالب.

 وشق له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد