بعض الاحاديث المروية عن أهل البيت عليهم السلام

في حق جدهم ابي طالب عليه السلام

 

قال السيد الحجة فخار بن معد في كتابه (الحجة على الذاهب إلى تكفير ابي طالب) ص 16 بالاسناد إلى الكراجكي عن رجاله عن أبان عن محمد ابن يونس عن أبيه عن أبي عبد الله (الصادق عليه السلام) أنه قال: يا يونس ما تقول الناس في أبي طالب ؟ قلت جعلت فداك يقولون: هو في ضحضاح من نار وفي رجليه نعلان من نار تغلي منهما أم رأسه فقال: كذب أعداء الله، إن ابا طالب من رفقاء النببين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

 


 

[141]

(وفيه ايضا ص 17) خرج بسنده المتصل عن الحسين بن احمد المالكي، قال: حدثنا أحمد بن هلال، قال: حدثني علي بن حسان عن عمه عبد الرحمن بن كثير قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام إن الناس يزعمون أن ابا طالب في ضحضاح من نار، فقال: كذبوا ما بهذا نزل جبرئيل على التبي صلى الله عليه وآله، قلت: وبما نزل ؟ قال: أتى جبرئيل في بعض ما كان عليه، فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إن اصحاب الكهف أسروا الايمان واظهروا الشرك فآتاهم الله اجرهم مرتين، وإن ابا طالب اسر الايمان وأظهر الشرك فآتاه الله اجره مرتين، وما خرج من الدنيا حتى أتته البشارة من الله تعالى بالجنة، ثم قال (عليه السلام) كيف يصفونه بهذا الملاعين ؟ وقد نزل جبرئيل ليلة مات أبو طالب فقال: يا محمد أخرج من مكة فما لك بها ناصر بعد أبي طالب.

 (وفيه ايضا ص 18) بسنده المتصل عن أبي بصير ليث المرادي قال: قلت لابي جعفر (الباقر عليه السلام): سيدي إن الناس يقولون: إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه، فقال عليه السلام: كذبوا والله، إن ايمان أبي طالب لو وضع في كفة ميزان وإيمان هذا الخلق في كفة لرجح إيمان ابي طالب على إيمانهم، ثم قال (عليه السلام): كان والله أمير المؤمنين يأمر أن يحج عن أبي النبي وأمه وعن ابي طالب حياته، ولقد أوصى في وصيته بالحج عنهم بعد مماته.

 (ثم قال السيد الحجة في (الحجة على الذاهب ص 18): فهذه الاخبار المختصة بذكر الضحضاح من النار وما شاكلها من متخرصات ذوي الفتن وروايات أهل الضلال وموضوعات بني أمية واشياعهم الناصبين العداوة لاهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، وهي في نفسها


 

[142]

تدل على أن مفتعلها والمجترئ على الله بتخرصها متحامل غمر جاهل، قليل المعرفة باللغة العربية التي خاطب الله بها عباده وأنزل بها كتابه، لان الضحضاح لا يعرف في اللغة إلا لقلبل الماء فحيث عدل به إلى النار ظهرت فضيحته واستبان جهله وتحامله.

 (وقال السيد عليه الرحمة ايضا): إن لامة (الاسلامية) متفقة على أن الآخرة ليس فيها نار (خاصة)، سوى الجنة والنار فالمؤمن يدخله الله الجنة، والكافر يدخله الله النار فان كان أبو طالب كافرا على ما يقوله مخالفنا فما باله يكون في ضحضاح من نار من بين الكفار ولماذا تجعل له نار وحده من بين الخلائق والقرآن متضمن أن الكافر يستحق التأييد والخلود في النار.

 (وقال عليه الرحمة أيضا): فان قيل (كما قيل) إنما جعل في ضحضاح من نار لتربيته للنبي صلى الله عليه وآله وذبه عنه وشفقته علبه ونصره اياه (قلنا) تربية النبي صلى الله علبه وآله وسلم والذب عنه وشفقته عليه والنصرة له، طاعة لله تعالى يستحق في مقابلها الثواب الدائم، فان كان أبو طالب فعلها وهو مؤمن فما باله لا يكون في الجنة كغيره من المؤمنين ؟ وإن كان فعلها وهو كافر فانها غير نافعة له (كما لم تنفع أبا لهب نصرته للنبي صلى الله عليه وآله لانه كان على كفره) لان الكافر إذا فعل فعلا لله تعالى فيه طاعة لا يستحق عليه ثوابا لانه لم يوقعه لوجهه متقربا به إلى الله تعالى، من حيث انه لم يعرف الله ليتقرب إليه فيجب أن يكون عمله غير نافع له، فما استحق أن يجعل في ضحضاح من نار، فهو إما مؤمن يستحق الجنة كما نقول وإما كافر يستحق التأييد في الدرك الاسفل من النار على وجه الاستحقاق والهوان كغيره من الكفار.

 (ثم اخذ السيد عليه الرحمة) في التكلم في سند الاحاديث المروية


 

[143]

في حديث الضحضاح وقال: إن الاحاديث المتضمنة أن ابا طالب في ضحضاح من النار مختلفة (الالفاظ) وأصلها واحد وراويها (شخص واحد) منفرد بها، لانها جميعها تستند إلى المغيرة بن شعبة الثقفي، لا يروي احد منها شيئا سواه، وهو (أي المغيرة) رجل ظنين في حق بني هاشم متهم فيما يرويه عنهم لانه معروف بعداوتهم، مشهور ببغضه لهم والانحراف عنهم، (وقد روي عنه في حق بني هاشم الفاظ تدل على شدة عدائه لهم) والمغيرة هذا له أعمال وأفعال قبيحة تعرف بالنظر إلى تاريخ حياته وما صدر منه في زمان الخلفاء، وهو رجل فاسق معروف بالفسق وقد ذكر ذلك جمع كثير من علماء اهل السنة مؤرخيهم ومحدثيهم ومفسر بهم، واليك أسماء بعضهم وهم جماعة.

 

 " بعض ما روي من قصة زناء المغيرة بن شعبة الثقفي "

(منهم) الطبري في تاريخه الكبير (ج 4 ص 207) في حوادث سنة (17) قال بعد نقله زناء المغيرة ما هذا نصه: وارتحل المغيرة وأبو بكرة، ونافع بن كلدة، وزياد، وشبل بن معبد البجلي، حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم، وبين المغيرة فقال المغيرة: سل هؤلاء الاعبد كيف رأوني مستقبلهم، أو مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة أو عرفوها فان كانوا مستقبلي فكيف لم استتر، أو مستدبري فبأي شئ استحلوا النظر الي في منزلي على امرأتي، والله ما أتيت الا أمرأتي، وكانت شبهها فبدأ بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتها ؟ قال مستدبرهما، قال فكيف استثبت رأسها ؟ قال: تحاملت، ثم دعا بشبل بن مبعد فشهد بمثل ذلك فقا استدبرتهما أو استقبلتهما ؟ قال: استقبلتهما، وشهد نافع بمثل شهادة


 

[144]

ابي بكرة، ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان، وأستين مكشوفتين، وسمعت خفزانا شديدا، قال: هل رأيت كالميل في المكحلة قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة ؟ قال: لا ولكن أشبهها، قال فتنح، وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد ثم قرأ الآية المباركة، فقال المغيرة اشفني من الاعبد، فقال اسكت أسكت الله نأمتك الخ.

(قال المؤلف) اختصر الطبري القصة لدواع معلومة ولكن ابن الاثير في تاريخ الكامل ذكر للقصة مقدمة، وبعدها ذكر ما ذكره الطبري، واليك ما ذكره في الكامل (ج 2 ص 209) قال (في قضية المغيرة): كان بين المغيرة بن شعبة وبين ابي بكرة مجاورة وكانا في مشربتين في كل واحدة منهما كوة مقابلة للاخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت ريح فتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليسده فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح باب كوة مشربته وهو بين رجلي امرأة، فقال للنفر: قوموا فانظروا فقاموا فنظروا، وهم أبو بكرة ونافع بن كلدة وزياد ابن أبيه وهو أخو أبي بكرة لامه، وشبل بن معبد البجلي، فقال لهم اشهدوا قالوا: ومن هذه ؟ قال: أم جميل بن الافقم، كانت من بني عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة والامراء، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها، فلما قامت عرفوها، فلما خرج المغيرة إلى الصلاة منعه ابو بكرة، وكتب إلى عمر (قصته) فبعث عمر أبا موسى أميرا على البصرة.

(قال المؤلف) ثم ذكر بقية القصة كما في تاريخ الطبري، ولو تأمل احد في مقدمة القضية يعرف حال زياد ابن أبيه ويعرف ما فعل بالقضية وما غير وما بدل منها.

 


 

[145]

(قال المؤلف) بالنظر إلى اختلاف الفاظ القضية يعرف العاقل الذكي واقع الحال، ويعرف سبب الاختلاف في الشهادة، فعليك بالتأمل في كلام أبي الفداء في تاريخه (ج 1 ص 171) قال: وفي سنة سبع عشرة من الهجرة اختطت الكوفة، وتحول سعد إليها واعتمر عمر واقام بمكة عشرين ليلة، ووسع المسجد الحرام، وهدم منازل قوم أبوا أن يبيعوها، وجعل أثمانها في بيت المال، وفي هذه السنة كانت واقعة المغيرة بن شعبة، وهي أن المغيرة كان عمر قد ولاه البصرة، وكان في قبالة العلية التي فيها المغيرة بن شعبة علية فيها أربعة وهو أبو بكرة مولى الني صلى الله عليه (وآله) وسلم، وأخوه لامه زياد ابن أبيه، ونافع ابن كلدة، وشبل بن معبد، فرفعت الريح الكوة عن العلية فنظروا إلى المغيرة وهو على أم جميل بنت الارقم بن عامر بن صعصعة، وكانت تغشى المغيرة فكتبوا إلى عمر بذلك فعزل المغيرة واستقدمه مع الشهود وولى البصرة أبا موسى الاشعري فلما قدم إلى عمر شهد أبو بكرة ونافع وشبل على المغيرة بالزنا (وكانت شهاداتهم موافقة) وأما زياد ابن أبيه فلم يفصح شهادة الزنا، وكان عمر قد قال قبل ان يشهد أرى رجلا ارجو أن لا يفضح الله به رجلا من أصحاب رسول الله، فقال زياد: رأيته جالسا بين رجلي امرأة ورأيت رجلين مرفوعتين كاذني حمار ونفسا يعلوا واستا تنبو عن ذكر ولا أعرف ما وراء ذلك، فقال عمر: هل رأيت المبل في المكحلة ؟ قال: لا، فقال: هل تعرف المرة ؟ قال: لا ولكن أشبهها فامر عمر بالثلاثة الذين شهدوا بالزنا أن يحدوا حد القذف فجلدوا وكان زياد أخا ابي بكرة لامه فلم يكلمه أبو بكرة بعدها.

(قال المؤلف) تأمل في الفاظ القضايا تعرف حقيقة الحال وتعرف سبب تغيبر زياد شهادته فسبب أن الشهود الثلاثة حدوا، وقد خرج


 

[146]

القضية ابن كثير في البداية والنهاية (ج 7 ص 81 ص 82) مفصلا وهذا نصه: قال: وفي هذه السنة (أي سنة سبع عشرة) ولى عمر أبا موسى الاشعري البصرة وأمر أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الاول فشهد عليه فما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب، أبو بكرة وشبل بن معبد البجلي، ونافع بن عبيد، وزياد، ثم ذكر الواقدي وسيف هذه القصة، وملخصها: إن امرأة كان يقال لها ام جميل بنت الافقم من نساء بني عامر بن صعصعة، ويقال من نساء بني هلال وكان زوجها من ثقيف قد توفي عنها، وكانت تغشى نساء الامراء والاشراف، وكانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة وهو أمير البصرة، وكانت دار المغيرة تجاه دار أبي بكرة وكان بينهما الطريق، وفي دار ابي بكرة كوة تشرف على كوة دار المغيرة، فبينما أبو بكرة في داره وعنده جماعة يتحدثون في العلية إذ فتحت الريح باب الكوة فقام أبو بكرة لغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة وإذا هو على صدر امرأة وبين رجليها وهو يجامعها، فقال أبو بكرة لاصحابه: تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بام جميل، فقاموا فنظروا إليه وهو يجامع تلك المرأة، فقالوا لابي بكرة ومن أين فلت إنها ام جميل وكان رأسها من الجانب الآخر ؟ فقال: انتظروا فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة: هذه أم جميل فعرفوها فيما يظنون، فلما خرج المغيرة وقد اغتسل ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم، وكتبوا إلى عمر في ذلك، فولى عمر أبا موسى الاشعري أميرا على البصرة وعزل المغيرة فسار إلى البصرة فنزل البرد، فقال المغيرة: والله ما جاء أبو موسى تاجرا ولا زائرا ولا جاء إلا اميرا.

 ثم قدم أبو موسى على الناس وناول المغيرة كتابا من عمر هو اوجز كتاب، فيه (أما بعد فانه بلغني نبأ عظيم فبعثت


 

[147]

أبا موسى أميرا فسلم ما في يديك والعجل).

 وكتب إلى أهل البصرة: إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من قويكم لضعيفكم، وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن دينكم، وليجبي لكم فيأكم ثم ليقسمه بينكم (قال): وأهدى المغيرة لابي موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة وقال: إني رضيتها لك وكنت فارهة: وارتحل المغيرة.

(قال المؤلف) بالتأمل في ألفاظ ابن كثير يظهر لك خيانة زياد ابن أبيه لاخويه ابي بكرة وشبل بن معبد الصحابيين بحيث سبب ما عرفت من فعل عمر بهما من إجراء الحد عليهما وهما صادقان فيما شهدا ولكن تغيير زياد شهادته وقوله لعمر: إني لا أعرفها وهو يعرفها، وهذه ألفاظ ابن كثير في القصة بنصها من دون تصرف فيها قال: ارتحل المغيرة والذين شهدوا عليه (عند أبي موسى الاشعري) وهم أبو بكرة، ونافع بن كلدة وزياد ابن ابيه، وشبل بن معبد العجلي، فلما قدموا على عمر جمع بينهم وبين المغيرة، فقال المغيرة سل هؤلاء الاعبد كيف رأوني مستقبلهم أو مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة وعرفوها، فان كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا، أو مستدبري فيكف استحلوا النظر في منزلي على أمرأتي، والله ما أتيت إلا امرأتي وكانت تشبهها، فبدأ عمر بابي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي ام جميل وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة، قال وكيف رأيتها ؟ قال مستدبرها، قال فكيف استبنت رأسها ؟ قال تحاملت، ثم دعا شبل بن معبد فشهد بمثل ذلك فقال استقبلتهما أم استدبرتهما ؟ قال استقبلتهما، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة ولم يشهد زياد بمثل شهادتهم، قال رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين تخفقان وأستين مكشوفتين وسمعت حفزانا شديدا، وقال


 

[148]

هل رأيت كالميل في المكحلة ؟ قال: لا، قال: فهل تعرف المرأة ؟ قال: لا، ولكن أشبهها، قال فتنح، ثم أمر بالثلاثة فجلدوا الحد.

(قال المؤلف) سبب زياد بن أبيه توهين صحابي شريف فاضل كما صرح به في أسد الغبة (ج 5 ص 151) قال: وكان أبو بكرة من فضلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو الذي شهد على المغيرة بن شعبة وجلده عمر حد القذف وأبطل شهادته، وكذلك شبل بن معبد البجلي، وكان من الصحابة وهو اخو ابي بكرة لامه وهم اربعة اخوة لام واحدة اسمها سمية وهم الذبن شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا.

 قال ابن الاثير في أسد الغابة (ج 2 ص 385) روى أبو عثمان النهدي قال: شهد أبو بكرة ونافع يعني ابن علقمة وشبل بن معبد على المغبرة أنهم نظروا إليه كما ينظر إلى المرود في المكحلة فجاء زياد فقال عمر: جاء رجل لا يشهد إلا بحق فقال: رأيت مجلسا قبيحا ونهزا فجلدهم عمر.

(قال المؤلف): خرج علي المتقي الحنفي رواية أبي عثمان في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش (ج 2 ص 413) من مسند احمد بن حنبل وخرج قبله القصة من البيهقي بسنده عن بسامة بن زهير، قال: لما كان من شأن أبي بكزة والمغيرة الذي كان ودعا الشهود فشهد أبو بكرة وشهد (شبل) بن معبد، ونافع بن عبد الحرث، فشق على عمر حين شهد هؤلاء الثلاثة، فلما قام زياد (للشهادة) قال عمر: إني أرى غلاما كيسا لن يشهد إن شاء الله إلا بحق، قال زياد: أما الزنا قلا أشهد به، ولكن قد رأيت أمرا قبيحا، قال عمر: الله اكبر حدوهم فجلدوهم، فقال أبو بكرة (ثانيا): أشهد أنه زان، فهم عمر أن يعيد عليه الحد، فنهاه علي (عليه السلام) وقال: إن جلدته فارجم


 

[149]

صاحبك فتركه ولم يجلده (هق).

(قال المؤلف): تأمل دقيقا حتى تعرف الحقيقة وتعرف سبب ترك زياد الشهادة وهو كان يعرف ذلك كما يعلم ذلك من حديث ابن كثير وابي الفداء المتقدمين وغيرهما، فسبب زياد ان الصحابة الفضلاء على قول ابن الاثير حدوا حد القذف، وهذه القضية من الموارد التي راجع فيها عمر بن الخطاب في حكمه إلى امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام.

 " بعض علماء أهل السنة الذين ذكروا زناء المغيرة ابن شعبة بالترديد والتحقيق واعتراض السيد المرتضى وجواب قاضي القضاة " (قال المؤلف) ذكر القصة جمع كثير من علماء اهل السنة والامامية عليهم الرحمة وقد ذكرنا القصة برواية علي المتقي الحنفي، وابن الاثير الشافعي وابن كثير الشافعي، وابي الفداء، وابن الاثير الجزري الشافعي في تاريخ الكامل، وابن جرير الطبري في تأريخه الكبير، والفاظ الجميع فيها اختلاف وفيها ما ليس في غيرها والكل لم يذكروا القصة بكاملها بل زادوا وتقصوا وحرفوا وغيروا، ولكل منهم نظرة خاصة، ونظرة مشتركة، وباعمال ذلك سبب غموض القصة، وعدم معرفة القصة بوضوح ولم يذكر القصة بالتفصيل غير ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة وغير السيد الحجة (في الحجة على الذاهب) فعليه نكتفي بما ذكرناه من المختصرين للقصة، ونذكر إن شاء الله بعض ما ذكره ابن ابي الحديد ثم نذكر بعض ما ذكره السيد في (الحجة على الذاهب).

(قال المؤلف) أغلب المؤرخين والمحدثين ذكروا القصة بعنوان


 

[150]

الوقايع في سنة (17) وقد خرج ابن ابي الحديد الشافعي المتوفي سنة 655 القصة في (ج 12 ص 237 ط 2) تحت عنوان خاص وهو (مطاعن الخليفة الثاني)، وقال: (الطعن السادس) أنه (أي عمر بن الخطاب) عطل حد الله في المغيرة بن شعبة لما شهد (شهدوا) عليه بالزنا.

 ولقن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة، اتباعا لهواه، فلما فعل ذلك، عاد إلى الشهود فحدهم وضربهم (وفضحهم) فتجنب أن يفضح المغيرة وهو واحد، وفضح الثلاثة (واثنان منهم من الصحابة الاخيار والفضلاء كما مر في ترجمتهم) مع تعطيله لحكم الله، ووضعه في غير موضعه (ثم قال): وأجاب قاضي القضاة (عن الطعن الذي وجه إلى عمر) فقال: إنه لم يعطل الحد إلا من حيث لم تكمل الشهادة، وبارادة الرابع (وهو زياد ابن أبيه) لثلا يشهد لا تكمل البينة، وانما تكمل بالشهادة.

 وقال: إن قوله: (أي قول عمر) أرى وجه رجل لا يفضح الله به رجلا من المسلمين (أو قوله، أرى رجلا أرجو أن لا يفضح الله به رجلا من أصحاب رسول الله كما تقدم نقله من تاريخ ابي الفداء ج 1 ص 171) وغير ذلك يجري في أنه سائغ صحيح مجري ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنه، أني بسارق، فقال: لا تقر: وقال عليه السلام لصفوان بن أمية لما أتاه بالسارق وأمر بقطعه: فقال هو له: يعني ما سرق: هلا قبل أن تأتيني به: فلا يمتنع من عمر إلا يحب أن تكمل الشهادة: وينبه الشاهد على أن لا يشهد.

 (وقال): إنه جلد الثلاثة من حيث صاروا قذفة وأنه ليس حالهم: وقد شهدوا كحال من لم تتكامل الشهادة عليه، لان الحيلة في إزالة الحد عنه ولما تتكامل الشهادة عليه ممكنة بتلقين وتنبيه غيره ولا حيلة فيما قد وقع من الشهادة، فلذلك حدهم.

 


 

[151]

(قال): وليس في إقامة الحد عليهم من الفضيحة، ما في تكامل الشهادة على المغيرة، لانه يتصور بانه زان، ويحكم بذلك، وليس كذلك حال الشهود، لانهم لا يتصورون بذلك، وإن وجب في الحكم أن يجعلوا في حكم القذفة.

 (قال) وحكي عن أبي علي، أن الثلاثة كان القذف قد تقدم منهم للمغيرة بالبصرة، لانهم صاحوا به من نواحي المسجد بأنا نشهد أنك زان، فلو لم يعيدوا الشهادة (في المدينة) لكان يحدهم لا محالة، فلم يمكن في إزالة الحد عنهم ما أمكن في المغيرة، وحكي عن ابي علي في جواب اعتراضه عن نفسه بما روي عن عمر أنه كان إذا رآه (أي المغيرة) يقول: لقد خفت أن يرميني الله عزوجل بحجارة من السماء، إن هذا الخبر غير صحيح، ولو كان حقا لكان تأويله التخويف وإظهار قوة الظن لصدق القوم الذين شهدوا عليه، ليكون ردعا له، وذكر أنه غير ممتنع أن يحب (عمر) ألا يفتضح (المغيرة) لما كان متوليا للبصرة من قبله.

 (قال) ثم أجاب عن سؤال من سأله عن امتناع زياد من الشهادة وهل يقتضي الفسق أم لا ؟ فان قال: لا نعلم أن كان يتمم الشهادة، ولو علمنا ذلك لكان حيث ثيت في الشرع أن السكوت لا يكون طعنا، ولو كان ذلك طعنا، وقد ظهر أمره لامير المؤمنين عليه السلام لما ولاه فارس ولما ائتمنه على أموال الناس ودمائهم.

 قال) واعترض (السيد) المرتضى فقال: انما نسب إلى تعطيل الحد من حيث كان في حكم الثابت، وإنما بتلقينه لم تكمل الشهادة لان زيادا ما حضر إلا ليشهد بما شهد به أصحابه، وقد صرح بذلك كما صرحوا قبل حضورهم، ولو لم يكن هذا لما شهد القوم قبله وهم لا يعلمون هل حاله في ذلك كحالهم ؟ لكنه أحجم في الشهادة لما رأى كراهية


 

[152]

متولي الامر لكمالها، وتصريحه بانه لا يريد أن يعمل بموجبها.

 (قال السيد قدس سره): ومن العجائب أن يطلب الحيلة في دفع الحد عن واحد (هو المغيرة) وهو لا يندفع إلا بانصرافه إلى ثلاثة فان كان درء الحد والاحتيال في دفعه من السنن المتبعة فدرؤه عن الثلاثة أولى من درئه عن واحد.

 (قال السيد قدس سره) وقوله: إن دفع الحد عن المغيرة ممكن ودفعه عن الثلاثة وقد شهدوا غير ممكن، طريف، لانه لو لم يلقن الشاهد الرابع الامتناع عن الشهادة لاندفع الحد عن الئلاثة، وكيف لا تكون الحيلة ممكنة فيما ذكره.

 (قال السيد قدس سره): وقوله: إن المغيرة يتصور بصورة زان لو تكاملت الشهادة، وفي هذا من الفضيحة ما ليس في حد الثلاثة غير صحيح، لان الحكم في الامرين واحد، لان الثلاثة إذا حدوا يظن بهم الكذب، وإن جوز أن يكونوا صادقين، والمغيرة لو تكاملت الشهادة عليه بالزنا لظن به ذلك مع التجويز لان يكون الشهود كذبة، وليس في أحد إلا ما في الآخر.

 (قال السيد قدس سره): وما روي عنه عليه السلام من انه اتي بسارق فقال له: (لا تقر) إن كان صحيحا لا يشبه ما نحن فيه لانه ليس في دفع الحد عن السارق إيقاع غيره في المكروه، وقصة المغيرة تخالف هذا لما ذكرنا.

 (قال السيد قدس سره): فاما قوله عليه السلام، هلا قبل أن تأتيني به، فلا يشبه كل ما نحن فيه، لانه بين أن ذلك القول يسقط الحد لو تقدم وليس فيه تلقين يوجب إسقاط الحد.

 (قال السيد قدس سره): فاما ما حكاه عن أبي علي من أن


 

[153]

القذف من الثلاثة كان قد تقدم، وأنهم لو لم يعيدوا الشهادة لكان يحدهم لا محالة فغير معروف، والظاهر المروي خلافه، وهو أنه حدهم عند نكول زياد عن الشهادة، وأن ذلك كان السبب في ايقاع الحد بهم.

 (قال السيد قدس سره): وتأوله عليه (قول عمر) لقد خفت أن يرميني الله بحجارة من السماء، لا يليق بظاهر الكلام (أي كلام عمر) لانه يقتضي التندم والتأسف على تفريط وقع، ولم يخاف أن يرمى بالحجارة وهو لم يدرأ الحد عن مستحقه له.

 ولو أراد الردع والتخويف للمغيرة لاتى بكلام بليق بذلك، ولا يقتضي إضافة التفريط إلى نفسه، وكونه واليا من قبله لا يقتضي ان يدرأ عنه الحد، ويعدل به إلى غيره.

 (قال السيد قدس سره): وأما قوله إنا ما كنا نعلم أن زيادا كان يتمم الشهادة، فقد بينا أن ذلك كان معلوما بالظاهر، ومن قرأ ما روي في هذه القصة، علم بلا شك أن حال زياد كحال الثلاثة في انه انما حضر للشهادة وانما عدل عنها لكلام عمر (أي قوله أرى رجلا أرجو أن لا يفضح الله به رجلا من اصحاب رسول الله) كما في (تاريخ ابي الفداء ج 1 ص 171) وغيره.

 (قال السيد قدس سره): وقوله: إن الشرع يبيح السكوت ليس بصحيح لان الشرع قد حظر كتمان الشهادة.

 (قال السيد قدس سره): فاما استدلاله على أن زيادا لم يفسق بالامساك عن الشهادة بتولية أمير المؤمنين عليه السلام له فارس، فليس بشئ يعتمد، لانه لا يمتنع أن يكون قد تاب بعد ذلك، فأظهر توبته لامير المؤمنين عليه السلام فجاز أن يوليه.

 (قال السيد قدس سره): وقد كان بعض أصحابنا يقول في قصة


 

[154]

المغيرة شيئا طيبا (وان كان معتلا في باب الحجة) قال: كان يقول إن زيادا إنما امتنع من التصريح بالشهادة في الزنا (ولكن) قد شهد بانه شاهده بين شعبها الاربع.

(قال المؤلف) في الصفحة (237) من (ج 12) من المصدر المتقدم: خرج عن أبي الفرج إنه قال: روى كثير من الرواة أنه (أي زياد ابن أبيه) قال رأيته (أي المغيرة) رافعا رجليها (اي ام جميل) ورأيت خصيتيه مترددتين بين فخذيها، وفي تلك الصفحة ايضا قال: وفي رواية أخرى قال زياد بن أبيه في شهادته،: رأيته متبطنها، وقد تقدم ذلك في لفظ ابن كثير ان زياد ابن ابيه قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان وأستين مكشوفتين إلى غير ذلك.

 قال (المؤلف) رجعنا إلى لفظ ابن أبي الحديد في (ج 12 ص 237) من شرح نهج البلاغة، طبع ثاني، قال: وقد شهد زياد ابن أبيه بأنه شاهده (أي المغيرة بن شعبة) بين شعبيها الاربع، وسمع نفسا عاليا، فقد صح على المغيرة بشهادة الاربعة جلوسه منها مجلس الفاحشة إلى غير ذلك من مقدمات الزنا وأسبابه، فهلا ضم عمر، إلى جلد الثلاثة تعزير هذا الذي قد صح عنده بشهادة الاربعة ما صح من الفاحشة، مثل تعريك اذنه أو ما يجري مجراه من خفيف التعزير ويسيره ؟ وهل في العدول عن ذلك حتى عن لومه وتوبيخه والاستخفاف به إلا ما ذكروه من السبب الذي يشهد الحال به.

(قال المؤلف) ثم ذكر ابن أبي الحديد ما يعتقده في احوال المغيرة بن شعبة وما ئبت لديه من التواريخ.

 


 

[155]

 

إبن أبي الحديد الشافعي يصرح بأن

المغيرة ابن شعبة كان زانيا

 

 قال: (قلت: أما المغيرة (بن شعبة) فلا شك عندي أنه زنى بالمرأة (أم جميل) ولكن لست اخطئ عمر في درء الحد عنه (قال) وإنما أذكر اولا قصته من كتابي أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وأبي الفرج علي بن الحسين الاصفهاني، ليعلم ان الرجل (المغيرة بن شعبة) زنى بها (أي بام جميل) لا محالة ثم اعتذر لعمر في درء الحد عنه.

 (قصية زناء المغيرة برواية ابن جرير الطبري الشافعي في تاريخه) قال الطبري في تاريخه الكبير (ج 4 ص 207) كانا (أي ابو بكرة والمغيرة بن شعبة) متجاوربن بينهما طريق وكانا في مشربتين متقابلتين لهما في داريهما في كل واحدة منهما كوة مقابلة الاخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر يتحدثون في مشربته فهبت ريح فقتحت باب الكوة فقام ابو بكرة ليصفقه فبصر بالمغيرة وقد فتحت الريح كوة مشربته، وهو بين رجلي امرأة فقال للنفر: قوموا فانظروا فقاموا فنظروا ثم قال: اشهدوا، قالوا: ومن هذه ؟ قال: أم جميل ابنة الارقم، وكانت أم جميل أحدى بني عامر ابن صعصعة، وكانت غاشية للمغيرة وتغشى الامراء الاشراف، وكان بعض النساء يفعلن ذلك في زمانها، فقالوا إبما رأينا أعجازا ولا ندري ما الوجه، ثم أنهم صمموا (على أنها أم جميل) حين قامت فلما خرج المغيرة إلى الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، وقال لا تصل بنا فكتبوا إلى عمر بذلك وتكاتبوا فبعث عمر إلى أبي موسى فقال يا أبا موسى إني مستعملك، إني أبعثك إلى ارض قد باض بها الشيطان وفرخ فالزم


 

[156]

ما تعرف ولا تستبدل فيستبدل الله بك، فقال: يا أمير المؤمنين أعني بعدة من أصحاب رسول الله من المهاجرين والانصار فاني وجدتهم في هذه الامة وهذه الاعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به، قال ؟ فاستغن بمن أحببت فاستعان بتسعة وعشرين رجلا منهم أنس بن مالك وعمران بن حصين وهشام بن عامر، ثم خرج أبو موسى فيهم، حتى أناخ بالبصرة بالمربد وبلغ المغيرة أن أبا موسى قد أناخ بالمربد، فقال: والله ما جاء أبو موسى زائرا ولا تاجرا ولكنه جاء أميرا، فانهم لفي ذلك إذ جاء أبو موسى حتى دخل عليهم، فدفع إليه أبو موسى كتابا من عمر وأنه لاوجز كتاب كتب به أحد من الناس أربع كلم عزل فيها وعاتب واستحث وأمر (صورة الكتاب): أما بعد فانه بلغني نبأ عظيم، فبعثت أبا موسى، أميرا فسلم ما في يدك، والعجل، وكتب إلى أهل البصرة: أما بعد فاني قد بعثت أبا مؤسسي أميرا عليكم، ليأخذ لضعيفكم من قويكم وليقاتل بكم عدوكم، وليدفع عن ذمتكم وليحصي فيأكم ثم ليقتسمه بينكم، ولينقي طرقكم (قال): واهدى له (اي لابي موسى) المغيرة وليدة من مولدات الطائف تدعى عقيلة وقال: اني قد رضيتها لك، وكانت فارهة (أي حسنة) (ثم ذكر ما تقدم نقله) وهو: (وارتحل المغيرة وأبو بكرة.. إلى قوله وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد).

 (قال المؤلف): هذا لفظ الطبري في تاريخه المطبوع في المطبعة الحسينية بمصر طبع أول، واما لفظه الذي خرجه ابن ابي الحديد في شرح نهج البلاغة (ج 12 ص 231) ففيه اختلاف كثير مع ما تقدم، وقال المعلق على الشرح هو يطابق تاريخ الطبري طبع أوربا (ج 9 ص 252 ص 261 منه) وفيه زيادات ليست في طبع مصر، ومن جملتها أن المغيرة عندما كان أمير البصرة (كان) يختلف إليها (أي إلى أم جميل)


 

[157]

سرا فبلغ ذلك أهل البصرة فاعظموه.

 فخرج المغيرة يوما من الايام إلى المرأة فدخل عليها، وقد وضعوا عليهما الرصد فانطلق القوم الذين شهدوا عند عمر فكشفوا الستر فرأوه قد واقعها، إلى غير ذلك.

 " بعض ما نقله ابن ابي الحديد من الاغاني لابي الفرج الاصفهاني في أحوال المغيرة " وفي شرح نهج البلاغة (ج 12 ص 234 طبع ثاني) قال: وأما أبو الفرج علي بن الحسين الاصفهاني فانه ذكر في كتاب الاغاني (ج 16 ص 77 ص 100 طبع دار الكتب) أن احمد بن عبد العزيز الجوهري حدثه عن عمر بن شبة عن علي بن محمد عن قتادة قال: كان المغيرة بن شعبة، وهو أمير البصرة يختلف سرا إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء (هي أم جميل) فلقيه أبو بكرة يوما فقال له أين تريد ؟ قال: أزور آل فلان فاخذ بتلابيبه وقال: إن الامير يزار ولا يزور.

 وفيه ايضا) قال أبو الفرج: وحدثني بحديثه جماعة ذكر اسماءهم باسانيد مختلفة لا نرى الاطالة بذكرها إن المغيرة كان يخرج من دار الامارة وسط النهار، فكان ابو بكرة يلقاه فيقول له اين يذهب الامير ؟ فيقول له إلى حاجة، فيقول حاجة ماذا ؟ إن الامير يزار ولا يزور قال (أبو الفرج) وكانت المرأة التي يأتيها (المغيرة بن شعبة) جارة لابي بكرة فقال: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أخويه نافع وزياد ورجل آخر يقال له، شيل بن معبد، وكانت غرفة جارته تلك محاذية غرفة أبي بكرة فضربت الريح باب غرفة المرأة تفتحه، فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها (أي ينكح جارة أبي بكرة) فقال أبو بكرة: هذه بلية


 

[158]

قد ابتليتم بها، فانظروا، فنظروا حتى أثبتوا (أي تيقنوا بما فعل المغيرة) فنزل أبو بكرة، فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال أبو بكرة إنه قد كان من أمرك ما قد علمت فاعتزلنا، فذهب المغيرة وجاء ليصلي بالناس الظهر، فمنعه ابو بكرة، وقال: لا والله لا تصلي بنا، وقد فعلت ما فعلت، فقال الناس: دعوه فليصل، إنه الامير واكتبوا إلى عمر، فكتبوا إليه فورد كتابه أن يقدموا عليه جميعا: المغيرة والشهود.

 (قال أبو الفرج): وقال المدائني في حديثه: فبعث عمر بابي موسى وعزم عليه ألا يضع كتابه من يده حتى يرحل المغيرة.

 (قال أبو الفرج) وقال علي بن ابي هاشم في حديثه: إن أبا موسى قال لعمر لما أمره أن يرحل المغيرة من وقته: أو خير من ذلك يا امير المؤمنين تتركه فيتجهز ثلاثا ثم يخرج.

 (قالوا): وجاء أبو موسى حتى دخل على المغيرة ومعه صحيفة ملء يده فلما رآه قال أمير فاعطاه أبو موسى الكتاب فلما ذهب يتحرك عن سريره قال له: مكانك تجهز ثلاثا.

 (قال ابو الفرج): وقال آخرون: إن أبا موسى أمره أن يرتحل من وقته، فقال المغيرة قد علمت ما وجهت له، فألا تقدمت وصليت فقال: ما أنا وأنت في هذا الامر إلاسواء، فقال المغيرة: إني أحب أن اقيم ثلاثا لاتجهز، فقال ابو موسى: قد عزم علي أمير المؤمنين ألا اضع عهدي من يدي، إذا قرأته حتى أرحلك إليه، قال إن شئت شفعتني وأبررت قسم أمير المؤمنين بان تؤجلني إلى الظهر وتمسك الكتاب بيدك.

 (قالوا): فلقد رئي أبو موسى مقبلا ومدبرا، وإن الكتاب في يده معلق بخيط، فتجهز المغيرة وبعث إلى أبي موسى، بعقيلة جارية


 

[159]

عربية من سبى اليمامة من بني حنيفة، ويقال: إنها مولدة الطائف، ومعها خادم، وسار المغيرة حين صلى الظهر حتى قدم على عمر.

 (قال أبو الفرج)، فقال محمد بن عبد الله بن حزم في حديثه: إن عمر قال له (أي للمغيرة) لما قدم عليه: لقد شهد عليك بامر إن كان حقا لان تكون مت قبل ذلك كان خيرا لك.

 (قال ابو الفرج): قال أبو زيد عمر بن شبة: فجلس له عمر ودعا به وبالشهود فتقدم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين..

 فخذيها ؟ قال: نعم والله، لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها (أي أم جميل) قال المغيرة: لقد ألطفت النظر ؟ قال أبو بكرة: لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به، فقال عمر: لا والله حتى تشهد: لقد رأيته يلج فيها كما يلج المرود في المكحلة، قال: نعم أشهد على ذلك، فقا عمر: إذهب عنك مغيرة، ذهب ربعك.

 (قال): ثم دعا نافعا: فقال: علام تشهد ؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة: فقال عمر: لا حتى تشهد أنك رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، قال: نعم، حتى بلغ قذذه: فقال: إذهب عنك مغيرة، ذهب نصفك، ثم دعا الثالث، وهو شبل بن معبد، فقال: علام تشهد ؟ قال: على مثل شهادتي صاحبي، فقال: اذهب عنك مغيرة ذهب ثلاثة أرباعك.

 (قال): فجعل المغيرة يبكي إلى المهاجرين، وبكى إلى أمهات المؤمنين، حتى بكبن معه: قال ولم يكن زياد حضر ذلك المجلس، فامر عمر أن ينحى الشهود الثلاثة، وألا يجالسهم أحد من أهل المدينة، وانتظر قدوم زياد، فلما قدم جلس في المسجد، واجتمع رؤس المهاجرين والانصار قال المغيرة: وكنت قد أعددت كلمة أقولها، فلما رأى عمر زيادا مقبلا


 

[160]

قال: إني أرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين.

 (قال أبو الفرج) فلما جاء زياد، جاء شاب، يخطر بيديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما عندك أنت يا سلح العقاب ؟ (قال) وصاح أبو عثمان النهدي صيحة تحكي صيحة عمر، قال عبد الكريم بن رشيد لقد كدت أن يغشى علي لصيحته.

 (قال ابو الفرج): فكان المغيرة يحدث قال: فقمت إلى زياد فقلت: لا مخبأ لعطر بعد عروس، يا زياد أذكرك الله واذكرك موقف القيامة، وكتابه، ورسوله، أن تتجاوز إلى ما لم تر ثم صحت يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قد احتقروا دمي: قال: فتدفقت عينا زياد واحمر وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين، أما إن أحق ما حق القوم، فليس عندي ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا حثيثا وانتهازا، ورأيته متبطنها، فقال عمر: أرأيته يدخل ويخرج كالميل في المكحلة ؟ قال: لا.

 (قال ابو الفرج) ؟ وروى كثير من الرواة أنه قال (أي زياد ابن أبيه) رأيته رافعا برجليها، ورأيت خصيتيه مترددتين بين فخذيها وسمعت حفزا شديدا، وسمعت نفسا عاليا، فقال عمر: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة ؟ قال: لا، فقال عمر: ألله اكبر، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم، فجاء المغيرة إلى أبي بكرة فضربه ثمانين وضرب الباقين (نافعا، وشبل بن معبد) (كذلك).

 (قال ابو الفرج): وروى قوم إن الضارب لهم الحد لم يكن المغيرة (قال): وأعجب عمر، قول زياد، ودرأ الحد عن المغيرة.

 (قال أبو الفرج) فقال ابو بكرة بعد ان حد حد القذف: أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا، فهم عمر بضربه (ثانيا) فقاله له علي عليه السلام: إن ضربته رجمت صاحبك ونهاه عن ذلك (فانتهى) وقد تقدم


 

[161]

القول بان هذا المورد من الموارد التي رجع فيها عمر إلى فتوى أمير المؤمنين عليه السلام.

 (قال ابو الفرج): يعني إن ضربه يصير شهادته (أي شهادة ابي بكرة) شهادتين (فيكمل أربع شهادات) فيوجب بذلك الرجم على المغيرة.

(قال المؤلف) في المصدر المذكور ج 12 ص 238 من شرح نهج البلاغة طبع 2): قال أبو الفرج وحج عمر بعد ذلك مرة، فوافق الرقطاء (أم جميل) بالموسم فرآها، وكان المغيرة يومئذ هناك، فقال عمر للمغيرة، ويحك أتتجاهل علي والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء (أي حيث درأت الحد منك لما شهدوا عليك بالزناء بالرقطاء (أم جميل).

 (قال ابو الفرج): وكان علي عليه السلام بعد ذلك يقول إن ظفرت بالمغيرة لاتبعته الحجارة (ولذلك انهزم إلى الشام).

(قال المؤلف): جميع ما تقدم من أحوال المغيرة في قصته المعروفة لا نحتاج إليها فان زناء المغيرة أمر معروف مشهور يعرفه أهل كل مكان حتي اعراب البوادي، وقد صرح بكونه أزنى الناس أهل المعرفة بالتاريخ وغيره.

 (قال) في المصدر المتقدم ج 12 ص 239 ط 2: روى المدايني أن المغيرة كان أزنى الناس في الجاهلية، فلما دخل في الاسلام قيده الاسلام وبقيت عنده منه بقية ظهرت في أيام ولايته البصرة.

 (وفيه ايضا) قال: روى أبو الفرج في كتاب الاغاني عن الجاحظ أبي عثمان عمرو بن بحر، قال: كان المغيرة بن شعبة والاشعث بن فيس وجرير بن عبد الله البجلي يوما متواقفين بالكناسة، في نفر، وطلع عليهم


 

[162]

أعرابي، فقال لهم، المغيرة دعوني أحركه، قالوا: لا تفعل فان للاعراب جوابا يؤثر، قال: لابد قالوا: فانت أعلم، فقال المغيرة له: يا أعرابي أتعرف المغيرة بن شعبة ؟ قال: نعم أعرفه. أعور زانيا، فوجم المغيرة (الحديث).

 (بعض ما روي في كتب علماء أهل السنة من أن المغيرة بن شعبة وجماعة معه كانوا أعداء الهاشميين وكانوا يضعون الاحاديث المكذوبة في حقهم) (قال المؤلف): ذكر ابن أبي الحديد في المصدر المتقدم ج 12 ص 241 ط 2 ما هذا نصه: وإنما أوردنا هذين الخبرين (أي خبر الطبري وخبر أبي الفرج في اثبات قصة المغيرة) لعلم السامع أن الخبر بزناه (اي زناء المغيرة بن شعبة) كان شايعا مشهورا مستفيضا بين الناس.

 (قال المؤلف) من طالع تاريخ حياة المغيرة بن شعبة عرف أمورا كثيرة عجيبة من أحواله (منها) وأصغرها زناه، وإن من أعظمها على المسلمين وعلى سيد المرسلين وعلى الائمة الميامين هو ما كان عليه المغيرة حتى مات موافقة لامير الشام وهو سب سيد المؤمنين وسيد المتقين وسيد الاوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام على المنابر في الكوفة وقد ذكر ذلك جماعة من علماء أهل السنة في كتبهم المعتبرة.

 (منهم) أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري الشافعي المتوفي سنة 405 هـ فانه خرج في كتابه مستدرك الصحيحين (البخاري ومسلم) ج 3 ص 450 طبع حيدر آباد الدكن سنة 1341 هـ وقال: قد صحت الروايات أن المغيرة ولي الكوفة سنة إحدى وأربعين


 

[163]

وهلك سنة خمسين (ثم قال): حدثنا الشيخ أبو بكر بن اسحاق (انا) موسى بن اسحاق الانصاري القاضي (ثنا) أحمد بن يونس (ثنا) أبو بكر بن عياش عن حصين عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم (قال): كان المغيرة بن شعبة ينال (أي يسب) في خطبته من علي (وما قنع بذلك) واقام خطباء ينالون منه، فبينا هو يخطب ونال من علي والى جنبي سعيد بن زيد بن ابن عمرو بن نفيل العدوي قال: فضربني بيده وقال: ألا ترى ما يقول هذا ؟ (ومنهم) الذهبي الشافعي فانه خرج ذلك في تلخيص المستدرك المطبوع بذيل المستدرك (ج 3 ص 450) وقال: أبو بكر بن عياش: عن حصين عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم، قال: كان المغيرة ابن شعبة ينال في خطبته من علي وأقام خطباء ينالون منه (الحديث).

(قال المؤلف): فمن كان هذا حاله بالنسبة إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وصهره فهل يقبل حديثه في حق والد من كان يسبه عشر سنين في خطبته على منابر المسلمين، هذا وقد روى السيد الحجة في كتاب (الحجة على الذاهب) ص 19 وقال: وقد روي عنه (أي عن المغيرة) انه شرب (الخمر) في بعض الايام فلما سكر قيل (له) ما تقول في بني هاشم ؟ فقال: والله ما أردت لهاشمي قط خيرا.

(قال المؤلف): ومما يدل على أن المغيرة بن شعبة كان من أعداء الهاشميين، وكان يروي الاحاديث الموضوعة في حقهم عليهم السلام، ما ذكره ابن ابي الحديد الشافعي في شرح نهج البلاغة (ج 1 ص 358) طبع اول مصر قال: وإن معاوية بن ابي سفيان وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية اخبار قبيحة في علي عليه السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب فيه مثله، فاختلقوا


 

[164]

ما ارضاه (منهم) أبو هريرة (ومنهم) عمرو بن العاص (ومنهم) المغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة بن الزبير.

(قال المؤلف) هذا المغيرة بن شعبة مع علمه باحوال إمامه وأميره معاوية بن أبي سفيان كان يظهر أعمالا يرضي بها معاوية، فكان يسب عليا أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر ويأمر أصحابه بذلك، وما كان ذلك منه إلا لعداوته لبني هاشم، وعداوته لهم كانت لتحصيل رضا أميره الذي كان مطلعا على أحواله وديانته وعقيدته، وقد ذكر ابن ابي الحديد في (ج 5 ص 129 ط 2) من شرحه لنهج البلاغة، طبع بيروت سنة 1379 ه‍، بعض ما كان يعلمه المغيرة بن شعبة من أحوال معاوية بن أبي سفيان، وهذا نص الفاظه (قال): روى الزبير بن بكار في (الموفقيات) وهو غير متهم على معاوية ولا منسوب إلى اعتقاد الشيعة لما هو معلوم من حاله (أي من حال الزبير بن بكار) من مجانبة علي عليه السلام والانحراف (وقال): قال المطرف بن المغيرة بن شعبة: دخلت مع أبي على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدث معه، ثم ينصرف الي فيذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة، فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما فانتظرته ساعة، وظننت أنه لامر حدث فينا، فقلت (يا أبة) ما لي أراك مغتما منذ الليلة ؟ فقال: يا بني جئت من عند أكفر الناس، وأخبثهم قلت: وما ذاك ؟ قال: قلت له (أي لمعاوية) وقد خلوت به: إنك قد بلغت سنة يا أمير المؤمنين فلو أظهرت عدلا وبسطت خيرا فانك قد كبرت، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم، فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه، وإن ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه فقال: هيهات هيهات، أي ذكر أرجو بقاءه، ملك أخو تيم فعدل وفعل


 

[165]

ما فعل، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: أبو بكر ثم ملك أخو عدي، فاجتهد وشمر عشر سنين، فما عدا أن هلك حتى هلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر، وإن ابن أبي كبشة ليصاح به كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمدا رسول الله: فاي عمل يبقى، وأي ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك، لا والله الا دفنا دفنا (ثم قال ابن أبي الحديد الشافعي): وأما أفعاله (أي أفعال معاوية) المجانبة للعدالة الظاهرة، من لبسه الحرير، وشربه في آنية الذهب والفضة، حتى انكر عليه ابو الدرداء فقال له: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: إن الشارب فيهما ليجرجر في جوفه نار جهنم: فقال معاوية: أما أنا فلا أرى بذلك بأسا، فقال ابو الدرداء: من عذيري من معاوية، أنا أخبره عن الرسول صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو يخبرني عن رأيه، لا أساكنك بارض أبدا (ثم قال ابن ابي الحديد): نقل هذا الخبر المحدثون والفقهاء في كتبهم.

 في باب الاحتجاج على أن خبر الواحد معمول به في الشرع، وهذا الخبر يقدح في عدالته (أي عدالة معاوية) كما يقدح أيضا في عقيدته، لان من قال في مقابلة خبر قد روي عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: أما أنا فلا أرى به بأسا فيما حرمه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم، ليس بصحيح العقيدة، ومن المعلوم أيضا من حاله (أي من حال معاوية) استئثاره بمال الفئ، وضربه من لا حد له، واسقاطه الحد عمن يستحق إقامة الحد عليه، وحكمه برأيه في الرعية، وفي دين الله، واستلحاقه زيادا وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: الولد للفراش وللعاهر الحجر، وقتله حجر بن عدي وأصحابه ولم يجب عليهم القتل


 

[166]

ومهانته لابي ذر الغفاري رحمه الله جبهه وشتمه وأشخاصه ألى المدينة على قتب بغير وطاء لانكاره عليه، ولعنه عليا والحسن والحسين وعبد الله بن عباس على منابر الاسلام، وعهده بالخلافة إلى ابنه يزيد مع ظهور فسقه (أي فسه يزيد) وشربه المسكر جهارا، ولعبه بالنرد (القمار) ونومه بين القيان والمغنيات، واصطباحه معهن، ولعبه بالطنبور بينهن، وتطريقه بني أمية للوثوب على مقام رسول الله صلى عليه (وآله) وسلم وخلافته حتى افضت إلى يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد المفتضحين الفاسقين، صاحب حبابة وسلامة، والآخر رامي المصحف بالسهام، وصاحب الاشعار في الزندقة والالحاد، ثم قال ابن أبي الحديد الشافعي: ولا ريب أن الخوارج إنما برئ أهل الدين والحق منهم لانهم فارقوا عليا وبرئوا منه، وما عدا ذلك من عقائدهم نحو القول بتخليد الفاسق في النار، والقول بالخروج على أمراء الجور، وغير ذلك من أقاويلهم فان أصحابنا (أي الشافعية من أهل السنة) يقولون بها، ويذهبون إليها فلم يبق ما بقتضي البراءة منهم إلا برأتهم من علي، وقد كان معاوية يلعنه على رؤس الاشهاد وعلى المنابر في الجمع والاعياد، في المدينة ومكة وفي ساير مدن الاسلام، فقد شارك الخوارج في الامر المكروه منهم، وامتازوا عليه باظهار الدين والتلزم بقوانين الشريعة والاجتهاد في العبادة وإنكار المنكرات، وكانوا أحق بان نيصروا عليه من أن ينصر عليهم (انتهى كلام ابن ابي الحديد).

 (قال المؤلف: ومما يمكن الاستدلال به على علو مقام أبي طالب عليه السلام علاوة على إيمانه وإسلامه قبل البعثة وبعد بعثة ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله ما روي من أفعال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأقواله في حق عمه وشقيق ابيه أبي طالب عليهما السلام


 

[167]

وما روى من أفعال الصحابة الكرام من الاقوال والافعال نثرا وشعرا في حقه عليه السلام وهي كثيرة نذكر بعضها وفيها الكفاية لمن طلب الحق وترك التعصب الاعمى وأخذ بالانصاف وبما يقبله العقل السليم.

 (من جملتها) استسقاء رسول الله صلى الله عليه وآله على المنبر في المسجد وهو مشهور ومعروف، اخرجه نور الدين علي بن ابراهيم بن أحمد بن علي الحلبي الشافعي في السيرة الحلبية والعلامة زيني دحلان الشافعي في السيرة النبوية بهامش ج 1 ص 92 من السيرة الحلبية ط 1 سنة 1330 هـ في استسقاء النبي صلى الله عليه وآله في المدينة فقد قالا: أخرج البيهقي عن أنس قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وشكا الجدب والقحط، وأنشد أبياتا فقام رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه إلى السماء ودعا فما رد بديه حتى التقت السماء بابراقها ثم بعد ذلك جاؤا يضجون من المطر خوف الغرق، فضحك رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم حتى بدت نواجده، ثم قال: لله در أبي طالب لو كان حيا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله: فقال علي رضي الله عنه كأنك تريد قوله:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

(ومن جملتها) استسقاء أبي طالب عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم (قال المؤلف): خرج قضية استسقاء أبي طالب عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وآله العلامة زيني دحلان الشافعي مفتي مكة المكرمة المتوفي سنة 1304 هـ في كتابه المعروف (بالسيرة النبوية) المطبوع بهامش (السيرة الحلبية) ج 1 ص 92 طبع مصر سنة 1330 وقال: كان


 

[168]

يوضع لابي طالب وسادة يجلس عليها فجاء النبي صلى الله عليه وآله فجلس عليها فقال: إن ابن اخي ليحس بنعيم أي بشرف عظيم (قال): وكان أبو طالب يحبه حبا شديدا لا يحب أولاده كذلك، ولذا كان لا ينام إلا إلى جنبه، ويخرج به متى خرج (من مكة) قال: وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة، قال: قدمت مكة وهم في قحط وشدة من أحتباس المطر عنهم، فقائل منهم يقول: أعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم يقول، أعمدوا مناة الثالثة الاخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم باقية ابراهيم وسلالة إسماعيل، قالوا: كانك عنيت أبا طالب، فقال أيها فقاموا باجمعهم، فقمت معهم فدققنا الباب عليه فخرج إلينا، فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحط الوادي، وأجدب العيال، فهلم فاستسق إلينا فخرج أبو طالب، ومعه غلام (وهو النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم) كانه شمس دجن (تجلت عنه سحابة) قتماء، وحوله أغيلمة فاخذه أبو طالب فالصق ظهر الغلام بالكعبة، ولاذ الغلام (أي أشار) باصبعه إلى السماء كالمتضرع الملتجئ وما في السماء قزعة، فاقبل السحاب من هاهنا وهاهنا واغدودق الوادي أي أمطر وكثر قطره، واخصب النادي والبادي وفي هذا يقول أبو طالب يذكر قريشا حين تمالؤا على أذيته صلى الله عليه (وآله) وسلم، بعد البعثة، يذكرهم يده وبركته عليهم من صغره:

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل

يلوذ به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

(قال صاحب السيرة): فهذا الاستسقاء شاهده أبو طالب فقال الابيات بعد مشاهدته (اياها)، وقد شاهده مرة أخرى قبل هذه، فروى الخطابي، حديثا فيه: إن قريشا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة


 

[169]

عبد المطلب، فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس، فقام عبد المطلب واعتضده صلى الله عليه (وآله) وسلم فرفعه على عاتقه وهو يومئذ قد أيفع أو قرب، ثم دعا فسقوا في الحال (1) فقد شاهد أبو طالب ما دله على ما قال أعني قوله.

 وأبيض يستسقى البيت (قال) وهو من أبيات من قصيدة طويلة نحو ثمانين بيتا لابي طالب على الصواب، خلافا لمن قال: إنها لعبد المطلب، فقد أخرج البيهقي عن أنس قال جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وشكا الجدب والقحط وأنشد أبياتا، فقام رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم (إلى آخر الحديث) الذي تقدم نقله من السيرة النبوية، فلما ذكر أمير المؤمنين علي بن ابي طالب الابيات، قال صلى الله عليه (وآله) وسلم أجل ثم قال زيني دحلان: فهذا نص صريح من الصادق صلى الله عليه (وآله) وسلم بان أبا طالب منشئ البيت، وأول القصيدة.

 ولما رأيت القوم لا ود عندهم *** وقد قطعوا كل العرى والوسائل

وقد حالفوا قوما علينا أظنة *** يعضون غيظا خلفنا بالانامل

ثم ذكر زيني دحلان عشرين بيتا من القصيدة وترك البقية، والقصيدة تزيد على مائة بيت وقد أخرجتاها في كتابنا (الشهاب الثاقب لمكفر أبي طالب عليه السلام)، وخرجها ابن كثير في البداية والنهاية (ج 2 ص 53 ص 57) وقال: قد أوردها الاموي في مغازيه مطولة بزيادات أخرى وعدد الابيات في البداية اثنان وتسعون بيتا وفي غيرها اكثر، ومن جملتها ناسخ التواريخ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) استسقاء عبد المطلب بالنبي صلى الله عليه وآله اخرجه الشهرستاني (في الملل والنحل) المطبوع بهامش ج 3 (الفصل) ص 225 يناسب ذكر ذلك في المقام.
 [*]

 

[170]

(قال المؤلف) وخرجها ابن هشام في السيرة (ج 1 ص 249 ص 255) وعدد أبيات القصيدة فيها اربعة وتسعون بيتا وخرج جلال الدين السيوطي الشافعي قضية الاستسقاء في كتابه الخصائص الكبرى ج 1 ص 124 طبع حيدر آباد الدكن وهذا نصه: أخرج ابن عساكر في تاريخه عن جلهمة بن عرفطة قال انتهيت إلى المسجد الحرام وإذا قريش عزين قد ارتفعت له ضوضاء يستسقون، فقائل يقول: أعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم يقول: أعمدوا المناة الثالثة الاخرى، فقال شيخ منهم وسيم قسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل، قالوا له كانك عنيت أبا طالب قال: إيها فقاموا باجمعهم، وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه مصفر عليه إزار قد اتشح به فثاروا إليه، فقالوا له: يا ابا طالب قد أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق (الينا) فقال: دونكم زوال الشمس، فلما زاغت الشمس، خرج أبو طالب ومعه غلام كانه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء وحوله أغيلمة فاخذه أبو طالب فالصق ظهره بالكعبة ولاذ باصبعه الغلام وبصبصت الاغيلمة حوله، وما في السماء قزعة فاقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، واغدودق وانفجر له الوادي واخصب النادي والبادي، ففي ذلك يقول أبو طالب.

 وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للارامل

تطيف به الهلاك من آل هاشم *** فهم عنده في نعمة وفواضل

وميزان عدل لا يخيس شعيرة *** ووزان صدق وزنه غير مائل

(قال المؤلف) هذه الابيات من القصيدة الآتية التي تزيد على مائتي بيت وقد خرجها جمع كثير من علماء السنة والامامية عليهم الرحمة.

 وخرج جلال الدين السيوطي الشافعي في الخصائص أيضا (ج 1 ص 87)


 

[171]

قضية أخرى فيها دلالة على أن ابا طالب عليه السلام كان مؤمنا بالواحد الاحد، وبالرسول الامجد، ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله وهذا نصه: أخرج ابن عساكر عن أبي الزناد قال: اصطرع أبو طالب وأبو لهب فصرع أبو لهب أبا طالب وجلس على صدره، فمد النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم بذوابة أبي لهب والنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم يومئذ غلام فقال له أبو لهب أنا عمك وهو عمك فلم أعنته علي ؟ قال: لانه أحب الي منك، فمن يومئذ عادى أبو لهب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم واختبأ له هذا الكلام في نفسه.

(قال المؤلف): تأمل في هذه القضية وفيما تقدم عليها لترى شدة محبة النبي صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب كما ترى محبة أبي طالب عليه السلام لابن اخيه رسول الله صلى الله عليه وآله فهل يمكن أن يحب رسول الله صلى الله عليه وآله من حاد الله وأشرك به وعبد الاصنام ؟ وقد جاء في القرآن الكريم: " لا تجد قوما يؤمنون بالله يوادون من حاد الله " (الآية) فهل يمنع الله من محبة من حاد الله والنبي صلى الله عليه وآله يود من حاد الله ؟ فليس هذا بمعقول، فمحبة النبي صلى الله عليه وآله لعمه أبي طالب كان في محله وانما كان يحبه لايمانه وإسلامه غير أنه عليه السلام كان لا يظهر ذلك لمصلحة الوقت ولكي يتمكن من حفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحفظ من أسلم وآمن به فحاله عليه السلام كحال مؤمن آل فرعون حيث كتم إيمانه.

(قال المؤلف) ومما يمكن الاستدلال به على علو مقام مؤمن قريش وإيمانه وإن كان عليه السلام أخفى ذلك لمصلحة الوقت كما أخفى


 

[172]

مؤمن آل فرعون شهادة أخيه العباس عليهما السلام بأنه أتى بما طلبه منه ابن اخيه محمد صلى الله عليه وآله وهو التكلم بالشهادتين وإنما طلب صلى الله عليه وآله منه ذلك على فرض صحة الرواية ليكون آخر كلامه عليه السلام الشهادتين فانه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من كان آخر كلامه الشهادتين دخل الجنة) فلاجل أن يكون عليه السلام مشمولا لهذا الحديث الشريف ولغير ذلك طلب من عمه أن يصرح بالشهادتين ووعده أن يشفع له يوم القيامة حتى يرفع مقامه في الآخرة ويصل إلى درجة الانبياء والمرسلين بشفاعته، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وحلف على ذلك فقال (لاشفعن فيك شفاعة يعجب لها الثقلان) يقصد صلى الله عليه وآله بذلك الشفاعة التي يواسطتها يتمكن من الكون معه وفي درجته بشفاعته، وإنما وعده أن يشفع له تلك الشفاعة وفاء لما قام به عليه السلام من بذل نفسه ونفيسه في حفظه حتى تمكن من نشر دعوته، وتمكن صلى الله عليه وآله وسلم بحمايته مقابلة المشركين وصرفهم عما كانوا عليه من عبادة الاصنام، واعتنقوا الاسلام، وإليك ما أخبر به العباس رضي الله عنه من أخيه أبي طالب شيخ الابطح وسيد قريش ورئيسهم المطاع وبما تكلم به عند وفاته، وقد ذكر ذلك جماعة من علماء أهل السنة (منهم) ابن هشام في سيرته (ج 2 ص 21) قال: قال ابن اسحق: حدثني عبد الله بن معبد، عن بعض اهله، عن ابن عباس، قال: مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف قومه، عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب، في رجال من أشرافهم، فقالوا يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا


 

[173]

وخذ لنا منه ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا، وندعه ودينه فبعث إليه أبو طالب فجاءه فقال: يابن أخي هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا عم كلمة واحدة بعطونيها يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم، قال: فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات، قال: تقولون لا آله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه قال: فصففوا بأيديهم، ثم قالوا: اتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلها واحدا، إن أمرك لعجيب، ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، قال: ثم تفرقوا، قال: فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: يابن أخي ما رأيتك سألتهم شططا (أي ما سألتهم فوق طاقتهم أي أمرا صعبا) وما ظلمتهم وما جرت عليهم فيما طلبت منهم، قال: فجعل يقول له (أي لابي طالب عليه السلام): أي عم فانت فقلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة، قال: فلما رأى حرص رسول الله - صلى الله عليه وآله عليه، قال يابن اخي، والله لو لا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي لقلتها لا أقولها إلا لاسرك بها، قال: فلما تقارب من أبي طالب الموت (وتفرق الذين كانوا عنده من المشركين) نظر العباس إليه (أي إلى أبي طالب عليه السلام) يحرك شفتيه قال: فاصغى إليه بأذنه (أي العباس) قال: فقال يابن أخي (يا محمد) والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها، قال: وأنزل الله تعالى في الرهط الذين اجتمعوا إلى أبي طالب وقال لهم النبي صلى الله عليه وآله ما قال وردوا عليه ما ردوا سورة صلى الله عليه وآله والقرآن ذي الذكر) إلي قوله تعالى (إن هذا إلا


 

[174]

اختلاف) ثم توفي أبو طالب (عليه السلام) إنتهى باختصار في بعض كلماته.

(قال المؤلف) على فرض صحة الحديث الذي ذكره ابن اسحق ونقله منه ابن هشام في السبرة، فترك أبي طالب عليه السلام التلفظ بالشهادتين عند موته في حضور من حضر من المشركين كان لامرين الاول خشية من أن ينسبوا إليه الجزع من الموت، والثاني وهو العمدة المبالغة في حفظه صلى الله عليه وآله وسلم إذ لو عرفوا أنه كان مؤمنا بابن اخيه وموحدا وتاركا لعبادة آلهتهم لسقط عن الانظار، ولم يبق له عندهم حرمة فيلاحظوا ذلك فيتركوا أذاه، فترك النطق بالشهادتين في حضورهم ولم يتظاهر به تقية منهم كما كان عليه قبل موته وفي حياته الطويلة وفيما يزيد على خمسين سنة وان كان عليه السلام أظهر ذلك في أشعاره ونصايحه لقومه، وبما ذكرناه أشار السيد ابن دحلان في (أسنى المطالب ص 29 طبع طهران) فقال ما هذا نص الفاظه: قال: قد مر أنه (أي أبو طالب) نطق بالوحدانية، وبحقيقة الرسالة، وتصديق النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم في أشعاره وانما طلب النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم ذلك منه عند وفاته ليحوز الايمان (عند) الوفاة ايضا (إلى أن قال): وإنما امتنع (أبو طالب عليه السلام) من النطق به (أي بلفظ الشهادتين) خشية أن ينسبوه إلى الجزع من الموت، والخوف من الموت عندهم عار (أي عند العرب) وقد كانوا عريقين في السيادة والمفاخرة بحيث لا يرضون أن ينسب إليهم أقل قليل مما يخالفهما (عقول ذلك العصر) فلا يبعد أن يكون ذلك عندهم عظيما، وذلك عذر، وهذا بحسب الظاهر للامر، وأما في باطن الامر، فالسبب الحقيقي في عدم نطقه (عليه السلام) بحضور القوم


 

[175]

المبالغة في المحافظة على حمايته النبي صلى الله عليه وآله ونصرته لعلمه بانه إذا نطق بذلك وعلموا أنه اتبع النبي صلى الله عليه وآله لم يعتدوا بحمايته وجاهه عندهم، بل يخفرون ذمته، وينتهكون حرمته ويبالغون في إيذاء النبي صلى الله عليه وآله وقد كان أبو طالب حريصا على ان يكون أمر النبي صلى الله عليه وآله في دعوته الخلق إلى الله تعالى باقيا بعد موته، فلذلك كان محافظا علي بقاء حرمته في قلوب فريش، فلو نطق بالشهادتين وعلموا ذلك منه فانه يفوت غرضه، من كمال النصرة والحماية.

(قال المؤلف) ولاجل رعاية هذه النظرية لم ينطق بالشهادتين كما ذكرنا سابقا في حضور المشركين، ولما ولوا وبقي أبو طالب عليه السلام وحده مع أخيه العباس وأولاده، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم عليه السلام ونطق بالشهادتين حتى سمع ذلك منه أخوه العباس رضي الله عنه وأخبر النبي صلى الله عليه وآله بذلك، وقال العباس: والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها وهي الشهادتان: (قال المؤلف) ومما يدل عليه أن ابا طالب عليه السلام إنما امتنع من التكلم بالشهادتين تقية من الذين كانوا حضورا عنده ما أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية (ج 3 ص 124 وخرجه غيره أيضا.

 (قال): روى البخاري وقال: حدثنا محمود، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا: معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن ابيه أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وآله وعنده أبو جهل فقال: أي عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن ابي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب


 

[176]

فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر ما كلمهم به: على ملة عبد المطلب، (أي أنا على ملة عبد المطلب).

 (قال) وروى مسلم عن اسحاق بن ابراهيم وعبد الله، عن عبد الرزاق، وأخرجاه أيضا من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب.

 عن ابيه نحوه وقال فيه: فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى قال آخر ما قال: على ملة عبد المطلب (أي انا على ملة عبد المطلب) قال: وفي رواية على ملة الاشياخ، وقال: آخر ما قال (هو على ملة عبد المطلب).

(قال المؤلف) فبهذه الروايات ثبت أن القوم المشركين كانوا حضورا فلم ينطق بما طلب منه ابن اخيه صلى الله عليه وآله ليبهم عليهم أنه منهم، ومع ذلك كله أجابهم بجواب مبهم، وهو قوله: انا على ملة عبد المطلب وملة الاشياخ، ولا شك في أن عبد المطلب لم يعبد صنما وإنما كان موحدا مؤمنا متبعا ملة أبيه ابراهيم عليه السلام كما يعرف ذلك من أقواله عليه السلام، وقد صرح المؤرخون بأنه كان مؤمنا موحدا لم يتخذ عبادة الاصنام كسائر قريش وأهل مكة.

(قال المؤلف) قال السيد ابن دحلان في (أسنى المطالب ص 26 طبع طهران): إن عدم نطقه (أي نطق أبي طالب عليه السلام) بحضور أبي جهل وعبد الله بن أمية حرصا منه على بقاء الحفظ للنبي صلى الله عليه وآله وصيانته من أذيتهم له بعد وفاته، فلا ينال النبي صلى الله عليه وآله منهم أذى، وإذا كان هذا قصده كان معذورا فتكون إجابته لهما بما أجابهم به مداراة لهما لئلا ينفرهما خشية أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعد وفاته (ثم قال) على أنه يمكن الجمع بين امتناعه ونطقه بانه امتنع (من النطق


 

[177]

بالشهادتين بحضورهما مداراة لهما فلما انطلقا وذهبا نطق بهما، وأصغى إليه العباس فسمعه نطق بهما، ولهذا قال كما في الاحاديث السابقة ما كلمهم به، يعني أبا جهل ومن كان معه ولم يقل آخر ما تكلم به مطلقا فدل على أن قوله: هو علي ملة عبد المطلب، على أنه على التوحيد لان عبد المطلب كان على التوحيد كبقية آبائه عليه السلام كما حقق ذلك جلال الدين السيوطي وغيره في رسائل عديدة (قال): فابهم أبو طالب عليهم الجواب ليرضيهم ظاهرا وهو يعلم أن عبد المطلب كان على التوحيد.

 ومما يدل على علو مقام آباء النبي وآباء وصيه علي بن ابي طالب صلى الله عليهم اجمعين الاحاديث الآتية.

(قال المؤلف) قد تقدم القول بان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين لامته في موارد عديدة وروي ذلك في أحاديث مختلفة أنهما ما زالا ينقلان من أصلاب طاهرة إلى ارحام مطهرة، وهذا الكلام صريح في أن آباءه وآباء وصيه وصهره وابن عمه علي بن ايي طالب جميعا كانوا مؤمنين موحدين لان صلب المشرك ورحم الكافرة والمشركة لا يكونان طاهرين (إنما المشركون نجس).