تقديم

إن شخصية الإمام عليّ(عليه السلام) العظيمة الرحبة لأوسع وأشمل من أن يستطيع فرد بمفرده أن يجول فيها بفكره ليحبط بها من جميع الجوانب والأطراف. إن أقصى ما يستطيعه المرء هو أن يقنع بتناول جانب واحد أو عدد محدود من جوانب شخصيته بالمطالعة والدرس.

ومن جوانب هذه الشخصية العظيمة ذلك الجانب الّذي يكشف عن تأثيره في الناس تأثيراً موجباً أو سالباً. وبعبارة أُخرى هو ما في الإمام من قوة «الجذب والدفع» الكبيرة الّتي ما زالت تعمل عملها حتّى الآن، وهي ما سوف يتناوله هذا الكتاب بالبحث.

من البديهي أن يتباين الناس من حيث ما يثيرونه من ردود الفعل عند الآخرين. وكلما كانت الشخصية أضعف كان انشغال الآخرين بها أقل وما تثيره في القلوب من التهيج والإثارة أدنى. وكلما كانت الشخصية أعظم وأقوى كانت أقدر على استثارة المشاعر وإبراز ردود الفعل، سواء كانت مؤيدة أم مخالفة.

إن الشخصيات الّتي تثير الخواطر وتستدعي ردود الفعل تلهج بذكرها الألسنة كثيراً، وتكون موضع جدل ونقاش وخصام، وتتخذ أغراضاً للشعر والرسم والفنون الأُخرى، وأبطالا للروايات والقصص. هذه أُمور نجدها كلها قد تحققت في حدودها العليا بشأن عليّ(عليه السلام) ولم ينافسه في ذلك أحد، أو نافسه أفراد معدودون.

يقال إن محمد بن شهرآشوب المازندراني ـ الّذي كان من أكابر علماء الإمامية في القرن السابع ـ عندما أقدم على تأليف كتابه المعروف «المناقب» كان في مكتبته ألف كتاب باسم «المناقب» كتبت كلها في عليّ(عليه السلام).

هذا نموذج واحد يدل على مدى انشغال الخواطر بهذه الشخصية العظيمة السامية على امتداد التاريخ.

إن الميزة الرئيسة الّتي يمتاز بها عليّ(عليه السلام) وسائر الّذين أضاءوا بنور الحقّ، هي أ نّهم ـ فضلا عن أشغالهم الخواطر والأفكار ـ كانوا يفيضون على القلوب والأرواح النور والحرارة والحب والنشاط والإيمان والثبات.

إن فلاسفة مثل سقراط وأفلاطون وأرسطو وابن سينا وديكارت ما زالوا يستحوذون على أفكار الناس وخواطرهم.

وإن قادة الثورات الاجتماعية ـ وعلى الأخص في هذا القرن ـ أثاروا في مؤيديهم ضرباً من التعصب.

ورجال التصوف استطاعوا أن يحملوا أتباعهم على الرضوخ لحالة «التسليم» بحيث لو أن «صاحب الحانة أومأ لهم لصبغوا السجادة بالخمر»(1).

إلاّ أننا لا نرى في أي من أولئك تلك الحرارة المصحوبة بالليونة واللطافة والصفاء والرقة الّتي يدور فيها الكلام على عليّ(عليه السلام) في التاريخ. فالصفويون الّذين أنشأوا من الدراويش جيشاً جراراً من المجاهدين، إنّما أنشأوه باسم عليّ لا بأسمائهم.

إن الحسن والجمال المعنويين اللذين يخلقان المحبة والخلوص ينشآن من مقولة واحدة...  بينماالسلطة والمنفعة والمصلحة الحياتية الّتي هي بضاعة القادة الاجتماعيين، أو التعقل والتفلسف اللذين هما بضاعة الفلاسفة، أو إثبات السلطة والاقتدار الّذي هو بضاعة المتصوفة... من مقولة أخرى.

لقد جاء أن أحد تلامذة ابن سينا كان يقول له: لو أ نّك بهذا الذكاء والفهم الخارق للعادة ادعيت النبوة لالتف حولك الناس. إلاّ أن ابن سينا لم يكن يرد عليه بشيء. حتّى جمعتهما سفرة في أيام شتاء. وعند الفجر من احدى الليالي أيقظ ابن سينا تلميذه وطلب منه أن يأتيه بقليل من الماء لإرواء عطشه. فراح التلميذ يتعلل وينحت الأعذار لكيلا يغادر فراشه الدافىء في تلك الليلة الباردة على الرغم من كثرة إلحاح أستاذه عليه. وفي تلك اللحظة ارتفع صوت المؤذن من المئذنة (الله أكبر. أشهد أن لا إله إلاّ الله. أشهد أن محمّداً رسول الله) فاغتنم ابن سينا الفرصة وقال لتلميذه: ألم نكن تحرضني على ادعاء النبوة وتقول: إن الناس سوف يؤمنون بي ويتبعونني؟ ولكنك ـ وأنت تلميذي منذ سنوات، وقد استفدت من دروسي ـ لم يكن لي عليك ذلك النفوذ الّذي يخرجك من فراشك دقائق معدودة لتأتيني بالماء. ولكن هذا المؤذن يصدع بأمر نبيه بعد أربعمائة سنة فينهض من نومه الهنيء وفراشه الدافىء ليصعد المئذنة ليشهد بوحدانية الله وبرسالة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فانظر ما أبعد الاختلاف!

نعم... إن الفلاسفة يصنعون التلاميذ لا الأتباع، والقادة الاجتماعيون يصنعون الأتباع المتعصبين، لا الناس المهذبين، وأقطاب التصوف ومشايخ العرفان يصنعون المستسلمين، لا المؤمنين المجاهدين النشطين.

ولكن في عليّ(عليه السلام) اجتمع فعل الفيلسوف، وفعل القائد الثوري، وفعل شيخ الطريقة، وفعل يشبه فعل الأنبياء... مدرسته مدرسة العقل والفكر، ومدرسة الثورة، ومدرسة التسليم والانضباط، ومدرسة الحسن والجمال والانجذاب والحركة.

إن عليّاً(عليه السلام) قبل أن يكون إماماً عادلا للناس ويحكم بينهم بالعدل، كان إنساناً متعادلا متوازناً في ذاته، يجمع فيها الكمالات الإنسانية كلها.. كان إلى جانب عمق تفكيره وبعد نظره يتمتع بمشاعر عاطفية رقيقة. جمع كمال الجسم إلى كمال النفس. كان في الليل ينقطع عن كلّ أمر للتعبد، وفي النهار ينشط في كلّ عمل اجتماعي. كانت عيون الناس ترى منه في النهار التضحية والمواساة، وتسمع منه آذانهم النصيحة والموعظة والحكمة. وفي الليل كانت عيون الأنجم ترى دموع تعبده، وتسمع آذان السماء مناجاته الوالهة. كان المفتي والحكيم، وكان الصوفي والقائد الاجتماعي، وكان الزاهد والجندي، وكان القاضي والعامل، وكان الخطيب والكاتب ـ لقد كان الإنسان الكامل بكلّ ما فيه من حسن وجمال.

هذا الكتاب يتألف من أربع محاضرات ألقيت في (حسينية إرشاد) من 18 حتّى 21 من شهر رمضان المبارك في سنة 1388 هـ. وقد أقيم الكتاب على مقدمة وفصلين:

في المقدمة جرى بحث كلي بشأن الجذب والدفع عموماً، أو بشأن جذب الإنسان ودفعه خصوصاً.

وفي الفصل الأوّل يجري الكلام على قوة جاذبية عليّ(عليه السلام) الّتي جذبت ـ ولم تزل تجذب ـ القلوب اليه، وفلسفة ذلك، وفائدته وأثره.

وفي الفصل الثاني نتناول قوة دفع الإمام(عليه السلام) وكيف كان يطرد بها بعض العناصر بكلّ مشقة. فقد ثبت أن عليّاً(عليه السلام) كان ذا قدرتين، وأن على من يرغب أن يتربى في مدرسته أن يكون ذا قدرتين أيضاً.

ولما لم يكن يكفي أن يكون المرء مزدوج القدرة فحسب لكي ينتمي إلى مدرسة الإمام عليّ(عليه السلام)، فقد سعينا جهدنا في هذا الكتاب أن نبين من أي طراز هم أولئك الّذين تجذبهم قوة جاذبية الإمام، وأي نوع من الناس تطردهم قوة دفعه. وما أكثر الّذين يدّعون أ نّهم من أتباع مدرسته ولكنهم يعملون على دفع الّذين كان عليّ(عليه السلام) يجذبهم، وجذب الّذين كان يدفعهم.

عند الكلام على قوة دفع عليّ(عليه السلام) اكتفينا ببحث ظاهرة الخوارج، على الرغم من وجود طبقات أخرى تشملهم قوة دفع عليّ(عليه السلام)، ولعلنا نوفق إلى معالجة هذا التقصير مثل غيره مما في هذا الكتاب، في وقت آخر، أو في الأخرى لهذا الكتاب.

لقد تحمل متاعب اصلاح هذه المحاضرات وإكمالها الأخ الفاضل حضرة السيد فتح الله الأميدي، فنصف الكتاب بقلمه، فبعد أن نقله من أشرطة التسجيل على الورق، عاد فكتبه بقلمه أو أصلحه وأكمله. أمّا النصف الآخر فقد أمليته بنفسي، أو قمت بإضافة بعض الأمور بعد أن قام الأخ الفاضل بإعداده وإصلاحه. وإنّي لأرجو أن يكون للكتاب بمجموعه أثر تعليمي نافع، سائلاً الله تعالى أن يجعلنا من أتباع عليّ(عليه السلام) الحقيقيين.

مرتضى مطهري

(1) هذا تضمين لأحد أبيات الشاعر حافظ الشيرازي ـ المترجم.