تصريح بعض علماء أهل السنة بايمان آباء النبي صلى الله عليه وآله

وعمه أبي طالب عليه السلام وأن بغض أبي طالب كفر

 

قال في السيرة الحلبية (روي) عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: يبعث جدي عبد المطلب يوم القيامة في زي الملوك وأبهة الاشراف (ثم قال) قال البرزنجي ويروى أن عبد المطلب يعطى نور الانبياء وجمال الملوك ويبعث أمة واحدة (قال) لانه كان على التوحيد، وذلك كمن أخبر عنه النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم من امثاله كزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل أنه يبعث أمة واحدة، ومن يبعث أمة واحدة لا يبعد أنه يعطى نور الانبياء لانه مستقل لا تابع، وأما كونه يعطى جمال الملوك فلانه كان سيد قريش في زمانه، وهو ملحق بالملوك الذين عدلوا وما ظلموا، وهذا له شاهد فيما


 

[210]

رواه البيهقي وأبو نعيم عن كعب الاحبار أنه قال: في التوراة في صفة أمة محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم أنهم في القيامة يعطون نور الانبياء (قال) وبالجملة فمن وقف على ما ذكره العلماء في ترجمته علم علما يقينا أنه كان على التوحيد (أي عبد المطلب) وهكذا بقية آبائه إلى آدم عليه السلام، (قال): وبهذا يعلم أن قول أبي طالب (عليه السلام): " هو على ملة عبد المطلب " إشارة إلى أنه على التوحيد ومكارم الاخلاق (قال): ولو لم يصدر من أبي طالب من الاشارات الدالة على توحيده إلا قوله: (هو على ملة عبد المطلب " لكان ذلك كافيا (في إثبات إيمانه وعلو مقامه)، ثم علق على كلام السيد البرزنجي، ومدحه على حسن استدلاله على إيمان آباء النبي صلى الله عليه وآله وإيمان أبي طالب عليه السلام، وقال: وبما ذكره البرزنجي يزول الاشكال في إيمان آباء النبي صلى الله عليه وآله وإيمان عمه أبي طالب عليه السلام، ويرتفع الجدال، ويحصل بذلك قرة عين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلام من الوقوع في تنقيص أبي طالب أو بغضه، فان ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم وقد قال الله تعالى: " ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا " (سورة الاحزاب)، وقال تعالى في سورة التوبة: " والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب اليم ": (ثم قال): وقد ذكر الامام أحمد ابن الحسين الموصلي الحنفي: المشهور بابن وحشي في شرحه للكتاب المسمى (بشهاب الاخبار) للعلامة محمد بن سلامة القضاعي المتوفي سنة 454) أن بغض أبي طالب كفر، ونص على ذلك أيضا من أئمة المالكية العلامة علي الاجهوري في فتاويه، والتلمساني: في حاشيته على الشفا (للقاضي عياض) فقال عند ذكر أبي طالب: لا ينبغي أن يذكر إلا بحماية


 

[211]

النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم: لانه حماه ونصره بقوله وفعله وفي ذكره بمكروه أذية النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم، ومؤذي النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم كافر، والكافر يقتل، وقال أبو الطاهر: من أبغض أبا طالب فهو كافر.

 (قال): والحاصل، إن ايذاء النبي صلى الله عليه وآله كفر يقتل فاعله إن لم يتب، وعند المالكية يقتل وان تاب، وروى الطبراني والبيهقي أن ابنة أبي لهب واسمها سبيعة، وقيل درة قدمت المدينة مسلمة مهاجرة فقيل لها: لا تغني عنك هجرتك، وانت بنت حطب النار، فتأذت من ذلك، فذكرته للنبي صلى الله عليه (وآله) وسلم فاشتد غضبه، ثم قام على المنبر، فقال: ما بال أقوام يؤذونني في نسبي وذوي رحمي فمن آذى نسبي وذوي رحمي فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى.

 وأخرج ابن عساكر عن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال من آذى شعرة مني فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله تعالى (قال) فبغض أبي طالب والتكلم فيه (بما ينقصه) يؤذي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ويؤذي أولاده الموجودين في كل عصر، وقد قال صلى الله عليه (وآله) وسلم لا تؤذي الاحياء بسب الاموات (ثم قال زيني دحلان): ومما يؤيد هذا التحقيق الذي حققه العلامة البرزنجي في نجاة أبي طالب، أن كثيرا من العلماء المحققين، وكثيرا من الاولياء العارفين أرباب الكشف (والكرامة) قالوا بنجاة أبي طالب، منهم القرطبي (الشافعي)، والسبكي، والشعراني وخلائق كثيرون، وقالوا هذا نعتقده وندين الله به (إن آباء النبي وعمه أبا طالب صلى الله عليه وآله كانوا مؤمنين مسلمين).

 (ثم قال زيني دحلان): فقول هؤلاء الائمة بنجاة أبي طالب


 

[212]

أسلم للعبد عند الله تعالى، لا سيما مع قيام هذه الادلة: والبراهين على إيمانه وإسلامه (إنتهى كلام زيني دحلان في أسنى المطالب ص 43 الطبع الثاني سنة (1382 ه‍).

 (الحديث الثاني عشر) أخرج السيد شمس الدين فخار بن معد المتوفي سنة 630 هـ في كتابه (الحجة ص 24) باسناده عن ابي علي الموضح، قال: أخبرني أبو الحسن محمد بن الحسن العلوي الحسيني، قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدثنا أحمد بن محمد العطار، قال: حدثنا أبو عمر حفص بن عمر بن الحرث النمري، قال: حدثنا عمر بن أبي زائدة، عن عبد الله بن أبي الصقر، عن الشعبي، ويرفعه عن أمبر المؤمنين علي عليه السلام قال: كان والله عبد مناف بن عبد المطلب مؤمنا مسلما يكتم إيمانه مخافة على بني هاشم أن تنابذها قريش، قال أبو علي الموضح: ولامير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليهما السلام) في أبيه ابي طالب رضي الله عنه يرثيه:

أبا طالب عصمة المستجير *** وغيث المحول ونور الظلم

لقد هد فقدك أهل الحفاظ *** فصلى عليك ولي النعم

ولقاك ربك رضوانه *** فقد كنا للمصطفى خير عم

قال بعد ذكره الابيات الثلاثة فتأمل فيما ضمنه أمير المؤمنين عليه السلام أبياته هذه من الدعاء لابي طالب (عليه السلام) فلو كان (أبو طالب) مات كافرا لما كان أمير المؤمنين عليه السلام يؤبنه بعد موته ويدعو له بالرضوان من الله تعالى، بل كان يذمه على قبيح فعله وسالف كفره، ويفعل به ما فعل إبراهيم عليه السلام (بعمه) حيث


 

[213]

حكى الله عنه في قوله: " فلما تبين أنه عدو لله تبرأ منه ".

(قال المؤلف) أخرج قزأغلي سبط ابن الجوزي الحنفي رثاء أمير المؤمنين عليه السلام لابيه في كتابه تذكرة خواص الامة (ص 6) وقال: إن عليا عليه السلام قال في رثاء أبي طالب (عليه السلام):

أبا طالب عصمة المستجير *** وغيث المحول ونور الظلم

لقد هد فقدك أهل الحفاظ *** فصلى عليك ولي النعم

ولقاك ربك رضوانه *** فقد كنت للطهر من خير عم

(قال المؤلف) وذكر في الديوان المنسوب إلى امير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليهما السلام أبيات للامير عليه السلام أنشدها في رثاء أبيه ابي طالب - عليه السلام وهذا نصها:

أرقت لنوح آخر الليل غردا *** يذكرني شجوا عظيما مجددا

أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى *** وذا الحلم لا خلفا ولم يك قعددا

أخا المك خلى ثلمة سيسدها *** بنو هاشم أو يستباح فيهمدا

فامست قريش يفرحون بفقده *** ولست أرى حيا لشئ مخلدا

أرادت أمورا زينتها حلومهم *** ستوردهم يوما من الغي موردا

يرجون تكذيب النبي وقتله *** وأن يفتروا بهتا عليه ويجحدا

كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم *** صدور العوالي والصفيح المهندا

ويبدأ منا منظر ذو كريهة *** إذا ما تسربلنا الحديد المسردا

فاما تبيدونا وإما نبيدكم *** وإما تروا سلم العشيرة أرشدا

وإلا فان الحي دون محمد *** بنو هاشم خير البرية محتدا

وإن له فيكم من الله ناصرا *** ولست بلاق صاحب الله أوحدا

نبي أتى من كل وحي بخطة *** فسماه ربي في الكتاب محمدا


 

[214]

أغر كضوء البدر صورة وجهه *** جلا الغيم عنه ضوؤه فتوقدا

أمين على ما استودع الله قلبه *** وإن كان قولا كان فيه مسددا

(إنتهى ما في الديوان) وعددها اربعة عشر بيتا، وخرجها ابن أبي الحديد الشافعي وعددها ثمانية أبيات كما ذكره العلامة الحجة الاميني دام بقاه في كتاب الغدير (ج 7 ص 379 الطبع الثاني) وفي الفاظه اختلاف يسير مع ما في الديوان، وقد خرجها (في تذكرة خواص الامة) ص 6 طبع أيران) وعدد الابيات فيها ثمانية مع اختلاف في بعض ألفاظ الابيات وهذا نصه:

أرقت لطير آخر الليل غردا *** يذكرني شجوا عظيما مجددا

أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى *** جوادا إذا ما أصدر الامر أوردا

فامست قريش يفرحون بموته *** ولست أرى حيا يكون مخلدا

أرادوا أمورا زينتها حلومهم *** سنوردهم يوما من الغي موردا

يرجون تكذيب النبي وقتله *** وإن يفترى قدما عليه ويجحدا

كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم *** صدور العوالي والحسام المهندا

فاما تبيدونا وإما نبيدكم *** وإما تروا سلم العشيرة أرشدا

وإلا فان الحي دون محمد *** بني هاشم خير البرية محتدا

إلى هنا تنتهي الابيات عند سبط ابن الجوزي، والابيات ناقصة: (الحديث الثالث عشر) في تفسير أبي الفتوح (ج 4 ص 210) وتفسير البرهان (ج 3 ص 795) وإكمال الدين (ص 104) للشيخ الصدوق خرجوا بأسانيدهم عن سيد الاوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهما السلام أنه قال: والله ما عبد


 

[215]

أبي ولا جدي عبد المطلب ولا هاشم ولا عبد مناف صنما قط، قيل له: فما كانو يعبدون ؟ قال: كانوا يصلون إلى البيت على دين إبراهيم عليه السلام متمسكين به.

 (الحديث الرابع عشر) خرج السيد شمس الدين في (كتاب الحجة على الذاهب (ص 106) بسنده عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليا عليه السلام يقول: مر رسول الله صلى الله عليه وآله بنفر من قريش وقد نحروا جزورا وكانوا يسمونها الفهيرة ويذبحونها على النصب، فلم يسلم عليهم (لانهم كانوا على المعصية) فلما انتهى إلى دار الندوة قالوا: يمر بنا يتيم أبي طالب فلا يسلم علينا، فايكم يأتيه فيفسد عليه مصلاه ؟ فقال عبد الله بن الزبعري السهمي: أنا أفعل، فاخذ الفرث والدم فانتهى به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ساجد فملا به ثيابه ومظاهره، فانصرف النبي صلى الله عليه وآله حتى أتى عمه أبا طالب فقال: يا عم من انا ؟ فقال ولم يابن أخي ؟ فقص عليه القصة، فقال: واين تركتهم ؟ فقال: بالابطح، فنادى في قومه: يا آل عبد المطلب يا آل هاشم يا آل عبد مناف، فاقبلوا إليه من كل مكان ملبين، فقال: كم انتم ؟ قالوا: نحن أربعون، قال: خذوا سلاحكم، فاخذوا سلاحهم، وانطلق بهم حتى انتهى إلى أولثك النفر فلما رأوه أرادوا أن يتفرقوا، فقال لهم:: ورب هذه البنية لا يفرن منكم أحد إلا جللته بالسيف، ثم أتى إلى صفاة كانت بالابطح فضربها ثلاث ضربات حتى قطعها ثلاثة أفهار، ثم قال: يا محمد سألتني من انت ؟ ثم انشأ يقول: ويومئ إلى النبي صلى الله عليه وآله الابيات المتقدمة ومنها:


 

[216]

انت النبي محمد *** قرم أغر مسود

وقد تقدمت الابيات، وعددها اثنا عشر بيتا نقلا من شرح ابن أبي الحديد الشافعي ومن غيره، ثم قال: يا محمد أيهم الفاعل بك (ذلك) ؟ فأشار النبي صلى الله عليه وآله إلى عبد الله بن الزبعري السهمي الشاعر، فدعاه أبو طالب فرجأ أنفه حتى أدماها، ثم أمر بالفرث والدم فأمر على رؤس الملا كلهم، ثم قال: يابن أخي أرضيت ؟ ثم قال: سألتني من أنت ؟ أنت محمد بن عبد الله، ثم نسبه إلى آدم عليه السلام ثم قال: أنت والله أشرفهم حسبا، وأرفعهم منصبا، يا معشر قريش من شاء منكم يتحرك فليفعل، انا الذي تعرفوني.

(قال المؤلف): خرج القضية القرطبي في تفسيره (ج 6 ص 40) مع اختلاف واختصار وقد تقدم لفظه.

 (إلى هنا) إنتهى الجزء الثاني من الكتاب والحمد لله وصلى الله على محمد وآله الاطائب الاطهار والمنتجبين الاخيار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ويليه الجزء الثالث في أحوال الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام