[72]

 

اخبار سيف بن ذي يزن لعبد المطلب

بنبوة ابن ابنه بطريق آخر

 

(وفيه ايضا ج 1 ص 82) قال: أخرج البيهقي، وابو نعيم وابن عساكر، من طريق عفير بن زرعة بن سيف بن ذي يزن عن أبيه قال: لما ظهر سيف بن ذي يزن على الحبشة، وذلك بعد مولد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بسنتين أتاه وفود العرب لتهنيه، وأتاه وفد قريش منهم عبد المطلب فقال له سيف: يا عبد المطلب اني مفض اليك من سر علمي امرا لو غيرك يكون لم أبح له به، ولكني رأيتك معدنه فاطلعتك (أي أعلمتك سره) فليكن عندك مخبيا حتى يأذن الله فيه، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون، الذي ادخرناه لانفسنا، واحتجبناه دون غيرنا، خيرا عظيما، وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة للناس عامة، ولرهطك كافة، ولك خاصة، فقال عبد المطلب، ما هو ؟ قال: إذا ولد بتهامة، غلام بين كتفيه شامة، كانت له الامامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة، ثم قال: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد، إسمه محمد، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم اعداءه، ويصرف بهم الناس عن عرض، ويستفتح بهم كرائم اهل الارض، يعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الاوثان، قوله فصل، وحكمه عدل يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله، والبيت ذي الحجب، والعلامات على النقب، إنك جده يا عبد المطلب غير كذب، فهل أحسست بشئ، مما ذكرت لك ؟


 

[73]

قال نعم، أيها الملك، إنه كان لي ابن وكنت به معجبا، وعليه رفيقا واني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه، فقال له سيف إن الذي قلت لك كما قلت، فاحفظه، واحذر عليه اليهود، فانهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، ولو لا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى اصير يثرب دار ملكي، فاني أجد في الكتاب الناطق، والعلم السابق، أن بيثرب استحكام أمره وأهل نصره وموضع قبره، (وفي تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 10) قال: روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله) أنه قال: إن الله يبعث جدي عبد المطلب أمة واحدة في هيئة الانبياء وزي الملوك.

(قال المؤلف) فهل يبقى مجال للشك في إيمان عبد المطلب برسول الله صلى الله عليه وآله بعدما سمعه من سيف بن ذي يزن من أنه صلى الله عليه وآله نبي يرسل من بني هاشم وهو ابن ابن عبد المطلب عبد الله عليهم السلام، والحق أن يقال إن عبد المطلب وأبا طالب عليهما السلام آمنا به صلى الله عليه وآله قبل بعثته لما علموا من أحواله من أخبار سيف بن ذي يزن وقول الاحبار والرهبان وغيرهم، ولذلك، كانوا سلام الله عليهم يخبرون أولادهم وغيرهم بأنه صلى الله عليه وآله له نبأ عظيم وشأن جسيم وأنه يبلغ من الشرف ما لم يبلغه أي عربي قبله وبعده، وغير ذلك من كلماتهم الدالة على علو شانه ورفيع مقامه، واليك بعض ما أخبر به أبواطلب عليه السلام من أحوال النبي صلى الله عليه وآله.

 


 

[74]

 

بعض ما اخبر به الاحبار والرهبان من أحوال النبي

صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب ولغيره

 

 (الخصائص الكبرى ج 1 ص 84) طبع حيدر آباد الدكن قال: اخرج البيهقي عن ابن اسحاق قال: كان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعد جده، فخرج في ركب من الناس إلى الشام وخرج به (صلى الله عليه وآله) معه فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة قط راهب إليه يصير علمهم (1) عن كتاب فيما يزعمون يتوارثونه، كابرا عن كابر، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا، وكائوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يتعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام، نزلوا قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثيرا، وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله (صلى الله عليه وآله) من بين القوم ثم اقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت (أي تدلت ومالت) أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرا نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم، وعبدكم، فقال له رجل منهم: يا بحيرا


 
(1) أي لم يزل يكون في هذه الصومعة راهب ينتهي إليه علم النصرانية.
 [*]

 

[75]

إن لك اليوم لشانا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ فقال بحيرا: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه، وتخلف رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرفها ويجدها عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا، قالوا له: يا بحيرا ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك، إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم، قال: فلا تفلعوا أدعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى ان هذا للؤم بنا ان يتخلف ابن عبد الله ابن عبد المطلب عن الطعام من بيننا، قال: ثم قام إليه عمه الحرث بن عبد المطلب كما في السيرة النبوية بهامش ص 105 من السيرة الحلبية ط 2 سنة 1329 فاحتضنته ثم اقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا، وينظر إلى أشياء جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى فرغ القوم من الطعام، وتفرقوا، قام بحيرا فقال له يا غلام اسألك بالات والعزى إلا ما أخبرتني عما اسألك عنه، وإنما قال له بحيرا ذلك لانه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا أن رسول الله (ص) مثلهم فقال له: لا تسألني باللات والعزى شيئا قط فوالله ما أبغضت بعضهما شيئا قط، فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال: سلني عما بدا لك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، قال: فلما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال له: ما هذا


 

[76]

الغلام منك ؟ فقال: ابني، فقاله له بحيرا: ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فانه ابن أخي قال: فما فعل أبوه ؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، إرجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا فانه كائن لابن أخيك هذا شأن، فاسرع به إلى بلاده، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، قال: فزعموا فيما يتحدث الناس أن زبيرا وتماما ودريسا وهم نفر من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء، فردهم عنه بحيرا، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لم يخلصوا إليه حتى عرفوا ما قال لهم، وصدقوه بما قال فتركوه وانصرفوا.

 وقال أبو طالب في ذلك أبياتا منها:

فما رجعوا حتى رأوا من محمد *** أحاديث تجلو غم كل فؤاد

وحتى رأوا أحبار كل مدينة *** سجودا له من عصبة وفراد

زبيرا وتماما وقد كان شاهدا *** دريسا وهموا كلهم بفساد

فقال لهم قولا بحيرا وأيقنوا *** له بعد تكذيب وطول عناد

كما قال للرهط الذين تهودوا *** وجاهدهم في الله كل جهاد

فقال ولم يترك له النصح رده *** فان له إرصاد كل مصاد

فاني أخاف الحاسدين وإنه *** لفي الكتب مكتوب بكل مداد

قال جلال الدين السيوطي الشافعي في الخصائص (ج 1 ص 85) طبع حيدر آباد كن: وأخرج أو نعيم عن الواقدي عن شيوخه مثله (أي مثل ما أخرجه البيهقي) قال: وفيه هذه الزيادة: وجعل ينظر إلى الحمرة في عينيه ثم قال لقومه: أخبروني عن هذه الحمرة تأتي وتذهب


 

[77]

أولا تفارقه، قالوا: ما رأيناها فارقته قط، وسأله عن نومه فقال: تنام عيناي ولا ينام قلبي، قال: وفيه بعد قوله كائن لابن لاخيك هذا شأن نجده في كتبنا وما ورثنا من آبائنا وقد أخذ علينا مواثيق قال أبو طالب: من أخذ عليكم المواثيق قال: الله أخذا علينا ونزل به على عيسى ابن مريم، قال: وأخرج ابن سعد مثله بطوله عن داود بن الحصين، وفيه إن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كان ابن ثنتي عشرة سنة (أي حين سافر مع عمه إلى الشام)، وفي تاريخ أبي الفداء (ج 1 ص 119) قال كان عمر رسول الله صلى الله عليه وآله إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وفي تاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 10، قال خرج به (عمه أبو طالب) إلى بصرى من أرض الشام وهو ابن تسع سنين، قال: والله لا اكلك إلى غيري وفي التاريخ الكبير للطبري (ج 2 ص 195) خرج نحوه وقال: خرجه هشام بن محمد، وفي أسنى المطالب (ص 13) أخرج ذلك وقال إن أبا طالب سافر إلى الشام وكان عمر النبي صلى الله عليه وآله إذ ذاك تسع سنين فصحبه معه فرآه بحيرا الراهب بفتح الباء ورأى فيه علامات النبوة فاخبر عنه أبا طالب وأمره بأرجاعه إلى مكة مخافة عليه من اليهود، فرده إلى مكة.

 (وفي الخصائص ايضا ج 1 ص 85) قال: أخرج أبو نعيم عن علي قال: خرج أبو طالب في تجارة إلى الشام في نفر من قريش وأخذ معه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فلما أشرفوا على پحيرا الراهب في وقت قيظ وحر رفع الراهب بصره فإذا غمامة تظل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم من بين من معه من الشمس فصنع بحيرا طعاما ودعاهم إلى صومعته فلما دخل النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم الصومعة أشرقت الصومعة نورا فقال بحيرا: هذا نبي الله الذي يرسله من العرب إلى الناس كافة.

 


 

[78]

(وفيه ايضا ص 85) قال: أخرج ابن سعد وابن عساكر عن عبد الله بن محمد بن عقيل قال: سار أبو طالب إلى الشام والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم معه فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير (لابي طالب عليه السلام): ما هذا الغلام منك ؟ قال: ابني قال: ما هو بابنك ولا ينبغي أن يكون له أب حي، قال فلم ؟ قال لان وجهه وجه نبي وعينه عين نبي قال: وما النبي ؟ قال: الذي يوحى إليه من السماء فينبئ به أهل الارض، قال: الله أجل مما تقول، قال: فاتق عليه اليهود، قال: ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير فقال: ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني، قال: ما هو بابنك وما ينبغي أن يكون له اب حي قال ؟ ولم ذاك ؟ قال: لان وجهه وجه نبي وعينه عين نبي قال سبحان الله، الله أجل مما تقول، قال: يابن أخي ألا تسمع ما يقولون ؟ قال: أي عم لا تنكر لله قدره.

(قال المؤلف) يظهر من هذه الاحاديث أن أبا طالب عليه السلام كان عالما بنبوة ابن أخيه قبل أن يبعثه الله، وكان يعتقد ذلك ولذلك كان يوصي أولاده وأقرباءه بملازمته ونصرته في إثبات دعوته حين بعث صلى الله عليه وآله، وكان يأمرهم باتباعه.

(قال المؤلف) ومن اشعاره عليه السلام الدالة على إيمانه وعلو مقامه ما خرجه في المناقب وغيره وقال: روي عن علي عليه السلام أنه قال: قال لي أبي: يا بني إلزم ابن عمك فانك تسلم به من كل بأس عاجل وآجل، ثم قال لي كما في شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 85 طبع ثاني:

ان الوثيقة في لزوم محمد *** فاشدد بصحبته علي يديكا

(قال المؤلف) وقد تقدم أنه عليه السلام وصى عليا عليه السلام


 

[79]

وجعفرا معا بملازمة الرسول الاكرم ونصرته وعدم خذلانه، وقال:

إن عليا وجعفرا ثقي *** عند ملم الزمان والنوب

وهذه الابيات خرجها في ديوانه (ص 42) وهي ثلاثة أبيات وفيها تصريح بنبوة النبي صلى الله عليه وآله، فهل يشك في إبمان من كان كلامه هذا ؟ وهل الاقرار بالنبوة في الشعر والنثر يختلف في الاثر فلا يعتبر في الشعر ؟ هذا وقد خرج الابيات الثلاثة ابن أبي الحديد الشافعي في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 26 طبع ثاني) ثم قال: وقد جاءت، الرواية أن أبا طالب (عليه السلام) لما مات جاء علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله: فآذنه بموته، فتوجع (رسول الله صلى الله عليه وآله) عظيما وحزن شديدا ثم قال له (أي لعلي عليه السلام): إمض فتول غسله.

 فإذا رفعته على سريره فاعلمني، ففعل (ذلك علي عليه السلام) فاعترضه (أي جاء إلى تشييعه) رسول الله صلى الله عليه وآله وهو محمول على رؤوس الرجال.

 فقال، وصلتك رحم يا عم، وجزيت خيرا، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، وآزرت كبيرا، ثم تبعه (مشيعا) إلى حفرته، فوقف عليه فقال، أما والله لاستغفرن لك، ولاشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان ثم قال ابن أبي الحديد كلاما مفصلا.

 ومن جملته انه لا يجوز للنبي أن يرق لكافر (كما تدعيه بنو أمية وأتباعهم) ولا (يجوز للنبي صلى الله عليه وآله) أن يدعو له بخير (أي لا يجوز للنبي صلى الله عليه وآله ان يدعو إلا لمسلم) ولا (يجوز للني صلى الله عليه وآله) أن يعده (أي يعد من ليس بمؤمن) بالاستغفار والشفاعة، قال، ولم يصل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا على خديجة عليها السلام، لان صلاة الجنازة لم تشرع بعد


 

[80]

وإنما كان تشبيع ورقة ودعاء.

(قال المؤلف) يفكي في إثبات إيمان أبي طالب عليه السلام دعاؤه صلى الله عليه وآله له إذ لو لم يكن مؤمنا ما كان يجوز له أن يدعو له أو يرق عليه أو يشيعه، وفي تاريخ اليعقوبي (ج 2 ص 26) خرج دعاء النبي صلى الله عليه وآله لعمه بعد موته ومشايعته له وحزنه عليه، ويأتي ذلك مفصلا، ولا يخفى أن هذه الابيات الثلاثة المتقدمة أخرجها في ديوان أبي طالب عليه للسلام مع اختلاف وتقديم وتأخير، وهذا نصه: قال أبو هفان عبد الله بن أحمد المهزمي: وأنشدني خالد بن حمل عن عبد الكريم الباهلي لابي طالب:

والله لا أخذل النبي ولا *** يخذله من بني ذو حسب

إن عليا وجعفرا ثقة *** وعصمة في نوائب الكرب

لا تقعدا وانصرا ابن عمكما *** أخي لامي من بينهم وأبي

(ثم قال) وحدثني أبو العباس المبرد، قال: حدثني ابن عائشة قال: مر أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي وعلي عن يمينه وجعفر مع أبي طالب يكتمه إسلامه فضرب عضده وقال اذهب فصل جناح ابن عمك، وقال:

ان عليا وجعفرا ثقتي *** عند احتدام الامور والكرب

أراهما عرضة اللقاء لذا *** ساميت أو انتمي إلى حرب

لا تخذلا وانصرا ابن عمكما *** أخي لامي من بينهم وأبي

(قال المؤلف) ومن اشعار أبي طالب عليه السلام وقد نسبه إليه الطبري والبلاذري والضحاك، كما ذكره في المناقب لابن شهر اشوب (ج 1 ص 42) وهذا نص الفاظه.

 قال الطيري والبلاذري والضحاك قالوا: لما رأت قريش حمية قومه


 

[81]

 

(أي قوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم) وذب عمه أبو طالب عنه جاؤا إليه وقالوا جئناك بفتى قريش جمالا وجودا وشهامة.

 عمارة بن الوليد تدفعه اليك يكون نصره وميراثه لك وندفع مع ذلك من عندنا مالا.

 وتدفع إلينا ابن أخيك الذي فرق جماعتنا وسفه أحلامنا فنقتله، فقال: والله ما أنصفتموني أتعطونني ابنكم أغذوه لكم وتأخذون ابني تقتلونه ؟ هذا والله ما لا يكون أبدا، أتعلمون أن الناقة إذا فقدت ولدها لا تحن إلى غيره ؟ ثم نهرهم فهموا باغتياله فمنعهم أبو طالب من ذلك وقال فيه:

حميت الرسول رسول الآله *** بيض تلالا مثل البروق

أذب وأحمي رسول الآله *** حماية عم عليه شفيق

ثم ذكر في المناقب (ج 1 ص 43 (وقال: وأنشد (أبو طالب عليه السلام) وقال:

يقولون لي دع نصر من جاء بالهدى *** وغالب لنا غلاب كل مغالب

وسلم إلينا أحمدا واكفلن لنا *** بنيا ولا تحفل بقول المعائب

فقلت لهم الله ربي وناصري *** على كل باغ من لوي بن غالب

(قال المؤلف) لا يخفى على أي عاقل تارك للتعصب تصريحات أبي طالب عليه السلام برسالة ابن أخيه وإظهارة الايمان به علاوة على ما أظهره من أنه يحاميه ولا يترك احدا يؤذيه كائنا من كان، ولا يخفى أيضا على من راجع تاريخ حياة أبي طالب عليه السلام وما كان يبديه عليه السلام في نصرة ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله وأن ما ذكره في المناقب ذكره غيره من علماء أهل السنة، وهم جماعة غير أنهم ذكروا القضية ولم يذكروا أشعار أبي طالب عليه السلام المتقدمة.

 (منهم) ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي فانه خرج في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 55) وقال: قال محمد بن اسحاق: ثم إن قريشا


 

[82]

حين عرفت أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 وإسلامه إليهم، ورأوا جماعة على مفارقتهم وعداوتهم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان أجمل فتى في قريش فقالوا له: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد أبهى فتى في قريش وأجمله فخذه اليك.

 فاتخذه ولدا فهو لك، وسلم لنا هذا ابن أخيك الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك لنقتله فانما هو رجل برجل، فقال أبو طالب: والله ما أنصفتموني، تعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ؟ هذا والله ما يكون أبدا، فقال له المطعم بن عدي بن نوفل وكان صديقا مصافيا والله يا أبا طالب ما أراك تريد أن تقبل من قومك شيئا، لعمري قد جهدوا في التخلص مما تكره، وأراك لا تنصفهم، فقال أبو طالب: والله ما أنصفوني ولا أنصفتني، ولكنك قد أجمعت على خذلاني، ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك.

(قال المؤلف) إلى هنا ذكر ابن أبي الحديد القضية وترك أشعار ابي طالب عليه السلام.

 (ومنهم) ابن هشام فانه خرج ما خرجه ابن أبي الحديد مع اختلاف في بعض ألفاظه، وفيه زيادة لا تغير المعنى فالاولى تركه فمن أراد ألفاظه فليراجع سيرة ابن هشام (ج 1 ص 245 طبع مصر سنة 1329 ه‍) ثم قال ابن هشام في سيرته بعد قوله لمطعم: فاصنع ما بدا لك أو كما قالوا قال: فحقب الامر وحميت الحرب وتنابذ القوم وبادى بعضهم بعضا فقال أبو طالب عند ذلك يعرض بالمطعم بن عدي ويعم من خذله من عبد مناف ومن عاداه من قبائل قريش ويذكر ما سألوه وما تباعد من أمرهم.

 


 

[83]

ألا قل لعمرو والوليد بن مطعم *** ألا ليت حظي من حياضكم بكر

من الخور حجاب كثير رغاؤه *** يرش على الساقين من بوله قطر

تخلف خلف الورد ليس بلاحق *** إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر

أرى أخوينا من أبينا وأمنا *** إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر

بلى لهما أمر ولكن تجر جما *** كما جرجمت من رأس ذي علق صخر

أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا *** هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر

هما أغمزا للقوم في أخويهما *** فقد أصبحا منهم أكفهم صفر

هما أشركا في المجد من لا أبا له *** من الناس إلا ان يرس له ذكر

وتيم ومخزوم وزهرة منهم *** وكانوا لنا مولى إذا بغي النصر

فوالله لا ينفك منا عداوة *** ولا منهم ما كان من نسلنا شفر

فقد سفهت أحلامهم وعقولهم *** وكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر

قال ابن هشام: تركت منها بيتين أقذع فيهما، ثم قال ابن اسحاق: ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله، الذين أسلموا معه، فوثب كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسول الله صلى الله عليه وآله منهم بعمه ابي طالب، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وآله والقيام دونه فاجتمعوا إليه، وقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه إلا ما كان من أبي لهب عدو الله الملعون، فلما رأى أبو طالب من قومه ما سره في جهدهم معه وحدبهم عليه، جعل يمدحهم ويذكر قديمهم ويذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم، ومكانه منهم ليشد لهم رأيهم وليحدبوا معه على أمره فقال:


 

[84]

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر *** فعبد مناف سرها وصميمها

فان حصلت أشراف عبد منافها *** ففي هاشم أشرافها وقديمها

وإن فخرت يوما فان محمدا *** هو المصطفى من سرها وكريمها

تداعت قريش غثها وثمنيها *** علينا فلم تظفر وطاشت حلومها

وكنا قديما لا نقر ظلامة *** إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها

ونحمي حماها كل يوم كريهة *** ونضرب عن أحجارها

من يرومها بنا انتعش العود الذواء وانما *** باكنافنا تندى وتنمى أرومها

(قال المؤلف): قال ابن هشام في القطعة المتقدمة ترك مها بيتين أقذع فيهما (أي أبو طالب عليه السلام) وقد ترك بيتين أيضا من هذه القطعة مقد خرجهما في ديوانه (أبو هفان عبد الله بن احمد) وهذا لفظه فيهما:

هم السادة الاعلون في كل حالة *** لهم صرمة لا يستطاع قرومها

يدين لهم كل البرية طاعة *** ويكرمها ما الارض عندي أديمها

(قال المؤلف): وأما القطعة السابقة فقد أخرجها أبو هفان في ديوانه عليه السلام، وفيها زيادة في الابيات واختلاف في الترتيب واليك نصها:

ألا ليت حظي من حياطة نصركم *** بان ليس لي نفع لديكم ولا ضر

وسار برحلي فاطر الناب جاشم *** ضعيف القصيري لا كبير ولا بكر

الجاشم: المتكاره علي السير والقصيري أضعف الاظلاع.

 من الحور حتحات كثير رغاؤه *** يرش على الحاذين من بوله قطر

(أي من نتاج الخوار، وهي الغزارة الواحدة خوارة، والحاذان باطنا الفخذ.

 يخلف خلف الورد ليس بلاحق *** إذا ما علا الفيفاء قيل له وبر


 

[85]

(قال أبو محلم) لثقته أنه يلحق، وان قال ليس بلاحق، والفيفاء الصحراء الممتدة، والوبرة دابة تكون بجبال تهامة وتجمع وبرا ووبارا قال جرير:

تطلى وهي سيئة المعرى *** بعين الوبر تحسبه ملابا

أرى أخوينا من أبينا وأمنا *** إذا سئلا قالا إلى غيرنا الامر

(قال) يريد بني نوفل بن عبد مناف وعبد شمس بن عبد مناف.

بلى لهما أمر ولكن ترجما *** كما رجمت من رأس ذي العلق الصخر

(قال) الترجم القول بالظن لانه يرمى به على غرر كالحجر، والعلق الذي يتعلق بحجارته في المرمى إليه.

 أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا *** هما نبذانا مثل ما نبذ الجمر

وما ذاك إلا سؤدد خصنا به *** آله العبا واصطفانا له الفخر

هما غمزا للقوم في أخويهما *** فقد أصبحا منهم أكفهم صفر

هما أشركا في المجد من لا أبا له *** من الناس إلا أن يرس له ذكر

قال الرس هو الذكر الخفي أخذ من الرس وهو القبر والبرء (قال) يريد الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لوي، وكان الوليد من العظماء المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وآله ومن الذين مشوا إلى أبي طالب في أمر النبي صلى الله عليه وآله، ونزل فيه قوله تعالى (ذرني ومن خلقت وحيدا) الآية في سورة المدثر (74) آية (11)

وتيم ومخزوم وزهرة منهم *** وكانوا لنا أولى إذا بغي النصر

فقد سفهت أحلامها وعقولها *** وكانوا كجعر بئسما صنعت جعر

(قال) يريد السلح أي هم قذرى كهذا :

فوالله لا تنفك منا عداوة *** ولا منهم ما دام من نسلنا شقر


 

[86]

(قال المؤلف) قال العلامة زيني دحلان الشافعي في كتابه أسنى المطالب (ص 21 من الطبع الثاني): ومن غرر مدائح أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله الدالة على تصديقه إياه قوله:

إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر *** فعبد مناف سرها وصميمها

فخرج ثلاثة أبيات آخرها (هو المصطفى من سرها وكريمها) ولم يخرج بقية الابيات السبعة التي خرجها ابن هشام، وقد تقدمت جميعها (ثم قال) زيني دحلان: وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وآله واصطفاني من بني هاشم (قال البرزنجي) وهذا نطق بالوحي قبل صدوره من النبي صلى الله عليه وآله فانه صلى الله عليه وآله أخبر بذلك بعد مدة من قول أبي طالب، والحديث وحي كالقرآن فثبت بهذه الاخبار والاشعار أن أبا طالب كان مصدقا بنبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذلك كاف في نجاته (قال القرافي) في شرح التنقيح عند قول أبي طالب:

وقد علموا ان ابننا لا مكذب *** لدينا ولا يعزى لقول الا باطل

إن هذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان، وان أبا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه (برسالة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله) وكان يقول: إني أعلم أن ما يقول ابن أخي حق (قال) ولم يذعن ظاهرا خوفا من أن قريش لا تقبل حمايته (للنبي صلى الله عليه وآله) قال: وقوله (في بعض الاحيان) لو لا أخاف أن تعيرني نساء قريش (لتظاهرت بالاسلام) إنما قال ذلك تعمية على قريش ليوهم عليهم أنه على دينهم وهذا عذر صحيح بلغ به تمكين النبي صلى الله عليه وآله وتثبيت نبوته والدعوة إلى ربه (ثم قال): وهذا الذي اخترناه من كون نجاة أبي طالب لما كان عنده من التصديق الكافي في النجاة في الآخرة هو طريق المتكلمين


 

[87]

من أئمتنا الاشاعرة، وهو ما دلت عليه أحاديث الشفاعة، وأحاديث الشفاعة كثيرة، وكلها فيها تصريح بأنها لا تنال مشركا: وقد نالت الشفاعة أبا طالب فدل ذلك على عدم إشراكه.

 

 

بعض ما قيل في الاحاديث المكذوبة

في حق مؤمن قريش

 

(قال المؤلف) انتهى كلام العلامة زيني دحلان الشافعي مع الاختصار، ومن أراد التفصبل فليراجع كتابه (أسنى المطالب) (ص 21) فيراه يثبت ايمان أبي طالب بابن أخيه بادلة عقلية ونقلية، ويؤل الاحاديث التي استدلوا بها على ترك أبي طالب عليه السلام وعدم ايمانه، ولو أفسدها بالجرح في أسانيد الاحاديث كان أولى وأثبت للمقصود، فان جميع ما روي في عدم إيمان أبي طالب عليه السلام أسانيدها واهية ورواتها غير مأمونين لانهم من أعداء محمد وآل محمد صلى الله عليه وعليهم، ولو راجعت أحوالهم تراهم من الكذابين والوضاعين منهم (محمد بن يحيى) وهو ابن رزين المصيصي، وقد قال الذهبي في ميزان الاعتدال (ج 3 ص 147) في حقه أنه دجال يضع الحديث، وهذا نصه: قال ابن حبان: محمد بن يحيى بن رزين يضع الحديث، روى عن عثمان بن عمرو ابن فارس عن كهمس عن الحسن عن انس مرفوعا: كل ما في السماوات والارض وما بينهما فهو مخلوق غير الله والقرآن، وذلك أنه منه واليه يعود، وسيجئ قوم من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قاله منهم فقد كفر وطلقت امرأته منه (وهذا الحديث من موضوعاته).

(قال المؤلف) جميع علماء الامامية وكثير من علماء السنة


 

[88]

قائلون بأن القرآن مخلوق وفي القرآن آيات عديدة تدل على ذلك، وهذا المقام لا يناسب بيان ذلك، ومن علماء السنة القائلين بخلق القرآن المأمون العباسي وجماعة آخرون.

 (ومن جملة) رواة حديث النفس الزكية كما في كتاب (شيخ الابطح) ص 81، هو عثمان بن سعيد بن سعد المدني وهذا سعيد من مجاهيل الرواة.

 (ومن جملة) رواة الحديث (محمد بن بشير) فقد ذكر في ميزان الاعتدال (ج 3 ص 31) رجلين بهذا الاسم وكلاهما لا يعتمد عليهما قال الذهبي: محمد بن بشير بن عبد الله القاص، قال ابن معين: ليس بثقة و (محمد بن بشير بن مروان) قال يحيى: ليس بثقة، وقال الدار قطني ليس بالقوي في حديثه، وأبو عبد الرحمن وابن أبي حرب والحاكم ابن صدقة ليس لهم ذكر في كتب الرجال فهم مجهولون (قال المؤلف) جميع ما روي في أبي طالب عليه السلام من الاحاديث المنافية لرفيع مقامه عليه السلام مختلفة وأسانيدها واهية باعتراف علماء السنة، والعجب كل العجب من مثل ابن أبي الحديد وزيني دحلان وأمثالهما مع اطلاعهم على الاحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وعن أهل البيت عليهم السلام في حق أبي طالب عليه السلام، وهي أحاديث تثبت له المقام الرفيع في الدنيا والآخرة، ومع اطلاعهم على ما قام به عليه السلام من بذل نفسه ونفيسه من أولاده وعشيرته في نصرة ابن أخيه صلى الله عليه وآله ومشاركته في نشر ما جاء به من عند ربه من الدين الحنيف وأمره اولاده وذويه في القيام معه في ترويج ما جاء به من الشريعة الاسلامية، ومع ما عرفوه من أشعاره الكثيرة الصريحة في إيمانه مع ذلك كله يتخذون الاحاديث المروية من أعداء أبي طالب عليه السلام


 

[89]

بل أعداء بن هشام صحيحة، ويتعسفون في توجيهها بتوجيهات واهية فهذا العالم المطلع على حياة أبي طالب عليه السلام وعلى ما روي من أولاده في حقه عليه السلام تراه يقول في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 82) طبع ثاني، ما هذا نص الفاظه.

" فاما أنا فان الحال ملتبسة عندي، والاخبار متعارضة ".

(قال ابن أبي الحديد): يقف في صدري رسالة النفس الزكية إلى المنصور (العباسي) وقوله فيها، " فأنا ابن خير الاخيار، وأنا ابن شر الاشرار وأنا ابن سيد أهل الجنة، وان ابن سيد أهل النار ".

(قال) فان هذه شهادة منه على أبي طالب وهو ابنه وغير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي صلى الله عليه وآله، ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلا.

(قال المؤلف) النفس الزكية، هو محمد بن عبد الله بن الحسن ابن الامام السبط الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، لقب بالنفس الزكية وقتل في سنة (145 ه‍) بأمر المنصور قتله ولي عهد المنصور عيسى بن موسى كما في مقاتل الطالبين (ص 232) وذلك لما ثار على المنصور بعد أن قتل أباه بالكوفة وقتل معه مائتين وخمسين رجلا من أصحابه.

(قال المؤلف) بعد المراجعة إلى رواة هذا الحديث المختلق المكذوب تراهم لا يزيدون على خمسة، وهم عثمان بن سعيد بن سعد، ومحمد بن يحيى، وأبو عبد الرحمن، والحكم بن صدقة بن بزار وابن أبي حرب.

وقد طعن أهل الجرح والتعديل في هؤلاء، وقد تقدم ما قيل فيهم نقلا من كتب الرجال لعلماء أهل السنة فلا فائدة في تكرار ذلك، هذا أولا وثانيا اختلاف الحديث المروي في الباب دليل آخر على أنه مكذوب


 

[90]

ومنسوب إلى النفس الزكية راجع تاريخ الطبري (ج 6 ص 196) وتاريخ الكامل لابن الاثير (ج 5 ص 5) وكامل المبرد (ج 3 ص 1274 ص 1275) وكتاب المحاضرات، وتاربخ الامم والدولة العباسية (ص 65) ترى الحديث مرويا فيها مع اختلاف في الفاظه، وهو دليل آخر قوي على أنه حديث مختلق مكذوب لاجل غاية كانوا يطلبونها من أمير الشام وهو تشكيك الناس في إيمان مؤمن قريش عليه السلام الذي شاع الاسلام وبني الدين على ما قام به من نصرة ابن أخيه صلى الله عليه وآله ولولاه لما قام الدين، ولم يتمكن النبي صلى الله عليه وآله من نشر دعوته الاسلامية، هذا ولو تأملت في الفاظ الحديث المنسوب إلى النفس الزكية تراها ركيكة واهية، فهل رأيت أحدا يفتخر بأهل النار ويقول أنا سيد أهل النار، أو يفتخر بالاشرار، ويقول أنا ابن شر الاشرار، نعم لا يصدر هذا الافتخار إلا من مجنون لا يعقل ما يقول، والنفس الزكية عليه السلام لم يكن مجنونا، ولم تصدر منه هذه الكلمات، وعلى الاخص في مقابل شخص كالمنصور الذي هو من أعدائه وأعداء آبائه عليهم السلام وفي حال قيامه بالحرب معه، ونسأل المفتعل لهذا الحديث هل كان أبو طالب عليه السلام شر الاشرار أو خير الاشرار ؟ كما في بعض ألفاظ الحديث، وهل في الشر خير حتى يكون أبو طالب عليه السلام خيرهم وهل لاهل النار سيد حتى يكون أبو طالب عليه السلام سيدهم ؟.

 فهل يقال لمن نصر الرسول الاكرم، وقام في الذب عنه وحياطته شر الاشرار ؟ ولابي لهب وأبي جهل خير الاخيار ؟ وهما اللذان آذيا الرسول صلى الله عليه وآله بأنواع الاذى، ولو تمكنوا على اكثر مما عملوا ما قصروا عنه.

(قال المؤلف) فلنرجع إلى فول ابن أبي الحديد حيث قال: وهو


 

[91]

أي النفس الزكية غير متهم عليه، وعهده قريب من عهد النبي صلى الله عليه وآله، ولم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلا، فيقال له فهل الرسول الاكرم وأمير المؤمنين وأولاده غير النفس الزكية متهمون فيما ذكروا وبينوا من أحوال جدهم أبي طالب عليه السلام ؟ فهل الامام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام متهم فيما بينه في حق جده عليه السلام ؟ فهل عهد أمير المؤمنين عليه السلام وأولاده إلى الصادق عليه السلام عهدهم بعيد من جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن جدهم أبي طالب عليه السلام، فهل النفس الزكية لم يكن معاصرا لامام زمانه جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ؟ وهل يقاس النفس الزكية بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب أو باحد من أولاده المعصومين عليهم السلام حتى يتوقف لقوله؟ وكل فرد من أفراد المسلمين المطلعين على حياة أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام لا يتوقف لقول من خالفهم سواء كان من أولادهم أو كان أجنبيا منهم، فان علماء المسلمين المعاصرين لامير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين كالامام الحسن، والامام الحسين، والامام علي بن الحسين، والامام محمد الباقر، والامام جعفر بن محمد الصادق عليهم السلام جميعهم يعترفون بفضلهم ورفيع مقامهم في العلم إلا من اتبع هواه، واطاع سلطان عصره من الامويين العباسيين الذين أظهروا عداءهم لهم، وشردوهم وقتلوهم حسدا لما أعطاهم الله من المقام الرفيع في الدنيا في أنظار البشر، فكانوا عليهم السلام هم السلاطين على قلوب البشر بل على جميع ما خلقه الله، فلو أنصف ابن ابي الحديد لما تفوه بما قال: من أنه من المتوقفين في إيمان اكبر فرد من المؤمنين، ومن لولاه ولو لا سيف ولده عليهما السلام لما عرف الله ووحد، ولما تمكن النبي صلى الله عليه وآله من بث دعوته


 

[92]

وإرشاد الناس إلى الدين الحنيف، وإن ابن أبي الحديد يعرف جميع ما ذكرناه حق المعرفة، ويؤيد ما قلناه، ويشهد بذلك ما نسب إليه من شعره حيث قال: مادحا لابي طالب عليه السلام، وذلك لما أرسل معاصره السيد العلامة شمس الدين فخار بن معد الموسوي ما كتبه في إيمان أبي طالب وهو الكتاب الذي سماه (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) أرسله إليه ليشهد على صحته وصحة ما فيه فكتب ابن أبي الحديد على ظهر الكتاب الابيات الآتية.

 (قال المؤلف) وجدت في ترجمة المؤلف لكتاب (الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب) ما هذا نصه: هو الامام شمس الدين أبو علي فخار بن معد بن فخار بن أحمد بن محمد بن محمد، المكنى بأبي الغنائم ابن الحسين شيتي بن محمد الحائري ابن ابراهيم المجاب ابن محمد العابد ابن موسى الكاظم عليه السلام، كان عالما فقيها رجاليا نسابة راوية، أديبا شاعرا كما ذكره الرجاليون والنسابون، توفي سنة (630) في اليوم السابع عشر من شهر رمضان المبارك، وهدا ما وجد بخط حفيده علم الدين المرتضى علي بن جلال الدين عبد الحميد بن فخار، قال عرض السيد المؤلف لكتاب (الحجة) على عز الدين عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي الشافعي فكتب على ظهره في مدح أبي طالب عليه السلام (وابنه أمير المؤمنين عليه السلام).

 ولو لا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصا فقاما

فذاك بمكة آوى وحامى *** وهذا بيثرب جس الحماما

تكفل عبد مناف بأمر *** وأودى فكان علي تماما

فقل في ثبير مضى بعدما *** قضى ما قضاه وأبقى شماما

فللله ذا فاتحا للهدى *** ولله ذا للمعالي ختاما


 

[93]

وما ضر مجد أبي طالب *** مجهول لغا أو بصير تعامى

كما لا يضر إياة الصبا *** ح من ظن ضوء النهار الظلاما

(قال المؤلف) اللهم انا نشهد بعلو مقام أبي طالب عليه السلام وبايماته معترفين، ونرجو شفاعته يوم الدين.

 (قال المؤلف): ويؤيد كلام السيد أعلى الله مقامه ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي المتوفي سنة 655 هـ في كتابه شرح نهج البلاغة (ج 14 ص 83) طبع ثاني في المطلوب وهذا نصه: صنف بعض الطالبيين في هذا العصر كتابا، في إسلام أبي طالب وبعثه إلي، وسألني أن أكتب عليه بخطي نظما أو نثرا، أشهد فيه بصحة ذلك، وبوثاقة الادلة عليه، فتحرجت أن أحكم بذلك حكما قاطعا، لما عندي من التوقف فيه، ولم أستجز أن أقعد عن تعظيم أبي طالب فاني أعلم أنه لولاه لما قامت للاسلام دعامة، وأعلم أن حقه واجب، على كل مسلم في الدنيا إلى أن تقوم الساعة، فكتب على ظاهر المجلد هذه الابيات السبعة:

ولو لا أبو طالب وابنه *** لما مثل الدين شخصا فقاما

فذاك بمكة آوى وحامى *** وهذا بيثرب جس الحماما

إلى آخر الابيات السبعة المتقدمة، ولفظه يساوي ما تقدم نقله من ترجمة السيد العلامة فخار بن معد بلا اختلاف في ألفاظه، وقال بعد ذكره الابيات فوفيت حقه من التعظيم والاجلال ولم أجزم بأمر عندي فيه وقفة.

 (قال المؤلف) لو تأملت قليلا فيما كتبه ابن أبي الحديد في أحوال أبي طالب عليه السلام تراه يتناقض في أقواله، فتارة يتكلم بما يظهر منه أنه يعترف بايمان أبي طالب عليه السلام، وتارة يتكلم بما يظهر منه أنه


 

[94]

منكر لذلك، وتارة يصرح بانه من المتوقفين في إيمان أبي طالب عليه السلام والذي يقوى في نطري أن ابن أبي الحديد لا يظهر عقيدته في الامر المتنازع فيه رعاية لاكثر علماء أهل نحلته حيث أنهم يصرحون بان أبا طالب عليه السلام لم يمت على الايمان برسول الله صلى الله عليه وآله بل مات وهو على دين أشياخه من قريش (عبد المطلب عليه السلام وأمثاله).

(قال المؤلف) بعد أن كتبت ما في نظري بالنسبة إلى ابن أبي الحديد عثرت على كلام لاحد المعاصرين، وهو العلامة المحقق المدقق الاستاذ الشيخ عبد الله الخنيزي دام بقاه، وقد وافق نظره نظري في أن ابن أبي الحديد يوجد في بباناته التناقض الصريح في الفقرة التي قبل أبياته وبعد أبيانه، واليك نص كلامه في كتابه (أبو طالب مؤمن قريش ص 300).

 قال حفظه الله وأيده: إننا لنجد التناقض صريحا في الففرة التي قبل أبياته، فهو يقول: إنه تحرج عن الحكم باسلام أبي طالب لتك الوقفة في نفسه، ولكنه لم يستجز العقود عن تعظيم من كان السناد لبناء صرح الاسلام الشموخ، ومن لولاه لما كانت للاسلام دعامة قائمة، وحقه واجب عى كل مسلم، في الدنيا وجد.

 أو كان في عالم الايجاد، حتى فناء الدنيا، وقيام يوم الدين.

 فهذان ضدان لا يجتمعان، أبو طالب كافر، ولكنه لو لم يكن لما كان للاسلام دعامة، وبذلك له الحق المفروض في عنق كل من يمت للاسلام بسبب، فأي كافر هذا ؟ ومن أين له هذا الحق الرجيح ؟ هل كان من كفره ؟ وكيف كان العضد والدعامة في بناء الاسلام، ذلك الكافر ؟ ولكنه بعد ذلك كله كتب على الكتاب تلك الابيات التي نطق بالحق فيها فراح يعرض لما قام به أبو طالب وابنه الامام، من رفيع العلم، وفذ النصرة، وهما دعامتا الاسلام اللتان لو لاهما لما مثل الدين، وقامت له قائمة.

 


 

[95]

فالاب، بدأ العمل الرفيع، وأسس دعامة البناء.

 والولد، أتم العمل، وزاد في البناء.

 الاب، حاط الرسول (صلى الله عليه وآله) ونصره.

 والولد، لاقى الحمام، حتى جس منه الملمس، في سبيله.

 فالمهمة الفضلى التي تكفل بها الاب الكريم وأودى بعد أن لم يصل الغاية كان لها الابن العظيم ذلك المتمم، فكان تماما للجهد الذي الذي قام به الاب (عليه السلام).

 فابو طالب (عليه السلام) هو الفاتح للهدى، وابنه كان الختام للمعالي.

 ما تقول في هذا، (فللله ذا فاتحا للهدى) وما الهدى هذا ؟ أليس يعنى هدى الاسلام ؟ فهل الفاتح لهدى الاسلام يكون ذاك الكافر الجاحد ؟ استغفر الله.

 ولكنه قد وفاه حقه من التعظيم والاجلال، كما يقول، لم يجزم باسلامه، وقد وقف في حلقه ما وقف ولعله قد شرق بالماء، أو قد امتلا به فوه فلم يستطع النطق.

 ولكننا نقف عند قوله:

وما ضر مجد أبي طالب *** جهول لغا أو بصير تعامى

كما لا يضر إياة الصباح *** من ظن ضوء النهار الظلاما

فأي ضرر على مجد أبي طالب (عليه السلام) الاثيل، وإيمانه الرسيخ، واسلامه الثابت أن يتعامى عنه ابن أبي الحديد ؟ (أو غيره ممن هو على رأيه) وهو به ذلك البصير لاشياء قد نكون فرضت عليه أن يسلك هذا الطريق المنآد ويتجنب المهيع الابلج.

 (قال المؤلف) نرجع إلى الكلام في شعر أبي طالب عليه السلام


 

[96]

الذي ذكرة ابن هشام في سيرته.

 قال في السيرة (ج 1 صفحة 246) بعد ذكره القصيدة: تركت منها بيتين أقذع فيهما (أي شتم) وقد اشتبه أو كذب فقد ترك من القصيدة أربعة أبيات، ويمكن أن يقال: إن الابيات التي وصلت إليه كانت ثلاثة عشر وترك منها بيتين، لانه عليه السلام أقذع فيها (قال في مختار الصحاح قذعه وأقذعه رماه بالفحش وشتمه) فقوله أقذع فيهما أي شتم، ولكن اشتبه ابن هشام في نسبة الفحش والشتم إلى أبي طالب عليه السلام فان أبا طالب عليه السلام كان مؤدبا لا يصدر منه الفحش في حق عدو أو محب، ولكنه عليه السلام بين الحقيقة في قوله فجعل ابن هشام بيان الحقاثق فحشا حيث لا يرضى بما ذكره أبو طالب حمية لاعداء النبي صلى الله عليه وآله، ومن الممكن أن نقول: إن من بين أبو طالب حقائقهم كانوا من أقرباء ابن هشام ومن عشيرته فاخذته الحمية فما تمكن من ذكر ما بسوؤهم ولو كان أمرا صحيحا واقعا وهذا بعيد لان ابن هشام حميري ومن ذكرهم أبو طالب من قريش وحمير لم تكن من قريش، راجع كتاب أتساب العرب.

 (قال المؤلف): ومن شعر أبي طالب عليه السلام الدال على إيمانه بابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وعلو مقامه ما خرجه ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 61 طبع ثاني:

وقالوا لاحمد أنت أمرؤ *** خلوف الحديث ضعيف السبب

وإن كان أحمد قد جاءهم *** بصدق ولم يأتهم بالكذب

فأنى ومن حج من راكب *** وكعبة مكة ذات الحجب

تنالون أحمد أو تصطلوا *** ظباة الرماح وحسد القضب

وتغترفوا بين أبياتكم *** صدور العوالي وخيلا شزب


 

[97]

تراهن من بين ضافي السبب *** قصير الحزام طويل اللبب

عليهما صناديد من هاشم *** هم الانجبون مع المنتجب

(قال المؤلف) التصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من دين وكتاب ليس هو الا الاسلام والايمان، ففي قوله عليه السلام هذا اعتراف بالرسالة، وتصديق بما جاء به الرسول، فلو لا تصديقه برسالته ما قام بنصرته بنفسه وولده وعشيرته، ما تحمل المشاق في حفظه من المشركين والكافرين، ولا يخفى على طالبي الحق أن هذه القصيدة خرجها أبو هفان في ديوان أبي طالب عليه السلام وفيها اختلاف وزيادة في الابيات وإليك نصها كما في (ص 25) منه طبع النجف الاشرف.

 تطاول ليلي بهم نصب *** ودمع كسح السقاء السرب

للعب قصي بأحلامها *** وهل يرجع الحلم بعد اللعب

ونفي قصي بني هاشم *** كنفي الطهاة لطاف الخشب

وقول لاحمد انت أمرؤ *** خلوف الحديث ضعيف السبب

وإن كان أحمد قد جاءهم *** بحق ولم يأتهم بالكذب

على أن إخواننا وازروا *** بني هاشم وبني المطلب

هما أخوان كعظم اليمين *** امرا علينا بعقد الكرب

فيا لقصي ألم تخبروا *** بما حل بي من شئون العرب

فلا تمسكن بأيديكم *** بعيد الانوف بعجم الذنب

إلى م إلى م تلا فيتم *** بأمر مزاح وحلم عزب

زعمتم بأنكم جيرة *** وأنكم إخوة في النسب

فكيف تعادون أبناءه *** وأهل الديانة بيت الحسب

فأنى ومن حج من راكب *** وكعبة مكة ذات الحجب

تنالون من أحمد أو تصطلوا *** ظباة الرماح وحد القضب


 

[98]

وتعترفوا بين أبياتكم *** صدور العوالي وخيلا عصب

إذ الخيل تمرغ في جريها *** بسير العنيق وحث الخبب (1)

تراهن ما بين ضافي السبب *** قصير الحزام طويل اللبب (2)

وجرداء كالظبي سمحوجة *** طواها النقائع بعد الحلب (3)

عليها رجال بني هاشم *** هم الانجبون مع المنتجب

(قال المؤلف) فهذه تسعة عشر بيتا، خرج ابن أبي الحديد الشافعي منها سبعة أبيات وترك البقية للاختصار أو لامر آخر، وهو الذي صار سببا في توقفه في ايمان من يعلن في شعره ونثره بقوة إيمانه، ومن تأمل في أحوال أبي طالب عليه السلام وفيما قام به في نصرة سيد المرسلين عرف حق اليقين بانه عليه السلام من المؤمنين المتقين عليه وعلى آله أفضل التحية والصلاة والسلام.

 وصفة القرآن العظيم بصفة عجيب، لها نظيرها في القرآن ذاته وذلك في حكايته عن مؤمني الجن (انا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به) سورة الجن (72) آية 1.

(قال المؤلف) إن أبا طالب عليه السلام كان ينصر ابن أخيه صلى الله عليه وآله وكان ينصر من ينصره، وكل من اعتنق ما جاء به من الشريعة الاسلامية السهلة السمحة، ومن جملة من قام بنصرته أبو سلمة بن عبد الاسد المخزومي، فانه عليه الرحمة لما آذوه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قال: العنيق أشد السير والخبب دونه (2) قال: قصير الحزام، أي ليس بمنتفخ الجوف، وطويل اللبب واسع الصدر (3) قال: سمحج وسمحوجة طويلة، والنقيعة ما ينقع لها من شعير وقيل من نقاع الماء والحليب واللبن.
 

 

[99]

ولم ير ناصرا التجأ إلى أبي طالب عليه السلام فاجاره وقام بنصرته أحسن قيام، فلما أجاره ودافع عنه جاءت إليه رجال من المشركين وقالوا: يا أبا طالب أنك نصرت ابن أخيك محمدا فما بالك تنصر أبا سلمة فأجابهم عليه السلام إنه استجار بي وهو ابن اختي (وذلك لان أم أبي طالب عليه السلام مخزومية) وإن أنا لم أمنع ابن اختي، لم امنع ابن اخي فيرتفع للغط صدى، ويعلو للجدل صوت، ويخشى الوفد الفتنة فيخاف وخيم العاقبة، فيعود فارغ اليد، مغلوبا على أمره، فاشل المسعى.

 قال: واذ رأى أبو طالب أن أبا لهب قد قال كلمة في هذه الحادثة في جانب أبي طالب، فقد طمع فيه أبو طالب وراح يدعوه لنصرة الرسول وأن يقف إلى جانبه في حماية الدين الجديد كما هو واقف، فراح يدعوه لذلك، في قطعتين من شعره.

(قال المؤلف) إن العلامة الخنيزي ذكر الواقعة بالمعنى ولم يذكر الفاظهم، ولو ذكر الفاظهم كان أوقع وأصرح، واليك قول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 3 ص 306 طبع أول، وفي ج 14 ص 56 طبع ثاني) في نفس القضية.

 قال محمد بن اسحاق، فلم يؤثر عن أبي لهب خير قط، إلا ماروي أن أبا سلمة بن عبد الاسد المخزومي لما وثب عليه قومه ليعذبوه ويفتنوه عن الاسلام هرب منهم، فاستجار بأبي طالب، وأم أبي طالب مخزومية وهي أم عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله فاجاره فمشى إليه رجال من بني مخزوم، وقالوا له يا أبا طالب، هبك منعت منا ابن أخيك محمدا، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا ؟ قال: إنه استجار بي وهو ابن اختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي، فارتفعت أصواتهم وأصواته، فقام أبو لهب ولم ينصر أبا طالب قبلها ولا بعدها


 

[100]

فقال، يا معشر قريش، والله لقد اكثرتم على هذا الشيخ (أي أبا طالب) لا تزالون تتوثبون عليه في جواره من بين قومه، أما والله.

 لتنتهن عنه أو لنقومن معه فيما قام فيه، حتى يبلغ ما أراد قال: فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة، فقاموا فانصرفوا وكان وليا لهم ومعينا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي طالب فاتقوه وخافوا أن تحمله الحمية على الاسلام، فطمع فيه أبو طالب حيث سمعه قال ما قال وأمل أن يقوم معه في نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله فقال (أبو طالب) يحرضه على ذلك فانشد هذه الابيات.

 وان امرأ أبو عتيبة عمه *** لفي معزل من أن يسام المظالما

ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة *** تسب بها إما هبطت المواسما

أقول له وأين منه نصيحتي *** أبا عتبة ثبت سوادك قاثما

وول سبيل العجز غيرك منهم *** فانك لم تخلق على العجز لازما

وحارب فان الحرب نصف ولن ترى *** أخا الحرب يعطى الخسف حتى يسالما

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا *** ولما تروا يوما من الشعب قائما

وقال (عليه السلام) يخاطب أبا لهب أيضا، ويحرضه على نصرة النبي صلى الله عليه وآله:

عجبت لحلم بابن شيبة عازب *** وأحلام أقوام لديك سخاف

يقولون شايع من أراد محمدا *** بظلم وقم في أمره بخلاف

أضاميم إما حاسد ذو خيانة *** وإما قريب عنك غير مصاف

فلا تركبن الدهر منه ذمامة *** وانت أمرؤ من خير عبد مناف

ولا تتركنه ما حييت لمعظم *** وكن رجلا ذا نجدة وعفاف

تذود العدى عن ذروة هاشمية *** ألا فهم في الناس خير ألاف


 

[101]

فان له قربى لديك قريبة *** وليس بذي حلف ولا بمضاف

ولكنه من هاشم ذي صميمها *** إلى أبحر فوق البحور طواف

وزاحم جميع الناس عنه وكن له *** وزيرا على الاعداء غير مجاف

وإن غضبت منه قريش فقل لها *** بني عمنا ما قومكم بضعاف

وما بالكم تغشون منه ظلامة *** وما بال أحقاد هناك خوافي

فما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا *** وما نحن فيما ساءهم بخفاف

ولكننا أهل الحفائظ والنهى *** وعز ببطحاء المشاعر واف

(قال المؤلف) اخرج هاتين القصيدتين علماء التاريخ في موارد عديدة، في شيخ أبطح ص 29، وفي السيرة النبوية ج 1، وفي السيرة الهشامية ج 3، وفي أعيان الشيعة (ج 39 ص 130)، وخرجهما السيد في (الحجة على الذاهب ص 104 وص 105) ولكن بتقديم وتأخير في القصيدة، واختلاف في كثير من الفاظه، ونقص في أبياتهما واليك نصه مع المقدمة التي ذكرها وفيه (بعض ما قيل في سبب كتمان مؤمن قريش أبي طالب إيمانه).

 قال السيد فخار في ص 102 (من الحجة على الذاهب) إعلم أن السبب الذي دعا أبا طالب إلى كتمان إيمانه وإخفاء إسلامه (وعدم تظاهره به كغيره ممن آمن وأسلم) ذلك لانه كان سيد قريش غير مدافع ورئيسها غير منازع، وكانوا له ينقادون، ولامره يطيعون، وهم على ذلك بالله تعالى كافرون، وللاصنام يعبدون، فلما أظهر الله دينه، وابتعث نبيه صلى الله عليه وآله، شمر أبو طالب في نصرته وإظهار دعوته وهو برسالته من المؤمنين، وببعثته من الموقنين، وهو مع ذلك كاتم لايمانه، ساتر لاسلامه، لانه لم يكن قادرا على القيام بنصر النبي صلى الله


 

[102]

عليه وآله وسلم، وتمهيد الامور له بنفسه خاصة من دون أهل بيته وأصحابه وعشيرته وأحلافه، وكانوا على منهاج قريش في الكفر، وكان أبو طالب لا يؤمن إذا أظهر إيمانه وأفشى إسلامه أن تتمالا قريش عليه ويخذله حليفه وناصره، ويسلمه صميمه وصاحبه، فيؤدي فعله ذلك إلى إفساد قاعدة النبي صلى الله عليه وآله، والتغرير به، فكتم إيمانه استدامة لقريش على طاعته، والانقياد لسيادته ليتمكن من نصر النبي صلى الله عليه وآله، وإقامة حرمته، والاخذ بحقه، وإعزاز كلمته ولهذا السبب كان أبو طالب يخالط قريشا ويعاشرهم، ويحضر معهم مآدبهم، ويشهد مشاهدهم، وهو مع ذلك يشوب هذه الافعال بتصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والحث على اتباعه، فلو أنه نابذ قريشا وأهل مكة، وقام بمنابذتهم، كانوا كلهم يدا عليه وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنه كان يخادعهم، ويظهر لهم انه معهم، حتى تمت الرسالة، وانتشرت الكلمة، وشاعت الدعوة، ووضح الحق، وكثر المسلمون وصاروا عصبة أولي بأس ونجدة، وحتى شاع ذكره في الآفاق وجاءته الوفود، وعلم من لم يعلم بحاله، وعرفت اليهود مبعثه، ولذلك لما قبض أبو طالب اتفق المسلمون على أن جبرئيل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وآله، وقال له ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن قومك قد عولوا على أن يبتوك، وقد مات ناصرك، فاخرج عنهم، وأمره بالمهاجرة (إلى المدينة المنورة).

 قال السيد فخار بن معد في (الحجة على الذاهب ص 104) طبع أول بعد كلامه المتقدم: فتأمل إضافة الله تعالى أبا طالب رحمه الله إلى النبي عليه السلام وشهادته له انه ناصره، فان في ذلك لابي طالب عليه السلام أوفى فخر، وأعظم منزلة، وقريش رضيت


 

[103]

من أبي طالب بكونه مخالطا لهم مع ما سمعوا من شعره وتوحيده وتصديقه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يمكنهم قتله والمنابذة له، لان قومه من بني هاشم وإخوانهم من بني المطلب بن عبد مناف وأحلافهم ومواليهم وأتباعهم كافرهم ومؤمنهم كانوا معه، ولو كان نابذ قومه لكانوا عليه كافة، ولذلك قال أبو لهب لما سمع قريشا يتحدثون في شأنه ويفيضون في أمره: دعوا عنكم هذا الشيخ فانه مغرور بابن أخيه، والله لا يقتل محمد حتى يقتل أبو طالب، ولا يقتل أبو طالب حتى يقتل بنو هاشم كافة، ولا يقتل بنو هاشم حتى تقتل بنو عبد مناف، ولا تقتل بنو عبد مناف حتى تقتل أهل البطحاء، فامسكوا عنه، وإلا ملنا معه، فخاف القوم أن يفعل فكفوا، فلما بلغت أبا طالب عليه السلام مقالته (أي مقاله أبي لهب) طمع في نصرته " فقال (هذه الابيات) يستعطفه ويرققه ".

 عجبت لحلم يابن شيبة حادث *** وأحلام أو قوام لديك ضعاف

يقولون شايع من أراد محمدا *** بسوء وقم في أمره بخلاف

أضاميم إما حاسد ذو خيانه *** وإما قريب منك غير مصاف

فلا تركبن الدهر منه ظلامة *** وأنت امرؤ من خير عبد مناف

يذود العدى عن ذروة هاشمية *** إلا فهم في الناس خير إلاف

فان له قربى اليك قريبة *** وليس بذي حلف ولا بمضاف

ولكنه من هاشم في صميمها *** إلى أنجم فوق النجوم ضوافي

فان غضبت فيه قريش فقل لها *** بني عمنا ما قومكم بضعاف

قال السيد عليه الرحمة فلما أبطأ عنه ما أراد منه (أي من نصرة الرسول الاكرم صلى الله عليه (وآله) وسلم، قال يستعطفه أيضا فقال:


 

[104]

وإن امرءا من قومه أبو معتب *** لفي منعة من أن يسام المظالما

أقول له واين منه نصيحتي *** أبا معتب ثبت سوادك قائما

ولا تقبلن الدهر ما عشت خطة *** تسب بها إما هبطت المواسما

وول سبيل العجز غيرك فيهم *** فانك لم تخلق على العجز دائما

وحارب فان الحرب نصف ولن ترى *** أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما (1)

(قال المؤلف) يظهر من كلام السيد فخار في (الحجة على الذاهب) أن القصيدة التي ذكرها ابن أبي الحديد مؤخرا في شرح النهج هي متقدمة كما ترى فيما ذكرناه نقلا من كتاب (الحجة على الذاهب) هذا علاوة على ما فيها من الاختلاف في الكلمات، ولم يذكر السيد الابيات كما ذكره ابن أبي الحديد، بل نقص منها ستة أبيات لاجل الاختصار أو لان الرواية التي وصلت إليه لم يكن فيها أزيد من ثلاثة عشر بيتا، هذا وقد خرج الابيات في كتاب (الحماسة) لابن الشجري (ص 16) وخرجها ابن هشام في السيرة (ج 1 ص 332) طبع مصر سنة 1329 هـ وذكر المقدمة التي أنشد لها أبو طالب عليه السلام الابيات، ومقدمته تقرب مما ذكره ابن أبي الحديد مقدمة للابيات في (ج 14 ص 56) طبع ثاني، ثم ذكر القصيدة الاولى بزيادة ثلاثة أبيات، على ما ذكر ابن أبي الحديد، ولم يذكر القصيدة الثانية، وفيما ذكره اختلاف في الالفاظ علاوة على الزيادة في الابيات، وهذا نصها:

وان امرأ أبو عتيبة عمه *** لفي روضة ما أن يسام المظالما

اقول له وأين منه نصيحتي *** أبا معتب ثبت سوادك قائما

فلا تقبلن الدهر ما عشت خطه *** تسب بها إما هبطت المواسما

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) القصيدتان (13) بيتا وهما في شرح ابن أبي الحديد (19) بيتا.
 [*]

 

[105]

وول سبيل العجز غيرك منهم *** فانك لم تخلق على العجز لازما

وحارب فان الحرب نصف وما ترى *** أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما

وكيف ولم يجنوا عليك عظمية *** ولم يخذلوك غانما أو مغارما

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا *** جماعتنا كيما ينال المحارما

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا *** ولما تروا يوما لدى الشعب قائما

(قال المؤلف) ثم قال ابن هشام بقي منها بيت تركناه.

 وخرج الابيات أيضا ابن كثير في البداية والنهاية (ج 3 ص 93) ولفظه لفظ ابن هشام في السيرة سواء، ولم يذكر القصيدة الاخرى التي ذكرها ابن أبي الحديد، وأولها:

عجبت لحلم يابن شيبة عازب *** وأحلام أقوام لديك سخاف

(قال المؤلف) ومن أشعار أبي طالب عليه السلام التي فيها تصريح على أنه كان مسلما مؤمنا بما جاء به ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ما خرجه ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 78) طبع ثاني، وخرجه أبو هفان في ديوانه (ص 75) واللفظ لابن أبي الحديد الشافعي، قال عليه السلام،

يا شاهد الله علي فاشهد *** إني على دين النبي أحمد

من ضل في الدين فاني مهتدي

(قال المؤلف) قال ابن أبي الحديد بعد نقله ما نسب إليه عليه السلام من الاشعار فكل هذه الاشعار قد جاءت مجيئ التواتر لانه وان لم تكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشارك وهو التصديق (بنبوة) محمد صلى الله عليه وآله، ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا


 

[106]

ومجموعها متواتر يفيدنا العلم الضروري بشجاعته عليه السلام، ثم قال ابن أبي الحديد: واتركوا هذا كله جانبا، ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة (قفا نبك)، وإن جاز الشك فيها أو في شئ من أبياتها جاز الشك في (قفانبك) وفي بعض أبياتها (ثم قال): ونحن نذكر منها هاهنا قطعة وهي قوله:

أعوذ برب البيت من كل طاعن *** علينا بسوء أو يلوح بباطل

ومن فاجر يغتابنا بمغيبة *** ومن ملحق في الدين ما لم نحاول

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا *** ولما نطاعن دونه ونناضل

وننصره حتى نصرع دونه *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وحتى نرى ذا الروع يركب درعه *** من الطعن فعل الانكب المتحامل

وينهض قوم في الحديد اليكم *** نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وإنا وبيت الله من جد جدنا *** لتلتبسن أسيافيا بالاماثل

بكل فتى مثل الشهاب سميدع *** أخي ثقة عند الحفيظة باسل

وما ترك قوم لا أبا لك سيدا *** يحوط الذمار غير نكس مواكل

وابيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

وميزان صدق لا يخيس شعيرة *** ووزان صدق وزنه غير عائل

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا ولا يعبأ بقول الاباطل

لعمري لقد كلفت وجدا باحمد *** وأحببته حب الحبيب المواصل

وجدت بنفسي دونه فحميته *** ودافعت عنه بالذرى والكواهل

فلا زال للدنيا جمالا لاهلها *** وشينا لمن عادى وزين المحافل

وأيده رب العباد بنصره *** وأظهر دينا حقه غير باطل

(قال المؤلف) خرج ابن أبي الحديد القصيدة في سبعة عشر


 

[107]

بيتا، وهي تزيد على المائة بيت، وقد خرج الاميني حفظه الله وأيده من القصيدة أكثر مما خرجه في شرح نهج البلاغة، وهذا نص ما أخرجه في الغدير (ج 7 صفحة 338) طبع ثاني، وفيه زيادة واختلاف في الكلمات.

 خليلي ما أذنى لاول عاذل *** بصغواء في حق ولا عند باطل

ولما رأيت القوم لا ود فيهم *** وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وقد صارحونا بالعداوة والاذى *** وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

وقد حالفوا قوما علينا أظنة *** يعضون غيظا خلفنا بالانامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة *** وأبيض عضب من تراث المقاول

أعوذ برب الناس من كل طاعن *** علينا بسوء أو ملح بباطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة *** ومن ملحق في الدين ما لم نحاول

وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه *** وراق ليرقى في حراء ونازل

وبالبيت حق البيت من بطن مكة *** وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسود إذ يمسحونه *** إذا أكتنفوه بالضحى والاصائل

كذبتم وبيت الله نترك مكة *** ونظعن إلا امركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا *** ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قوم بالحديد اليكم *** نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وحتى نرى ذا الطعن يركب درعه *** من الطعن فعل الانكب المتحامل

وإنا لعمر الله إن جد ما أرى *** لتلتبسن أسيافنا بالاماثل

بكفي فتى مثل الشهاب سميدع *** أخي ثقة حامي الحقيقة باسل

شهورا واياما وحولا مجرما *** علينا وتأتي حجة بعد قابل

وما ترك قوم لا أبا لك سيدا *** يحوط الذمار غير ذرب مواكل


 

[108]

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في رحمة وفواضل

بميزان قسط لا يخيس شعيرة *** له شاهد من نفسه غير عائل

ولقد سفهت أحلام قوم تبدلوا *** بني خلف قيضا بنا والغياطل

ونحن الصميم من ذؤابة هاشم *** وآل قصي في الخطوب الاوائل

وسهم ومخزوم تمالوا والبوا *** علينا العدى من كل طمل وخامل

فعبد مناف أنتم خير قومكم *** فلا تشركوا في أمركم كل واغل

ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا ولا نعبأ بقول الا باطل

أشم من الشم إليها ليل ينتمي *** إلى حسب في حومة المجد فاضل

لعمري لقد كلفت وجدا باحمد *** وأحببته حب الحبيب المواصل

فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها *** وزينا لمن والاه رب المشاكل

فاصبح فينا أحمد في أرومة *** تقصر عنه سورة المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته *** ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

فايده رب العباد بنصره *** وأظهر دينا حقه غير باطل

(قال المؤلف) فهذه ثلاثة وثلاثون بيتا من القصيدة اللامية المنسوبة إلى شيخ الابطح أبي طالب عليه السلام، وقد خرجها ابن هشام في سيرته (ج 1 ص 249 وص 255) وما خرج منها الا أربعة وتسعين بيتا وخرجها ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية (ج 3 ص 53 وص 57) وما ذكر منها الا اثنين وتسعين بيتا وخرجها أبو هفان العبدي فيما جمعه من شعر أبي طالب، وهو معروف بديوان أبي طالب عليه السلام (من ص 2 إلى ص 12) طبع النجف الاشرف في مائة واحد عشر بيتا وخرجناها في كتابنا (الشهاب الثاقب لرجم مكفر أبي طالب عليه السلام) نقلا من كتب عديدة، وفيها زيادة على جميع من ذكر القصيدة، وما ذكرناه مائة وستة عشرة بيتا واليك نصها:


 

[109]

خليلي ما أذني لاول عاذل *** بصغواء في حق ولا عند باطل

خليلي إن الرأي ليس بشركة *** ولا نهنه عند الامور التلائل

ولما رأيت القوم لا ود عندهم *** وقد قطعوا كل العرى والوسائل (1)

وقد صارحونا بالعداوة والاذى *** وقد طاوعوا أمر العدو المزايل

وقد حالفوا قوما علينا اظنة *** يعضون غيظا خلفنا بالانامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة *** وأبيض عضب من تراث المقاول (2)

وأحضرت عند البيت رهطي واخوتي *** وأمسكت من أثوابه بالوصائل

قياما معا مستقبلين رتاجه *** لدى حيث يقضي حلفه كل نافل (3)

وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم *** بمفضى السيول من أساف ونائل

موسمة الاعضاد أذ قصراتها *** محبسة بين السديس وبازل

ترى الودع فيها والرخام وزينة *** باعناقها معقودة كالعثاكل

أعوذ برب الناس من كل طاعن *** علينا بسوء أو ملح بباطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبة *** ومن ملحق في الدين ما لم نحاول (4)

وثور ومن أرسى ثييرا مكانه *** وراق ليرقى في حراء ونازل (5)

وبالبيت حق البيت من بطن مكة *** وبالله ان الله ليس بغافل (6)

وبالحجر المسود إذ يمسحونه *** إذا اكتنفوة بالضحى والاصائل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ولما رأيت القوم لا ود فيهم " الديوان وسيرة ابن هشام " (2) " وابيض ماض " الديوان (3) " يقضي نسكه " الديوان وسيرة ابن هشام (4) " ومن مفتر في الدين " الديوان (5) " وعير وراق في حراء ونازل " الديوان (6) " وبالبيت ركن الببت " الديوان

 

[110]

وموطئ ابراهيم في الصخر وطأة *** على قدميه حافيا غير ناعل

واشواط بين المروتين إلى الصفا *** وما فيهما من صورة وتماثل

ومن حج بيت الله من كل راكب *** ومن كل ذي نذر ومن كل راجل

وبالمشعر الاقصى إذا عمدوا له *** إلال إلى مفضى الشراج القوابل

وتوقا فهم فوق الجبال عشية *** يقيمون بالايدي صدور الرواحل

وليلة جمع والمنازل من منى *** وهل فوقها من حرمة ومنازل (1)

وجمع إذا ما القربات أجزنه *** سراعا كما يخرجن من وقع وابل (2)

وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها *** يؤمون قذفا رأسها بالجنادل

وكندة إذ هم بالحصاب عشية *** تجير بهم حجاج بكر بن وائل (3)

حليفان شدا عقد ما اختلفا له *** وردا عليه عاطفات الوسائل (4)

وحطمهم سمر الرماح وسرحة *** وشبرقة وخد النعام الجوافل (5)

فهل بعد هذا من معاذ لعائذ *** وهل من معيذ يتقي الله عاذل

يطاع بنا أمر العداة وإننا *** تسد بنا أبواب ترك وكابل

كذبتم وبيت لله نترك مكة *** ونظعن إلا أمركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا *** ولما نطاعن دونه ونناضل

أقيم على نصر النببي محمد *** أقاتل عنه بالقنا والقبائل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) " وما فوقها من حرمة " الديوان (2) " كما يفزعن من وقع " الديوان (3) " وكندة إذ ترمى الجمار " " تجيز بها " الديوان (4) " عاطفات الذلائل " ديوان (5) وحطمهم سمر الرماح مع الظبى *** وانقاذهم ما ينتقى كل نابل ومشيهم حول البسال وسرحه *** وسلمية وخد النعام الجوافل (ديون) [*]

 

[111]

ونسلمه حتى نصرع حوله *** ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قوم بالحديد اليكم *** نهوض الروايا تحت ظل الصلاصل

وحتى ترى ذا الضغن بركب ردعه *** من الطعن فعل الانكب المتخامل

وإنا لعمر الله إن جد ما أرى *** لتلتبسن أسيافنا بالاماثل

بكفي فتى مثل الشهاب سميدع *** أخي ثقة حامي الحقيقة باسل

من السر من فرعي لوي بن غالب *** منيع الحمى عند الوغى غير واكل

شهورا واياما وحولا مجرما *** علينا وتأتي حجة بعد قابل

وما ترك قوم لا ابا لك سيدا *** يحوط الذمار غير ذرب مواكل

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل (1)

يلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في رحمة وفواضل (2)

لعمري لقد أجرى أسيد وبكرة *** إلى بغضنا وجزا باكلة آكل (3)

جزت رحم عنا أسيدا وخالدا *** جزاء مسيئ لا يؤخر عاجل

وعثمان لم يربع علينا وقنفذ *** ولكن اطاعا أمر تلك القبائل

أطاعا أبيا وابن عيد يغوثهم *** ولم يرقبا فينا مقالة قائل (4)

كما قد لقينا من سبيع ونوفل *** وكل تولى معرضا لم يجامل

فان يلقيا أو يمكن الله منهما *** نكل لهما صاعا بصاع المكايل (5)

وذاك أبو عمرو أبى غير بغضنا *** ليظعننا قي أهل شاء وجامل

يناجى بنا في كل ممسي ومصبح *** فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) " ربيع اليتامى " ديوان (2) " فهم عنده في نعمة وفواضل " ديوان (3) " اسيد ورهطه " ديوان (4) " أطاعا بنا الغاوين في كل وجهة " ديوان (5) " نكل لهما صاعا بكيل المكايل " ديوان [*]

 

[112]

ويؤلي لنا بالله ما إن يغشنا *** بلى قد نراه جهرة غير خائل

أضاق عليه بغضنا كل تلعة *** من الارض بين أخشب فمجادل (1)

وسائل أبا الوليد ماذا حبوتنا *** بسعيك فينا معرضا كالمخاتل

وكنت امرأ ممن يعاش برأيه *** ورحمته فينا ولست بجاهل

فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح *** حسود كذوب مبغض ذي دغاول

ولست أباليه على ذات نفسه *** فعش يابن عمي ناعما غير ماحل

فقد خفت ان لم تزدجرهم وترتدع *** تلاقي وتلقى مثل احدى الزلازل (2)

ومر أبو سفيان عني معرضا *** كما مر قبل من عظام المقاول (3)

يفر إلى نجد وبرد مياهه *** ويزعم اني لست عنكم بغافل

ويخبرنا فعل المناصح أنه *** شفيق ويخفي عارمات الدواخل

أمطعم لم أخذ لك في يوم نجدة *** ولا مطعم عند الامور الجلائل

ولا يوم خصم إذ أتوك الدة *** أولي جدل مثل الخصوم المساجل (4)

أمطعم إن القوم ساموك خطة *** واني متى أوكل فلست بوائل

جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا *** عقوبة شر عاجلا غير آجل

بميزان قسط لا يخيس شعيرة *** له شاهد من نفسه غير عائل

لقد سفهت احلام قوم تبدلوا *** بني خلف قيضا بنا والغياطل

ونحن الصميم من ذوابة هاشم *** وآل قصي في الخطوب الاوائل

فكان لنا حوض السقاية فيهم *** ونحن الذرى من غالب والكواهل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) " فالاجادل " ديوان (2) " وقد خفت ان لم تزدجرهم وترعووا " ديوان (3) " كانك قيل في كبار المجادل " ديوان (4) " ولا يوم قصم " ديوان [*]

 

[113]

شباب من المطيبين وهاشم *** كبيض السيوف بين أيدي الصياقل

فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما *** وما خالفوا إلا شرار القبائل

بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم *** ضواري أسود فوق لحم خرادل

بنى امة محبوبة هندكية *** بنى جمع عبد لقيس بن عاقل

وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا *** علينا العدى من كل طمل وخامل

وحث بنو سهم علينا عديها *** عدي بني كعب احتبوا بالمحافل

يقصون من غيظ علينا أكفهم *** بلا ترة بعد الحمى والنواصل

فبعد مناف انتم خير قومكم *** فلا تشركوا في أمركم كل واغل

لعمري لقد أوهنتم وعجزتم *** وجئتم بامر مخطئ للمفاصل

وكنتم حديثا حطب قدر وانتم *** الان حطاب أقدر ومراجل

ليهن بني عبد المناف عقوقها *** وخذلانها وتركها في المعاقل

فان تك قوما نتئر ما صنعتم *** وتحتلبوها لقحة غير باهل

وسائط كانت في لوي بن غالب *** نفاهم الينا كل صقر حلاحل

ورهط نفيل شر من وطأ الحصى *** والام حاف من معد وناعل

فابلغ قصيا أن سينشر أمرنا *** وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل

ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة *** إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم *** لكنا أسى عند النساء المطافل

فان تك كعب من كعوب كثيرة *** فلا بد يوما أنها في مجاهل

وان تلك كعب أصبحت قد تفرقت *** فلا بد يوما مرة من تخاذل

وكنا بخير قبل تسويد معشر *** هم ذبحونا بالمدى والمعاول

بني اسد لا تطرفن على الاذى *** إذا لم يقل بالحق مقول قائل

فكل صديق وابن اخت نعده *** لعمري وجدنا غبة غير طائل


 

[114]

سوى أن رهطا من كلاب بن مرة *** براء الينا من معقة خاذل

وقفنا لهم حتى تبدد جمعهم *** ويحسر عنا كل باغ وجاهل

ونعم ابن اخت القوم غير مكذب *** زهير حساما مفردا من حمائل

اشم من الشم إليها ليل ينتمى *** إلى حسب في حومة المجد فاضل

لعمري لقد كلفت وجدا باحمد *** واخوته دأب المحب المواصل

فايده رب العباد بنصره *** وأظهر حقا دينه غير باطل

فلا زال في الدنيا جمالا لاهلها *** وزينا لمن والاه رب المشاكل

فمن مثله في الناس أي مؤمل *** إذا قاسه الحكام عند التفاضل

حليم رشيد عادل غير طائش *** يوالي إلها ليس عنه بغافل

فوالله لو لا أن أجئ بسبة *** تجر على أشياخنا في المحافل

لكنا اتبعناه على كل حالة *** من الدهر جدا غير قول التهازل

لقد علموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا ولا يعني بقول الا باطل

فاصبح فينا أحمد في أرومة *** تقصر عنها سورة المتطاول

وجدت بنفسي دونه وحميته *** ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

ولا شك أن الله رافع قدره *** ومعليه في الدنيا ويوم التجادل

كما قد رأى في اليوم والامس جده *** ووالده رؤياهما غير آفل

رجال كرام غير ميل نماهم *** إلى الخير آباء كرام المحاصل

فان تك كعب من لؤي صقيبة *** فلا بد يوما مرة من تزايل

(قال المؤلف) انتهى ما عثرنا عليه في تاريخ ابن كثر، وتاريخ ابن هشام وناسخ التواريخ والديوان.

(قال المؤلف) بعد ما ذكر ابن كثير القصيدة اللامية التي هي من انشاء أبي طالب عليه السلام قال ما هذا لفظه: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع


 

[115]

وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، قال: وقد أوردها الاموي في مغازيه مطولة بزيادت أخر، وقال المعلق على كلام ابن كثير في ذيل (البداية والنهاية ج 3 ص 57) ولهذه القصيدة نسخ مطبوعة على حدتها فليرجع إليها من أراد ذلك، وقد طبعت في ديوان أبي هفان مشروحة وقد نقلنا منها في هذا المختصر.

 وقال ابن هشام في السيرة (ج 1 ص 249) في بيان سبب انشاء هذه القصيدة: انه لما خشي أبو طالب دهماء العرب ان يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فبها بحرم مكة وبمكانه منها وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره انه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وآله، ولا تاركه لشئ أبدا حتى يهلك دونه، فقال أبو طالب (ثم ذكر القصيدة المتقدمة الذكر).

 وقال في المواهب اللدنية (ج 1 ص 48): إن هذه القصيدة اكثر من ثمانين بيتا (ثم قال) قال ابن التين (وهو عبد الواحد السفاقسي وهو من شراح صحيح البخاري) عند ذكره أبياتا من القصيدة: ان في شعر أبي طالب هذا دليلا على انه كانه يعرف نبوة النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم قبل أن يبعث (وذلك) لما أخبره به (بحيرا الراهب وغيره) من شأنه مع ما شاهده من أحواله، ومنها الاستسقاء به في صغره قال: ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وآله جاءت في كثير من الاخبار زيادة على اخذها، من شعره.

 وقال العلامة السيد زيني دحلان الشافعي في أسنى المطالب (ص 18 طبع طهران) ومن شعره (أي من شعر أبي طالب عليه السلام قوله في النبي صلى الله عليه وآله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل


 

[116]

يلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في رحمة وفواضل

(ثم قال) وهذان البيتان من قصيدة طويلة لابي طالب، قيل انها ثمانون بيتا، (وقد) أفرد لها بعض العلماء شرحا مستقلا، وقيل انها تزيد على مائة بيت، قالها أبو طالب حين حصر قريش لهم في الشعب وأخبر قريشا أنه غير مسلم محمدا رسول الله لاحد أبدا حتى يهلك دونه ومدحه فيها مدحا بليغا، وأتى فيها بكلام صريح في انه مصدق بنبوته مؤمن به فمنها البيتان السابقان ومنها قوله.

 لعمري لقد كلفت وجدا باحمد *** وأحببته حب المحب المواصل

وقد علموا ان ابننا لا مكذب *** لدينا ولا يعزى لقول الا باطل

فمن مثله في الناس أي مؤمل *** إذا قاسه الحكام عند التفاضل

حليم رشيد عاقل غير طائش *** يوالي إلها ليس عنه بغافل

واصبح فينا احمد في أرومة *** تقصر عنها سورة المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته *** ودافعت عنه بالذرى والكلاكل

(قال): وفي القصيدة أبيات كثيرة مثل هذه في المعنى والبلاغة.

(قال المؤلف) ذكر الصدوق عليه الرحمة في (اماليه) ص 366 باسناده عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس انه سأله رجل فقال له يابن عم رسول الله أخبرني عن أبي طالب.

 هل كان مسلما ؟ قال: وكيف لم يكن مسلما وهو القائل.

 وقد علموا أن ابننا لا مكذب *** لدينا ولا يعبأ بقيل الا باطل

(ثم قال عليه الرحمة) إن ابا طالب كان مثله كمثل اصحاب الكهف حين أسروا الايمان، واظهروا الشرك فآتاهم الله اجرهم مرتين.

(قال المؤلف): وقال في أسنى المطالب ص 21: قال القرافي (في شرح التنقيح) عند ذكره قول أبي طالب:

وقد علموا أن اببنا لا مكذب *** لدينا ولا يعزى لقول الا باطل


 

[117]

إن هذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان وان ابا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه غير انه كفر ظاهرا (أي اظهر ما اظهر تقية حفظا لمقامه لديهم ليتمكن من حفط النبي صلى الله عليه وآله وحفظ اتباعه إلى (ان يقول): وكان يقول (أبو طالب عليه السلام): اني لاعلم أن ما يقول ابن اخي حق، ولو لا أني أخاف ان تعيرني نساء قريش لاتبعته (أي في الظاهر).

 (ثم قال) ابن دحلان: واجيب بانه لم يذعن ظاهرا (بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله) خوفا من أن قريشا لا تقبل حمايته (وقوله: لو لا أني أخاف ان تعيرني نساء قريش) انما قال ذلك، تعمية على قريش ليوهم عليهم انه على دينهم، وهذا عذر صحيح، بلغ به تمكين النبي صلى الله عليه وآله في (إثبات) نبوته والدعوة إلى ربه.