بعض الاخبار الدالة على ايمان أبي طالب عليه السلام

 

(قال المؤلف): ومما يمكن الاستدلال به على علو مقام أبي طالب عليه السلام علاوة على اسلامه وايمانه بابن أخيه صلى الله عليه وآله الاخبار المروية في شأنه عليه السلام، وهي كثيرة، واليك بعضها.

 قال في أسنى المطالب (ص 24) طبع ثاني: أخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس انه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله ما ترجو لابي طالب ؟ قال: كل الخير أرجو من ربي (قال): ولا يرجى كل الخير الا لمؤمن، ولا يجوز أنه يراد بهذا تخفيف العذاب فانه ليس خيرا فضلا عن أن يكون كل الخير، قال: والخير كل الخير دخول الجنة


 

[118]

(قال): وأخرج تمام الرازي في فوائده بسند يعتد به في المناقب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة شفعت لابي وأمي وعمي أبي طالب واخ لي كان في الجاهلية.

(قال المؤلف) خرج هذا الحديث أو بمعناه جماعة من المؤرخين المشهورين منهم، اليعقوبي في تاريخه المطبوع في النجف الاشرف سنة 1358 هـ (ج 2 ص 26) وقال: توفي أبو طالب بعد خديجة بثلاثة أيام وله ست وثمانون سنة، وقيل تسعون سنة.

 ولما قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: إن أبا طالب قد مات عظم ذلك في قلبه، واشتد له جزعه، ثم دخل (عليه) فمسح جبينه الايمن اربع مرات، وجبينه الايسر ثلاث مرات، ثم قال: يا عم ربيت صغيرا، وكفلت يتيما، ونصرت كبيرا، فجزاك الله عني خيرا ومشى بين يدي سريره، وجعل يعرضه، ويقول، وصلتك رحم وجزيت خيرا.

 وقال صلى الله عليه وآله: اجتمعت على هذه الامة في هذه الايام مصيبتان لا أدري بايهما أنا اشد جزعا يعني مصيبة (موت) خديجة وأبي طالب عليهما السلام (قال) وروي عنه أنه قال: إن الله عزوجل وعدني في أربعة، في أبي، وأمي، وعمي (أبي طالب) وأخ كان لي في الجاهلية.

 


 

[119]

 

بعض الاحاديث الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله دعا لابي طالب

وأنه يشفع له حتى يرتفع مقامه في الجنة

 

في الخصائص الكبرى لجلال الدين السيوطي الشافعي (ج 1 ص 87) خرج بسنده وقال: أخرج تمام في فوائده وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة شفعت لابي، وأمي وعمي أبي طالب، وأخ لي كان في الجاهلية، وقد تقدم الحديث من أسنى المطالب.

 (وفيه أيضا) بسنده قال: أخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس (قال) سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: شفعت في هؤلاء النفر، في أبي، وعمي أبي طالب، وأخي من الرضاعة، وخرج الحديث محب الدين الطبري الشافعي في ذخائر العقبي (ص 7) وقال خرجه تمام في فوائده عن ابن عمر.

 (وفي السيرة الحلبية (ج 1 ص 382) قال: وفي لفظ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة شفعت لابي، وأمي، وعمي أبي طالب، وأخ لي في الجاهلية (يعني أخاه من الرضاعة وهو ابن حليمة السعدية).

(قال المؤلف) ثم خرج حديثا آخر، وقال: وفي لفظ آخر شفعت في أبي وأمي وعمي، أبي طالب، وأخي من الرضاعة (يعني من حليمة السعدية) ولا يخفى أن الشفاعة تكون يوم القيامة لامور وليست مختصة لطلب المغفرة فقط بل تكون لرفع الدرجات، ومقصود النبي صلى الله عليه وآله من الشفاعة لابيه وأمه وعمه لرفع الدرجات لا


 

[120]

لطلب المغفرة فانهم عليهم السلام كانوا مؤمنين موحدين وماتوا على ذلك وانما يشفع لهم ليكونوا معه وفي درجته، وشفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقبولة نافعة لمن شفع له سواء كان من أرحامه أو لبعيد منه، وينال المقام الرفيع في الجنة بذلك.

 (وفي ذخائر العقبي) لمحب الدين الطبري الشافعي (ص 6) قال روي عن جابر بن عبد الله قال: كان لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خادم تخدمهم يقال لها بريرة، فلقيها رجل فقال لها: يا بريرة غطي شعيفاتك فان محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لن يغني عنك من الله شيئا قالت: فاخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخرج يجر رداءه محمارة وجنتاه، وكنا معشر الانصار نعرف غضبه بجر ردائه وحمرة وجنتيه، فاخذنا السلاح ثم أتينا فقلنا: يارسول الله مرنا بما شئت، والذي بعثك بالحق نبيا لو أمرتنا بآبائنا وأمهاتنا وأولادنا لمضينا لقولك فيهم، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: من أنا ؟ قالوا: أنت رسول الله، قال نعم، ولكن من أنا ؟ قلنا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف، قال صلى الله عليه وآله: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من ينفض التراب عن رأسه ولا فخر، وأول داخل الجنة ولا فخر، وصاحب لواء الحمد ولا فخر، وفي ظل الرحمن يوم لا ظلا إلا ظله ولا فخر، ما بال أقوام يزعمون أن رحمي لا تنفع ؟ بل تنفع حتى تبلغ حكم وحاء وهم إحدى قبيلتين من اليمين اني اشفع فاشفع حتى أن من اشفع له ليشفع فيشفع، حتى ان إبليس ليتطاول طمعا في الشفاعة (أخرجه ابن البختري).

 (وخرج فيه ايضا ص 7) ما تقدم نقله عن ابن عمر من كتاب السيرة الحلبية (ج 1 ص 382) ولفظه يساوي لفظه، وقال: اخرجه


 

[121]

تمام الرازي في فوائده (وهو قوله صلى الله عليه وآله) إذا كان يوم القيامة شفعت لابي وأمي وعمي أبي طالب. وأخ لي في الجاهلية.

 (وفيه ايضا) إن أبا هريرة قال: جاءت سبيعة بنت أبي لهب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يارسول الله إن الناس يقولون انت بنت حطب النا، فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مغضب فقال: ما بال أقوام يؤذوني في قرابتي، من آذى قرابتي فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.

(قال المؤلف): وقال عز من قائل (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) سورة (32) الاحزاب آية (57)، (فنقول): فهل يتصور أذية فوق ما نسبوا إلى أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وآله من أنه مات على غير إيمان، وقد ثبت بامور عديدة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب عمه أبا طالب حبا شديدا، وكان صلى الله عليه وآله يقول لعقيل ابن عمه عليه السلام: إني أحبك لامرين، الاول إنك مؤمن والثاني لحب عمي اياك، ولكثرة حبه له سمى العام الذي توفي فيه عمه بعام الحزن.

 (في الاستيعاب ج 2 صفحة 509) وذخائر العقبي (ص 222) وتاريخ الخميس (ج 1 ص 163) ومجمع الزوائد (ج 9 ص 273) وشرح نهج البلاغة (ج 3 ص 312 طبع أول)، واللفظ لمحب الدين الطبري الشافعي قال: روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال له (أي لعقيل): يا أبا يزيد إني أحبك حبين حبا لقرابتك مني، وحبا لما كنت أعلم من حب عمي اياك (ثم قال): خرجه أبو عمر، والبغوي، فهل يمكن أن نقول إن من نزل عليه قوله تعالى: (لا تجد قوما


 

[122]

يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم) سورة المجادلة آية (22) ومن نزل عليه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاء من الحق) " سورة الممتحنة " آية " 60 " ومن نزل عليه قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الايمان، ومن يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون) سورة التوبة آية (23) ومن نزل عليه قوله تعالى (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء) سورة المائدة آية (81).

 وهل يقبل عاقل أن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله الذي نزلت عليه هذه الآيات المباركات وكان يأمر الناس بالعمل بها هو نفسه لا يعمل بها وكان عمله على خلافها، فاحب عمه أبا طالب مع ما كان عليه على زعم أعدائه من عدم الايمان بابن أخيه صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم قبول ما جاء به، ما كان ذلك أبدا، بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يحبه حبا شديدا حيث أنه عليه السلام كان يؤمن به ويعترف بان ما جاء به حق وصدق، وفيه صلاح الدنيا والآخرة، وقد صرح عليه السلام بذلك في أقواله نثرا وشعرا، وقد مر عليك ذلك فتأمل في معاملات الرسول الاكرم ومعاملات وصيه علي بن أبي طالب مع شيخ الابطح، مع ناصر الرسول وحاميه، مع من لولاه لما انتصر الاسلام وعرفه من عرفه في حياته وبعد مماته، وفي ما بينه لامته المرحومة في أحوال عمه أبي طالب عليه السلام.

 قال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة (ج 3 ص 311) طبع أول في (ج 14 ص 67) طبع ثاني: فاما الذين قالوا باسلام


 

[123]

أبي طالب أسندوا ذلك إلى خبر رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام وهو أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: قال لي جبرئيل إن الله مشفعك في ستة، بطن حملتك، آمنة بنت وهب، وصلب أنزلك، عبد الله بن عبد المطلب، وحجر كفلك، أبي طالب، وبيت آواك، عبد المطلب، وأخ كان لك في الجاهلية، وثدي أرضعتك، حليمة بنت أبي ذؤيب (انتهى باختصار).

 (وفيه ايضا) قال: قالوا المدعون لايمانه عليه السلام: قد نقل الناس كافة عن رسول الله صلى الله عليه وآله، انه قال: " نقلنا (أي أنا ووصيي علي بن أبي طالب) من الاصلاب الطاهرة إلى الارحام الزكية " فوجب بمنطوق هذا الحديث أن يكون آباؤه كلهم منزهين عن الشرك لانه لو كانوا عبدة الاصنام لما كانوا طاهرين (قال عز من قائل إنما المشركون نجس) انتهى نقلا بالمعنى.

 

 بعض الاحاديث المروية في كتب علماء أهل السنة

الدالة على طهارة أبي طالب من الشرك

 

(قال المؤلف): ذكرنا أحاديث عديدة في إثبات أن أهل البيت والنبي صلى الله عليه وآله خلقوا من نور واحد، وأنهم انتقلوا من أصلاب طاهرة إلى أرحام مطهرة من لدن آدم إلى عبد الله وأبي طالب عليهم السلام، راجع أول الجزء الثاني من كتابنا (محمد وعلي وبنوه الاوصياء) وكتابنا الآخر (علي والوصية) ص 177، واليك بعض تلك الاحاديث المستخرجة في الكتابين بحذف السند.

 (في ينابيع المودة ص 256 طبع اسلامبول سنة 1301 ه‍) قال:


 

[124]

في مودة القربى في المودة الثامنة بسنده عن علي عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي خلقني الله وخلقك من نوره فلما خلق آدم عليه السلام أودع ذلك في صلبه، ثم نزل أنا وانت شيئا واحدا، ثم افترقنا في صلب عبد المطلب، ففي النبوة والرسالة، وفيك الوصية والامامة (قال عزوجل ونرى تقلبك في الساجدين) فهل الذي يسجد لله تبارك وتعالى يكون مشركا) ياترى ؟.

 (وفيه ايضا ص 256) أخرج حديثا آخر عن عثمان رفعه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خلقت أتا وعلي من نور واحد قبل أن يخلق آدم باربعة آلاف عام، فلما خلق الله آدم ركب ذلك النور في صلبه، فلم يزل شيئا واحدا حتى افترقنا في صلب عبد المطلب ففي النبوة وفي علي الوصية.

 (وفي كتاب علي والوصية ص 186) نقلا عن أرجح المطالب ص 462 " لعبيد الله الحنفي الهندي المعروف بآمر تسري، خرجه من كتاب زين الفتى في شرح سورة هل أتى تأليف أبي حاتم أحمد بن علي العاصمي الشافعي، فانه خرج بسنده عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: خلقت أنا وعلي من نور واحد يسبح الله عزوجل في ميمنة العرش قبل خلق الدنيا، ولقد سكن آدم في الجنة، ونحن في صلبه، ولقد ركب نوح السفينة ونحن في صلبه ولقد فذف إبراهيم في النار ونحن في صلبه، فلم يزل ينقلنا الله عزوجل من أصلاب طاهرة حتى إنتهى بنا إلى صلب عبد المطلب، فجعل ذلك النور بنصفين فجعلني في صلب عبد الله، وجعل عليا في صلب أبي طالب (الحديث).

 (وفي أرجح المطالب ايضا ص 459) قال، في رواية أبي الفتح محمد بن علي بن إبراهيم النضيري، في الخصائص العلوية، خرج بسنده


 

[125]

عن سلمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله، يقول: خلقت أنا وعلي من نور عن يمين العرش نسبح الله ونقدسه من قبل أن يخلق الله عزوجل آدم باربعة عشر ألف سنة، فلما خلق الله آدم نقلنا إلى اصلاب الرجال وأرحام النساء الطاهرات، ثم نقلنا إلى صلب عبد المطلب وقسمنا نصفين فجعل النصف في صلب عبد الله، وجعل النصف الآخر في صلب أبي طالب، فخلقت من ذلك النصف، وخلق علي من النصف الآخر، واشتق لنا من أسمائه، فالله المحمود وانا محمد، والله الاعلى وأخي علي، والله فاطر وابنتي فاطمة، والله محسن وابناي الحسن والحسين، فكان اسمي في الرسالة، وكان اسمه في الخلافة والشجاعة فانا رسول الله، وعلي سيف الله.

 (وفي أرجح المطالب ايضا ص 458) عن كتاب الشفاء وغيره من كتب علماء أهل السنة قال: روي عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: خلقت أنا وعلي من نور واحد من قبل أن يخلق أبونا آدم بالفي عام فلما خلق آدم صرنا في صليه، ثم نقلنا من كرام الاصلاب إلى مطهرات الارحام حتى صرنا في صلب عبد المطلب ثم انقسمنا نصفين فصرت في صلب عبد الله، وصار علي في صلب أبي طالب، واختارني بالنبوة، واختار عليا بالشجاعة والعلم (الحديث).

(قال المؤلف) هذه الاحاديث الثلاثة تثبت مطلوبنا وهو أن صلب أبي طالب كان طاهرا كما أن صلب عبد الله والد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان طاهرا، وبالتأمل في الاحاديث تعرف أن الاحاديث المذكورة حديث واحد، وإن كان رواتها مختلفين، ولكن يد التحريف والخيانة أثرت فيها فغير وبدل ونقص وزاد عليها ما ليس فيها، هذا والمطلب المهم الذي نحن بصدد إثباته هو أن صلب والد النبي صلى الله


 

[126]

عليه وآله وسلم وصلب والد علي عليه السلام كانا طاهرين، ولم يكونا طاهرين لو كانا على ما كانت عليه قريش من عبادة الاصنام، فان صلب عابد الاصنام لا يكون طاهرا لانه مشرك، قال تعالى في كتابه الحكيم (إنما المشركون نجس)، ومما يدل على علو مقام أبي طالب عليه السلام علاوة على إيمانه ما يأتي.

(قال المؤلف): ومما يدل على أن أبا طالب عليه السلام كان مؤمنا برسالة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وآله عارفا بمقامه الخطبة التي القاها عليه السلام عند تزويجه صلى الله عليه وآله بخديجة عليها السلام وقد خرج ذلك أغلب المؤرخين عند ذكرهم ما جرى في تزويجه بأم المؤمنين خديجة عليها السلام.

 (منهم) ابن أبي الحديد الشافعي فقد خرج في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 70) طبع ثاني، ما هذا نصه: قال: وخطبة النكاح مشهورة خطبها أبو طالب عند نكاح محمد صلى الله عليه وآله خديجة، وهي، قوله: الحمد الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدا حراما، وبيتا محجوجا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمدا ابن عبد الله أخي، من لا يوازن به فتى من قريش إلا رجح عليه برا وفضلا وحزما وعقلا، ورأيا، ونبلا وإن كان في المال قل، فانما المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعلي، وله والله بعد نبأ شائع وخطب جليل (ثم قال ابن أبي الحديد) قالوا، أفتراه، يعلم نبأه الشائع وخطبه الجليل (وهو رسالته وبعثته) ثم يعانده ويكذبه، وهو (أي أبو طالب) من أولي الالباب، هذا غير سائغ في العقول (ثم قال):


 

[127]

قالوا: وقد روي عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) إن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: إن أصحاب الكهف أسروا الايمان، وأظهروا الكفر، فآتاهم الله أجرهم مرتين، وإن أبا طالب عليه السلام أسر الايمان وأظهر الشرك، فآتاه الله أجره مرتين.

(قال المؤلف) ومما يدل على رفعة مقام أبي طالب عليه السلام ما بينه النبي الاكرم صلى الله علبه وآله وسلم من أحوال عمه أبي طالب المحترم حيث قال: لما سئل عن أحواله وعما سيفعله معه ويجازيه يوم القيامة فقال كما في (كنز العمال ج 6 ص 229) لعلي المتقي الحنفي، واسنى المطالب (ص 26) طبع ثاني قال صلى الله عليه وآله: إن لابي طالب عندي رحما سابلها بيلالها (من تاربخ ابن عساكر برواية عمرو بن العاص) قوله: بل رحمه أي وصلها، فهل يجوز للنبي صلى الله عليه وآله أن يصل رحمه المشرك مع ما ورد في القرآن من النهي عن صلة الرحم غير المؤمن، وهل فرق بين الارحام، فكما أن أبا طالب عليه السلام عمه كذلك أبو لهب (عليه اللعنة) عمه، فهل يوجد سبب للفرق بينهما غير الايمان، لا ورب المؤمنين.

 وفي (كنز العمال ج 6 ص 212) والخصائص الكبرى للسيوطي الشافعي (ج 1 ص 87) قال إنه سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يرجو لعمه أبي طالب فقال في جوابه: (كل الخير أرجوه من ربي) فهل يرجي خير قليل للمشرك بالله دون الخير الكثير (وفي كنز العمال ايضا ج 6 ص 229) وغيره من كتب علماء أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وآله شيع جنازة عمه أبي طالب ودعا له، وقال وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم (من تاريخ ابن عساكر وكتاب تمام والبيهقي) وفي طبقات ابن سعد (ج 1 ص 124) خرج أن رسول الله


 

[128]

صلى الله عليه وآله قال لعمه أبي طالب لما مات: رحمك الله، فهل يترحم النبي لمن لم يكن من المؤمنين ؟ حاشا، إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم يترحم على غير المؤمنين ؟ فلو كان يترحم لترحم على عمه أبي لهب لانه كان يحاميه مدة من أيام حياته.

 (وفي طبقات ابن سعد ج 1 ص 123 طبع بيروت سنة 1376 ه‍) قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد، قال: حدثني معمر بن راشد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجد عنده عبد الله بن أبي أمية وأبا جهل بن هشام (إلى ان يقول) فقالا له يا أبا طالب اترغب عن ملة عبد المطلب، حتى قال آخر كلمة تكلم بها، أنا على ملة عبد المطلب، ثم مات (و عبد المطلب عليه السلام كان على ملة ابراهيم عليه السلام بلا شك (وفيه ايضا ج 1 ص 123) قال: أخبرنا محمد ابن عمر قال: حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن علي قال: أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله بموت أبي طالب، فبكى، ثم قال: إذهب فاغسله وكفنه، وواره غفر الله له ورحمه، قال علي (عليه السلام) ففعلت ما قال، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته (حزنا عليه).

(قال المؤلف) أمر النبي صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بتغسيل أبي طالب عليه السلام وتجهيزه، خرجه جماعة من علماء أهل السنة غير من تقدم.

 (منهم) ابن دحلان في اسنى المطالب (ص 27 طبع ثاني) وفي السيرة النبوية (ج 1 بهامش ج 1 ص 96) من السيرة الحلبية طبع مصر سنة 1329، قال: روى أبو داود والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة


 

[129]

عن علي رضي الله عنه قال لما مات أبو طالب أخبرت النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بموته، فبكى، وقال: اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه، قال: وانما ترك الصلاة عليه لعدم مشروعية صلاة الجنازة يومئذ.

(قال المؤلف): ليس في السيرة النبوية ما زاده في طبقات ابن سعد في آخر الحديث، وهو من زيادة المحرفين بل نقص منه بعض ألفاظ الحديث الذي فيه دلالة على علو مقام أبي طالب عليه السلام، واليك نص ألفاظ الحديث برواية السيد فخار بن معد الموسوي في (الحجة على الذاهب ص 67 طبع أول) قال عليه الرحمة: ومما رواه نقلة الآثار ورواة الاخبار من فعل النبي صلى الله عليه وآله، عند موت عمه أبي طالب رحمه الله وقوله اللذين يشهدان بصحة إسلامه وحقيقة إيمانه، ما حدثني به مشايخي أبو عبد الله محمد بن إدريس، وابو الفضل شاذان بن جبرئيل وأبو العز محمد بن علي الفويقي رضوان الله عليهم باسانيدهم إلى الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن نعمان رحمه الله يرفعه، قال: لما مات أبو طالب رحمه الله أنى أمير المؤمنين علي عليه السلام النبي صلى الله عليه وآله، فاذنه بموته، فتوجع توجعا عظيما، وحرن حزنا شديدا ثم قال لامير المؤمنين (علي بن أبي طالب عليهما السلام): إمض يا علي فتول أمره وتول غسله وتحنيطه، وتكفينه، فإذا رفعته على سريره فاعلمني ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه السلام: فلما رفعه على سريره اعترضه النبي صلى الله عليه وآله، فرق وتحزن، وقال: وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، ونصرت وآزرت كبيرا، ثم اقبل على الناس، وقال، أم والله لاشفعن لعمي شفاعة يعجب بها أهل الثقلين أي الانس والجن (ثم أخذ السيد في شرح الحديث الشريف وقال): هذا الحديث يدل على إيمان أبي طالب


 

[130]

رحمه الله من وجهين (أحدهما) أمر النبي صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام أن يفعل به ما يفعل باموات المسلمين من الغسل والتحنيط والتكفين دون الجاحدين من أولاده (وهما طالب وعقيل) إذ كان من حضره منهم سوى أمير المؤمنين عليه السلام إذ ذاك مقيما على الجاهلية، ولان جعفرا عليه السلام كان يومئذ عند النجاشي ببلاد الحبشة (1) وكان عقيل وطالب يومئذ حاضرين وهما مقيمان على خلاف الاسلام، ولم يسلم أحد منهما بعد، فخص صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين عليه السلام بتولية امر أبيه لمكان إبمانه، ولم يتركه لهما لمباينتهما له في معتقده، ولو كان أبو طالب مات كافرا لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، امير المؤمنين عليه السلام بتولية أمره لانقطاع العصمة بين الكافر والمسلم، ولتركه كما ترك عمه الآخر أبا لهب ولم يعبأ بشأنه ولم يحفل بأمره، وفي حكمه صلى الله عليه وآله لامير المؤمنين عليه السلام بتولية امره وإجراء أحاكم المسلمين عليه من الغسل والتحنيط والتكفين والموازرة من دون طالب وعقيل شاهد صدق على اسلامه (ع).

 (قال السيد عليه الرحمة) " والوجه الآخر " قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصلتك رحم، وجزيت خيرا، ووعد أصحابه له بالشفاعة التي تعجب بها أهل الثقلين، ومولاته بين الدعاء له والثناء عليه وكذلك كانت الصلاة على المسلمين صدر الاسلام حتى فرض الله صلاة الجنائز، وبمثل ذلك صلى النبي صلى الله عليه وآله، على خديجة رضي الله عنها.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد رجع جعفر من الحبشة عام فتح خيبر فقال النبي صلى الله عليه وآله عند قدومه ما هو مشهور، ومضمونه: ما أدري بايهما اشد فرحا بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
 [*]

 

[131]

 

بعض الاقوال والاوامر والافعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم

الدالة على إيمان عمه أبي طالب عليه السلام

 

(قال المؤلف): خرج سبط ابن الجدزي قزأوغلي الحنفي في كتابه " تذكرة الخواص " " ص 6 طبع ايران " و " ص 10 طبع النجف الاشرف " بسنده وقال: حدثني الواقدي قال: قال علي عليه السلام: لما توفي أبو طالب أخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله، فبكى بكاء شديدا، ثم قال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه (قال): فقال له العباس: يارسول الله إنك لترجو له ؟ فقال: إي والله إني لارجو له، وجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يستغفر له أياما لا يخرج من بيته (حزنا عليه) قال: قال الواقدي: قال ابن عباس: عارض رسول الله صلى الله عليه وآله، جنازة أبي طالب وقال: وصلتك رحم وجزاك الله يا عم خيرا، وقد تقدم ذلك من طبقات ابن سعد بتحريف وإسقاط آخر الحديث، وزاد فيه ما ليس منه.

(قال المؤلف): هل من الجائز على مثل الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أن يبكي على من لا يؤمن برسالته ويعبد الاصنام ويتخذ لله شريكا ؟ وهل يجوز للنبي صلى الله عليه وآله، أن يشيع جنازة غير الموحدين وأن يدعوا لهم ويستغفر لهم اياما وقد نهى عنه فيما نزل عليه من القرآن الكريم في قوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم (سورة المجادلة) آية (22) وفي قوله تعالى (يا أيها الذين


 

[132]

آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاء من الحق) سورة الممتحنة آية (60).

(قال المؤلف): أخرج الحلبي في السيرة (ج 1 ص 382 طبع مصر سنة 1329) ما أخرجه السيد في (الحجة على الذاهب) وغيره وهو أن النبي صلى الله عليه وآله، لما سمع بموت عمه بكى عليه وأمر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بتغسيل والده وتجهيزه وشيع جنازته، ودعا له وهذا نص أقوال الحلبي في السيرة قال: روى البيهقي أن عليا رضي الله عنه غسله (أي غسل والده عليه السلام) بأمر النبي صلى الله عليه وآله له بذلك، ثم ذكر حديثا آخر وقال وفي رواية عن علي رضي الله عنه لما اخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بموت أبي طالب بكى، وقال اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه.

 (وقال المؤلف): إلى هنا ينتهي الحديث ويظهر منه أن ما زاده في الطبقات ليس من الحديث، وقد اسقط الحلبي من آخر الحديث.

 (قال) وفي رواية أنه صلى الله عليه وآله، عارض جنازة عمه أبي طالب فقال وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم.

 (قال) وفي لفظ عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة شفعت لابي وأمي وعمي أبي طالب وأخ لي في الجاهلية، يعني أخاه من الرضاعة من حليمة السعدية.

(قال المؤلف): تقدم القول منا أن شفاعة الرسول الاكرم لابيه وأمه وعمه عليهم السلام ولاخيه من الرضاعة ليست للنجاة من النار أو لغفران الذنوب، بل كانت شفاعته صلى الله عليه وآله، لهم صلة للرحم وأداء لحقوق الوالدين، وعمه الاكرم الذي قام بنصرته ففداه بنفسه


 

[133]

وأولاده وماله حتى انتشر الدين الاسلامي والشريعة المحمدية، فان من المعلوم الواضح المحقق أن والدي النبي صلى الله عليه وآله كانا مؤمنين لقوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) فالساجد لله لا يكون إلا مؤمنا موحدا وإن أخاه من الرضاعة وهو ابن حليمة السعدية كان مسلما مؤمنا حتى مات، وكذلك عمه وناصره وكافله أبو طالب عليه السلام كان مؤمنا موحدا بتصريحاته في اقواله شعرا ونثرا، والشاهد على ذلك أقواله (ع) القيمة في وصيته عند موته لاولاده وعشيرته من قريش وغيرهم، واليك ما أوصى به أبو طالب عليه السلام وذكره الحلبي في سيرته (ج 383 1) وذكره أيضا صاحب تاريخ الخميس (ج 1 ص 339) قال: إن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فاوصاهم، وكان من وصيته أن قال: يا معشر فريش أنتم صفوة الله من خلقه، وقلب العرب، فيكم المطاع، وفيكم المقدم الشجاع، والواسع الباع، لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به اليكم الوسيلة، أوصيكم بتعطيم هذه البنية (أي الكعبة) فان فيه مرضاة للرب، وقواما للمعاش، صلو أرحامكم ولا تقطعوها، فان في صلة الرحم منشأة (أي فسحة) في الاجل (أي سبب لطول العمر) وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم، أجيبو الداعي، واعطو السائل، فان فيهما شرف الحياة والمماة، وعليكم بصدق الحديث، وأداء الامانة، فان فيهما محبة في الخاص ومكرمة في العام، وإني أوصيكم بمحمد خيرا، فانه الامين في قريش، وهو الصديق في العرب، وهو الجامع لكل ما أوصيكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان وانكره اللسان مخافة الشنئان (أي البغض) (وهو لغة في الشناآن) وأيم الله كأني أنظر إلى صعاليك العرب


 

[134]

واهل الوبر والاطراف، والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته، وأعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وإذا اعظمهم عليه احوجهم إليه، وأبعدهم منه احظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها (1)، وأعطته قيادها، دونكم يا معشر قريش كونوا له ولاة ولحزبه حماة، والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة، ولاجلي تأخر، لكففت عنه الهزاهز ولدفعت عنه الدواهي.

 (قال الحلبي) وفي رواية أو في لفظ آخر: أنه عليه السلام لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب، فقال لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره، فاطيعوه ترشدوا.

(قال المؤلف): هل تصدره هذه المواعظ والنصائح القيمة من غير المؤمن ؟ وهل الايمان غير ما ذكره أبو طالب عليه السلام ؟ وهل يأمر الناس باتباع من في اتباعه رشد وسعادة وهو يترك ذلك ؟ وهل يأمر عشيرته باتباع ابن اخيه صلى الله عليه وآله ويقول: لا يأخذ احد بهديه إلا سعد، وهو يترك ذلك ويكون من الاشقياء ؟ فهل من يعلم هذه المغيبات ويعلم ذلك علم اليقين وهو لا يقبل ذلك ؟ (إن هو الا بهتان عظيم) صلى الله عليك يا أول مؤمن بمحمد صلى الله عليه وآله وأول مصدق به، وأول ناصر وحام لرسول الله صلى الله عليه وآله وهل الايمان إلا التصديق بالجنان، والاعتراف باللسان، والعمل بالاركان ؟ فاما الاعتراف والتصديق بالجنان فقد صرح به عليه السلام، واما الاعتراف باللسان فقد اعترف به أيضا بتعبيرات مختلفة في موارد عديدة، تقدم

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) واصفت له فؤادها (نسخة تاريخ الخميس ج 1 ص 339) [*]

 

[135]

جيمع ذلك فيما ذكرنا من اشعاره واقواله، واما العمل بالاركان فلم يتظاهر به لمصلحة الوقت، ولاجل أن يتمكن من حفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحفظ أتباعه، فلو تظاهر بالاعمال سقط عن الانظار، ولم يقبل قوله، ولم يتمكن من الدفاع عن سيد المرسلين صلى الله عليه وآله فوافق عليه السلام قربشا في عدم الاخذ بأقوال ابن اخيه في الظاهر خدعة وسياسة لكي يتمكن من الدفاع عنه بتمام قواه، وبهذا القول صرح جمع من علماء أهل السنة الذين تركوا التعصب، وصرحوا بالحق والصواب قال ابن دحلان في السيرة النبوية المطبوعة بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 100): قالت الشيعة باسلامه تمسكا بذلك الحديث (أي حديث شهادة العباس بانه عليه السلام أتى بالشهادتين وتلكم بما أراد منه النبي صلى الله عليه وآله كما في تاريخ الخميس (ج 1 ص 338 وغيره) وبكثير من اشعاره، لكن مذهب أهل السنة على خلافه، ثم قال ابن دحلان: وقد صرح إمام الاشاعرة الشعراني وجماعة آخرون من علماء أهل السنة باسلام أبي طالب عليه السلام، وذكره في السيرة النبوية بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 100) وقال نقل الشيخ السحيمي في شرحه على شرح جوهرة التوحيد عن الامام الشعراني، والسبكي وجماعة: أن ذلك الحديث أعني حديث العباس ثبت عند بعض أهل الكشف وصح عندهم إسلامه (أي إسلام أبي طالب عليه السلام) وإن الله تعالى أبهم أمره بحسب ظاهر الشريعة تطييبا لقلوب الصحابة الذين كان آباؤهم كفارا، لانه لو صرح لهم (النبي صلى الله عليه وآله) بنجاته مع كفر آبائهم وتعذيبهم لنفرت قلوبهم، وتوغرت وصدورهم، كما تقدم نظيره في الحديث الذي قال لابن أبي قال (الشعراني والسبكي ومن وافقهما): وأيضا لو ظهر لهم إسلامه لعادوه وقاتلوه مع النبي صلى الله عليه وآله، ولما تمكن


 

[136]

من حمايته والدفع عنه، فجعل الله ظاهر حاله كحال آبائهم وأنجاه في باطن الامر لكثرة نصرته للنبي صلى الله عليه وآله وحمايته له ومدافعته عنه (ثم قال): ولكن هذا القول اعني القول باسلامه عند بعض أهل الحقيقة مخالف لظاهر الشريعة فلا ينبغي التكلم به بين العوام.

(قال المؤلف): تأمل في كلام هذا العالم الفاضل كيف خلط الحق بالباطل وتكلم بكلام لا يقبله العاقل المنصف الخالي من التعصب، وتأمل كيف ينسب إلى الله الظلم القبيح ويقول: إن الله تبارك وتعالى رعاية لحال بعض خلقه ظلم أعظم شخصية عند الناس وعند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عطيما (النساء) آية (44) تأمل في كلام هذا العالم الفاضل كيف يقول: إن الله تبارك وتعالى عمل بالتقية لان يحفظ نبيه من شر أشرار البرية (الله اكبر وجل جلاله) إن الله تبارك وتعالى كما أمر الخلق بترك الظلم كذلك لا يظلم أي فرد من افراد خلقه، ولو كان كافرا فكيف بمن كان مسلما وناصرا لنبيه ومحاميا له، آمن برسالة نبيه، وبذل نفسه وأولاده في سبيل إعلاء كلمته وترك الشرك، واعترف بوحدانية ربه تأمل في كلام هذا الفاضل كيف يقول: إن كلام اهل الحقيقية لا يؤخذ به لمخالفته لظاهر الشريعة، فيقال له أولا من أين ثبت عندك أنه مخالف لظاهر الشريعة، فهل هذه الشريعة التي تشير إليها توافق الكتاب المنزل على صاحب الشريعة ؟ أو توافق ما جاء به من الدين ؟ فهل الشريعة الاسلامية، تقول: إن من اعترف بنبوة محمد ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم، واعترف بان دينه خير الاديان لا يكون مسلما ؟ فهل الشريعة المحمدية صلى الله عليه وآله، تحكم على من عمل بالتقية ولم يتظاهر بالاعمال المطلوبة في الاسلام لان يتمكن من حفظ محمد صلى الله عليه وآله


 

[137]

سيد الخلق وأشرف البرية تحكم بانه لم يؤمن بالله ولم يكن مسلما مع ما ظهر منه من الاقوال والافعال المثبتة لايمانه واسلامه ؟ تأمل في كلام هذا الفاضل كيف يأمر بان يسكت عن إظهار الحقايق، وتعليم الناس بما يجهلون به، وبما أشكل عليهم معرفته معرفة صحيحة لاختلاف الناس فيه بحيث قدم الباطل وأخذ به وأخفى الحق لدواع زمانية وملاحظات دنيوية (يريدون ليطفؤا نور الله بافواههم والله متم نوره).

 (اعتراف سيد قريش العباس بن عبد المطلب عليه السلام بان اخاه ابا طالب أتى بالشهادتين قبل موته وعندما طلب منه النبي صلى الله عليه وآله ذلك منه) قال السيد زيني دحلان الشافعي في أسنى المطالب (ص 25 طبع طهران) لما تقارب من أبي طالب الموت نظر إليه العباس فرآه يحرك شفتيه فاصغى إليه بأذنه، فسمع منه الشهادة فقال للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: يابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته بها (قال) ولم يصرح العباس بلفظ لا إله الا الله لكونه لم يكن أسلم حينئذ.

 (قال): وبعضهم ضعف هذا الحديث (فقال): فعلى تسليم عدم الاعتداد بنطقه هذا وأن الحديث ضعيف فنقول (إنه عليه السلام غير مؤمن باعتبار أحكام الدنيا) وأما عند الله فهو مؤمن ناج ممتلئ قلبه ايمانا بدليل ما تقدم (من أفعاله وأقواله في الشعر والنثر).

 (ثم قال): وإنه يمكن أن عدم نطقه بحضور أبي جهل وعبد الله ابن أمية، حرصا منه على بقاء الحفظ للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وصيانته من أذيتهم له بعد وفاته، فلا ينال النبي منهم أذى (قال): وإذا كان هذا قصده كان معذورا، فتكون إجابته لهما بما أجابهم به مداراة لهما لئلا ينفرهما، خشية أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعد وفاته.

 


 

[138]

(ثم قال): على أنه يمكن الجمع بين امتناعه ونطقه، بانه امتنع بحضورهما مداراة لهما فلما انطلقا وذهبا نطق بهما، وأصغى إليه العباس فسمعه ينطق بها (قال): ولهذا في الحديث السابق ما كلمهم به يعني ابا جهل ومن كان معه ولم يقل آخر ما تكلم به مطلقا، فدل على أن قوله (أي أبو طالب): هو على ملة عبد المطلب دليل على أنه على التوحيد لان عبد المطلب كان على التوحيد (ولم يعبد قط صنما) كبقية آباء النبي صلى الله عليه وآله كما حقق ذلك جلال الدين السيوطي الشافعي وغيره في رسائل متعدد (قال): فابهم أبو طالب عليهم الجواب ليرضيهم ظاهرا وهو يعلم أن عبد المطلب (عليه السلام) كان على التوحيد (ونفى الاضداد وعاملا بما كان يجب عليه في عصره).

(قال المؤلف): أنظر إلى ما في كلام هذا الفاضل زيني دحلان من المناقضات حيث يقول: إنه عليه السلام كافر باعتبار أحكام الدينا، ولكن مؤمن ناج ممتلئ قلبه إيمان، ويقول: إن أبا طالب أبهم عليهم الجواب ليرضيهم فقال: أنا على ملة عبد المطلب وهو يعلم أن عبد المطلب كان مؤمنا موحدا لانه من آباء النبي صلى الله عليه وآله وإن آباء النبي صلى الله عليه وآله كانوا مؤمنين موحدين على دين أبيهم ابراهيم عليه السلام ودينه كان الاسلام.

(قال المؤلف): إن زيني دحلان من الذين يعترفون بان أبا طالب كان مؤمنا موحدا مات على الايمان والاسلام، ولكن كان يلاحظ علماء أهل نحلته أهل السنة فلا يصرح لهم بمعتقده، ولكن العارف بالعربية لو تأمل قليلا في كلمات ابن دحلان عرف أنه من المعتقدين بايمان أبي طالب اعتقادا صحيحا كما تعتقد الامامية، ويؤيد ذلك توجيهاته للاحاديث الباطلة التي روته علماء السنة في حق أبي طالب عليه السلام تراه يماشيهم ولا يصرح ببطلان الاحاديث ولكن يوجهها توجيها لطيفا يثبت مقصوده من غير


 

[139]

معارضة لعلماء أهل ملته وطريقته، فقال في توجيه الحديث الذي سنده غير سالم من المطعونين وهو حديث الضحضاح المعروف: ليس من شأن من على الكفر أن يكون في ضحضاح من النار، بل شأنه أن يكون في الدرك الاسفل من النار، فقبول الشفاعة فيه حتى صار في ضحضاح دليل على عدم كفره، إذ لا تقبل في الكافر شفاعة الشافعين، قال الله تبارك وتعالى في سورة المدثر آية (42) (في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين).

 فعلى قول من يقول بأن أبا طالب مات على غير إيمان وأنه ترك الصلاة والعبادة مع ابن أخيه رسول الله صلى الله عليه وآله: بنص القرآن لا تنفعه شفاعة أي شافع (قال): وقوله في الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وآله (لو لا أنا كان في الدرك الاسفل من النار) معناه لو لا أن الله هداه بي للايمان لمات كافرا وكان في الدرك الاسفل من النار: (فالحديث يثبت ايمانه لا كفره كما تخيله بعض الجهال) (قال): فقوله صلى الله عليه وآله هذا نظير قوله صلى الله عليه (وآله) وسلم في ولد اليهودي الذي زاره النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في مرضه وعرض عليه الاسلام فاسلم ومات (فقال صلى الله عليه وآله وسلم): الحمد لله الذي أنقذه بي من النار.

 (قال): وحينئذ ظهر لنا معنى لطيف في هذا الحديث الآخر (ايضا) وهو أنه كان (أبو طالب عليه السلام) في غمرات من النار فشفعت له فاخرج إلى ضحضاح منها، وهو أن المعنى، كان (أبو طالب عليه السلام) مشرفا على دخول الغمرات حيث أبى أن يشهد ثم تشفعت


 

[140]

فيه فهداه الله للايمان (ولم يمت كافرا) (وذلك لانه شهد الشهادتين وسمعهما منه أخوه العباس كما تقدم ذلك).

(قال المؤلف) لا يحتاج زيني دحلان ولا غيره إلى هذه التوجيهات أو التعسفات بل الاولى النظر في سند الحديث فان كان سالما يوجه أو يسكت عنه، ولو كان الحديث غير صحيح بالاصطلاح فلا نحتاج إلى التعسف في توجيهه، ولا شك ولا شبهة في أن جميع ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق عمه الناصر له والمحامي عنه والذي رباه سنين عديدة حتى كمل وبلغ عمره صلى الله عليه وآله خمسا وعشرين سنة وتزوج بأم المؤمنين خديجة عليها السلام فان جميع ما روي منه في حقه وفيه تنقيص لمقامه مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وآله ورواته مطعونون غير مقبول ما رووه في حقه منه بل المقبول في حقه ما روي من أولاده وأهل بيته في حقه، فان الاولاد اعرف باحوال آبائهم وأجدادهم وهم غير متهمين فيما يروونه فيه من الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله أو من غيره، وإليك بعض ما روي من أهل البيت في حق جدهم عليه السلام.