عشرة أحاديث في علم علي (عليه السلام)

 

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

1 - لفاطمة الزهراء (عليها السلام) -: زوجتك خير أُمّتي، أعلمهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأولهم سلماً.

2 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): علي وعاء علمي ووصيي وبابي الذي أُؤتى منه.

3 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أقضاكم عليٌّ.

رواه في الاستيعاب ج2 ص 28، والمواقف للايجي ج2 ص 276 وشرح ابن أبي الحديد ج2 ص 235، مطالب السؤول ص 23، تمييز الطيب من الخبيث ص 25، كفاية الشنقيطي ص 46.

4 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): قسّمت الحكمة عشرة أجزاء، فأُعطي عليٌّ تسعة أجزاء والناس جزءً واحداً.

حلية الاولياء ج1 ص 65، أسنى المطالب ص 14، وللحديث مصادر أُخرى كثيرة مذكورة في إحقاق الحق ج 5 ص 516 - 521 و ج 16 ص 310 - 314.

5 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا مدينة الحكمة وعليٌّ بابها، فمن أراد الحكمة فليأت الباب.

6 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أنت تبيّن لاُمّتي ما اختلفوا فيه بعدي.

رواه الحاكم في المستدرك ج 2 ص 122، والذهبي في ميزان الاعتدال ج 1 ص 472 والقندوزي في ينابيع المودة ص 203، وللحديث مصادر أُخرى مذكورة في إحقاق الحق ج 6 ص 52 - 55 و ج 16 ص 435 و 436 و ج 20 ص 304، 318، 416.

7 - وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله خلقني وعلياً من شجرة، أنا أصلها، وعلي فرعها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها، فهل يخرج من الطيب إلاّ الطيب؟! وأنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها.

أشرنا إلى مصادر حديث مدينة العلم في الرقم (12).

8 - عن عبد الله بن مسعود، قال: إنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، ما منها حرف إلاّ وله ظهر وبطن، وإنّ علياً (عليه السلام) عنده علم الظاهر والباطن.

رواه أبو نعيم في حلية الاولياء ج1 ص 65، وأخرجه في إحقاق الحق ج 5 ص 515 وص 516 عن بعض المصادر.

9 - قال عليٌّ (عليه السلام): علّمني رسول الله ألف باب من العلم، ففتح لي من كلّ باب ألف باب.

رواه السيد أحمد المغربي في فتح الملك العلي ص 19، والمحدّث الهروي في الاربعين ص 47 (مخطوط) والقندوزي في ينابيع المودة ص 72.

10 - وقال عمر: لولا عليٌّ لهلك عمر.

رواه الگنجي في كفاية الطالب ص 190.

هذه عشرة أحاديث منتخبة من مئات الاحاديث المروية في علم علي (عليه السلام) وحكمته، وقال قال فيه أبو الفضل بن العبّاس بن عتبة بن أبي لهب:

ما كنت أحسب أنّ الامر منصرف * * * عن هاشم ثمّ منها عن أبي حسن

 أليس أوّل من صلّى لقبلتكم * * * وأعلم الناس بالقرآن والسنن؟!

 

 

عدل عليّ (عليه السلام)

 

من أبيات لسودة بنت عمارة الهمدانية:

 

صلّى الاله على روح تضمَّنها * * * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

 قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً * * * فصار بالحق والايمان مقرونا

 ماذا أقول في عدل علي وهو إمام العدل، وكل عدل في الدنيا هو عيال على عدالته، ولولا أنَّ أُصول العدالة جارية في نفسه مجرى الدم في عروقه لما أمكن تطبيقه لاُصول العدالة في جميع سلوكه ومدى حياته ; ومن مستلزمات تطبيق العدالة وتنفيذها قوّة الايمان بالله تعالى والتقوى، مقرونة بحزم وعزم يفوق كل عاطفة ومصانعة، وعدم الخوف من المشاكل المحتمل وقوعها، وقد تجسّدت هذه المؤهلات كلّها في نفسية الامام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، وإليك نماذج من عدله في حكمه، وتطبيقه لها متميزاً في حديثه (عليه السلام):

النموذج الاوّل: في حديث لامير المؤمنين (عليه السلام): والله، لان أبِيتَ على حَسَكِ السَّعْدَان مُسَهَّداً، أو أُجرَّ في الاَغلالِ مُصَفَّداً أحَبُّ إليَّ مِن أنْ ألْقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد، وغاصباً لشيء من الحطام. وكيفَ أظلمُ أحداً لنَفْس يُسْرعُ إلى البلى قُفُولُها ويطولُ في الثرى حُلُولُها.

والله لقد رأيت عقيلاً وقد أمْلق حتّى استماحني من بُرِّكُم صاعاً، ورأيتُ صبيانه شُعْثَ الشعور، غُبْرَ الالوان من فقرهم، كأنّما سُوِّدت وجوههم بالعِظْلِمِ، وعاودني مؤكّداً، وكرَّر عليَّ القول مُردداً فأصغيت إليه سَمعي، فظنَّ أني أبيعُهُ ديني، وأتّبعُ قِيَادَهُ مُفارِقاً طريقتي، فأحميتُ له حديدةً، ثمَّ أدنيْتُها من جِسمِه ليعتبر بها، فضجَّ ضجيجَ ذي دَنَف من ألمِهَا وكادَ أنْ يحترق من ميسَمِها فقلتُ له: ثكلتْك الثواكل يا عقيل، أتئِنُ مِن حَدِيدة أحماها إنسانها لِلَعبهِ، وتجُرُّني إلى نار سجَرَهَا جَبَّارُهَا لغِضَبِهِ، أتئِنُ مِن الاذى ولا أئِنُ مِن لظى؟! والله لو أُعطيتْ الاقاليمَ السبعة بما تحت أفْلاكها على أن أعْصي الله في نملة أسْلُبُها جلب شعيرة ما فعلتُه، وإنَّ دُنْيَاكُم لاهْوَن عندي مِن ورقة في فَمِ جَرادة تقضمُها، ما لِعليٍّ ولنعيم يَفنى ولَذَّة لا تبقى، نعوذُ بالله مِن سُبَات العَقلِ وقُبْح الزللِ.

النموذج الثاني: روي أنَّ سودة بنت عمارة الهمدانية دخلت على معاوية بعد شهادة علي (عليه السلام)، فجعل يؤنبها على تحريضها عليه أيّام صِفّين، وآل أمره إلى أن قال: ما حاجتك؟ قالت: إنّ الله مسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقّنا، ولا يزال يتقدّم علينا من قِبلَك من يسمو بمكانك، ويبطش بقوّة سلطانك، فيحصدنا حصد السنبل، ويدوسنا دوس الحرمل، يسومنا الخسف، ويذيقنا الحتف هذا بسر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا ، وأخذ أموالنا ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة، فإن عزلته عنّا شكرناك وإلا كفّرناك. فقال معاوية: إيّاي تهددين بقومك يا سودة؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشوس فأردّك إليه فينفّذ فيك حكمه. فأطرقت سودة ساعة ثمَّ قالت:

صلّى الاله على روح تضمَّنها * * * قبر فأصبح فيه العدل مدفونا

 قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً * * * فصار بالحق والايمان مقرونا

 فقال معاوية: مَن هذا يا سودة؟ قالت: هو، والله، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والله لقد جئته في رجل كان قد ولاّه صدقاتنا، فجار علينا، فصادفته قائماً يصلّي، فلمّا رآني انفتل من صلاته، ثمَّ أقبل عليَّ برحمة ورفق ورأفة وتعطّف، وقال: ألكِ حاجة (يا أمة الله)؟ قلت: نعم، فأخبرته الخبر، فبكى ثمَّ قال: اللهمَّ أنت الشاهد عليَّ وعليهم، وإنّي لم آمرهم بظلم خلقك، ثمَّ أخرج قطعة جلد فكتب فيها:

«بسم الله الرحمن الرحيم، قد جاءتكم بيّنة من ربِّكم، فأوفوا الكيل والميزان، ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها، ذلكم خيرٌ لكم إنْ كنتم مؤمنين، فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتّى يقدم عليك مَن يقبضه منك، والسلام».

ثمَّ دفع الرقعة إليَّ فوالله ما ختمها بطين، ولا خزنها، فجئت بالرقعة إلى صاحبه، فانصرف عنّا معزولاً.

فقال معاوية: اكتبوا لها كما تريد، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية.

النموذج الثالث: عن ميسرة، عن شريح القاضي، قال: لمّا توجّه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى قتال معاوية افتقد درعاً له، فلمّا رجع وجدها في يد يهودي يبيعها بسوق الكوفة، فقال: يا يهودي، الدرع درعي، لم أهب ولم أبع.

قال اليهودي: درعي، وفي يدي.

فقال: بيني وبينك القاضي.

قال: فأتياني، فقعد عليٌّ إلى جنبي، واليهودي بين يدي، وقال (عليه السلام): لولا أنّ خصمي ذمّي لاستويت معه في المجلس ; ولكني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أصغروا بهم كما أصغر الله بهم.

ثمَّ قال: هذا الدرع درعي، لم أبع، ولم أهب.

فقال لليهودي: ما تقول.

قال: درعي وفي يدي.

قال شريح: يا أمير المؤمنين، هل من بيّنة؟

قال: نعم، الحسن ابني وقنبر يشهدان أنَّ الدرع درعي.

قال شريح: يا أمير المؤمنين، شهادة الابن للاب لا تجوز.

فقال عليٌّ: سبحان الله، أرجلٌ من أهل الجنّة لا تجوز شهادته ; سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.

فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدَّمني إلى قاضيه. وقاضيه يقضي عليه ; أشهد أنَّ هذا الدين على الحق، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمّداً عبده ورسوله، وأنّ الدرع درعك يا أمير المؤمنين، سقط منك ليلاً.

وتوجّه مع عليٍّ يُقاتل معه بالنهروان فقتل.

النموذج الرابع: كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) دخل ليلة في بيت المال ليكتب قسمة الاموال، فورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ (عليه السلام) السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك، فقال: كان زيته من بيت المال، لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه.

النموذج الخامس: روى أبو إسحاق الهمداني أنَّ امرأتين أتتا عليّاً (عليه السلام) إحداهما من العرب، والاُخرى من الموالي، فسألتاه، فدفع إليهما دراهماً وطعاماً بالسواء، فقالت إحداهما: إنّي امرأة من العرب، وهذه من العجم.

فقال: إنّي، والله، لا أجد لبني إسماعيل في هذا الفيء فضلاً على بني إسحاق.

النموذج السادس: قدم عبد الله بن زمعة على عليٍّ (عليه السلام) في خلافته، وكان من شيعته، فطلب منه مالاً، فقال: إنَّ هذا المال ليس لي ولا لك، وإنّما هو فيء للمسلمين، وجلب أسيافهم، فإن شركتهم في حربهم كان لك مثل حظّهم، وإلاّ فجناة أيديهم لا تكون لغير أفواههم.

وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يعطي ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) أكثر من حقّهما، فانظر إلى رجل حمله ورعه على هذا الصنيع لولديه، وبأخيه من أبويه، أعني عقيلاً.

النموذج السابع: عن حُميد بن هلال، أنّ عقيلاً سأل عليّاً (عليه السلام) فقال: أنّي محتاج وفقير.

فقال: حتّى يخرج عطائي.

فقال له عقيل: بيوت المال بيدك وأنت تسوّفني بعطائك.

فقال: أتأمرني أن أدفع إليك أموال المسلمين قد ائتمنوني عليها؟! فألحّ عليه، فقال لرجل: خذ بيده وانطلق به إلى الحوانيت، فقل: دقّ الاقفال وخذ مافي الحوانيت.

وبعبارة أُخرى: قال له: انطلق فخذ مافي حوانيت الناس.

فقال: تريد أن تتخذني سارقاً.

قال: وأنت تريد أن تتخذني سارقاً! وأُعطيك أموال الناس؟

فقال: لاتين معاوية. قال: أنت وذاك.

فأتى معاوية، فأعطاه مائة ألف، ثمَّ قال: اصعد على المنبر فاذكر ما أولاك علي، وما أوليتك.

قال: فصعد المنبر، فحمد الله ثمَّ قال: أيّها الناس، إنّي أُخبركم أنّي أردت عليّاً على دينه فاختار دينه عليَّ، وأردت معاوية على دينه فاختارني على دينه.

فقال معاوية: هذا الذي تزعم قريش أنّه أحمق!

النموذج الثامن: يُحكى أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ولّى أبا الاسود الدؤلي القضاء ساعة من نهار ثمَّ عزله، فقال له: لِمَ عزلتني؟ فوالله ما خنت ولا خونت. قال: بلغني أنَّ كلامك يعلو كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.

ويروى أنَّ عليّاً (عليه السلام) أرسل أبا أمامة الباهلي - عثمان بن حنيف - بحكومة البصرة، فأخبره رجل بأنّه دُعي إلى ضيافة، فكتب إليه: «أمّا بعد يابن حنيف، فقد بلغني أنَّ رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها، تستطاب لك الالوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.

ألا وإنَّ لكل مأموم إماماً يُقتدى به، ويستضيء بنور علمه، ألا وإنَّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طُعْمِهِ بقرصيه، ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفّة وسداد، فوالله ما كنزت من دنياكم تِبْراً، ولا ادخرت من غنائمها وَفْرَاً، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمْرَاً. إلى آخر كتاب المذكور في «نهج البلاغة» كتاب رقم «45».

إلى هنا نكتفي من عرض نماذج لعدل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه وزهده، وقد رواها جمع كثير من أعلام القوم وحفّاظهم في كتبهم ومسانيدهم.

 

قضاء علي (عليه السلام)

قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في عليّ (عليه السلام): الحمد لله الذي مَنَّ على العباد بمن يقضي قضاء النبي.

الاحاديث والروايات في قضاء الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كثيرة، لا يمكن حصرها، أذكر هنا بعضاً منها على سبيل المثال:

كان أوّل قاض بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى اليمن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: يا رسول الله، أتبعثني إلى كهول اليمن ولا عِلم لي بالقضاء؟! فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلق، فإنَّ الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك، إنَّ الناس سيتقاضون إليك، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضِ لواحد حتّى تسمع كلام الاخر، فإنّه أجدر إنْ لم تعلم لمن الحق.

وقد روى العامة والخاصة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) «أقضاكم علي» والقضاء هو الفقه فاذن هو افقههم.

 

1 - ثورٌ قتل حماراً

 

على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرفع ذلك إليه، وهو في أُناس من أصحابه، منهم أبو بكر وعمر وعثمان، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا بكر، إقض بينهما.

فقال: يا رسول الله، بهيمة قتلت بهيمة، ما عليها شيء.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعمر: يا عمر، اقض بينهما. فقال كقول صاحبه أبي بكر.

فالتفت النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عليٍّ (عليه السلام) وقال له: يا علي، اقضِ.

فقال: حبّاً وكرامة، إن كان الثور دخل على الحمار فقتله في مستراحه ضمن أصحاب الثور ديَّة الحمار، وإن كان الحمار دخل على الثور في مستراحه فلا ضمان على صاحب الثور.

فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده إلى السماء وقال: الحمد لله الذي مَنَّ على العباد بمَن يقضي قضاء النبيين.

ذكره الحافظ أبو الفوارس في الاربعين - ص 13 مخطوط، وكذلك ذكره العلاّمة القندوزي في «ينابيع المودّة» ص 76 ط اسلامبول.

 

2 - قضاؤه في جماعة اتهموا بقتل رفيقهم في السفر

 

روى العلاّمة الشيخ كمال الدين الشافعي في «مطالب السؤول» ص 29 طـ طهران - ونقلناه من كتاب إحقاق الحق ج 8 ص 79:

إنَّ سبعة أنفس خرجوا من الكوفة مسافرين فغابوا مدة، ثمَّ عادوا وقد فُقِدَ منهم واحد، فجاءت امرأته إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقالت: إنَّ زوجي سافر هو وجماعته، وعادوا دونه، فأتيتهم وسألتهم عنه فلم يخبروني بحاله، وقد اتهمتهم بقتله، وأسألك إحضارهم واستكشاف حالهم.

فأحضرهم (عليه السلام) وفرّقهم، وأقام كل واحد منهم إلى سارية من سواري المسجد، ووكل به رجل يمنع أن يقرب منه أحد ليحادثه، ثمَّ استدعا واحداً فحدَّثه وسأله عن حال الرجل، فأنكر، فلمّا أنكر رفع عليٌّ (عليه السلام)صوته بالتكبير وقال: الله أكبر فلمّا سمع الباقون صوت علي (عليه السلام) مرتفعاً بالتكبير اعتقدوا أنَّ رفيقهم قد أقرَّ وحكي لعليٍّ (عليه السلام) صورة الحال.

ثمَّ استدعاهم واحداً واحداً فأقرّوا بقتله بناءً على أن صاحبهم قد أخبر علياً بما فعلوه.

فلمّا أقرّوا بذلك قال الاوّل: يا أمير المؤمنين، هؤلاء قد أقرّوا وما أنا أقررت.

قال له (عليه السلام): هؤلاء رفاقك قد شهدوا عليك، فما ينفعك إنكارك بعد شهادتهم.

فاعترف أنّه شاركهم في قتله، فلمّا كمل اعترافهم أقام عليهم حكم الله تعالى وقتلهم به، فكان ذلك من عجائب فهمه وغرائب علمه.

كما ذكر هذه القضية العلاّمة الزمخشري في «الفائق» ج2 ص 156 ط القاهرة.

ومنهم العلاّمة أبو هلال العسكريّ المتوفى بعد سنة 395 بقليل في «الاوائل» ص 143 وغيرهم.

 

3 - قضاؤه (عليه السلام) في ردّ مال استودعه رجلان

 

روى حنش بن المعتمر أنّ رجلين استودعا امرأة من قريش مائة دينار وأمرها أن لا تدفع إلى واحد منهما دون صاحبه، فأتاها أحدهما فقال: إنَّ صاحبي هلك فادفعي إليَّ المال. فأبت، فاستشفع إليها، ومكث يختلف إليها ثلاث سنين.

قال: فدفعت إليه المال.

ثمَّ جاء إليها صاحبه فقال: أعطيني المال.

فقالت له: قد أخذه صاحبك فارتفعوا إلى عمر، فقال له عمر: ألك بيّنة.

فقال: هي بيّنتي.

قال: ما أراك إلا ضامنة. فقالت: أنشدك الله إلاّ ما رفعتها إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام).

قال: فرفعها إليه، فأتوه في حائط وهو يسيل الماء، وهو مؤتزر بكساء، فقصّوا عليه القصّة، فقال للرجل: إئتني بصاحبك وإليَّ متاعك.

رواه جماعة من أعلام القوم، منهم: العلاّمة أخطب خوارزم في كتابه «المناقب» ص 60 ط تبريز.

ومنهم العلاّمة الطبري «في ذخائر العقبى» ص 79 ط مصر.

 

4 - قضاؤه وحكمته، ومناقبه

تزوّج رجل في زمانه (عليه السلام) بامرأتين فولدتا في ليلة مظلمة، فأتت واحدة بصبي والاُخرى بأُنثى، فاختصمتا في الصبى إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فأمر كلّ واحدة أن تحلب من لبنها شيئاً ثمّ وزن اللبنين، فرجح أحدهما، فحكم لصاحبه الراجح بالصبي.

فقيل: من أين أخذت هذا؟ قال: من قوله تعالى: (للذكر مثل حظ الاُنثيين)([1]) فإنَّ الله تعالى قد فضَّل الذكر في كلّ شيء حتّى في غذائه.

روى ذلك العلاّمة الصفوري في «نزهة المجالس» ج2 ص 211 ط القاهرة، ونقلناه من كتاب إحقاق الحق ج 8 ص 81.

 

حكمه في الحامل الزّانية

وهو الذي أفتى في الحامل الزانية، حيث قال لعمر بن الخطاب: (ما معناه) إذا كان لك عليها سلطان، فما لك على الجنين سلطان.

 

المرأة التي وضعت لستة أشهر

وهو الذي أفتى ببراءة المرأة التي وضعت لستة أشهر، في حين أفتى عثمان برجمها بتهمة الزنا، حيث استدلّ على الاية الكريمة حيث قال تبارك وتعالى (وحمله وفصاله ثلاثين شهراً)([2]) وفي موضع آخر قال: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين)([3]) أربع وعشرون شهراً رضاعة وستة أشهر حمل = ثلاثين شهراً، وهناك قضاء وفتاوى عجيبة وكثيرة ذكرنا بعضها في الفصول السابقة([4]).

 

تفسير القرآن

ومن العلوم التي حاز بها قصب السبق: علم تفسير القرآن، وعنه أخذ، ومنه فرّع، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صِحَّة ذلك، لان أكثره عنه وعن عبدالله إبن عباس، وقد علم الكل ملازمته لعلي (عليه السلام) وانقطاعه إليه، وأنه تلميذه وخرّيج مدرسته، وقد قيل له: أين علمك من علم ابن عمك عليّ؟ فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى بحر المحيط.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) سورة النساء : آية 11 .

([2]) سورة الاحقاف : آية 15 .

([3]) سورة البقرة : آية 233 .

([4]) فليراجع كتاب القضاء لامير المؤمنين (عليه السلام) للعلامة المحقق محمد تقي التستري ، طبع النجف .