الصفحة 67

الفصل الرابع


أوهام وسراب





الصفحة 68

الصفحة 69

ضرورة المعجزات الكونية:

ومن الواضح: أن المعجزة إنما تأتي لرد التحدي، أو لأتمام الحجة على أهل العناد. وهم الذين يجب أن يروها، أما الآخرون الغافلون فقد يكون الواجب هو أن لا يروها، حفظاً وصيانة لإيمانهم من أن يفقد قيمته وتأثيره في جلب المثوبة، وليحتفظ بقدرته على تأهيل الإنسان لنيل مقام الرضا الإلهي، فإن الإيمان الذي ينتج عن الهلع، والخوف لا قيمة له، وليس هو المناط في استحقاق المثوبة والعقوبة، بل المناط في ذلك هو ما كان عن وعي والتفات، وعن قناعة ناتجة عن روية وتبصر، وتأمل وتفكر، ووعي وتدبر..

وقد يكون من المفيد أن يراها بعض الصفوة إذا كانت رؤيتهم هذه تزيد إيمانهم وترسخ يقينهم، وتفيد في بصيرتهم ووعيهم.

وخلاصة القول: إن المعجزات الهائلة من قبيل حادثة رد الشمس وانشقاق القمر لا يجب أن يراها جميع البشر. إنما يجب

الصفحة 70
أن يراها أصناف من الناس وهم:

1 ـ من قصد بها إبطال كيده، ودفع غائلته عن الذين يسعى إلى استضعافهم، وأسر عقولهم، وسد أبواب الهداية أمامهم، بما يثيره أمامهم من شبهات، وما يسختف به عقولهم من ترهات..

2 ـ من وقفوا تحت تأثير أولئك الأقوياء، وخُدعوا بأقاويلهم، وأباطيلهم، وأصبحوا بحاجة إلى المساعدة في كشف باطل أولئك، وتعريفهم بجحودهم.

فإذا ظهرت هذه المعجزة له، ولمن يراد إزالة الغشاوة عن أعينهم، فإن أي جحود من هؤلاء وأولئك بعد هذا سيكون على قاعدة: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ}(1).

3 ـ من كان من الصفوة الأخيار، والمؤمنين الذين اختاروا طريق الإيمان من خلال الاستجابة لنداء العقل والفطرة. وقد بلغوا الدرجات العلى في ذلك. وذلك بهدف تربيتهم وزيادة يقينهم، وترسيخ إيمانهم ومصالح أخرى يعلمها الله مثل تعريفهم لمقام إمامهم لتيسير طاعتهم له وما إلى ذلك.

4 ـ وهناك قسم رابع وهم الغافلون الذين لا يجوز مواجهتهم بما ربما يثير الرعب في قلوبهم، لكي لا يجدوا أنفسهم في دائرة

____________

(1) الآية 14 من سورة النمل.


الصفحة 71
الإلجاء.. والاضطرار فإن فطرتهم الصافية وعقولهم السليمة، وعدم دخولهم دائرة الاستكبار والتحدي، وحسن اختيارهم كفيل بتهيئتهم للإيمان. أو على الأقل لابد من إعطائهم الفرصة لاختيار أحد النجدين، ليختاروا طريق الشكر أو الكفر، ثم الجحود والعناد عن بصيرة ويقين..

ولو أنهم يواجهون بالتخويف الذي يفقدون معه فرصة التأمل والتفكر والاختيار، كان ذلك معناه التخلي عن مقتضيات الحكمة، والابتعاد عن طريق العدل، وحاشاه تبارك وتعالى من ذلك..

ولعلنا نجد التأييد لما قلناه فيما ذكره الخطابي وابن عبد البر، وأبو نعيم في دلائل النبوة، فقد قالوا:

إن حكمة كون المعجزات المحمدية لم يبلغ منها شيء مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه ـ كالقرآن ـ هي: أن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب به من قومه(1).

ثم: (إن أبا نعيم زاد على ذلك قوله: ولاسيما إذا وقعت الآية في كل بلدة كان عامة أهلها يومئذٍ الكفار الذين يعتقدون أنها سحر، ويجتهدون في إطفاء نور الله).

____________

(1) المواهب اللدنية ج2 ص208.


الصفحة 72
قال الزرقاني: (وهو جيد بالنسبة إلى من سأل عن الحكمة في قلة من نقل ذلك من الصحابة.

وأما من سأل عن السبب في كون أهل التنجيم لم يذكروه.

فجوابه: أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نفاه. وهذا كاف. فإن الحجة في من أثبت لا في من لم يوجد عنه صريح النفي. حتى إن من وجد منه صريح النفي، يقدم عليه من وجد منه صريح الإثبات)(1).

إختلال النظام الكوني:

قال سبط بن الجوزي: (إن قيل: حبسها ورجوعها مشكل، لأنه لو تخلفت أو ردت لاختلت الأفلاك، وفقد النظام.

قلنا: حبسها وردها من باب المعجزات، ولا مجال للقياس في خرق العادات)(2).

أي أن الله سبحانه هو المتصرف بالكائنات، فهو المتكفل لحفظ النظام، وإعادة كل شيء إلى سابق عهده.. هذا أولاً.

وثانياً: لو صح كلامهم هذا، للزم منه تكذيب معجزة انشقاق

____________

(1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص483.

(2) والسيرة الحلبية ج1 ص385، وراجع: البحار ج41 ص175 عن المناقب لابن شهراشوب ج1 ص359 ـ 365. وراجع تذكرة الخواص ص52.


الصفحة 73
القمر أيضاً، مع أنهم لا يجرؤون على تكذيبها..

الغرائب والمنكرات في الحديث:

وزعموا: أن في الحديث منكرات وغرائب تمنع من تصديقه. مثل أن الشمس حين رجوعها سمع أبو سعيد الخدري لها صريراً كصرير البكرة، حتى رجعت بيضاء نقية.. أو أقبلت ولها صرير كصرير الرحى، أو أنها حين غربت كان يسمع لها صرير كصرير المنشار.. إذ لماذا يحصل لها هذا الصرير، فإنها لا تحتك بشيء يوجب ذلك؟!

ونقول:

أولاً: إنه لا مانع من أن يخلق الله تعالى هذا الصوت لتشارك السامعة الباصرة في إدراك هذه المعجزة العظيمة، لتأكيد اليقين بها، وليدفع سبحانه وتعالى أي وهم في حقيقة ما يجري، وإبطالاً لأية محاولة للتشكيك في واقعيتها، باحتمال أن يكون ذلك من باب التخييل والسحر.

ثانياً: إننا ننقض على هؤلاء بما رواه البخاري وغيره: من أن القمر قد انشق إلى فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه(1) مع أن القمر أكبر من الجبل بآلاف المرات.. فلا مجال لتعقل ذلك إلا

____________

(1) صحيح البخاري ط سنة 1309 هـ ج3 ص126.


الصفحة 74
بالقول بالتصرف فيه، بأن صغَّر الله حجمه، وأنزله على الجبل، أو أن الله تعالى قد تصرف بأبصارهم، حتى رأوه كذلك، ليقيم عليهم الحجة به..

نوم النبي بعد صلاة العصر:

وذكر ابن تيمية:

أولاً: أن القول بأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نام بعد صلاة العصر غير مقبول، مع ورود النهي عن النوم في هذا الوقت؟!(1).

ثانياً: إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) تنام عيناه ولا ينام قلبه، فكيف يفِّوت على علي صلاته؟!

ونقول في جوابه:

إنه لو صح ما يروونه من كراهة النوم بعد العصر، فيجاب عنه أولاً: بأنه (صلى الله عليه وآله) لم يفوِّت على علي (عليه السلام) صلاته، لأنه علم أنه (عليه السلام) قد صلى وهو جالس، وأومأ إلى الركوع والسجود..

ثانياً: إن النبي لم ينم بعد العصر؛ بل كان الوحي قد تغشاه،

____________

(1) راجع منهاج السنة ج4 ص189.


الصفحة 75
وقد ورد في بعض نصوص الرواية: التعبير بكلمة: (ثم سرى عنه)، بعد التعبير بأنه: (قد نام) مما يعني: أن المراد بالنوم هو برحاء الوحي، التي يزعمون حدوثها له (صلى الله عليه وآله). وقد أشير إلى ذلك فيما سبق.

لو ردت لعلي (عليه السلام) لردت للنبي (صلّى الله عليه وآله):

ومما أوردوه على روايات رد الشمس لعلي (عليه السلام)، ما قاله ابن كثير، وغيره: (ثم يقال للروافض: أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر، ولا ترد لرسول الله، ولجميع المهاجرين والأنصار، وعلي فيهم، حين فاتتهم صلاة الظهر، والعصر، والمغرب يوم الخندق؟!

قال: وأيضاً مرة أخرى عرَّس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بالمهاجرين والأنصار، حين قفل من غزوة خيبر، فذكر نومهم عن صلاة الصبح، وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس.

قال: فلم يردّ الليل على رسول الله، وعلى أصحابه.

قال: ولو كان هذا فضلاً أعطيه رسول الله، وما كان الله ليمنع رسوله شرفاً وفضلاً ـ يعني أعطيه علي بن أبي طالب ـ)(1).

____________

(1) البداية والنهاية ج6 ص79 و80 وراجع ص87، وراجع: منهاج السنة لابن تيمية ج4 ص187 و189.


الصفحة 76
وأضاف في موضعٍ آخر قوله: (وكذلك كثير من الصحابة الذين ساروا إلى بني قريظة، فاتتهم العصر يومئذٍ حتى غربت الشمس، ولم تردَّ لهم).

وكذلك لما نام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأصحابه، عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، صلوها بعد ارتفاع النهار، ولم يردَّ لهم الليل. فما كان الله ليعطي علياً وأصحابه شيئاً من الفضائل لم يعطها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه(1).

ونقول لابن كثير، وابن تيمية، وغيرهما:

إن ما يثير عجبنا، هو أنكم تحاولون تبرئة أهل السنة من حديث رد الشمس، فتوجهون خطابكم للروافض، مع أن أهل السنة متمثلين بصفوة علمائهم، أحرص على رد الشبهات التي يثيرها أمثالكم حول هذا الحديث الشريف.. وهذا البحث، قد أظهر جانباً ضئيلاً من هذه الحقيقة.

وعلى كل حال، فإننا نقول: إن ما ذكره ابن كثير، وابن تيمية من إعتراضات لا تصح وذلك لما يلي:

أولاً: كيف يصح قولهم: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نام عن صلاة الصبح؟!، مع أنه (صلى الله عليه وآله) ـ كما يقولون ـ:

____________

(1) البداية والنهاية ج6 ص87، ومنهاج السنة ج4 ص187 و189.


الصفحة 77
(تنام عيناه ولا ينام قلبه)(1).

ثانياً: قد ذكرنا في هذا البحث المقتضب، عن العديد من المصادر: أنها ردت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة الخندق، وفي غيرها وحبست له (صلى الله عليه وآله) حين الإسراء، فلا يصح النقض المذكور.

ثالثاً: قال الخفاجي: (وأما قوله: وهذا حديث مضطرب لأنه عليه الصلاة والسلام أفضل من علي، ولم ترد الشمس له، بل صلى العصر بعدما غربت..

فمردود عليه، لأنها إنما ردت على علي ببركة دعائه صلى الله تعالى عليه وسلم.

مع أن كرامات الأولياء في معنى معجزات الأنبياء.

وقد سبق عن البغوي: أنها ردت عليه أيضاً، فما صلى

____________

(1) أرشد في كتاب المعجم المفهرس لألفاظ السنة النبوية إلى المصادر التالية: صحيح البخاري، (التهجد) باب 16 (والتراويح) باب 1 (والمناقب) باب 24 وصحيح مسلم (مسافرين) 125، وسنن أبي داود (طهارة) 79 (تطوع) 26، والجامع الصحيح (مواقيت) 208 (فتن) 63، وسنن النسائي (ليل) 36 والموطأ (ليل) 9 ومسند أحمد ج1 ص220 و278 وج2 ص251 و438 وج5 ص40 و50 وج6 ص36 و73 و104.


الصفحة 78
العصر إلا في وقتها.

مع أن المفضول قد يوجد فيه ما لا يوجد في الفاضل.

كما يلزم منه القول بعدم حبسها ليوشع)(1) انتهى كلامه.

أي لأن الأنبياء من أولي العزم كانوا أفضل من يوشع.

غير أننا نقول: إننا لا نوافقه على قوله: قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، إلا إذا أراد: أن هناك مصالح ومقتضيات لحدوث الكرامة قد توجد في المفضول، فيجريها الله على يده، ولا توجد في الفاضل. فلا يحتاج إلى تلك المعجزة أو الكرامة.

فتكون فائدة ردها لعلي (عليه السلام) هي: تأكيد فضله، وتعريف الناس بمقامه عند الله، وتسهيل خضوعهم لإمامته (عليه السلام)، وفضح أولئك الذين اختاروا طريق العناد والجحود.. فتقوم الحجة بذلك عليهم، وعلى المخدوعين بهم..

هذا بالإضافة إلى أن ردها له (عليه السلام) يوجب قطع الطريق على أعدائه من أهل النفاق، لكي لا يشيعوا عنه أنه ترك الصلاة الواجبة، فلا يقدرون على تشكيك الناس في صحة أن يكون قد صلى إيماءً، أو في قبول الصلاة إيماءً، أو عدم قبولها

____________

(1) شرح الشفاء للقاري (مطبوع بهامش نسيم الرياض) ج3 ص13.


الصفحة 79
منه، وما إلى ذلك..

رابعاً: إن الصحابة الذين فاتتهم الصلاة في بني قريظة ما كانوا يستحقون الكرامة الإلهية لكي ترد الشمس لهم، لأنهم لم يكونوا في طاعة الله، وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) كما كان علي (عليه السلام)حسبما صرحت به الرواية، بل تركوها تهاوناً بها، واستخفافاً بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسبما أوضحناه في كتاب الصحيح من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله)..

علي (عليه السلام) لا يترك الصلاة:

وقد حاول ابن تيمية: أن يشكك في حديث رد الشمس بأن قال: إن علياً أجلُّ من أن يترك الصلاة إلى ما بعد مغيب الشمس(1).

ونقول:

إن أحداً ـ حتى ابن تيمية ـ لا يستطيع أن ينكر جلالة علي (عليه السلام)، وعظمته، غير أننا نقول:

أولاً: إن النص الذي ذكرناه آنفاً عن رد الشمس لعلي (عليه السلام) في منزل الرسول (صلى الله عليه وآله) في المدينة، قد

____________

(1) منهاج السنة ج4 ص186 ـ 195.


الصفحة 80
صرح بأن علياً (عليه السلام) قد صلى إيماءً، فأراد الله أن يظهر كرامته، فردها عليه ليصلي صلاة المختار..

ثانياً: قد عرفنا: أن بعض النصوص قد ذكرت: أن الله تعالى في بعض المواضع قد رد الشمس عليه أو حبسها بعدما كادت تغيب..

وهذا معناه: أن ذلك قد حصل قبل مغيب الشمس، فلا يكون علي (عليه السلام) قد ترك صلاة المختار، فضلاً عن أن يكون قد ترك صلاة المضطر، وأومأ إلى الركوع، والسجود.

ثالثاً: قال الشريف الرضي: (أما من ادَّعى أن الصلاة فاتته بأن تقضَّى جميع وقتها، إما لتشاغله بتعبير العسكر، أو لأن بابل أرض خسف لا تجوز الصلاة عليها، فقد أبطل، لأن الشغل بتعبير العسكر لا يكون عذراً له في فوت صلاة فريضة.

وأما أرض الخسف، فإنما تكره الصلاة فيها مع الاختيار، فإذا لم يتمكن المصلي من الصلاة في غيرها، وخاف فوت الوقت، وجب أن يصلي فيها، وتزول الكراهة)(1).

ونقول:

أولاً: أما كراهة الصلاة في أرض الخسف، فإنما هو حكم

____________

(1) البحار ج41 ص189 عن شرح البائية للسيد الحميري.


الصفحة 81
الناس العاديين، وأما حكم النبي، والوصي، فربما يكون مختلفاً، بأن يكون الحكم هو تحريم الصلاة فيها عليه مطلقاً، أو بمعنى المكث، والركوع، والسجود في أرضها. فإذا كان علي (عليه السلام) قد مرَّ بها، ولم يقف للصلاة، فإنه يمكنه أن يصلي وهو ماش، ويومئ للركوع والسجود..

ثانياً: قال ابن إدريس في السرائر: (تكره الصلاة في كل أرض خسف، ولهذا كره أمير المؤمنين (عليه السلام) الصلاة في أرض بابل. فلما عبر الفرات إلى الجانب الغربي، وفاته لأجل ذلك أول الوقت، رُدَّت له الشمس إلى موضعها في أول الوقت، وصلى بأصحابه صلاة العصر.

ولا يحل أن يعتقد: أن الشمس غابت، ودخل الليل، وخرج وقت العصر بالكلية، وما صلى الفريضة (عليه السلام)، لأن هذا من معتقده جهل بعصمته (عليه السلام)؛ لأنه يكون مخلاً بالواجب المضيق عليه، وهذا لا يقول به من عرف إمامته، واعتقد بعصمته.. انتهى.

وعقب عليه المجلسي بقوله:

أقول: قد مر الكلام فيه في كتاب فضائله (عليه السلام)، وأنه لا استبعاد في أن يكون من خصائصهم (عليهم السلام) عدم جواز الصلاة في تلك الأراضي مطلقاً، وجواز تأخيرهم الصلاة

الصفحة 82
عن الوقت لذلك مطلقاً، أو إذا علموا أنهم يَدْعُون، ويرجع لهم الشمس.

والحاصل: أن النبي (صلى الله عليه وآله) أخبره بأمره تعالى بأن يرد عليه الشمس، وأمره بتأخير الصلاة لتظهر منه تلك المعجزة.

لكن سيأتي ما يؤيد تأويله رحمه الله)(1).

أي تأويل ابن إدريس في السرائر.

تفويت الصلاة من الكبائر:

وقال ابن تيمية: (إن الذي فاتته صلاة العصر، إذا كان مفرطاً لم يسقط ذنبه إلا بالتوبة، ومع التوبة لا يحتاج إلى رد. وإن لم يكن مفرطاً، كالنائم والناسي، فلا كلام عليه في الصلاة بعد الغروب.

وأيضاً، فبنفس غروب الشمس خرج الوقت المضروب للصلاة، فالمصلي بعد ذلك لا يكون مصلياً في الوقت الشرعي، ولو عادت الشمس)(2).

____________

(1) البحار ج80 ص318.

(2) منهاج السنة ج4 ص187.


الصفحة 83
وقال أيضاً ما ملخصه: (إن تفويت الصلاة إن كان جائزاً، لم يكن على علي إثم، إذا صلى العصر بعد الغروب، وإن كان التفويت محرماً، فتفويت العصر من الكبائر، فعلي أجل قدراً من أن يفعل هذه الكبيرة، ويقره عليها جبرئيل ورسول الله. وإذا فاتت لم يسقط الإثم بعود الشمس)(1).

ونقول:

أولاً: قد ورد التصريح في روايات ردّ الشمس بأنه (عليه السلام) كان في طاعة الله وطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله)، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (إنه كان في طاعتك، وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس) فلا معنى لاحتمال كونه (عليه السلام)، مذنباً ليحتاج إلى التوبة.

ثانياً: لم يقل أحد: إن عود الشمس كان لأجل إسقاط الإثم، بل هو لأجل التكريم الذي استحقه (عليه السلام)، بسبب أنه كان في طاعة الله وطاعة رسوله.

ولأجل إعلام الناس بفضله، وبمقامه، ودفع غائلة تشكيك المشككين، وإبطال كيد المعاندين له، والجاحدين لإمامته..

ثالثاً: قد قلنا: إن بعض الروايات قد صرحت بأنه (عليه

____________

(1) راجع: منهاج السنة ج4 ص189.


الصفحة 84
السلام) قد صلى صلاة المضطر بالإيماء، ثم رد الله عليه الشمس ليستوفي أفعال الصلاة، للدلالة على عظيم شأنه عند الله، وكرامته عليه.

رابعاً: إن كلام ابن تيمية لو صح فإنه يرد على ما رووه من رد الشمس لداود، ولسليمان (عليهما السلام) ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخندق، وغير ذلك مما تقدم.

خامساً: لو سلمنا ـ جدلاً ـ صحة كلامهم هذا بالنسبة لرد الشمس بعد غروبها، فإن كلامهم هذا لا يدفع الروايات التي تقول: إن الشمس كادت أن تغيب، لأنه يدل على: أن الصلاة لم تفته (عليه السلام)، ليكون عاصياً، ويحتاج إلى التوبة.

فإذا كانت قد حبست من أجله، فتلك كرامة إلهية عظيمة له، وإن كان الله قد ردها عليه من مكان إشرافها على المغيب إلى مكانها حين وقت فضيلة العصر، فتلك فضيلة أعظم، وكرامة أجل، فإن مجرد أن يرجع الله الشمس له، لينال فضيلة الصلاة في أول وقتها، فيه ودلالته على عظيم محبة الله له، وجليل مقامه لديه، وبالغ كرامته عليه.

لا فائدة في رد الشمس:

وأخيراً نقول:

قد زعم ابن الجوزي: أنه لا فائدة في رد الشمس لعلي (عليه

الصفحة 85
السلام)، فإن الصلاة بعد غياب الشمس صارت قضاءً، ورجوع الشمس لا يعيدها أداءً(1).

ونقول:

أولاً: ليس المقصود برد الشمس هو جعل الصلاة أداءً، أو قضاءً.

فقد قلنا: إنه (عليه السلام) قد صلى جالساً، يومئ إلى الركوع والسحود.

ثانياً: إن بعض المواضع التي رُدَّت فيها، إنما ردت قبل أن تغيب إلى موضع فضيلة العصر، وتقدم أن جابراً قال: أمر الشمس، فتأخرت ساعة من نهار، فزيد له في النهار ساعة.. فإذا كانت قد ردت إلى موضع أداء صلاة العصر، فيكون لصلاة الأداء فائدة. وهي إدراك فضيلة أول الوقت.

وأما بالنسبة لفائدة رد الشمس بعد مغيبها، فهي إظهار كرامة علي (عليه السلام) على الله، وظهور المعجزة على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فدعوى عدم وجود فائدة غير ظاهرة الوجه.

____________

(1) نسيم الرياض ج3 ص10 وبهامشه شرح الشفاء للقاري ج3 ص11 وراجع المواهب اللدنية ج2 ص209.


الصفحة 86
قال الزرقاني: (وتُعُقِّب بأنه لا وجه له، لأنها فاتته بعذر مانع من الأداء، وهو عدم تشويشه على النبي. وهذه فضيلة)(1).

ثالثاً: (قال ابن حجر في شرح الإرشاد: لو غربت الشمس، ثم عادت، عاد الوقت أيضاً، لهذا الحديث)(2)، فإنه يصح الاستناد إلى هذا الحديث في تشريع ذلك، فلا معنى لإنكار ذلك، استناداً إليه، فإنه مصادرة على المطلوب.

قال الزرقاني: (ودل ثبوت الحديث على أن الصلاة وقعت أداءً، وبذلك صرح القرطبي في التذكرة، قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعاً، وإنه يتجدد الوقت، لما ردَّها عليه.

ووجهه: أن الشمس لما عادت كأنها لم تغب.

وفي الإسعاد: لو غربت الشمس ثم عادت عاد الوقت أيضاً؛ لهذا الحديث)(3).

رابعاً: قد احتمل ملا علي القاري: أن يكون المراد بقول أسماء غربت، أي عن نظرها، أو كادت تغرب بجميع جرمها، أو

____________

(1) راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص478.

(2) نسيم الرياض ج3 ص11 وراجع ص12.

(3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج6 ص478.


الصفحة 87
كادت تغرب باعتبار بعض أجزائها(1).

خامساً: إن هذا لو صح للزم منه تكذيب سائر ما رووه من أنها قد ردت لسليمان، وداود، وموسى (عليهم السلام)، ولنبينا (صلى الله عليه وآله) في أكثر من موقع ومكان.

والحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

____________

(1) راجع: شرح الشفاء للقاري بهامش نسيم الرياض ج3 ص11.


الصفحة 88

الصفحة 89

كلمة أخيرة:

لقد كان هذا الذي ذكرناه في هذا البحث بمثابة نظرة محدودة على ما قالوه وما صنعوه و {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى}(1).

نسأل الله تعالى أن ينفع به، وأن يجعله ذخراً ليوم معادنا، {يَوْمَ لا يَنفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(2).

وإذا جاز لي أن أطلب من القارئ الكريم شيئاً، فإن أعز ما أطلبه منه هو أن يدعو لي بالمغفرة والسلامة في الدين، وأن يحشرني وإياه مع أهل البيت الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)..

وثمة رجاء آخر لي منه، وهو أن يتحفني بملاحظاته على

____________

(1) الآية 69 من سورة طه.

(2) الآيتان 88 و 89 من سورة الشعراء.


الصفحة 90
هذا البحث، فعسى أن يوفقني الله للاستفادة منها في تنقيحه وتصحيحه، في طبعات لاحقة إن شاء الله تعالى..

وليس لي بعد هذا إلا أن أقول مخاطباً سيدي ومولاي أمير المؤمنين، وسيد الوصيين (عليه السلام): {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ}(1).


عيتا الجبل (عيتا الزط سابقاً)
جعفر مرتضى العاملي
21/3/1425 هـ.

____________

(1) الآية 88 من سورة يوسف.


الصفحة 91

كتب مطبوعة للمؤلف


1 ـ الآداب الطبية في الإسلام (الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

2 ـ ابن عباس وأموال البصرة

3 ـ ابن عربي سنيٌ متعصب

4 ـ أحيوا أمرنا (وهو هذا الكتاب)

5 ـ إدارة الحرمين الشريفين في القرآن الكريم

6 ـ الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل

7 ـ أكذوبتان حول الشريف الرضي

8 ـ أفلا تذكرون (حوارات في الدين والعقيدة)

9 ـ أهل البيت (عليهم السلام) في آية التطهير(الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

10 ـ براءة آدم (عليه السلام) حقيقة قرآنية (الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

11 ـ بنات النبي (صلّى الله عليه وآله) أم ربائبه (الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

12 ـ بيان الأئمة وخطبة البيان في الميزان

13 ـ تفسير سورة الفاتحة

14 ـ تفسير سورة الكوثر

15 ـ تفسير سورة الماعون

16 ـ تفسير سورة الناس

17 ـ تفسير سورة (هل أتى) 1/2

18 ـ توضيح الواضحات من أشكل المشكلات.

19 ـ حديث الإفك.


الصفحة 92
20 ـ حقائق هامة حول القرآن الكريم.

21 ـ الحياة السياسية للإمام الجواد (عليه السلام)

22 ـ الحياة السياسية للإمام الحسن (عليه السلام)

23 ـ الحياة السياسية للإمام الرضا (عليه السلام)

24 ـ خلفيات كتاب مأساة الزهراء(عليها السلام) 1/6

25 ـ دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام 1/4

26 ـ دراسة في علامات الظهور

27 ـ رد الشمس لعلي (عليه السلام)

28 ـ زواج المتعة (تحقيق ودراسة) 1/3

29 ـ الزواج المؤقت في الإسلام (المتعة)

30 ـ سلمان الفارسي في مواجهة التحدي

31 ـ سنابل المجد (قصيدة إلى روح الإمام الخميني(رحمه الله))

32 ـ السوق في ظل الدولة الإسلامية (الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

33 ـ الشهادة الثالثة في الأذان والإقامة

34 ـ الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله) 1/12

35 ـ صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد(رحمه الله)

36 ـ ظاهرة القارونية من أين وإلى أين؟

37 ـ ظلامة أبي طالب.

38 ـ ظلامة أم كلثوم

39 ـ عاشوراء بين الصلح الحسني والكيد السفياني.

40 ـ علي (عليه السلام) والخوارج 1/2


الصفحة 93
41 ـ الغدير والمعارضون (الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة)

42 ـ القول الصائب في إثبات الربائب

43 ـ كربلاء فوق الشبهات (الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

44 ـ لست بفوق أن أخطئ من كلام علي (عليه السلام)

45 ـ لماذا كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام)

46 ـ مأساة الزهراء (عليها السلام) شبهات وردود 1/2

47 ـ ماذا عن الجزيرة الخضراء ومثلث برمودا؟!

48 ـ مختصر مفيد.. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة) 1/10

49 ـ مراسم عاشوراء (شبهات وردود) (الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة)

50 ـ المسجد الأقصى أين؟

51 ـ مقالات ودراسات

52 ـ منطلقات البحث العلمي في السيرة النبوية

53 ـ المواسم والمراسم

54 ـ موقع ولاية الفقيه من نظرية الحكم في الإسلام

55 ـ موقف علي (عليه السلام) في الحديبية

56 ـ نقش الخواتيم لدى الأئمة (عليهم السلام)

57 ـ الولاية التشريعية