الصفحة 26

رد الشمس لعلي (عليه السلام) ببابل:

وقد روي رجوعها له (عليه السلام) في العراق ومعه جيشه، وذلك بعد قطعهم معه (عليه السلام) جسر الصراة ـ نهر بالعراق ـ من أرض بابل، حيث إنه (عليه السلام) لم يصل في تلك الأرض، معللاً ذلك بقوله: (إن هذه أرض معذبة، لا ينبغي لنبي ولا لوصي نبي أن يصلي فيها)(1)، وذلك بعد رجوعه من حرب الخوارج.

والظاهر: أن المراد: أنه لم يصل فيها صلاة المختار، فلا مانع من أن يكون قد صلى فيها في حال السير مومياً للركوع والسجود.

لكن ذكر في نص آخر: أنه: (لما أراد أن يعبر الفرات ببابل، اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، فصلى (عليه السلام) بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من

____________

<=

المصنوعة ج1 ص338 و339 و340، ومنهاج السنة ج4 ص191 و188 و189، والسيرة النبوية لدحلان ج2 ص201، والسيرة الحلبية ج1 ص386 و385، والبحار ج41 ص167 و174 و179 عن علل الشرائع ص124، وعن المناقب ج1 ص359 و361، وعن الخرايج والجرايح، ونسيم الرياض ج3 ص10 و11 و12 والمواهب اللدنية ج2 ص209 و210.

(1) البحار ج41 ص168 و178 و188، وج80 ص317 عن علل الشرائع ج2 ص49 ـ 51، وعن بصائر الدرجات ص58 و217، وعن روضة الكافي ص300، وعن الفضائل ص71، وعن كنز جامع الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة.


الصفحة 27
عبورهم حتى غربت الشمس، وفاتت الصلاة كثيراً منهم. وفات الجمهور فضل الاجتماع معه.

فتكلموا في ذلك. فلما سمع كلامهم فيه، سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه، لتجتمع كافة أصحابه على صلاة العصر في وقتها، فأجابه الله في ردها عليه الخ..(1).

وبعد أن ذكر ابن كثير ذلك، قال: وقد نظمه الحميري، فقال:


ردت عليه الشمس لمـا فاتـه وقت الصـلاة وقد دنت للمغرب
حتى تبلج نورهـا في وقتهـا للعصر ثـم هوت هـوي الكـوكب
وعليه قـد ردت ببابـل مـرة أخرى، ومـا ردت لخـلق مقـرب(2)

وقال حبيب بن أوس:


فردت علينا الشمس والليل راغـم بشمس لهم من جانب الخدر تطـلـع
نضا ضوؤها صدغ الدجنة وانطوى ببهجتها نـور السمـاء المـرجَّـع

____________

(1) البحار ج41 ص171 و172 و174 و183 و184 عن الإرشاد للمفيد ص163 و164 وعن المناقب لابن شهراشوب ج1 ص359 ـ 365.

وهناك نص آخر عن: أمالي ابن الشيخ ص64 ونص آخر عن: نصر بن مزاحم في كتاب صفين.

(2) البداية والنهاية ج6 ص86، وراجع: منهاج السنة لابن تيمية ج4 ص186، عن نهج الحق للعلامة الحلي.


الصفحة 28

فــوالله مــا أدري عَلِيٌ بـدا لنـا فردت له أم كان في القوم يوشع؟!(1)

قال ابن كثير: وهذا الشعر تظهر عليه الركاكة، والتركيب، وأنه مصنوع)(2).

ولا ندري: كيف تظهر الركاكة على هذا الشعر مع أن أهل الصناعة يدركون أنه في أعلى درجات البلاغة؟! وأظن أنه لم يفقه المقصود من الشعر، أو أن تعصبه دعاه إلى ارتكاب أمر يعلم بأنه لا يرضاه أحد ممن له بصر بالشعر ومعانيه..

وعلى كل حال، فإن الشعراء قد أكثروا من ذكر هذه القضية الفريدة في شعرهم.

وقد ذكر العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي: مقطوعات كثيرة من ذلك، فراجع(3).

في مسجد الفضيخ:

هذا.. وقد روي أيضاً أنها ردت له (عليه السلام) في مسجد

____________

(1) البداية والنهاية ج6 ص87 عن الفصل لابن حزم.

(2) المصدر السابق.

(3) ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ج2 هوامش ص305 و306 و307.


الصفحة 29
الفضيخ، فراجع(1).

ولعل هذا هو المسجد الذي أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يبنى في موضع صلاة العصر التي صلاها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ليصلى فيه، ويزار(2).

في حنين:

وحديث ردها لعلي (عليه السلام) في حنين، رواه المجلسي وغيره فراجع(3).

أول شعر وصل إلينا:

هذا وقد قالوا: إن حسان بن ثابت قال في هذه المناسبة:


يـا قـوم مـن مثـل علي وقــد ردت عليه الشـمـس مـن غـائـب

____________

(1) راجع: البحار ج41 ص182 و183 عن الكافي ج4 ص561 و562، وراج: وفاء الوفاء للسمهودي ج3 ص822.

(2) راجع الهداية الكبرى ص120.

(3) البحار ج17 ص359 عن الخرايج والجرايح. ونحتمل أن تكون كلمة حنين تصحيف كلمة خيبر. لكن ذكرهما معاً في النص المنقول عن الحسن البصري في أوائل هذا البحث يرج أن لا يكون هناك تصحيف.


الصفحة 30

أخـو رســـول الله وصـهــره والأخ لا يعــدل بـالصــاحـب(1)

وقال السيد الحميري:


فلما قضى وحي النبي دعـا لـه ولم يك صلى العصر والشمس تنزع
فردت عليه الشمس بعد غروبهـا فصـار لها في أول الليل مطلع(2)

وقال سفيان بن مصعب العبدي الكوفي:


لك المناقب يعيا الحاسبون بهـا عـدا ويعجز عنهـا كـل مـكتـتب
كرجعة الشمس إذا رمت الصلاة وقد راحت توارى عن الأبصار بالحجب
ردت عليك كأن الشهب ما اتضـحت لنـاظـر وكـأن الشمس لـم تـغب

وقال ابن الرومي:


وله عجائب يوم صـار بجيـشـه يبغـي لـقصر النهـروان المخرجـا
ردت عليه الشمس بعد غـروبها بيضـاء تـلـمـع رقـدة وتأججا(3)

والشعر الذي أنشدوه في هذه القضية كثير جداً لا مجال لتتبعه.

____________

(1) ينابيع المودة للقندوزي ص138 وعنه في إحقاق الحق (الملحقات) ج5 ص536، وإثبات الهداة ج2 ص540.

(2) راجع مناقب آل أبي طالب ج2 ص359 ط بيروت.

(3) مناقب آل أبي طالب ج2 ص359 ط دار الأضواء ـ بيروت.


الصفحة 31

شواهد حيَّة:

وثمة شواهد حيَّة على هذا الأمر، لا تزال ماثلة للعيان، ونذكر منها:

ألف: مسجد الشمس بالمدينة:

وبعد.. فقد تقدم: أن المسجد المعروف باسم (مسجد الفضيخ)، الموجود الآن بالمدينة يقال له أيضاً: مسجد الشمس(1).

فهل هو ملاصق لمشربة أم إبراهيم، أم هو نفسها، كما يظهر من رواية في الكافي؟! إن ذلك يحتاج إلى بحث ودراسة(2).

ب: مسجد الشمس في العراق:

ومسجد الشمس معروف في الحلة في بلاد العراق.. قال المجلسي: عن جسر الصراة:

الظاهر: أنه مكان جسر الحلة، ومسجد الشمس هناك مشهور(3).

____________

(1) راجع: وفاء الوفاء ج3 ص822 و823. والبحار ج41 ص182 و183 وج97 ص217 عن الكافي ج4 ص561 و562.

(2) الكافي ج4 ص561 والبحار ج97 ص216.

(3) البحار ج80 ص318.


الصفحة 32
وقالوا: بأن الصلاة مستحبة في هذا المسجد(1).

ج: مسجد الصاعدية:

وقال رحمه الله أيضاً: (مسجد الشمس بالصاعدية من أرض بابل شائع ذائع)(2).

____________

(1) البحار ج99 ص29 و30.

(2) البحار ج41 ص174.


الصفحة 33

الفصل الثاني:




الأسانيد.. والرواة..





الصفحة 34

الصفحة 35

التشكيك في سند الحديث:

هذا وقد بذلت محاولات للتشكيك في سند حديث رد الشمس من قِبَل ابن الجوزي، وابن تيمية، وابن كثير، ومن هم على شاكلتهم.

بل لقد قال ابن كثير عن هذا الحديث: هو حديث منكر، ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، وتفردت بنقله امرأة من آل البيت، مجهولة لا يعرف حالها. فلا يلتفت إليه(1).

ونقول:

لقد فند في السيرة الحلبية كلامه هذا كما فنده غيره، وقد قال الحلبي: إنه حديث متصل، وقد ذكر في الإمتاع: أنه جاء عن

____________

(1) راجع المصادر في الهامش التالي.


الصفحة 36
أسماء من خمسة طرق(1).

وقال الزرقاني: (أسناد حديث أسماء، وكذا أسناد أبي هريرة الآتي، كما صرح به السيوطي، قائلاً: ومن ثم صححه الطحاوي، والقاضي عياض. وذكره ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ، كما بينته في مختصر الموضوعات، وفي النكت البديعات انتهى، يعني: لما تقرر في علوم الحديث: أن الحسن إذا اجتمع مع حسن آخر، أو تعددت طرقه ارتقى للصحة، فالعجب العجاب إنما هو من كلام ابن تيمية هذا، لا من عياض؛ لأنه الجاري على القواعد المعلومة في الألفية وغيرها؛ لصغار الطلبة.

ولذا قال الحافظ في فتح الباري: أخطأ ابن الجوزي يذكره في الموضوعات، وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه، انتهى)(2).

وقال وهو يتحدث عن زعم الزاعمين، أن هذا الحديث موضوع:

____________

(1) السيرة الحلبية ج1 ص385 و386، ونسيم الرياض ج3 ص11 وراجع السيرة النبوية لدحلان ج2 ص201 وراجع كلام ابن كثير في المواهب اللدنية ج2 ص210 و211.

(2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص488.


الصفحة 37
(قال الشامي: والظاهر أنه وقع لهم من طريق بعض الكذَّابين، ولم يقع لهم من الطرق السابقة، وإلا فهي يتعذر معها الحكم عليه بالضعف، فضلاً عن الوضع، ولو عرضت عليهم أسانيدها لاعترفوا بأن للحديث أصلاً وليس بموضوع.

وقال: وما مهدوه من القواعد، وذكر جماعة من الحفاظ له في كتبهم المعتمدة، وتقوية من قواه، يردّ على من حكم عليه بالوضع. انتهى.

ولذا استدرك السخاوي، زعم وضعه، فقال: (ولكن قد صححه الطحاوي، والقاضي عياض) وناهيك بهما)(1).

ونضيف إلى ما تقدم: أنه قد روي عن اثني عشر صحابياً غير أسماء، حسبما ألمحنا إليه..

وقال ابن حجر: (صححه الطحاوي، والقاضي في الشفاء، وحسنه شيخ الإسلام أبو زرعة، وتبعه غيره)(2).

وقال دحلان: (أخرج ابن مندة وابن شاهين من حديث أسماء بأسناد حسن، ورواه ابن مردويه من حديث أبي هريرة بأسناد حسن أيضاً. ورواه الطبراني في معجمه الكبير بأسناد

____________

(1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص488.

(2) الصواعق المحرقة باب 9 فصل 3.


الصفحة 38
حسن، كما حكاه ولي الدين العراقي)(1).

أما الخفاجي فقال: (وهذا الحديث صححه المصنف (أي القاضي عياض) وأشار إلى أن تعدد طرقه شاهد صدق على صحته، وقد صححه قبله كثير من الأئمة، كالطحاوي، وأخرجه ابن شاهين، وابن مندة، وابن مردويه، والطبراني في معجمه، وقال: إنه حسن)(2).

وقال الخفاجي أيضاً: (إن السيوطي صنف في هذا الحديث رسالة مستقلة سماها كشف اللبس عن حديث رد الشمس، وقال: إنه سبق بمثله لأبي الحسن الفضلي، أورد طرقه بأسانيد كثيرة، وصححه بما لا مزيد عليه، ونازع ابن الجوزي في بعض من طعن فيه من رجاله)(3).

وقالوا أيضاً: (رواه الطبراني بأسانيد رجال أكثرها ثقات)(4).

وقال القاري: (فهو في الجملة ثابت في أصله، وقد يتقوى

____________

(1) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج2 ص201 وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص488 و489.

(2) نسيم الرياض ج3 ص11.

(3) نسيم الرياض ج3 ص12.

(4) نسيم الرياض ج3 ص10 وبهامشه شرح الشفاء للقاري ج3 ص10.


الصفحة 39
بتعاضد الأسانيد، على أن يصل إلى مرتبة حسنة، فيصح الاحتجاج به)(1).

وقال الزرقاني: (ومن القواعد: أن تعدد الطرق يفيد أن للحديث أصلاً)(2).

وقال: (قال القسطلاني: وروى الطبراني أيضاً في معجمه الكبير بأسناد حسن، كما حكاه ابن العراقي في شرح التقريب عن أسماء)..

إلى أن قال: (وروى الطبراني أيضاً في معجمه الأوسط بسند حسن عن جابر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار)(3).

لائحة غير وافية:

وقد ذكر العلامة الأميني جمعاً ممن ذكر حديث رد الشمس هم بين من ذكره دون أن يغمز فيه، وبين من تكلم حوله وصححه.

ونحن وإن كنا نرى أن الذين لم يذكرهم رحمه الله هم

____________

(1) شرح الشفاء لعلي القاري (مطبوع بهامش نسيم الرياض) ج3 ص10.

(2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص490.

(3) شرح الشفاء للقاري (مطبوع بهامش نسيم الرياض) ج3 ص11.


الصفحة 40
أكثر بكثير من الذين ذكرهم، ولكننا نورد هذه اللائحة التي اقتصر هو (رحمه الله) عليها، استجابة منا لرغبة بعض الأصدقاء، وهي التالية:

1 ـ عثمان بن أبي شيبة العبسي الكوفي 239.

2 ـ أحمد بن صالح المصري عام 248.

3 ـ محمد بن الحسين الأزدي المتوفى 277.

4 ـ محمد بن أحمد الدولابي المتوفى 310.

5 ـ أحمد بن محمد الطحاوي 321.

6 ـ محمد بن عمرو العقيلي المتوفى 322.

7 ـ الطبري 360.

8 ـ عمر بن أحمد الشهير بابن شاهين.

9 ـ الحاكم أبو عبد الله النيسابوري 405.

10 ـ ابن مردويه الأصبهاني 416.

11 ـ أبو إسحاق الثعلبي 427.

12 ـ علي بن حبيب البصري البغدادي الشافعي الشهير بالماوردي 450.

13 ـ أبو بكر البيهقي المتوفى 458.

14 ـ الخطيب البغدادي المتوفى 436.

15 ـ أبو زكريا الأصبهاني (ابن مندة) 512.


الصفحة 41
16 ـ القاضي عياض أبو الفضل المالكي الأندلسي 544.

17 ـ أخطب الخطباء الخوارزمي 568.

18 ـ أبو الفتح النطنزي.

19 ـ يوسف قزأوغلي الحنفي 654.

20 ـ محمد بن يوسف الكنجي الشافعي 658.

21 ـ محمد بن أحمد الأنصاري الأندلسي 671.

22 ـ شيخ الإسلام الحمويني 722.

23 ـ أبو زرعة العرافي 826.

24 ـ سليمان السبتي، الشهير بابن سبع.

25 ـ ابن حجر العسقلاني 852.

26 ـ العيني الحنفي 855.

27 ـ السيوطي 911.

28 ـ السمهودي الشافعي911.

29 ـ القسطلاني 923.

30 ـ ابن الديبع 944.

31 ـ عبد الرحيم بن عبد الرحمن العباسي 963.

32 ـ ابن حجر الهيثمي 974.

33 ـ الملا علي القاري 1014.


الصفحة 42
34 ـ نور الدين الحلبي الشافعي 1044.

35 ـ شهاب الدين الخفاجي الحنفي 1069.

36 ـ برهان الدين إبراهيم شهاب الدين الكوراني 1102.

37 ـ الزرقاني المالكي 1122.

38 ـ شمس الدين الحنفي الشافعي 1181.

39 ـ محمد البدخشي.

40 ـ محمد الصبان 1206.

41 ـ محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين الدمشقي 1252.

42 ـ أحمد زيني دحلان الشافعي 1304.

43 ـ محمد مؤمن الشلبنجي.

رواية الروافض لحديث رد الشمس:

وقد حاول ابن الجوزي: الطعن بحديث رد الشمس بحجة أن راويه هو ابن عقدة، وهو رافضي يسب الصحابة(1).

____________

(1) شرح الشفاء للقاري (مطبوع بهامش نسيم الرياض) ج3 ص13، وراجع: تذكرة الخواص ص51.