مناقبه (عليه السلام) في الحكمة والادب

 

كما قال العلامة المرحوم السيّد رضا الهندي النّجفي في قصيدته الكوثرية المشهورة التي هي خمس وخمسون بيتاً، ألقاها يوم عيد الغدير الاغر في الحفلة التي أقامها سادن الروضة المطهَّرة لحرم امير المؤمنين (عليه السلام) حينذاك السيّد جواد الرفيعيُ التي مطلعها:

أمفلِج ثغرك أم جوهر * * * ورحيق رضابك أم سكر

قد قال لثغرك صانعه * * * إنا أعطيناك الكوثر

إلى أن قال:

1 - هذا عملي فاسلك سبلي * * * إنْ كنت تُقِرّ على المنكر

2 - فلقد أسرفت وما أسلفت * * * لنفسي مافيه أعذر

3 - سوّدت صحيفة أعمالي * * * ووكلتُ الامر إلى حيدر

4 - هو كهفي مِن نوب الدنيا * * * وشفيعي في يوم المحشر

5 - قد تمّت لي بولايته * * * نِعَمٌ جَمّتْ عن أن تشكر

6 - لأصيب به الحظ الاوفى * * * وأُخصَّص بالسهم الاوفر

7 - بالحفظِ من النار الكبرى * * * والامن من الفزع الاكبر

8 - هل يمنعني وهو الساقي * * * أن أشرب من حوض الكوثر

9 - أم يطردني عن مائدة * * * وضعت للقانع والمعتر

10 - يا مَنْ قد أنكر من آيات * * * أبي حسن مالم ينكر

11 - إن كنت لجهلك بالايّام * * * جحدت مقام أبي شبّر

12 - فاسأل بدراً واسأل أُحُدَاً * * * وسل الاحزاب وسل خيبر

13 - مَن دَبّر فيها الامر ومَن * * * أردى الابطال ومَن دَمّر

14 - مَن هدَّ حصون الشرك ومَنْ * * * شاد الاسلامَ ومن عَمّر

15 - مَنْ قدَّمه طه وعلى * * * أهل الايمان له أمَّر

16 - قاسوك أبا حسن بسواك * * * وهل بالطود يُقاس الذر

17 - أنّى ساووك بمَن ناووك * * * وهل ساووا نعلي قنبر

18 - مَن غيرك من يُدعى للحرب * * * وللمحراب وللمنبر

19 - أفعال الخير إذا انتشرت * * * في الناس فأنت لها مصدر

20 - وإذا ذكر المعروف فما * * * بسواك به شيءٌ يذكر

21 - أحييت الدين بأبيض قد * * * أودعت به الموت الاحمر

22 - قطباً للحرب يدير الضَّرب * * * ويجلو الكرب بيوم الكر

23 - فاصدع بالامر فناصرك * * * البتَّار وشانئك الابتر

 

من حِكَمهِ ومناقبه

 

وهاك مقتطفات من أقوال سيّد الحكماء وأمير البُلغاء وإمام المتّقين عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام):

1 - إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، ولكنّي وجدتك أهلاً للعبادة فعبتدك.

2 - لو كُشِفَ لي الغِطاء ما ازددت يقيناً.

3 - سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن طرق السماوات، فإنّي أعلم بها مِن طرق الارض.

4 - التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه.

قال الجاحظ في كتابه (البيان والتبيين): ثلاث كلمات لامير المؤمنين فقئن عين البلاغة:

5 - في الحكمة: قيمةُ كل امرء ما يحسنه، الناس أعداء ما جهلوا، المرء مخبوءٌ تحت لسانه.

6 - في الاخلاق: أحْسِن إلى مَن شئت تكن أميره، واستغنِ عمَّن شئت تكن نظيره. واحتج إلى مَن شئت تكن أسيره.

7 - في الدعاء: إلهي كفى بي عزَّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربَّاً. أنت كما أحبّ فاجعلني كما تحب.

من كتاب (حق اليقين) للسيّد عبد الله شبر من ص 299 إلى ص 307 استمع إلى مقتطفات منه، يقول:

لمّا دخل أمير المؤمنين الكوفة، دخل عليه حكيمٌ من العرب فقال: والله يا أمير المؤمنين، لقد زيَّنت الخلافة وما زيَّنتك، ورفعتها وهي كانت أحوج إليك منك إليها.

أخرج السلفي في (الطبريات) عن عبد الله بن أحمد إبن حنبل قال: سألتُ أبي عن علي ومعاوية، فقال:

اعلم أنّ عليّاً كان كثير الاعداء، ففتش له أعداؤه شيئاً فلم يجدوا، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه وقاتله فأطروه، كيداً منهم له.

ومن كراماته الباهرة:

1 - أن الشمس ردَّت عليه لمّا كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجره، والوحي ينزل عليه، وعليّ لم يصلِّ العصر، فما سرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ وقد غربت الشمس، فقال النبي: يا علي، هل صلّيت العصر؟ قال: لا. فقال النبي: اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، فطلعت بعدما غربت، وحديثُ ردِّها صحّحه الطحاوي والقاضي في الشفاء.

2 - وأخرج الديلمي عن أبي سعيد الخدري أنّه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «وقفوهم إنّهم مسؤولون» عن ولاية عليّ.

وكان هذا هو مراد الواحدي بقوله في قوله تعالى: (وقفوهم إنهم مسؤولون)([3]) عن ولاية علي (عليه السلام)وأهل البيت، لانّ الله تعالى أمر نبيّه أن يعرّف الخلق أنّه لا يسألهم عن تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودّة في القربى، والمعنى أنّهم يُسألون: هل والوهم حق الموالاة كما أوصاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أم أضاعوها وأهملوها، فتكون عليهم المطالبة والتبعة؟

3 - أخرج الطبراني عن علي (عليه السلام) قال: إنّ خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا علي، إنّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين، ويقدم عليه أعداؤك غضاباً مقمحين.

4 - وأخرج ابن سعد عن علي (عليه السلام) - قال: أخبرني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ أوّل من يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين، قلت: يا رسول الله: فمحبّونا؟ قال: مِن ورائكم. «اللّهم اجعلنا منهم».

5 - وقال في الصواعق المحرقة في قوله تعالى: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أُولئك هم خير البرية)سورة البيّنة آية 7: اخرج الحافظ جمال الدين، عن ابن عبّاس أنّ هذه الاية لمّا نزلت قال النبي لعليٍّ (عليه السلام): أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمحين.

فقال: ومَن عدوّي؟

قال: من تبرّأ منك ولعنك.

6 - وأخرج أحمد والترمذي، عن جابر قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغضهم عليّاً. ولو رمنا الاتيان بجميع الاخبار التي رواها أعلام القوم، فضلاً عن الامامية، في كتبهم وصحاحهم وزبرهم وبيناتهم لاحتجنا لجمعها كتباً كثيرة، فإنَّ الفضائل التي ذكروها لا تُحصى، والمناقب التي سطّروها لا تستقصى، ولو كان البحر مداداً، والاشجار أقلاماً والثقلان كتّاباً، والملائكة حسّاباً لما أحصوا عُشر معشار مناقبه، صلوات الله عليه، كما ورد في الاثر والعيان يغني عن النقل والبيان، ولعمري لو لم يقع عليه نصٌّ بالخلافة، لكانت صفاته الظاهرة، ومناقبه الباهرة، وأخلاقه الفاخرة، ونعوته الزاهرة نصوصاً صريحة، وبراهين واضحة صحيحة، فكيف وقد وقع ذلك؟!

7 - قال الخليل بن أحمد النحوي: احتياج الكلّ إليه واستغناؤه عن الكلّ دليلٌ على أنّه إمام الكلّ.

وسُئِلَ عن مدحه فقال: ما أقول في مدح امرء كتمت أحباؤه فضائله خوفاً، وأعداؤه حسداً، ثمَّ ظهر مابين الكتمانين ما ملا الخافقين؟!

ولله در ابن أبي الحديد المعتزلي حيث قال في شرحه([4]):

أمّا فضائله فإنّها قد بلغت من العِظم والجلالةِ والانتشار والاشتهار مبلغاً يسمح معه التعرّض لذكرها والتصدّي لتفصيلها، وما أقول في رجل أقرَّ له أعداؤه وخصومهُ بالفضل، ولم يمكنهم جحد مناقبه ولا كتمان فضائله؟!

وقد غلب واستولى بنو أُميَّة على سلطان المسلمين في شرق الارض وغربها، واجتهدوا بكلِّ حيلة في إطفاء نوره، والتحريف عليه، ووضع المعائب والمثالب له، ولعنوه على جميع المنابر، وتوعّدوا مادحيه، بل حبسوهم وقتلوهم، ومنعوا من رواية حديث يتضمَّن فضيلة أو يرفع له ذكر، حتّى حظروا أن يسمَّى أحد باسمه، فما زاده ذلك إلاّ رفعة وسمُوَّاً وشموخاً، وكان كالمسك كلّما ستر انتشر عرفه، وكلّما كتم تضوَّع نشره، وكالشمس لا تستر بالراح، وكضوء النهار إن حجبت منه عين واحدة أدركته عيون كثيرة أُخرى.

وما أقول في رجل تُعزى إليه كلّ فضيلة، وتنتمي إليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة؟! فهو رئيسُ الفضائل وينبوعها، وأبو عذرها، وسابق مضمارها، ومجلّى حلبتها، كلّ من نزع فيها بعده فمنه أخذ، وله اقتفى، وعلى مثاله احتذى.

ثمَّ قال: ومن العلوم: (علم الفقه) وهو أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الاسلام فهو عيال عليه، ومستفيدٌ من فهمه.

ومن العلوم (علم التفسير)، وعنه أخذ ومنه تفرّع.

وعن ابن عبّاس وهو المرجع.

قيل له: أين علمك من ابن عمّك؟

فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط.

ومن العلوم: (علم الطريقةِ والحقيقة وأحوال التصوّف) وأرباب هذا الفن في جميع بلاد الاسلام إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشبلي والجنيد والبسطامي والكرخي وغيرهم.

ومن العلوم (علم النحو والعربيّة) وهو الذي ابتدعه ووضعه، (وعلم أبو الاسود الدؤلي اسسه ومنهاجه).

وإنْ رجعت إلى الخصائص الخلقية والفضائل النفسانية والدينية وجدته ابن جلاها وطلاع ثناياها.

أمّا الشجاعة فإنّه أنسى الناس فيها مَن كان قبله، ومحى اسم من يأتي بعده، ومقاماته في الحرب مشهورة، تضرب بها الامثال إلى يوم القيامة، وهو الشجاع ما فرَّ قط ولا ارتاع من كتيبة، ولا بارز أحداً إلاّ قتله، ولا ضرب ضربة قط فاحتاجت الاُولى إلى ثانية، وفي الحديث (كانت ضرباته وتراً).

ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما، قال ابن العاص: لقد أنصفك، فقال معاوية: ما غششتني منذ نصحتني إلاّ اليوم، أتأمرني بمبارزة أبي الحسن وأنت تعلم أنّه الشجاع المطرق؟! وأراك طمعت في إمارة الشام بعدي.

وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته، ومن جملة الامر أن كلّ شجاع إليه ينتهى وباسمه ينادى في مشارق الارض ومغاربها.

وأمّا القوّة والايد فبه تضربُ الامثال فيهما وهو الذي قلع باب «قلعة» خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه.

وهو الذي قلع الصخرة العظيمة في أيّام خلافته بيده بعدما عجز الجيش كلّه عنها، وانبطّ الماء من تحتها، عند رجوعه من النهروان، ونطقت الصخرة بامامته وتسمى للان بالمنطقة في غرب بغداد بالقرب من جامع براثا.

أمّا السخاء والجود فحاله فيه ظاهر، وكان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه أنزل الله تعالى في كتابه المجيد: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) آية 8 الانسان.

وروى المفسِّرون أنّه لم يملك إلاّ أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فأنزل الله تعالى فيه: (الذين ينفقون أموالهم بالَّيل والنهار سراً وعلانية) 274 البقرة.

وروي عنه أنّه كان يستقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدّق بالاجرة، ويشدّ على بطنه حجراً.

وأمّا الحلم والصفح فكان أحلم الناس عن ذنب، وأصفحهم عن مسيء، وقد ظهر صحّة ما قلناه يوم الجمل حين ظفر بمروان بن الحكم، وكان أعدى الناس له، وأشدّهم بغضاً، فصفح عنه.

وأمّا الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوّه أنّه سيّد المجاهدين، وهل الجهاد لاحد من الناس إلاّ سواه؟ وهذا من المعلومات بالضرورة، كالعلم بوجود الشمس في رابعة النهار.

وأمّا الفصاحة، فهو إمام الفصحاء، وسيّد البلغاء، وعن كلامه قيل: دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق - «بعد كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».

وأمّا سجاحة الاخلاق وبشر الوجه وطلاقة المحيّا والتبسّم، فهو المضروب به المثل.

وأمّا زهده في الدنيا] زهد الراحلين عنها [فهو سيّد الزهاد، وبدل الابدال، وإليه تشدُّ الرحال، ما شبع من طعام قط، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً، وكان ثوبه مرقعاً بجلد تارة وبليف أُخرى، ونعلاه من ليف، وكان يلبس الكرابيس الغليظة، فإذا وجد كمّه طويلاً قطعه بشفرة ولم يخطه، وكان يأتدم إذا ائتدم بملح أو خلٍّ، فإذا ترقّى عن ذلك فببعض نبات الارض، فإذا ارتفع عن ذلك فقليل من ألبان الابل، ولا يأكل اللحم إلاّ قليلاً، وهو الذي طلّق الدنيا، «ثلاثاً». هذا ما ذكره ابن ابي الحديد في شرحه.

وقال ابن أبي رافع: دخلت عليه يوم عيد فقدّم جراباً مختوماً، فوجدنا فيه خبز شعير مرضوضاً فأكل، فقلت: يا أمير المؤمنين، كيف تختمه وما عهدتك بخيلاً؟! قال: خفت هذين الولدين أن يلتّاه بسمن أو بزيت.

وأمّا العبادة، فكان أعبد الناس، وأكثرهم صلاةً وصوماً، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل وملازمة الاوراد وقيام النافلة، وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على ورده أن يبسط له نطع بين الصفّين ليلة الهرير فيصلّي عليه ورده والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتّى يفرغ من ورده، وما ظنّك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده.

وقيل لعلي بن الحسين (عليه السلام) وكان الغاية في العبادة: أين عبادتك من عبادة جدّك؟ فقال: عبادتي عند عبادة جدّي كعبادة جدّي عند عبادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وأمّا قراءة القرآن والاشتغال به، فهو المنظور في هذا الباب، واتفق الكل على أنّه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يكن غيره يحفظه حينذاك، ثمَّ هو أوّل مَن جمعه، وأئمة القرآن كلّهم يرجعون إليه، وعيالٌ عليه.

وأمّا الرأي والتدبير فكان من أسَدِّ الناس رأياً وأصحّهم تدبيراً، وهو الذي أشار على عمر لما عزم أن يتوجّه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار، وهو الذي أشار على عثمان بأُمور كان صلاحه فيها ولو قبلها وعمل بها لم يحدث عليه ما حدث.

وما أقول في رجل يحبّه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوّة، وتعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لاهل الملّة، وتصوِّرُ ملوك الافرنج صورته في بِيَعها وبيوت عبادتها حاملاً سيفه مشمراً لحربه، وتصوِّر ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها، وكان على سيف عضد الدولة وركن الدولة صورته، وكان على سيف ألب أرسلان وابنه ملك شاه صورته، وكأنّهم يتفاءلون به بالنصر والظفر».

وما أقول في رجل أحبَّ كل أحد أن يتكثّر به، وودَّ كلّ أحد أن يتجمّل ويتحسّن بالانتساب إليه.

وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيّد البطحاء وشيخ قريش ورئيس مكة، وهو الذي كفل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صغيراً وحماه كبيراً ومنعه من مشركي قريش، ولقى لاجله عنتاً عظيماً، وقاسى بلاءً شديداً، وصبر على نصره والقيام بأمره.

وقد جاء في الخبر أنّه لمّا توفي أبو طالب (عليه السلام) أوحى الله تعالى إليه: اخرج منها - يعني من مكّة - فقد مات ناصرك.

وله مع شرف هذه الاُبوَّة أن ابن عمّه سيّد الاولين والاخرين، وأخاه جعفر ذو الجناحين «يطير بهما في الجنة»، وزوجته سيّدة نساء العالمين، وابنيه سيّدا شباب أهل الجنّة، وآباؤه آباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُمّهاته أُمّهات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو مسوط بلحمه ودمه لم يفارقه منذ خلق الله تعالى آدم إلى أن مات عبد المطّلب بين أخوين شقيقين عبد الله وعبد مناف «أبي طالب» وأُمّهما واحدة، فكان منها سيّد الناس هذا الاوّل وهذا التالي، وهذا المنذر وهذا الهادي إنما «أنت منذر ولكل قوم هاد».

وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى، وآمن بالله وعبده وكل مَن في الارض يعبد الحجر ويجحد الخالق.

ولو أردنا شرح مناقبه وخصائصه لاحتجنا إلى كتاب مفرد يماثل هذا الكتاب بل يزيد عليه، انتهى كلام ابن أبي رافع ملخصاً، وبالجملة ففضائله الباهرة ومناقبه الظاهرة وكراماته الفاخرة قد ملات الاقطار واشتهرت اشتهار الشمس في رابعة النهار.

 

ومن كلام له (عليه السلام):

والله لان أبيتَ على حَسك السعدان مُسهَّداً، وأُجَرَّ في الاغلال مُصفَّداً، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام. وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البِلى قُفُولها، ويطول في الثرى حلولها. والله لقد رأيت عقيلاً وقد أملق حتى استماحني من بُرّكم صاعاً، ورأيت صبيانه شُعث الشعور غُبر الالوان من فقرهم كأنما سُوّدت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكّداً وكرَّر عليَّ القول مردِّداً، فأصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقاً طريقي فأحميتُ له حديدةً ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضجَّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل!! أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه؟ وتجرّني إلى نار سجَّرها جبّارها لغضبه؟ أتئنُّ من الاذى؟ ولا أئنُّ من لظى؟.

وأعجب من ذلك طارق طرقنا بِملفوفة في وعائها، ومعجونة شنئتها، كأنما عُجنت بِريق حية أو قيئها، فقلت: أَصِلةٌ أم زكاةً أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت. فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت: هبلتك الهَبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ا؟ أمختبطٌ أنت؟ أم ذو جنة أم تهجر؟ والله لو أُعطيت الاقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإنّ دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها! ما لِعليٍّ ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى؟ نعوذ بالله من سُبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين.

 

ومن خطبة له (عليه السلام):

أما بعد، أيها الناس. فأنا فقأْت عين الفتنة، ولم تكن ليجرأ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتد كلَبها. فاسألوني قبل أن تفقدوني، فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مائة وتضلّ مائة إلاّ أنبأْتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يُقتل من أهلها قتلاً، ويموت منهم موتاً. ولو قد فقدتموني ونزلت بكم كرائهُ الاُمور وحوازب الخطوب لاطرق كثير من السائلين وفشل كثير من المسؤولين.

 

ومن خطبة له (عليه السلام):

أيها الناس إني قد بَثثتُ لكم المواعظ التي وعظ الانبياءُ بها أُممهم. وأدَّيت إليكم ما أدت الاوصياءُ إلى مَن بعدهم. وأدَّبتكم بِسُوطي فلم تستقيموا. وحَدوتُكم بالزواجر فلم تستوثقوا. للهِ أنتم! أتتوقَّعون إماماً غيري يطأ بكم الطريق ويرشدكم السبيل؟.

إلى آخر خطبه ومواعظه...

عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان الله خلقني وخلق علياً نورين بين يدي العرش، نسبح الله ونقدسه قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلما خلق الله آدم (عليه السلام) اسكننا في صلبه، ثم نقلنا من صلب طيب وبطن طاهر حتى اسكننا في صلب ابراهيم (عليه السلام)، ثم نقلنا من صلب ابراهيم الى صلب طيب وبطن طاهر حتى اسكننا في صلب عبد المطلب.

ثم افترق النور في عبد المطلب فصار ثلثاه في عبد الله، وثلثه في ابي طالب، ثم اجتمع النور مني ومن علي في فاطمة، والحسن والحسين نوران من نور رب العالمين([5]).

قال المسعودي: وجدت في كتاب «الاخبار» لابي الحسن النوفلي، عن العباس بن عبد المطلب، قال: كنت عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اذ اقبل علي بن أبي طالب، فلما رآه اسفر في وجهه، فقلت: يا رسول الله، انك لتسفر في وجه هذا الغلام؟!

فقال: يا عم رسول الله، واللهِ، اللهُ اشد حباً له مني، انه لم يكن نبي الاّ وذريته الباقية بعده من صلبه، وان ذريتي بعدي من صلب هذا، انه اذا كان يوم القيامة دعي الناس باسمائهم وباسماء امهاتهم ستراً من الله عليهم، إلاّ هذا وشيعته فانهم يدعون باسمائهم واسماء آبائهم لصحة ولادتهم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([3]) الصافات : 24 .

([4]) شرح النهج : ج1 من ص 5 ـ 10 .

([5]) نزهة المجالس ج2 ص206 .