بعض اشعار ابي طالب عليه السلام الذي فيه اعتراف

برسالة ابن اخيه صلى الله عليه وآله

 

(قال المؤلف) ومن أشعار ابي طالب عليه السلام التي فيها اعتراف برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ما خرجه ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 78 طبع 2)، قال ومن ذلك قوله:

إذا قيل من خير هذا الورى *** قبيلا وأكرمهم أسرة

أناف لعبد مناف اب *** وفضله هاشم العرة

لقد حل مجد بني هاشم *** مكان النعائم والنثرة

وخير بني هاشم احمد *** رسول الاله على فترة

(قال المؤلف) خرج الابيات جماعة من علماء اهل السنة والامامية عليهم الرحمة.

 (منهم) العلامة شمس الدين بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب ص 74) ولفظه يساوي لفظ ابن ابي الحديد الشافعي، غير انه


 

[41]

قال (أتاف بعبد مناف أب) بالباء لا باللام، ثم قال عليه الرحمة: هذا القول منه رضي الله عنه مطابق لقوله تعالى (قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل) فان لم يكن في قوله شهادة منه بالنبوة فليس في ظاهر الآية شهادة، وفي هذا لمن اعتقده غاية الضلال وعظيم الوبال.

 

(قال المؤلف) ومن أشعار أبي طالب عليه السلام التي فيها تصريح برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله، ما خرجه ابن ابي الحديد في نهج البلاغة (ص 76 طبع 2 م) قال: قالوا ومن شعر أبي طلب يخاطب اخاه حمزة وكان يكنى أبا يعلى:

فصبرا أبا يعلى على دين أحمد *** وكن مظهرا للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالحق من عند ربه *** بصدق وعزم لا تكن حمز كافرا

فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن *** فكن لرسول الله في الله ناصرا

وناد قريشا بالذي قد أتيته *** جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا

(قال المؤلف) خرج الابيات جماعة غير ابن أبي الحديد (منهم العلامة السيد شمس الدين بن معد الموسوي في كتابه (الحجة على الذاهب ص 71) وفيه اختلاف في بعض كلماته وهذا نصه بحذف السند:

فصبرا ابا يعلى على دين احمد *** وكن مظهرا للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالدين من عند ربه *** بصدق وحق لا تكن حمز كافرا

فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن *** وكن لرسول الله في الله ناصرا

وناد قريشا بالذي قد أتى به *** جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا

(ثم قال) عليه الرحمة، لم يكفه رضي الله عنه أمره لاخيه بالصبر على عداوة قريش والنصرة للنبي صلى الله عليه وآله حتى أمره باظهار الدين، والاجتهاد في حياطته، والدفاع عن بيضته، ثم يشهد لاخيه حمزة أن محمدا صلى الله عليه وآله اتى بالدين من عند ربه


 

[42]

بصدق وحق، ثم يحذره الكفر في قوله (لا تكن حمز كافرا) ثم يقول له (وقد سرني إذ قلت: إنك مؤمن) أفتراه يسر لاخيه بالايمان ويختار لنفسه الكفر الموجب لغضب الجبار والخلود في النار ؟ وهل يتصور مثل هذا من ذي عقل، ثم يأمره بنصرة النبي صلى الله عليه وآله ويدعو له بالتوفيق لنصرته في قوله (وكن لرسول الله وفقت ناصرا) ثم يأمره بكشف أمره وإذاعة سره في قوله (وناد قريشا بالذي قد أتى به.

 جهارا) أي لا تخفي ذلك (وقل ما كان أحمد ساحرا) كما زعمتم، بل كان نبينا صادقا، وإن رغمتم، فهل يعلم الاسلام بشئ أبين من هذا.

 (ومنهم) العلامة ابن شهر اشوب فقد خرج الابيات في كتابه (المناقب (ج 1 ص 43 ط 2) وذكر اولا سبب انشاد أبي طالب عليه السلام لهذه الابيات، وذكر سبب اسلام حمزة عليه السلام ايضا، وهذا نص الفاظه: (مقاتل) أي خرج مقاتل، وقال: لما رأت قريش يعلو أمره (أي أمر النبي صلى الله عليه وآله) قالوا: لا نرى محمدا يزداد الا كبرا وتكبرا، وإن هو إلا ساحر أو مجنون، وتوعدوه، وتعاقدوا لئن مات أبو طالب ليجمعن قبائل قريش كلها على قتله، وبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم، وأحلافهم من قريش فوصاهم برسول الله صلى الله عليه وآله وقال: إن ابن اخي كما يقول، وأخبرنا بذلك اباؤنا، أن محمدا نبي صادق، وأمين ناطق، وإن شأنه أعظم شأن، ومكانه من ربه أعلى مكان، فاجيبوا دعوته واجتمعوا على نصرته وراموا عدوه من وراء حوزته، فانه الشرف الباقي لكم مدى الدهر وانشأ يقول):

أوصي بنصر النبي الخير مشهده *** عليا ابني وعم الخير عباسا


 

[43]

وحمزة الاسد المخشي صولته *** وجعفرا أن تذودوا دونه الباسا

وهاشما كلها أوصي بنصرته *** أن يأخذوا دون حرب القوم امراسا

كونوا فداء لكم نفسي وما ولدت *** من دون أحمد عند الروع أتراسا

بكل أبيض مصقول عوارضه *** تخاله في سواد الليل مقباسا

وخرج الابيات صاحب ناسخ التواريخ (ج 1 ص 241) مع اختلاف في بعض كلماته وهذا نصه:

أوصي بنصر النبي الخير مشهده *** عليا ابني وشيخ القوم عباسا

وحمزة الاسد الحامي حقيقته *** وجعفرا ليذودوا دونه الناسا

كونوا فداء لكم أمي وما ولدت *** في نصر احمد دون الناس أتراسا

بكل أبيض مصقول عوارضه *** تخاله في سواد الليل مقباسا

(ثم قال) مقاتل وحض أخاه حمزة على اتباعه إذ أقبل حمزة متوشحا بقوسه راجعا من قنص له فوجد النبي صلى الله عليه وآله، في دار أخته محموما وهي باكية، فقال: ما شأنك ؟ قال ذل الحمى يا ابا عمارة لو لقيت ما لقي ابن اخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، فانصرف (حمزة) ودخل المسجد وشج رأسه (اي رأس أبي الحكم) شجة منكرة، فهم اقرباؤه بضربه فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة لكيلا يسلم، ثم عاد حمزة إلى النبي صلى الله عليه وآله وقال: عز بما صنع بك، ثم أخبره بصنيعه فلم يهش (اي يظهر النبي الفرح) وقال: يا عم لانت منهم (فلما سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وآله) اسلم حمزة فعرفت قريش ان رسول الله صلى الله عليه وآله قد عز، وأن حمزة سيمنعه، قال ابن عباس فنزل (قوله تعالى) في سورة (6) آية 22 (أو من كان ميتا فاحييناه، الآية) وسر أبو طالب باسلامه (أي اسلام أخيه حمزة) وأنشأ يقول:


 

[44]

فصبرا أبا يعلى على دين أحمد *** وكن مظهرا للدين وفقت صابرا

وحط من أتى بالدين من عند ربه *** بصدق وحق لا تكن حمز كافرا

فقد سرني إذ قلت إنك مؤمن *** فكن لرسول الله في الله ناصرا

فناد قريشا بالذي قد أتيته *** جهارا وقل ما كان احمد ساحرا (1)

(ثم قال عليه الرحمة) وقال لابنه طالب (وهو أكبر اولاده)

أبني طالب إن شيخك ناصح *** فيما يقول مسدد لك راتق

فاضرب بسيفك من أراد مساته *** ابدا وانك للمنية ذائق

هذا رجائي فيك بعد منيتي *** وانا عليك بكل رشد واثق

فاعضد قواه يا بني وكن له *** إني بجدك لا محالة لاحق

آها أردد حسرة لفراقه *** إذ لم أجده وهو عال باسق

أترى أراه واللواء أمامه *** وعلي ابني للواء معانق

أتراه يشفع لي ويرحم عبرتي *** هيهات إني لا محالة زاهق

(قال المؤلف) خرج العلامة محمد بن علي بن شهر اشوب في مشتابهات القرآن (ج 2 ص 65) البيت الاول والبيت الثالث مما خاطب به أبو طالب أخاه حمزة عليهما السلام، وخرج البيت السادس مما خاطب به أبو طالب وترك البقية، وقد خرج عليه الرحمة من كل قصيدة بيتا أو بيتين فمجموع ما خرج من أشعار ابي طالب على اختلافها لا يزيد على أحد وعشرين بيتا، وسنشير إلى مجموع الابيات بمناسبة المقام ان شاء الله تعالى (وخرج الابيات التي خاطب بها ايو طالب أخاه حمزة عليه السلام جماعة آخرون).

 (منهم) العلامة الحجة المجلسي في البحار (ج 6 ص 454 طبع اول).


 
(1) أخرج الابيات في شرح نهج البلاغة ج 14 ص 76 ط 2 مع اختلاف في بعض الكلمات، وفي عدد الابيات سواء.
 

 

[45]

(ومنهم) السيد العلامة الحجة الامين في أعيان الشيعة (ج 39 ص 144 ص 145).

 (ومنهم) العلامة الحجة الطبرسي في تفسيره مجمع البيان (ج 2 ص 287 طبع أول مصر سنة 1354 ه‍) فقد خرج البيت الاول والبيت الثالث وترك بقية الابيات، واستشهد على إيمان ابي طالب عليه بتسعة عشر بيتا من أشعاره من قصائد مختلفة، وسنذكر ان شاء الله ما خرجه بمناسبة المقام (ومنهم) الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب ايمان ابي طالب (طبع النجف الاشرف سنة 1372).

 (ومنهم) السيد العلامة الحجة السيد المقرم في كتاب (العباس بن أمير المؤمنين طبع النجف الاشرف).

(قال المؤلف) ومن أشعار ابي طالب عليه السلام التي فيها تصريح بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ما بينه عليه السلام في أحوال ولديه علي وجعفر عليهما السلام وقال:

ان عليا وجعفرا ثقتي *** عند ملم الزمان والنوب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لامي من بينهم وأبي

والله لا أخذل النبي ولا *** يخذله من بني ذو حسب

وقد خرج ذلك جماعة من علماء أهل السنة والامامية.

 (منهم) ابن ابي الحديد الشافعي في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 76 ط 2) وخرجه أبو هفان فيما جمعه في ديوان ابي طالب (ص 36) وقال: حدثني أبو العباس المبرد قال: حدثني ابن عائشة، قال: مر أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي عليه السلام عن يمينه وجعفر مع ابي طالب يكتمه اسلامه فضرب عضده وقال: اذهب فصل جناح ابن عمك وقال:


 

[46]

ان عليا وجعفرا ثقتي *** عند احتدام الامور والنوب

أراهما عرضة اللقاء لذا *** ساميت أو انتمي إلى حرب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** اخي لامي من بينهم وابي

(قال المؤلف) ولم يذكر بقية الابيات في هذه الرواية (وخرجها السيد فخار بن معد في الحجة على الذاهب (ص 68 ط أول) في سبعة أبيات بعد أن خرجها في رواية ثلاثة ابيات، وفيها اختلاف لما في الديوان في الترتيب والالفاظ وذكر سبب انشاء أبي طالب عليه السلام لهذه الابيات قال: أخبرني الفقيه أبو الفضل شاذان بن جبرئيل رحمه الله باسناده إلى الشيخ أبي الفتح الكراجكي رحمه الله قال: حدثني القاضي أبو الحسن محمد بن علي بن صخر الآودي، قال: حدثنا عمر بن محمد بن سيف بالبصرة سنة سبع وستين وثلثمائة، قال: حدثنا محمد بن محمد بن سليمان قال حدثنا ضوء بن صلصال بن الدلهمس بن جهل بن جندل، قال: حدثني أبي ضوء بن صلصال بن الدلهمس، قال: كنت أنصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع أبي طالب قبل إسلامي، فاني يوما لجالس بالقرب من منزل أبي طالب في شدة القيظ إذ خرج أبو طالب إلي شبيها بالملهوف فقال لي: يا ابا الغضنفر، هل رأيت هذين الغلامين ؟ يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليا عليه السلام فقلت: ما رأيتهما مذ جلست، فقال: قم بنا في الطلب لهما فلست آمن قريشا أن تكون اغتالتهما، قال: فمضينا حتى خرجنا من أبيات مكة، ثم صرنا إلى جبل من جبالها فاسترقيناه إلى قلته، فإذا النبي صلى الله عليه وآله وعلي عن يمينه وهما قائمان بازاء عين الشمس يركعان ويسجدان فقال أبو طالب لجعفر ابنه وكان معنا صل جناح ابن عمك، فقام إلى جنب علي فاحس بهما النبي صلى الله عليه وآله فتقدمهما وأقبلوا على أمرهم حتى فرغوا مما كانوا فيه، ثم أقبلوا نحونا


 

[47]

فرأيت السرور يتردد في وجه أبي طالب ثم انبعث يقول:

ان عليا وجعفرا ثقتي *** عند ملم الزمان والنوب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لامي من بينهم وأبي

والله لا اخذل النبي ولا *** يخذله من بني ذو حسب

(ثم ذكر السيد عليه الرحمة رواية أخرى في سبب الابيات وهذا لفظه: (أخبرني) السيد أبو علي عبد الحميد بن التقي الحسيني رحمه الله باسناده إلى ابي علي الموضح يرفعه إلى عمران بن الحصين الخزاعي قال: كان والله إسلام جعفر عليه السلام بأمر أبيه، ولذلك مر أبو طالب ومعه ابنه جعفر برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي، وعلي عليه السلام عن يمينه، فقال أبو طالب لجعفر: صل جناح ابن عمك فجاء جعفر فصلى مع النبي صلى الله عليه وآله فلما قضى صلاته قال له النبي صلى الله عليه وآله: يا جعفر وصلت جناح ابن عمك ان الله يعوضك من ذلك جناحين تطير بهما في الجنة فانشأ أبو طالب رضوان الله عليه (يقول):

ان عليا وجعفرا ثقتي *** عند ملم الزمان والنوب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لامي من بينهم وأبي

إن ابا معتب قد اسلمنا *** ليس أبو معتب بذي حدب

والله لا أخذل النبي ولا *** يخذله من بني ذو حسب

حتى تروا الرؤس طائحة *** منا ومنكم هناك بالقضب

نحن وهذا النبي اسرته *** نضرب عنه الاعداء كالشهب

ان نلتموه بكل جمعكم *** فنحن في الناس الام العرب (1)

قال السيد - عليه الرحمة: وقول ابي طالب إن ابا معتب يريد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هذه الابيات خرجها العسكري في كتاب الاوائل مع ما فيها من زيادة [*]

 

[48]

أخاه ابا لهب، وكان يكنى أبا معتب، ثم ذكر السيد شرحا في سبب تركه عليه السلام الصلاة مع ابن عمه صلى الله عليه وآله مع أنه كان مؤمنا به فقال ما مختصره: انما منعه من الصلاة معه التقية من صاحبه الذي كان معه (أي ضوء بن صلصال) لانه كما مر عليك ينصر النبي صلى الله عليه وآله مع انه كان غير مؤمن به، فابو طالب عليه السلام مراقبة لصاحبه واستبقاء لنصرته أظهر مواففته معه، وكان ذلك خدعة منه لتقوى شوكته في نصرة ابن عمه فلو كان مصليا معه عرف ذلك المشركون فصاروا يدا واحدة عليه لم يتمكن من حفظ ابن اخيه واصحابه.

(قال المؤلف) خرج ابن الاثير في أسد الغابة (ج 1 ص 287) في ترجمة جعفر بن ابي طالب عليهما السلام قضية أمر ابي طالب عليه السلام ابنه جعفر بان يصل جناح ابن عمه، وقال: ما هذا نصه: (روي) أن ابا طالب رأى النبي صلى الله عليه وآله وعليا رضي الله عنه يصليان وعلي عن يمينه فقال لجعفر رضي الله عنه صل جناح ابن عمك وصل عن يساره، ولم يذكر اشعاره.

 (وخرج) أبو بكر الشيرازي في تفسيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما نزل عليه الوحي أتى المسجد الحرام وقام يصلي فيه فاجتاز به علي عليه السلام وكان ابن تسع سنين فناداه يا علي الي أقبل، فاقبل إليه مليا فقال له النبي: إني رسول الله اليك خاصة والى الخلق عامة، فقف عن يميني وصل معي، فقال يارسول الله حتى أمضي واستأذن أبا طالب والدي فقال له: اذهب فانه سيأذن لك، فانطلق إليه يستأذنه في اتباعه فقال يا ولدي تعلم أن محمدا أمين الله منذ كان، إمض إليه واتبعه ترشد وتفلح فأتى علي عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وآله قائم يصلي في


 

[49]

المسجد فقام عن يمينه يصلي معه فاجتاز أبو طالب بهما وهما يصليان، فقال يا محمد ما تصنع قال أعبد إله السماوات والارض ومعي أخي علي يعبد ما أعبد، وأنا أدعوك إلى عبادة الواحد الاحد القهار فضحك أبو طالب حتى بدت نواجده وأنشأ يقول:

والله لن يصلوا اليك بجمعهم *** حتى أغيب في التراب دفينا

فاصدع بامرك ما عليك عضاضة *** وابشر بذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي *** ولقد دعوت وكنت ثم امينا

وفي رواية :

ودعوتني وزعمت انك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت ثم امينا

ولقد علمت بان دين محمد *** من خير اديان البرية دينا

(قال المؤلف) زاد ابن كثير على الابيات بيتا آخر، ولا يخفى أن البيت الخامس الذي زاده ابن كثير وغيره كالقرطبي وامثاله ليس من ابي طالب عليه السلام، قال العلامة البرزنجي وغيره انه موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه، كما في أسنى المطالب (ص 18 طبع طهران سنة 1382 ه‍) (ثم قال) ولو قيل إنه من كلامه فيقال أتى به عليه السلام للتعمية على قريش وليوهم عليهم أنه معهم وعلى ملتهم، ولم يتابع محمدا ليقبلوا حمايته ويمتثلوا اوامره.

 (وقال) العلامة الحجة الاميني دام بقاه بعد نقله الابيات مع البيت الاخير ونعم ما قال قال: هب أن البيت الاخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فان أقصى ما فيه أن العار والسبة اللذين كان ابو طالب يحذرهما خيفة أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله، إنما منعاه عن الابانة والاظهار لاعتناق الدين وإعلان الايمان بما جاء به النبي الامين، صلى الله عليه وآله


 

[50]

وهو صريح قوله (لوجدتني سمحا بذاك مبينا) أي مظهرا واين هو من اعتناق الدين في نفسه والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ولو كان يريد عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الاولى المتقدمة، التي ينص فيها بان دين محمد صلى الله عليه وآله من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله صادق في دعوته أمين على امته.

 (وذكر الاميني) أن الابيات رواها الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) وقال: قد اتفق على صحة نقل هذه الابيات عن أبي طالب (عليه السلام) مقاتل وعبد الله بن عباس والقسم بن مخيمرة وعطاء بن دينار (وقال) ذكر الابيات في خزانة الادب للبغدادي (ج 1 ص 261 طبع ثاني سنة 1299 ه‍) وتأريخ ابن كثير (ج 3 ص 42) وتاريخ ابي الفداء (ج 1 ص 120) وفتح الباري شرح صحيح البخاري (ج 7 ص 153 ص 155) والمواهب اللدنية (ج 1 ص 61) والسيرة الحلبية (ج 1 ص 305) وفي ديوان ابي طالب ص 12 طبع النجف الاشرف.

(قال المؤلف) ذكره فيه اختلاف في بعض الفاظه، وهذا لفظه قال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله لما أخافته قريش:

والله لن يصلوا اليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

فانفذ لامرك ما عليك غضاضة *** فكفى بنا دنيا لديك ودينا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح *** فلقد صدقت وكنت قبل أمينا

وعرضت دينا قد علمت بانه *** من خير أديان البرية دينا

(قال المؤلف) ذكر ابن ابي الحديد وغيره أشعار ابي طالب عليه السلام المتقدمة ولم يذكروا سبب انشاد أبي طالب عليه السلام لهذه الابيات ولو ذكروا سببه لكان موجبا لمعرفة معنى الابيات وكان إليق وأقرب لفهم


 

[51]

المراد، ولكن القلوب القاسية والضماير الفاسدة لم تترك للناس امانة فغيروا وبدلوا وزادوا ونقصوا (يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم والله متم نوره).

 (قال ابن كثير) في البداية والنهاية (ج 3 ص 42) قبل نقله الابيات ولعله يريد بيان السبب لما أنشده أبو طالب عليه السلام (روى) يونس بن بكير بن طلحة بن يحيى عن عبد الله بن موسى بنم طلحة، أخبرني عقيل بن ابي طالب، قال: جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: ان ابن اخيك هذا، قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال يا عقيل إنطلق فأتني بمحمد، قال: فانطلقت إليه فاستخرجته من كنس، أو قال خنس (هو بيت صغير) فجاء به في الظهيرة في شدة الحر فلما أتاهم قال (أبو طالب له): ان بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله صلى الله عليه وآله ببصره إلى السماء، فقال: ترون هذه الشمس ؟ قالوا: نعم، قال: " فما انا باقدر أن ادع ذلك منكم على أن تشتعلوا منه بشعلة " فقال أبو طالب والله ما كذب ابن اخي قط فارجعوا، ثم روى الحديث بلفظ آخر وقال إن قريشا حين قالت لابي طالب هذه المقالة (اي شكايتهم عنه) بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن اخي إن قومك قد جاؤني وقالوا: كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الامر ما لا أطيق أنا ولا انت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه، فقال رسول الله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الامر حتى يظهره الله أو اهلك في طلبه، ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وآله فبكى فلما ولى قال له (أبو طالب) حين رأى ما بلغ الامر برسول الله


 

[52]

صلى الله عليه وآله: يا ابن اخي فاقبل عليه فقال: امض على امرك فافعل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ ابدا، قال ابن اسحاق: ثم قال أبو طالب في ذلك:

والله لن يصلوا اليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

فامض لامرك ما عليك غضاضة *** أبشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي *** فلقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بانه *** من خير أديان البرية دينا

لو لا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

(قال المؤلف) ومن علماء الشافعية الذين خرجوا الابيات زيني دحلان الشافعي في (اسنى المطالب (ص 18) الطبع الثاني وذكر سببا آخر لانشاد أبي طالب عليه السلام للابيات، وهذا نصه: قال (واجتمع) مرة كفار قريش وجاؤا أبا طالب ومعهم عمارة بن الوليد بن المغيرة وكان من احسن فتيان قريش وقالوا لابي طالب: خذ هذا بدل محمد، يكون كالابن لك، وأعطنا محمدا نقتله، فقال ما أنصفتموني يا معشر قريش آخذ ابنكم أربيه وأعطيكم ابني تقتلونه، ثم قال:

والله لن يصلوا اليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بامرك ما عليك غضاضة *** وابشر بذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك صادق *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

ولقد علمت بان دين محمد *** من خير أديان البرية دينا

(قال المؤلف) جعل زيني دحلان سبب انشاد أبي طالب عليه السلام الابيات قضية طلب قريش من أبي طالب عليه السلام مبادلة عمارة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقتلوه، وهذه القضية غير القضايا السابقة التي ذكرت سببا لانشاد ابي طالب الابيات، ومن الممكن أن


 

[53]

أبا طالب في جميع هذه القضايا أنشد هذه الابيات التي مفادها طمأنينة قلب الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله بان أبا طالب عليه السلام يحاميه حتى الموت، وأمره بالقيام بما أمر به، وأن لا يرتدع عما هو عليه من تبليغ ما أرسل به بما يراه من الايذاء من مشركي قريش وغيرهم.

 ومن علماء الشافعية الذين اخرجوا الابيات المتقدمة زيني دحلان ايضا في كتابه الآخر المعروف بالسيرة النبوية المطبوع بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 97 وص 98) وخرحها في طلبة الطالب (ص 5) وفي بلوغ الارب (ج 1 ص 325) وفي السيرة الحلبية (ج 1 ص 312) ذكر بيتا واحدا وترك البقية، وذكرها الالوسي في بلوغ الارب، وابن ابي الحديد في شرحه لنهج البلاغة كما يلي:

والله لن يصلوا اليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب رهينا

فانفذ لامرك ما عليك مخافة *** وابشر وقر بذاك منه عيونا

ودعوتني وزعمت انك ناصحي *** ولقد صدقت وكنت قبل امينا

وعرضت دينا قد علمت بانه *** من خير أديان البرية دينا

لو لا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

(قال المؤلف) إن لهذه الابيات التي انشدها أبو طالب مقدمة ذكرها ابن ابي الحديد قبل هذه الابيات (ج 14 ص 53 ص 54 الطبعة الثانية) وهذا نصها: قال محمد بن اسحاق: ولم تكن قريش تنكر أمره (أي أمر رسول الله صلى الله عليه وآله) وهو ما كان يأمرهم بترك الشرك بالله والاعتراف بالوحدانية، (لله تعالى) حينئذ كل الانكار حتى ذكر آلهتهم وعابها فاعظموا ذلك وأنكروه، وأجمعوا على عداوته وخلافه، وحدب عليه عمه أبو طالب فمنعه (من أن يصيبه بشئ) وقام دونه (يحميه ويذب عنه)


 

[54]

حتى بكون مظهرا لامر الله لا يرده عنه شئ، قال: فلما رأت قريش محاماة أبي طالب عنه، وقيامه دونه، وامتناعه من أن يسلمه (إليهم ليقتلوه) مشى إليه رجال من أشراف قريش ذكر اسماءهم وهم ثمانية، فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا وضلل آراءنا، فاما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه،.

 فقال لهم ابو طالب: قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله على ما هو عليه يظهر دين الله، ويدعو إليه، ثم شرق (ثم شرى) الامر بينه وبينهم (أي تزايد) تباعدا وتضاغنا (أي معاداة) حتى أكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينها، وتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عيله، فمشوا إلى أبي طالب مرة ثانية، فقالوا: يا أبا طالب ان لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وانا قد استنهيناك من ابن اخيك فلم تنهه عنا، وانا والله لا نصبر على شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا، فاما ان تكفه عنا أو ننازله وإياك (أي نحاربكما) حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا، فعظم علي أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم تطب نفسه باسلام ابن اخيه لهم وخذلانه فبعث إليه، فقال يا ابن اخي إن قومك قد جاؤني فقالوا لي كذا وكذا للذي قالوا فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الامر ما لا اطيقه، قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قد بدا لعمه فيه بداء، وانه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام دونه، فقال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الامر ما تركته حتى يظهره الله أو اهلك، ثم استعبر باكيا وقام، فلما ولى ناداه أبو طالب: أقبل يا ابن اخي، فاقبل راجعا فقال له إذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشئ


 

[55]

أبدا، ثم انشد الابيات المتقدمة.

(قال المؤلف) خرج الابيات المتقدمة جمع كثير من علماء السنة والامامية عليهم الرحمة غير من تقدم ذكرهم، ومن علماء السنة الذين أخرجوا الابيات القرطبي في تفسيره (ج 6 ص 406) فانه خرجها مع اختلاف قي بعض كلماتها وهذا نصها.

 والله لن يصلوا اليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بامرك ما عليك غضاضة *** إبشر بذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وزعمت انك ناصحي *** فلقد صدقت وكنت قبل أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بانه *** من خير أديان البرية دينا

لو لا الملامة أو حذار مسبة *** لوجدتني سمحا بذاك يقينا

(قال المؤلف) هذه الالفاظ أوضح وأصرح في الاعتراف بنبوة سيد المرسلين، ولا فرق في الاعتراف بالاسلام في النثر أو الشعر، فابو طالب عليه السلام في شعره هذا اعترف بصدق ما جاء به ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله والاعتراف هو الاسلام، ولكن يعتذر عليه السلام من المشاركة معه في العبادة والصلاة في الظاهر حتى يتمكن من حفظه وحفظ أصحابه فحاله عليه السلام حال أصحاب الكهف الذين كانوا يخفون الاسلام والتدين بدين نبي عصرهم الذي كان يجب عليهم اتباعه فاعطاهم الله اجرهم مرتين.

 (ومنهم) الزمخشري في تفسير الكشاف ج 1 ص 448 فقد خرج الابيات، وقال في مقدمتها: روي أنهم (أي كفار قريش) اجتمعوا إلى أبي طالب وأرادوا برسول الله صلى الله عليه وآله سوء فقال الابيات، ولفظه يقرب من لفظ القرطبي، وفيه اختلاف، وهذا نصه:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا


 

[56]

فاصدع بامرك ما عليك غضاضة *** وابشر بذاك وقر منه عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينا لا محالة أنه *** من خير أديان البرية دينا

لو لا الملامة أو حذاري سبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

ومن العلماء الذين خرجوا الابيات العلامة محمد بن علي بن شهر اشوب فانه خرج الابيات الخمسة، ولفظه يقرب لفظ الزمخشري مع اختلاف يسير، وقال في البيت الخامس.

لو لا المخافة أو يكن معرة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا

(قال المؤلف) لو فرضنا صحة نسبة البيت الخامس إلى ابي طالب عليه السلام لكان لفظه في البيت الاخير أحسن الالفاظ واصحها، والله العالم.

 (ومنهم) علاء الدين علي بن محمد بن ابراهيم البغدادي المعروف بالخازن، فقد أخرج الابيات في تفسيره (لباب التأويل في معاني التنزيل) ج 2 ص 10، وقال: روي أن النبي صلى الله عليه وآله دعا أبا طالب إلى الايمان فقال: لو لا تعيرني قريش لاقررت بها عينك، ولكن أذب عنك ما حييت، وقال في ذلك (ثم ذكر الابيات) ولفظه يقرب من لفظ ابن ابي الحديد إلا في البيت الثاني فانه قال: (فاصدع بامرك ما عليك غضاضة) وقال ابن ابي الحديد: (فانفذ لامرك ما عليك مخافة) وقال في البيت الخامس: (لو لا الملامة أو حذار مسبة) وقال ابن ابي الحديد: (لو لا الملامة أو حذاري سبة)


 

[57]

(ومنهم) احمد بن ابي يعقوب بن جعفر بن وهب الكاتب المعروف بابن واضح الاخباري المتوفي سنة 292 فانه خرج الابيات في كتابه المعروف بتأريخ اليعقوبي (ج 2 ص 22 طبع النجف الاشرف)، ولم يذكر إلا ثلاثة ابيات، وذلك يدل على ان البيت الاخير ليس من أبياته قال: وهمت قريش بقتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأجمع ملاها على ذلك وبلغ أبا طالب فقال:

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح *** ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينا قد علمت بانه *** من خير أديان البرية دينا

ثم قال اليعقوبي فلما علمت قريش أنهم لا يقدرون على قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأن ابا طالب لا يسلمه، وسمعت بهذا من قول ابي طالب، كتبت الصحيفة القاطعة الظالمة.

 أن لا يبايعوا احدا من بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يعاملوهم حتى يدفعوا إليهم محمدا فيقتلوه فتعاقدوا على ذلك، وتعاهدوا، وختموا على الصحيفة بثمانين خاتما، وكان الذي كتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار فشلت يده، ثم حصرت قريش رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته من بني هاشم وبني عبد المطلب بن عبد مناف في الشعب الذي يقال له شعب بني هاشم (وكان ذلك) بعد ست سنين من مبعثة (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقام ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب في الشعب ثلاث سنين.

 حتى أنفق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ماله وأنفق ابو طالب ماله وانفقت خديجة بنت خويلد مالها، وصاروا إلى حد الضر والفاقة، ثم نزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: إن الله بعث الارضة على صحيفة قريش فاكلت كل ما فيها


 

[58]

من قطيعة وظلم: إلا المواضع التي فيها ذكر الله، فخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبا طالب بذلك، ثم خرج أبو طالب ومعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته حتى صاروا إلى الكعبة فجلس بفنائها.

 وأقبلت قريش من كل أوب فقالوا: قد آن لك يا ابا طالب أن تذكر العهد وأن تشتاق إلى قومك وتدع اللجاج في ابن اخيك، فقال لهم: يا قوم أحضروا صحيفتكم، فلعلنا أن نجد فرجا وسببا لصلة الارحام وترك القطيعة، وأحضروها وهي بخواتيمهم فقال: هذه صحيفتكم على العهد لم تنكروها ؟ قالوا: نعم، قال: فهل أحدثتم فيها حدثا ؟ قالوا: اللهم لا، قال فان محمدا أعلمني عن ربه أنه بعث الارضة فاكلت كل ما فيها إلا ذكر الله، أفرأيتم إن كان صدقا ماذا تصنعون ؟ قالوا: نكف ونمسك: قال: فان كان كاذبا دفعته اليكم تقتلونه: قالوا قد انصفت واجملت: وفضت الصحيفة فإذا الارضة قد أكلت كل ما فيها إلا مواضع بسم الله عزوجل.

 فقالوا: ما هذا إلا سحر، وما كنا قط أجد في تكذيبه منا ساعتنا هذه، وأسلم يومئذ خلق من الناس عظيم، وخرج بنو هاشم من الشعب وبنو عبد المطلب فلم يرجعوا إليه.

(قال المؤلف) رأيت في مطالعاتي لكتب التفسير عند ذكرهم الآية المباركة في سورة الانعام آية (26) (وهم ينهون عنه وينأون) ذكروا أن الابيات التي أنشدها أبو طالب عليه السلام كانت ثلاثة وزيدت عليها يد الكذب والظلم البيت الخامس أو البيت الاخير وهو: (لو لا الملامة، الخ) فكثر عجبي من ذلك فلما راجعت تأريخ اليعقوبي فإذا الابيات التي يذكرها ثلاثة ليس فيها البيت الرابع والخامس فتحقق لدي أن البيت الخامس من زيادة المحرفين من أعداء أبي طالب وأولاده، ويؤيد ما قلنا في الابيات من أن البيت الاخير من زيادة الاعداء، ما خرجه العلامة الملك المؤيد


 

[59]

إسماعيل ابوالفدا صاحب حماه المتوفي سنة 732 ه‍، كما في كشف الظنون (ص 401) واسم التاريخ (المختصر في أخبار البشر) فقد خرج في الجزء الاول (ص 122) الابيات وقال (ذكر وفاة ابي طالب) ثم قال توفي في شوال سنة عشر من النبوة، ولما اشتد مرضه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عم أقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة (يعني الشهادة) فقال أبو طالب: يابن أخي لو لا مخافة السبة وأن تظن قريش إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها (قال): فلما تقارب من أبي طالب الموت جعل يحرك شفتيه فاصغى إليه العباس باذنه وقال: والله يابن اخي لقد قال الكلمة التي أمرته أن يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحمد لله الذي هداك يا عم، هكذا روي عن ابن عباس ثم قال: ومن شعر أبي طالب مما يدل عل أنه كان مصدقا لرسول الله صلى الله عليه وآله قوله:

ودعوتني وعلمت أنك صادق *** ولفد صدقت وكنت ثم أمينا

ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا

والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أوسد في التراب دفينا

قال: توفي وكان عمر أبي طالب بضعا وثمانين سنة.

(قال المؤلف) لو كان للابيات بقية لذكرها الملك المؤيد أبو الفداء فعدم ذكره البيت الخامس أو الاخير دليل على أن البيت من زيادة الاعداء ومن تأمل في البيت الاخير وكان من أهل البصيرة بالشعر والادب عرف أن البيت الاخير يختلف مع الابيات المتقدمة في أسلوبه الشعري، وليس فيه لطافة كما في الابيات الثلاثة المتقدمة، واختلاف النقل في البيت دليل آخر على أنها موضوعة منسوبة إليه، وليست من أشعاره عليه السلام وقد صرح بان البيت الرابع أو الخامس من زيادة المحرفين المفسر المعروف


 

[60]

العلامة أبو الفتوح عليه الرحمة في تفسيره الكبير المطبوع بالفارسية (ج 2 ص 265) قال ما هذا نضه بالفارسية: (واين بيت بازپسين (أي الاخير) همه عقلا دانند كه مجانس آن نيست، بل مناقض أو است وچون أو مردي محال است كه در چند بيتي مناقضه كويد (وقال ما نصه) هر عاقل اين أبيات را تأمل كند داند كه بيت آخرين ملحق است ونه ملايم ابيات اول است، نه بقوت ومتانت، ونه بمعنى، ومناقضه كه حاصل است ميان اين بيت با أبيات اول) ثم أخذ في بيان معنى الابيات وقال ما معناه: أنه عليه السلام: ذكر أنه ينصره ويحاميه من كيد الكافرين ما دام حيا، وفي البيت الثاني يأمره باداء الرسالة ويحرضه على ذلك ويبشره بما جاءه من النبوة والرسالة، وفي البيت الثالث صرح بانه مؤمن به ومصدق له فقال: لا فرق بين أن يقول الرجل آمنت بك أو صدقت بك، وبين أن يقول انت صادق في دعواك، قال: وفي قوله عليه السلام (ولقد علمت بان دين محمد، من خير اديان) تصديق آخر وايمان آخر غير الذي اعترف به في البيت السابق عليه، وممن انكر أن يكون البيت الرابع من أبي طالب عليه السلام زيني دحلان في كتابه اسنى المطالب (ص 18) قال: قيل انه موضوع أدخلوه في شعر ابي طالب وليس من كلامه، وقد تقدم ذلك منه.

 (ومن اشعار ابي طالب عليه السلام) التي انشدها في امر الصحيفة الملعونة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم، ما اخرجه ابن كثير (في البداية والنهاية (ج 3 ص 87) قال: قال ابن اسحاق: فلما اجتمعت على (قطيعة بني هاشم) قريش وصنعوا فيه الذي صنعوا، قال أبو طالب :

إلا أبلغا عني على ذات بيننا *** لويا وخصا من لوي بني كعب

ألم تعلموا إنا وجدنا محمدا *** نبيا كموسى خط في أول الكتب


 

[61]

وإن عليه في العباد محبة *** ولا خير ممن خصه الله بالحب

وإن الذي الصقتموا من كتابكم *** لكم كائن نحسا كراغية السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الثرى *** ويصبح من لم يجن ذنبا كذي ذنب

ولا تتبعوا أمر الوشاة وتقطعوا *** أواصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حربا عوانا وربما *** أمر على من ذاقه حلب الحرب

فلسنا ورب البيت نسلم احمدا *** لعزاء من عض الزمان ولا كرب

ولما تبن منا ومنكم سوالف *** وأيد أترت بالقساسية الشهب

بمعترك ضيق ترى كسر القنا *** به والنسور الضخم يعكفن كالشرب

كأن ضحال الخيل في حجراته *** ومعمعة الابطال بمعركة الحرب

أليس أبونا هاشم شد أزره *** وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

ولسنا نمل الحرب حتى تملنا *** ولا نشتكي ما قد ينوب من النكب

ولكننا أهل الحفائظ والنهى *** إذا طار أرواح الكماة من الرعب

(قال المؤلف) قد خرج هذه الابيات التي أنشدها أبو طالب عليه السلام وبين فيها الخير والصواب، واعترف فيها بنبوة ابن أخيه صلى الله عليه وآله، جماعة من علماء اهل السنة والامامية عليهم الرحمة منهم من تقدم.

 (ومنهم) ابن الحديد الشافعي فقد خرج الابيات في (ج 14 ص 72 الطبعة الثانية) من شرحه على نهج البلاغة وقد وافق ابن كثير في عدد الابيات، وخالفه في كثير من الفاظه ولذلك نذكر الفاظه بنصوصها.

 قال في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 72): ومن شعر أبي طالب في أمر الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم).

 ألا أبلغا عني على ذات بينها *** لويا وخصا من لوي بني كعب

ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا *** رسولا كموسى في أول الكتب


 

[62]

وإن عليه في العباد محبة *** ولا حيف فيمن خصه الله بالحب

وإن الذي رقشتم في كتابكم *** يكون لكم يوما كراغية السقب

أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى *** ويصبح من لم يجن ذنبا كذى ذنب

ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا *** أواصرنا بعد المودة والقرب

وتستجلبوا حربا عوانا وربما *** أمر على من ذاقه حلب الحرب

فلسنا وبيت الله نسلم أحمدا *** لعزاء من عض الزمان ولا كرب

ولما تبن منا ومنكم سوالف *** وأيد أترت بالمهندة الشهب

بمعترك ضيق ترى قصد القنا *** به والضباع العرج تعكف كالشرب

كأن مجال الخيل في حجراته *** وغمغمة الابطال معركة الحرب

أليس ابونا هاشم شد أزره *** وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب

ولسنا نمل الحرب حتى تملنا *** ولا نشتكي مما ينوب من النكب

ولكننا أهل الحفائظ والنهى *** إذا طار أرواح الكماة من الرعب

(ومنهم) أبو محمد عبد الملك بن هشام بن ايوب الحميري المغافري كان من اهالي مصر، وأصله من البصرة وقد توفي سنة 213 ه‍، وقد جمع سيرة الرسول الاكرم من المغازي والسير لابن اسحاق وهذبها ولخصها وقال أحمد بن يونس صاحب تأريخ مصر: إنه توفي سنة 218 هـ بمصر وقال إنه ذهلي، وكتابه معروف بسيرة ابن هشام طبع في ثلاثة اجزاء بمصر سنة 1329.

(قال المؤلف) خرج ابن هشام الابيات في سيرته (ج 1 ص 318 طبع مصر سنة 1329) ولفظه يساوي لفظ ابن كثير، وقد تقدم لفظه وقد زاد فيه بيتين (ثم قال) ابن هشام فاقاموا على ذلك (أي على القطيعة) سنتبن أو ثلاثا حتى جهدوا لا يصل إليهم شئ إلا سرا مستخيفا من أراد صلتهم من قريش.

 


 

[63]

(ومنهم) السيد أحمد زيني دحلان الشافعي فانه خرج الابيات في كتابه (أسنى المطالب في تجاه ابي طالب) ص 13 طبع مصر وص 17 طبع طهران) ولفظه يقرب من لفظ ابن ابي الحديد المتقدم، وقال في البيت الثاني.

 ألم تعلموا انا وجدنا محمدا *** رسولا كموسى صح ذلك في الكتب

(ثم قال) ويروى أنه عليه السلام قال: (نبيا كموسى خط ذلك في الكتب).

 (قال): ومنها (أي من القصيدة):

وإن عليه في العباد مودة *** ولا خير ممن خصه الله بالحب

فلسنا ورب البيت نسلم احمدا *** لعزاء من عض الزمان ولا كرب

(قال المؤلف) ولم يذكر زيني دحلان بقية القصيدة للاختصار ولكن أخذ يستدل بابيات اخرى في إثبات ايمان ابي طالب عليه السلام وقال: ومن شعره:

وشع له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

(ثم قال) هكذا نسب الحافظ ابن حجر في الاصابة هذا البيت لابي طالب، قال: وقيل إنه لحسان بن ثابت الانصاري (قال البرزنجي) ولا مانع أن يكون لابي طالب وأخذه حسان بن ثابت فضمنه شعره.

(قال المؤلف) لا شك في أن البيت المتقدم من شعر أبي طالب عليه السلام، وقد خرجه ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 78) وقال ومن شعر ابي طالب:

لقد اكرم الله النيي محمدا *** فاكرم خلق الله في الناس أحمد

وشق له من إسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

(قال المؤلف) ذكر ابن حجر في الاصابة (ج 7 ص 112)


 

[64]

ما ذكر زيني دحلان الشافعي في أسنى المطالب من شعر أبي طالب عليه السلام ونسبه إليه، ولكن ترك البيت الاول لان فيه تصريحا بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، وابن حجر من الجماعة القاثلين بعدم ايمان ابي طالب فخاف لو ذكر البيت الاول أثبت خلاف عقيدته، فجزاه الله ما يستحقه وحشهر مع من يتولاه، والعجب من ابن ابي الحديد كيف ذكر البيت الاول مع أنه من المتوقفين في إيمان ابي طالب عليه السلام وهذا البيت يثبت إيمانه بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه ه آله وسلم وهو من أقوى الابيات الدالة على ايمانه، ومن اوضح أشعارة عليه السلام الدالة على اسلامه، إذ لا فرق بين أن يقول الشخص محمد نبي أو يقول أنت النبي محمد، أو واكرم الله النبي محمدا صلى الله عليه وآله.

(قال المؤلف) خرج ما خرجه ابن الحديد جماعة من علماء السنة واليك اسماءهم بالاختصار: ابن هشام في (ج 1 ص 318) من سيرته طبع مصر سنة 1329 وفيه مع زيادة بيتين في آخره، وابن دحلان الشافعي في اسنى المطالب (ص 10 طبع مصر سنة 1305) والالوسي البغدادي في كتابه بلوغ الارب (ص 325 طبع مصر سنة 1342) وعبد القادر البغدادي في (ج 1 ص 261) من خزانة الادب طبع مصر سنة 1299 وقال ابن دحلان بعد ذكره بعض القصيدة هذا البيت من قصيدة بليغة غراء قالها زمن محاصرة قريش لهم في الشعب، وهذه القصيدة تدل على غاية محبته للنبي صلى الله عليه وآله وتدل على التصديق بنبوته وشدة حمايته له، والذب عنه (سلام الله عليه وعلى آله الطيبين) وفي (ج 7 ص 333) من الغدير ذكر الابيات كما في سيرة ابن هشام، وقال خرجه في الروض الانف (ج 1 ص 220) وحرجه ابن كثير في تاريخه (ج 3 ص 87) وخرجه في طلبة الطالب (ص 10).

 


 

[65]

(قال المؤلف) وخرجه السيد في (الحجة على الذاهب ص 39) وذكره في كتاب هشام وامية (ص 172) وذكره في كتاب إيمان ابي طالب (ص 15) وخرجه في المناقب (ج 1 ص 44 من الطبع الثاني) وفي (شيخ الابطح ص 35) وخرجه السيد في (اعيان الشيعة (ص 140 ص 141 من ج 39) وفي (متشابهات القرآن ج 2 ص 65) خرج بعض أبياتها في ضمن أبيات كثيرة فيها تصريح منه عليه السلام بانه آمن برسالة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله.

(قال المؤلف) فهل بعد اعترافه بالرسالة في الابيات السابقة، وبعد اعترافه بالنبوة في الابيات اللاحقة يبقى مجال للشك في ايمانه عليه السلام ؟ والعجب ممن ينقل هذه الابيات وأمثالها لابي طالب عليه السلام ومع ذلك ينكر أو يتوقف في القول بايمانه عليه السلام، راجع شرح النهج لابن ابي الحديد (ج 14 ص 82 الطبعة الثانية) تعرف المتوقف والمنكر.

ومن جملة أشعاره عليه السلام الدالة على أيمانه وإسلامه أبيات بعثها عليه السلام إلى النجاشي ملك الحبشة يحرضه على نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، خرجها صاحب ناسخ التواريخ (ج 1) من الكتاب الثاني منه (ص 252) وهذا نصها:

تعلم مليك الحبش إن محمدا *** نبي كموسى والمسيح ابن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** فكل بامر الله يهدي ويعصم

وإنكم تتلونه في كتابكم بصدق *** حديث لا حديث المرجم

وإنك ما يأتيك منا عصابة *** بفضلك الا عاودوا بالتكرم

فلا تجعلوا لله ندا واسلموا *** فان طريق الحق ليس بمظلم

(قال المولف) خرج الحاكم في المستدرك (ج 2 ص 623) طبع حيدر آباد الابيات وفيها تصحيف، واسقط منها البيت الخامس، وهذا نصه:


 

[66]

حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا احمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير عن ابن اسحاق قال: قال أبو طالب ابياتا للنجاشي يحضه على حسن جوارهم والدفع عنهم، وهي:

ليعلم خيار الناس أن محمدا *** وزير لموسى والمسيح ابن مربم

أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكل بامر الله يهدي ويعصم

وانكم تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث المترجم

وانك ما تأتيك منا عصابة *** بفضلك الا أرجعوا بالتكرم

(وترك البيت الخامس) وخرج ما خرجه الحاكم العلامة السيد شمس الدين فخار بن معد المعاصر لابن ابي الحديد في كتابه الحجة على الذاهب إلى تكفير ابي طالب (ص 56) ولفظه في البيت الاول يساوي لفظه وفي بقية الابيات يساوي لفظه لفظ صاحب ناسخ التواريخ، وفي أبياته تقديم وتأخير، وفي بعض الكلمات اختلاف، وهذا نصه في (ص 56 إلى ص 57).

 تعلم خيار الناس أن محمدا *** وزير لموسى والمسيح ابن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** فكل بامر الله يهدي ويعصم

وإنكم تتلونه في كتابكم *** بصدق حديث لا حديث المترجم

فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا *** فان طريق الحق ليس بمظلم

وإنك ما تأتيك منا عصابة *** لقصدك إلا أرجعوا بالتكرم

(قال المؤلف) ثم قال السيد شمس الدين: فانظر أيها المنصف اللبيب، والحازم الا ريب، إلى هذه الشهادة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه وزير لموسى والمسيح عليهما السلام، وأنه أتى بالهدى مثل الذي أتيا به، فهذا إيمان محض بالنبيين عليهم السلام واعتراف بما جاؤا به من الهدى (فكل بامر الله يهدي ويعصم) أي كل من محمد صلى الله عليه


 

[67]

وآله وسلم وموسى والمسيح عليهما السلام يهدي ويعصم، وقوله للنجاشي (وإنكم تتلونه في كتابكم) يريد أن الانجيل، ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان النجاشي على دين النصرانية، فهل فوق هذا التصديق أو أعظم منه تحقيق ؟ ثم يقول للنجاشي (فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا) أليس هذا أمر صريح منه بالتوحيد لله تعالى والاسلام الذي جاء به ابن اخيه صلى الله عليه وآله، صريح بالتوحيد، والنصرانية ليس فيها التوحيد فانهم يقولون بالتثليث (ولا تقولوا ثلاثة انتهوا) ثم يقول عليه السلام (فان طريق الحق ليس بمظلم) أي ان طريق الحق الذي جاء به ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ليس بمظلم، فيا ليت شعري من يرى طريق الحق ليس بمظلم وانه واضح، وهو سديد عاقل كيف يختار الضلال، نعوذ بالله من اتباع الهوى المورد لظى النار، الموجب لغضب الجبار (إنتهى كلام شمس الدين) وما وقع بين هلالين من زيادة المؤلف للشرح والتوضيح.

 (وخرج) العلامة ابن شهر اشوب في كتابه متشابهات القرآن (ص 65) بيتين منها، ولفظه فيهما يختلف مع ما في ناسخ التواريخ وما في مستدرك الحاكم، وما في (الحجة على الذاهب) وهذا نص الفاظه:

تعلم أبيت اللعن أن محمدا *** نبي كموسى والمسيح ابن مريم

أتى بالهدى مثل الذي أتيا به *** فكل بحمد الله يهدي ويعصم

(قال المؤلف) لم يذكر العلامة ابن شهر اشوب بقية الابيات لشهرتها وخرج في كتابه المناقب (ج 1 ص 44) شطرا من البيت الاول قال: وكتب (أبو طالب عليه السلام) إلى النجاشي: (تعلم أبيت اللعن ان محمدا) الابيات، فاسلم النجاشي، وكان قد سمع مذاكرة جعفر (بن ابي طالب عليهما السلام) وعمرو بن العاص، ونزل فيه (وإذا سمعوا


 

[68]

ما أنزل إلى الرسول) إلى قوله (جزاء المحسنين) سورة المائدة (5) آية (86) إلى (88).

(قال المؤلف) ان مذاكرة جعفر بن ابي طالب عليهما السلام مع عمرو بن العاص عند النجاشي في الحبشة ذكرها علماء أهل السنة والامامية عليهم الرحمة في تفاسيرهم المفصلة، وذكرها جلال الدين السيوطي الشافعي في (الدر المنثور: ج 2 ص 307) وذكرها ايضا العلامة السيد هاشم البحراني في البرهان (ج 1 ص 302) طبع ايران، وذكرها غيرهما والمقام لا يسع ذكرها لانها مفصلة، ومن جملة من خرج الابيات السيد المقرم في كتابه العباس بن امير المؤمنين (ص 22) طبع النجف الاشرف، والعلامة الامين العاملي في الاعيان (ج 16 ص 19) والطبرسي في مجمع البيان (ج 7 ص 36) والمرحوم السيد محمد علي شرف الدين في كتابه شيخ الابطح (ص 87 ص 88) طبع بغداد سنة 1349 ه‍، وفي ايمان أبي طالب (ص 18) للشيخ المفيد طبع النجف الاشرف سنة 1373 ه‍، وفي البحار (ج 6 ص 521) طبع طهران، وخرجها الخنيزي في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش) ص 183 طبع ثاني بيروت سنة 1381 هـ والحقه ببيان لطيف متين متقن يثبت ايمان ابي طالب عليه السلام لطالب الحق، راجعه (قال المؤلف) إن أبا طالب عليه السلام إضافة إلى انه كان يؤمن بنبوة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله يطلب من ملك الحبشة النجاشي الدخول في الاسلام فاسلم وترك الشرك، فهل ترى أحدا يشرك بالله تعالى يرغب غيره في ترك الشرك والاعتراف بالاسلام وقبوله.

 كلا ثم كلا، ومن المعلوم الواضح لدى من له اطلاع بالتاريخ وعلى الاخص تاريخ حياة عبد المطلب وأبي طالب عليهما السلام أن ابا طالب وعبد المطلب كانا مؤمنين متدينين بدين ابيهم ابراهيم عليه السلام إلى أن ولد


 

[69]

نبينا محمد صلى الله عليه وآله ولما ولد صلى الله عليه وآله آمنا به وبما جاء به، لانهم سمعوا من علماء عصرهم أنه يأتي رسول في الحجاز من قريش أن ابويه يموتان ويبقى يتيما في حجر جده وعمه إلى ان يبعث، فلذلك ما زالا يخبران الناس أنه صلى الله عليه وآله له نبأ عظيم، وكانا يأمران أولادهما وأقرباءهما باتباعه، وكانا يصران على ذلك، كما تقدم فيما ذكرناه من وصاياهما عليهما السلام، وحيث أنهما آمنا بالله وبرسوله صلى الله عليه وآله وماتا على ذلك كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخبر عن حالهما في الاخرة، وكان بيين لاصحابه علو مقامهما في الآخرة، فاليك بعض ذلك: ففي كتاب (الدر المنثور ج 6 ص 409) طبع مصر سنة 1314 هـ خرج بسنده عن ابي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: بعثت ولي أربعة عمومة، فأما العباس فيكنى بابي الفضل إلى يوم القيامة، وأما حمزة فيكنى بابي بعلى فأعلى الله قدره في الدنيا والاخرة، وأما عبد العزى فيكنى بابي لهب فادخله الله النار وألهبها عليه وأما عبد مناف فيكنى بابي طالب فله ولولده المطاولة والرفعة إلى يوم القيامة.

(قال المؤلف) تأمل في الحديث تعرف الحق وتعرف أحوال أعمام النبي صلى الله عليه وآله بما بينه وصرح به صلى الله عليه وآله، فانه مدح المؤمنين منهم ودعا على الكافرين منهم، فلو كان أبو طالب عليه السلام مشركا كابي لهب لدعا عليه وذمه فانه صلى الله عليه وآله كان في بياناته مبينا للحق والصواب لم يراع القرابة، فلو كان يراعي القرابة لما ذم أبا لهب ودعا عليه بما تقدم، وفي كتاب شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد الشافعي (ج 14 ص 68 طبع ثاني) قال احتجوا في اسلام آباء النبي صلى الله عليه


 

[70]

بما روي عن جعفر بن محمد عليه السلام انه قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) يبعث الله عبد الله المطلب يوم القيامة وعليه سيماء الانبياء وبهاء الملوك.

(قال المؤلف) اخنصر ابن ابي الحديد الحديث فنسبه إلى الامام جعفر بن محمد عليهما السلام، ولا يخفى أن علوم الائمة كلهم كان من علوم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله، فتارة كانوا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وآله كذا وكذا، وتارة كانوا يذكرون الحديث من دون أن ينسبوه إلى جدهم صلى الله عليه وآله وعلى كل حال يظهر من هذا الحديث ان لعبد المطلب عليه السلام مقاما رفيعا عند الله، وذلك لايمانه بالله وإسلامه بدين أبيه ابراهيم عليه السلام وكان عليه السلام يعترف بذلك حين يسأل وعند الممات، واليك بعض ما كان يعرفه عبد المطلب عليه السلام من أحوال سبطه صلى الله عليه وآله وسلم لعلك تعرف ما كان يعتقده من أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه كان مؤمنا به قبل بعثتة صلى الله عليه وآله.

 (في الخصائص الكبرى) لجلال الدين السيوطي الشافعي (ج 1 ص 81 ص 82) ذكر تحت عنوان (باب معرفة عبد المطلب بشأن النبي صلى الله عليه وآله) قال: أخرج ابن اسحاق، والبيهقي، وابو تعيم من طريقه، قال: حدثتي العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض اهله قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي حتى يجلس عليه فيذهب أعمامه يوخرونه، فيقول جده عبد المطلب دعوا ابني فيمسح على ظهره ويقول: ان لابني هذا لشأنا، قال: فتوفي عبد المطلب والنبي صلى الله عليه وآله ابن ثمان سنين، وأوصى به


 

[71]

ابا طالب، قال: وأخرج أبو نعيم من طريق عطاء عن ابن عباس مثله وزاد (عليه قوله) دعوا ابني يجلس عليه فانه يحسن من نفسه بشئ وأرجو أنه يبلغ من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده.

 (وفيه ايضا ج 1 ص 81) قال: اخرج ابن سعد (في الطبقات) وابن عساكر (في تاريخه) عن الزهري ومجاهد ونافع بن جبير، قالوا: كان النبي صلى الله عليه وآله يجلس على فراش جده فيذهب أعمامه ليؤخروه فيقول عبد المطلب: دعوا ابني إنه ليونس ملكا، وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فانا لم نر قدما أشبه بالقدم التي في المقام منه، وقال عبد المطلب لام أيمن: يابركة لا تغفلي عنه فان أهل الكتاب يزعمون أن ايني نبي هذه الامة (واليك ايضا) بعض ما كان يعرفه عبد المطلب عليه السلام من أحوال سبطه وابن ابنه صلى الله عليه وآله وسلم غير ما تقدم.

 وإخبار الاسقف بنبوته.

 (وفيه ايضال ج 1 ص 81) قال: خرج أبو نعيم من طريق الواقدي عن شيوخه قالوا: بينا عبد المطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران وكان صديقا له وهو يحادثه.

 ويقول: انا نجد صفة نبي بقي من ولد اسماعيل، هذا البلد مولده، من صفته كذا وكذا، وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر إليه الاسقف والى عينيه والى ظهره وإلى قدميه.

 فقال: هو هذا، ما هذا منك ؟ قال ابني قال: الاسقف لا ما نجد أباه حيا قال: هو ابن ابني، وقد مات أبوه وأمه حبلى به، قال صدقت، قال: عبد المطلب لبنيه تحفظوا بابن اخيكم.

 ألا تسمعون ما يقال فيه.