بعض الاقوال الدالة على أن أبا طالب عليه السلام

أتى بالشهادة عند موته

 

وقد ذكر ذلك علماء اهل السنة ومن علماء أهل السنة الذين أخرجوا نطقه عليه السلام بالشهادتين عند الوفاة الشبراوي الشافعي في كتابه الاتحاف بحب الاشراف (ص 11) ولفظه يقرب من لفظ ابن هشام في السيرة.

 


 

[178]

(ومنهم) ابن حجر العسقلاني الشافعي فانه خرج في كتابه الاصابة ج 7 ص 113) نقلا من تاريخ ابن عساكر، ما أخرجه ابن هشام، ولفظه يختلف مع ما تقدم نقله من سيرة ابن هشام في اللفظ دون المعنى، وهذا نصه بحذف السند: عن ابن عباس قال: لما أتى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أبا طالب في مرضه قال له: يا عم قل: لا إله إلا الله.

 كلمة أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة، قال: يابن اخي والله لو لا أن تكون علي وعلى أهلي من بعدي (المسبة) ويرون أني قلتها جزعا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لاسرك بها، قال: فلما ثقل رؤي أبو طالب يحرك شفتيه فاصغى إليه (أخوه) العباس فسمع قوله (يقول لا إله إلا الله) فرفع رأسه عنه فقال: (يابن أخي) قد قال والله الكلمة التي سألته عنها.

 (ومنهم) ابن ابي الحديد الشافعي فانه أخرج في شرحه لنهج البلاغة (ج 3 ص 312 الطبع الاول) و (ج 14 ص 71 ط 2) ما يثبت صحة قول العباس عم النبي صلى الله عليه وآله وقال ما هذا نص ألفاظه: قال: وقد روي باسانيد كثيرة بعضها عن العباس بن عبد المطلب وبعضها عن أبي بكر بن أبي قحافة: أن أبا طالب ما مات حتى قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله (ثم قال): والخبر مشهور أن أبا طالب عند الموت قال كلاما خفيا (حتى لا يسمعه من حضر) فاصغى إليه أخوه العباس، ثم رفع رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يابن أخي والله لقد قالها عمك، ولكنه ضعف عن أن يبلغك صوته (أي منعه من رفع صوته الضعف الذي عرضه عليه السلام من مرضه أو لانه لا يريد إسماع الحضور تقية.

 


 

[179]

(ومنهم) العلامة مؤلف روضه الصفا خواندشاه الشافعي المذهب فانه خرج في (ج 2 ص 46) من كتابه المذكور ما خرجه ابن ابي الحديد من أن أبا طالب تكلم بالشهادتين، وروى ذلك عن ابن العباس حبر الامة وعن غيره.

(قال المؤلف) وأخرج ابن ابي الحديد بعد نقله الحديث المتقدم بسنده عن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليهما السلام أنه قال: ما مات (أبي) أبو طالب حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نفسه ما أرضاه (أي نطق بالشهادتين عند الموت إجابة لطلب ابن اخيه صلى الله عليه وآله) وانما طلب منه ذلك لنيله الدرجة العالية من الايمان.

(قال المؤلف) ولو قيل بضعف حديث ابن المسيب الذي خرجه ابن كثير عن العباس عم النبي صلى الله عليه وآله والذي ضعفه هو في (ج 3 ص 123) من البداية والنهاية، ولكن إذا انضم إليه حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام وحديث أبي بكر يقوى الحديث، ويثبت على حسب أصول أهل الحديث، هذا اولا وثانيا قد اعترف علماء أهل السنة بان الحديث الضعيف بالاجماع يؤخذ به في باب الفضائل وثواب الاعمال، وبه قال بعض علماء الامامية عليهم الرحمة وقد صرح ابن كثير في المصدر المتقدم بعد تضعيفه للحديث فقال: " ومثله يتوقف فيه لو انفرد، وقد ذكرنا أن رواية أمير المؤمنين علي بن ابي طالب المصدق في قوله وفيما ينسبه إلى أبيه عليه السلام ورواية أبي بكر بن ابي قحافة يخرجان حديث العباس عن الانفراد، فالاخذ به لا يكون خلاف القاعدة ولا غلوا كما قال به ابن كثير في (البداية والنهاية ج 3 ص 123).

 


 

[180]

(بعض ما روي من اعتراف أبي بكر بن أبي قحافة باسلام أبي طالب عليه السلام في كتب علماء أهل السنة) (قال المؤلف) لعل مقصود من روى عن أبي بكر وغيره من أن أبا طالب عليه السلام ما مات حتى آمن هو الحديث المشهور الذي خرجه جماعة من علماء اهل السنة، وهو قول أبي بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عند إسلام أبيه أبي قحافة: إني كنت باسلام أبي طالب أفرح مني من إسلام أبي، وإليك لفظ الحديث من جمع كثير من علماء اهل السنة الشافعية والحنفية وغيرهما.

 (منهم) محب الدين الطبري الشافعي المتوفي سنة 694 فانه خرج في (الرياض النضرة (ج 1 ص 45) أن النبي صلى الله عليه وآله لما فتح مكة ودخلها أتى أبو بكر بابيه أبي قحافة عند النبي ليسلم على يديه (صلى الله عليه وآله) وكان ابو قحافة أعمى وذا شيبة فلما أتى به قال له النبي صلى الله عليه وآله - ألا تركت الشيخ (أي أباه) حتى نأتيه، قال يارسول الله أردت أن يأجره الله عزوجل، وفي رواية هو أحق أن يمشي اليك من أن تمشي إليه (ثم قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم): أما والذي بعثك بالحق لانا كنت أشد فرحا باسلام أبي طالب مني باسلام أبي، ألتمس بذلك قرة عينك، قال: صدقت (خرجه أحمد وأبو حاتم وابن اسحاق في فضائل أبي بكر).

 (ومنهم) الشبراوي الشافعي في (الاتحاف بحب الاشراف ص 9) قال: لما اسلم أبو قحافة قال الصديق للنبي صلى الله عليه وآله: والذي بعثك بالحق لاسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه، وذلك


 

[181]

أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك.

 (ومنهم) ابن ابي الحديد الشافعي فانه خرج في شرحه لنهج البلاغة (ج 14 ص 68 طبع 2) وقال: روي أن أبا بكر جاء بابي قحافة إلى النبي صلى الله عليه وآله عام الفتح يقوده وهو شيخ كبير أعمى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألا تركت الشيخ حتى نأتيه، فقال: أردت يارسول الله أن يأجره الله، أما والذي بعثك بالحق أنا كنت أشد فرحا باسلام عمك أبي طالب مني باسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك قال: صدقت.

 (ومنهم) ابن حجر العسقلاني الشافعي فانه خرج في الاصابة (ج 7 ص 112 ص 116) ما أخرجه ابن ابي الحديد ولفظه يساوي لفظه واسنده عن ابن عباس حبر الامة.

(قال المؤلف) خرج ابن حجر عند ذكر أحوال ابي طالب عليه السلام أمورا كثيرة تدل على رفيع مقام أبي طالب إضافة إلى إيمانه واسلامه وقال: إنه عليه السلام ولد قبل النبي صلى الله عليه وآله بخمس وثلاثين سنة وهو شقيق عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمهما فاطمة بنت عمر بن عائذ المخزومية (ثم قال): واشتهر (أي أبو طالب) بكنيته واسمه عبد مناف، وقيل: عمران.

(قال المؤلف) ذكر الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان) ما ذكره ابن حجر في أن من أسمائه عليه السلام عمران، وذلك عند تفسيره قوله تعالى " وآل عمران على العالمين ".

 


 

[182]

 

بعض القضايا الدالة على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

كان يحب عمه أبا طالب حبا شديدا وذلك يدل على علو مقام عمه عليه السلام

 

(قال المؤلف) ومما يدل على علو مقام أبي طالب عند الله وعند رسوله صلى الله عليه وآله نبع الماء له عليه السلام عندما عطش وهو في الصحراء، وقد ذكر ذلك جمع كثير من علماء أهل السنة وعلماء الامامية عليهم الرحمة وإليك أولا من خرجه من علماء الشافعية والحنفية، وهم جماعة.

 (منهم) جلال الدين السيوطي الشافعي المتوفي سنة 911 فانه خرج ذلك في كتابه (الخصائص الكبرى (ج 1 ص 124 طبع حيدر آباد) بسنده من كتاب ابن سعبد (الطبقات) خرجه تحت عنوان: (باب نبع الماء من الارض باعجازه لعمه أبي طالب، وقال ما هذا لفظه: قال ابن سعد: أخبرنا إسحاق بن يوسف الازرق، حدثنا عبد الله بن عوف، عن عمرو بن سعيد أن ابا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن اخي يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فادركني العطش فشكوت إليه فقلت: يابن أخي قد عطشت، وما قلت له ذلك وانا أرى أن عنده شيئا إلا الجزع، قال: يا عم أعطشت ؟ قلت نعم، فاهوى بعقبه إلى الارض فإذا بالماء، فقال: إشرب يا عم، قال: فشربت، أخرجه ابن عساكر، (قال) وله طريق آخر أخرجه الخطيب وابن عساكر من طريق ابن جرير الطبري، حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أزهر بن سعد السمان، حدثنا ابن عوف، عن عمرو بن سعد به.

 


 

[183]

(ومنهم ابن حجر العسقلاني فقد خرج ذلك في (الاصابة في تمييز الصحابة ج 7 ص 116) ولفظه يختلف مع لفظ السيوطي في الحديث والسند، وهذا نص الفاظه: (قال) ابن سعد في الطبقات: أخبرنا إسحاق الازرق، حدثنا عبد الله بن عون، عن عمرو بن سعيد أن أبا طالب قال: كنت بذي المجاز مع ابن أخي فادركني العطش فشكوت إليه ولا أرى عنده شيئا، قال: فثنى وركه ثم نزل فأهوى بعصاه إلى الارض فإذا بالماء فقال: إشرب يا عم فشربت.

 (ومنهم) نور الدين علي بن ابراهيم بن احمد بن علي الحلبي الشافعي المتوفي سنة 1044 ه‍، فانه أخرج نبع الماء بالاعجاز لعمه ابي طالب عليه السلام في كتابه (إنسان العيون في سيرة الامين والمأمون) المعروف بالسيرة الحلبية (ج 1 طبع مصر سنة 1329 ه‍) قال (وروي) عن أبي طالب (أنه) قال: كنا بذي المجاز (وهو موضع على فرسخ من عرفة كان سوقا في الجاهلية) مع ابن أخي (يعني النبي صلى الله عليه وآله) فادركني العطش فشكوت إليه فقلت يابن أخي قد عطشت، وما قلت له ذلك وأنا أرى ان عنده شيئا إلا الجزع (أي لم يحملني على ذلك (أي على الطلب بالماء) إلا الجزح وعدم الصبر) قال: فثنى وركه، أي نزل عن دابته، ثم قال: يا عم عطشت ؟ قلت: نعم، فأهوى بعقبه الارض (وفي رواية) إلى صخرة فركضها برجله وقال شيئا (لم أفهمه) فإذا أنا بالماء لم أر مثله، فقال: إشرب فشربت حتى رويت، فقال: أرأيت ؟ قلت نعم، فركضها ثانية فعادت كما كانت (ثم قال): وسافر النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم مع عمه الزبير وله بضع عشرة سنة والزبير أيضا شقيق عبد الله (والد النبي صلى الله عليه


 

[184]

وآله وسلم).

 (ومنهم) السيد أحمد زيني دحلان الشافعي مفتي مكة المكرمة المتوفي سنة 1304 ه‍، فانه أخرج الواقعة في كتابه (السيرة النبوية المطبوعة بهامش السيرة الحلبية المتقدم ذكره في هامش ج 1 ص 103، قال السيد الحجة فخار بن معد ومن الارهاصات (اي المعجزات) التي ظهرت على يديه صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو صغير: أنه كان مع عمه أبي طالب بذي المجاز وهو موضع على فرسخ من عرفة كان سوقا للجاهلية فعطش عمه أبو طالب فشكا إلى النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وقال: يابن أخي قد عطشت فاهوى بعقبه إلى الارض (وفي رواية) إلى صخرة فركضها برجله وقال شيئا (لم يفهمه أبو طالب عليه السلام) قال أبو طالب: فإذا بالماء لم أر مثله، فقال: إشرب فشربت حتى رويت فركضها فعادت كما كانت.

(قال المؤلف): بالتأمل في أحاديث الباب يظهر لك ما عمل في القضايا والاحاديث من تغيير وتحريف وزيادة ونقصان، وذلك أمر سبب عدم المعرفة بواقع القضايا كما كانت عليه ولاختلاف الحديث أخرجنا ما عثرنا عليه.

(قال المؤلف): وما يثبت رفيع مقام أبي طالب عليه السلام دعاء النبي صلى الله عليه وآله له بالشفاء فشافاه الله ببركة دعائه صلى الله عليه وآله فورا، وقد خرج ذلك علماء أهل السنة وعلماء الامامية عليهم الرحمة وإليك ما أخرجه علماء الشافعية والحنفية وهو جماعة: (منهم) ابن حجر العسقلاني الشافعي المتوفي سنة 852 فقد خرج في الاصابة (ج 7 ص 113) ما هذا نصه: بسنده عن أنس قال مرض أبو طالب فعاده النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، فقال يابن أخي أدع ربك الذي بعثك يعافيني فقال (صلى الله عليه وآله): اللهم


 

[185]

اشف عمي: فقام (أبو طالب عليه السلام) كانما نشط من عقال، فقال يابن أخي إن ربك ليطيعك.

 قال: وانت يا عماه لئن أطعت الله ليطيعنك (ومنهم) جلال الدين السيوطي الشافعي فقد خرج هذه المعجزة في كتابه (الخصائص ج 1 ص 124) تحت عنوان (باب دعائه صلى الله عليه (وآله) وسلم لابي طالب بالشفاء) وقال: أخرج ابن عدي، والبيهقي وابو نعيم من طريق الهيثم بن حماد، عن ثابت، عن انس أن أبا طالب مرض فعاده النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فقال: يابن أخي أدع ربك الذي تعبد أن يعافيني فقال: اللهم اشف عمي، فقام أبو طالب كانما نشط من عقال، قال يابن اخي إن ربك الذي تعبد ليطيعك، قال: وانت يا عماه لئن اطعت الله ليطيعك (ثم قال السيوطي تفرد به الهيثم وهو ضعيف.

(قال المؤلف) لا يفوتنك التحريف والزيادة التي زادها جلال الدين في حديثه فان الحديث الذي خرجه في الاصابة خال من هذه الزيادة وهذا التحريف إذ فيه (أدع ربك الذي بعثك) وليس فيه (ادع ربك الذي تعبد) وانما غير الحديث وزاد عليه كلمة (تعبد) لغاية معلومة يعرفها كل من طالع حياة أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام وتاريخ حياة أمير الشام وهي تحصيل رضا أمير الشام وسائر بني أمية وأمثالهم ولا يخفى أن جواب النبي لعمه عليه السلام جواب مهم عظيم، وقد ورد ذلك في الكلمات القدسية وهي الكلمات التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما عرج به إلى السماء، ومن جملتها ما كلمه الله بها بقدرته وهو قوله تعالى عزوجل: (عبدي أطعني تكون مثلي (أو مثلي) أقول للشئ كن فيكون وتقول للشئ كن فيكون) فالنبي الاكرم بين لعمه المكرم: أنه إن أطاع الله يكن مثله في أن الله يستجيب دعاءه


 

[186]

بلا تأخير كما استجاب دعاءه بلا تعطيل.

(قال المؤلف) ومما يدل على قوة إيمانه عليه السلام بابن أخيه صلى الله عليه وآله وصيته عليه السلام لبني هاشم بان يطيعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وإصراره على ذلك كما ذكر ابن دحلان في السيرة النبوية المطبوع بهامش السيرة الحلبية (ج 1 ص 99 ص 100) وهذا نصه وقد تقدم بالمناسبة قال: وفي الحديث إنهم اجتمعوا عند أبي طالب عند وفاته فأوصاهم أبو طالب فقال: يا معشر بني هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا.

(قال المؤلف) أمر بني هاشم بالدخول في الاسلام وتصديق ما جاء به ابن اخيه من الشريعة وبين لهم أن الفلاح والرشاد في طاعته.

 (وقال) ابن دحلان أيضا: واجتمعوا مرة أخرى عند أبي طالب فاوصاهم أبو طالب فقال: يا معشر العرب انتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب، فيكم السيد المطاع، وفيكم المقدم الشجاع، والواسع الباع واعلموا أنكم لم تتركوا للعرب في المآثر نصيبا إلا أحرزتموه، ولا شرفا إلا أدركتموه، فلكم بذلك على الناس الفضيلة، ولهم به إليكم الوسيلة والناس لكم حرب، وعلى حربكم ألب، وإني أوصيكم بتعظيم هذه البنية يعني الكعبة، فان فيها مرضاة للرب، وقواما للمعاش وثباتا للوطأة صلوا أرحامكم، فان في صلة الرحم منشأة، اي فسحة في الاجل وزيادة في العدد، واتركوا البغي والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم أجيبوا الداعي، واعطوا السائل فان فيهما شرف الحياة والممات، وعليكم بصدق الحديث وأداء الامانة، فان فيهما محبة في الخاص، ومكرمة في العام، وأوصيكم بمحمد خيرا فانه الامين في قريش، والصديق في العرب


 

[187]

وهو الجامع لكل ما أوصيتكم به، وقد جاءنا بأمر قبله الجنان وانكره اللسان مخافة الشنآن، وأيم الله كاني أنظر إلى صعاليك العرب، وأهل الاطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته، وصدقوا كلمته وعظموا أمره، فخاض بهم غمرات الموت، فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا، ودورها خرابا، وضعفاؤها أربابا، وأذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه، وأبعدهم منه أحظاهم عنده، قد محضته العرب ودادها وأعطته قيادها، يا معشر قريش كونوا له ولاة، ولحزبه حماة.

 (قال): وفي رواية، دونكم ابن أبيكم كونوا له ولاة، ولحزبه حماة، والله، لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولاجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عند الدواهي.

(قال المؤلف): لو لم ينقل من أبي طالب عليه السلام غير هذه الوصية لكفى في إثبات إيمانه وعلو شأنه ومقامه، وهل الاسلام والايمان غير ما بين عليه السلام ؟ في وصيته، وهل ما جاء به ابن أخيه صلى الله عليه وآله غير ما أمر به ووصى به العرب وعشيرته ؟ ومن تفكر وتدبر في هذه الوصية حق التدبر عرف أن أبا طالب عليه السلام كان يعرف المغيبات مما يكون بعد موته من الحروب والانتصارات التي يراها ابن اخيه صلى الله عليه وآله وأعوانه وأنصاره.

(قال المؤلف) وخرج ابن دحلان أيضا بهامش سيرة الحلبي في سيرته (ج 1 ص 100) ما هذا معناه قال: وقال أبو طالب في وصيته إلى العرب وبني هاشم: لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره


 

[188]

فاطيعوه ترشدوا: (ثم قال) الدحلاني: قال الزرقاني: فانظر واعتبر كيف وقع جميع ما قاله (أبو طالب) من باب الفراسة الصادقة، وكيف هذه المعرفة التامة بالحق.

(قال المؤلف) خرج السيوطي هذه الرواية في الخصائص الكبرى (ج 1 ص 87) وقال: أخرج ابن سعد عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير العذري: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دعا بني عبد المطلب فقال (في وصيته لهم): لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتموه، واتبعتم امره، فاتبعوه وأعينوه ترشدوا.

(قال المؤلف) ينظر الزرقاني وأمثاله إلى أبي طالب عليه السلام نظره إلى رجل عادي ولا يدري أنه عليه السلام وعبد المطلب كانا يقرءان الكتب السالفة وكانا يتصلان بالعباد والزهاد والاحبار والرهبان وكانوا يخبرونهما عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله النبي الهاشمي وما يكون له في حياته من الشئون والاحوال، ومع قطع النظر عن ذلك كله كان يظهر لهم في معاشرتهم مع الرسول الاكرم حال كونه في دارهم وحال كونهم معه يخدمونه من الامور الغريبة والعلوم النافعة العجيبة ما لا يظهر لغيرهم لعدم اتصالهم به ومعاشرتهم اياه، فما أخبروا به من الامور الغيبية ليست من الفراسة كما قال به الزرقاني، بل جميعه من تعليماته صلى الله عليه وآله لهم فان أبا طالب عليه السلام كان له من العمر على حسب بعض الروايات تسعون سنة أو ازيد قضى خمسون سنة أو ازيد من عمره عليه السلام مع ابن أخيه فعرف منه وتعلم علما كثيرا نافعا بين لاولاد عبد المطلب بعضه وللعرب بعضه الآخر بالمناسبة وبمقتضى الحال، تأمل في الوصية المتقدمة التي ذكرها زيني دحلان وقد تقدمت وأولها (يا معشر العرب) تأمل فيها غاية التأمل يتضح لك


 

[189]

ما كان يعلم السيد المطاع مؤمن قريش وشيخ الابطح عليه السلام تأمل في هذه الكلمات خاصة (والله لا يسلك أحد سبيله إلا رشد، ولا يأخذ أحد بهديه إلا سعد، ولو كان لنفسي مدة ولاجلي تأخير لكففت عنه الهزاهز، ولدفعت عنه الدواهي.

(قال المؤلف) نقول لابي طالب عليه السلام ولو لم تكن بشخصك في الحياة ولكن كنت في الحياة في قالب ولدك البطل الشجاع الذي كف عن ابن أخيك صلى الله عليه وآله جميع الهزاهز ودفع عنه جميع الدواهي، ويشهد بذلك التاريخ، ويعلمه كل خبير باحواله.