علم النحو

ومن العلوم التي امتاز بها: علم النحو والعربية، وقد عَلِمَ الناس كافة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبي الاسود الدؤلي جوامعه وأصوله، وجملتها: قال: «الكلام كله ثلاثة أشياء: إسم، وفَعِل، وحَرف» ومن جملتها تقسيم الاسم إلى معرفة ونكرة، وتقسيم وجوه الاعراف إلى الرفع، والنصب، والجر، والجزم ; وهذا يكاد يلحق بالمعجزات، لانّ القوّة البشرية لا تفي بهذا الحصر، ولا تنهض بهذا الاستنباط.

قال ابن سينا: لم يكن شجاعاً فيلسوفاً قط إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وقال الشريف الرضي: من سمع كلامه (عليه السلام)، لا يشك أنه كلام من قبع في كسر بيت أو انقطع في سفح جبل، لا يسمع إلاَّ حِسّه، ولا إلاّ نفسه، ولا يكاد يوقن بأنه كلام من ينغمس في الحرب، مصلّتاً سيفه، فيسقط الرقاب ويجدّل الابطال، ويعود به ينطف دماً ويقطر مهجاً، وهو مع ذلك زاهد الزهاد، وبدل الابدال، وهذه من فضائله العجيبة التي جمعت بها بين الاضداد.

فلامير المؤمنين (عليه السلام) قضايا وأحكام وأجوبة مسائل عجيبة، منها ما وقع في حياة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنها في عهد الخلفاء الثلاثة، ومنها في خلافته هو (عليه السلام)، وقد نقل ذلك فطاحل العلماء وأرباب السير والتاريخ في كتبهم.

1 - قال شريح: كنت أقضي لعمر بن الخطاب، فأتاني يوماً رجل فقال لي: يا أبا أمية إنّ رجلاً أودعني امرأتين، إحداهما حرة مهيرة، والاخرى سرية، فجعلتهما في دار، وأصبحت اليوم قد ولدتا غلاماً وجارية، وكلتاهما تدعي الغلام وتنتفي من الجارية، فاقض بينهما بقضائك، فلم يحضرني شيء فيهما، فأتيت عمر فقصصت عليه القصة فقال: فما قضيت بينهما؟ قلت: لو كان عندي قضائهما ما أتيتك.

فجمع عمر جميع من حضر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمرني فقصصت عليهم ما حدثته به، وشاورهم وكلهم ردوا الرأي إليَّ وإليه.

فقال عمر: ولكني أعرف حيث مفزعها وأين منتزعها.

قالوا: كأنّك أردت ابن أبي طالب؟

قال: نعم، وأين المذهب عنه.

قالوا: فابعث إليه يأتيك.

فقال: لا، له شمخة من هاشم، وأثرة من علم، يؤتى لها ولا يأتي، وفي بيته يؤتى الحكم، فقوموا بنا إليه.

فأتينا أمير المؤمنين (عليه السلام) فوجدناه في حائط له يركل فيه على مسحاته ويقرأ: (أيحسبُ الانسانُ أن يُتركَ سُدى) ويبكي، فأمهلوه حتى سكن، ثم استأذنوا عليه، فخرج إليهم وعليه قميص قد نصّف أردانه، فتوجه علي إلى عمر، وقال: «ما الذي جاءك؟».

فقال: عرض، وأمرني فقصصت عليه القصة.

قال: «فبم حكمت فيها»؟.

قلت: لم يحضرني حكم فيها.

فأخذ (عليه السلام) بيده من الارض شيئاً ثم قال: «الحكم فيها أهون من هذا».

ثم أحضر المرأتين وأحضر قدحاً، ثم دفعه إلى إحداهما فقال: «احلبي فيه»، فحلبت فيه ثم وزن القدح ، ودفعه إلى الاخرى فقال: «احلبي فيه»، فحلبت فيه، ثم وزنه، فقال لصاحبة اللبن الخفيف: «خذي ابنتك»، ولصاحبة اللبن الثقيل: «خذي ابنك»، ثم التفت إلى عمر فقال: «أما علمت أنّ الله تعالى حط المرأة عن الرجل فعجل عقلها وميراثها دون عقله وميراثه، وكذلك لبنها دون لبنه».

فقال عمر: «لقد أرادك الحق يا أبا الحسن ولكن قومك أبوا.

فقال (عليه السلام): «هوّن عليك أبا حفص، إن يوم الفصل كان ميقاتاً»([5]).

2 - سُئِل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رجل ضرب رجلاً على هامته فادعى المضروب أنه لا يبصر شيئاً، ولا يشم الرائحة، وأنّه قد ذهب لسانه.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إن صدق فله ثلاث ديات».

فقيل: يا أمير المؤمنين فكيف يعلم أنّه صادق؟.

فقال: «أمّا ما ادعاه أنه لا يشم رائحة، فإنّ يدنى منه الحراق، فإن كان كما يقول وإلاّ نحّى رأسه ودمعت عينه ، فأمّا ما ادعاه في عينيه، فإنّه يقابل بعينيه الشمس ، فإن كان كاذباً لم يتمالك حتى يغمض عينيه، وإن كان صادقاً بقيتا مفتوحتين ; وأمّا ما أدعاه في لسانه، فإنه يضرب على لسانه بإبرة، فإن خرج الدم احمر فقد كذب، وإن خرج الدم أسود فقد صدق»([6]).

3 - روي عن الصادق (عليه السلام): أنّ رجلاً أقبل على عهد علي (عليه السلام) من الجبل حاجاًومعه غلام له، فأذنب فضربه مولاه، فقال: ما أنت مولاي، بل أنا مولاك، فما زال ذا يتوعد ذا، وذا يتوعد ذا ويقول: كما أنت حتى نأتي الكوفة يا عدو الله فأذهب بك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما أتيا الكوفة أتيا أمير المؤمنين، فقال الذي ضرب الغلام: هذا غلام لي وإنه أذنب فضربته، فوثب عليّ.

وقال الاخر: هو والله غلام لي، وإنّ أبي أرسلني معه ليعلمني وإنه وثب عليّ يدعيني ليذهب بمالي.

قال: فأخذ هذا يحلف وهذا يحلف، وهذا يكذّب هذا ، وهذا يكذّب هذا.

فقال (عليه السلام): «انطلقا فتصافيا ليلتكما هذه ولا تجيئاني إلاّ بحق».

قال: فلما أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لقنبر: «اثقب في الحائط ثقبين» ; وكان (عليه السلام) إذا أصبح عقّب حتى تصير الشمس على رمح، فجاء الرجلان، واجتمع الناس فقالوا: لقد وردت عليه قضية ما ورد عليه مثلها، لا يخرج منها.

فقال لهما: «ما تقولان»؟ فحلف هذا أنّ هذا عبده، وحلف هذا أنّ هذا عبده.

فقال لهما: قوما فإني لست أراكما تصدقان»، ثم قال لاحدهما: «ادخل رأسك في هذا الثقب»، ثم قال للاخر: «ادخل رأسك في هذا الثقب».

ثم قال: يا قنبر عليَّ بسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عجل اضرب به رقبة العبد منهما»، قال: فأخرج الغلام رأسه مبادراً، ومكث الاخر في الثقب.

فقال علي (عليه السلام) للغلام: «ألست تزعم أنّك لست بعبد؟»، فقال: بلى، ولكن ضربني، وتعدّى عليَّ.

فتوثّق له أمير المؤمنين ودفعه إليه([7]).

4 - أُتي عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت بشباب من الانصار وكانت تهواه، فلما لم يساعدها احتالت عليه، فأخذت بيضة فألقت صفرتها وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر صارخة فقالت: إنّ هذا الرجل غلبني على نفسي، وفضحني في أهلي، وهذا أثر فعاله.

فسأل عمر النساء فقلن له: إنّ ببدنها وثوبها أثر المني ، فهمّ بعقوبة الشاب، فجعل يستغيث ويقول: تثبّت في أميري فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها، فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت.

فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما؟ فنظر علي إلى ما على الثوب، ثم دعا بماء حار شديد الغليان، فصب على الثوب فجمد ذلك البياض، ثم أخذه وشمه وذاقه فعرف طعمه، وزجر المرأة فاعترفت([8]).

5 - روي أن امرأتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولداً لها بغير بينة، ولم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، وفزع فيه إلى أمير المؤمنين، فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوفهما فأقامتا على التنازع والاختلاف.

فقال (عليه السلام) عند تماديهما في التنازع: «ائتوني بمنشار».

فقالت المرأتان: ما تصنع؟.

قال: «أقده نصفين، لكل واحدة منكما نصفه» فسكتت إحداهما، وقالت الاخرى: الله الله يا أبا الحسن، إن كان لا بد من ذلك فقد سمحت به لها».

فقال (عليه السلام): «الله أكبر، هذا ابنك دونها، ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت»، فاعترفت المرأة بأن الحق مع صاحبتها، والولد لها دونها، فسرى عن عمر، ودعا لامير المؤمنين بما فرج عنه من القضاء([9]).

6 - رفع إلى عمر: أنّ عبداً قتل مولاه، فأمر بقتله، فدعاه علي (عليه السلام) فقال له: «قتلت مولاك»؟.

قال: نعم.

قال: «ولم قتلته»؟.

قال: غلبني على نفسي، وأتاني في ذاتي.

فقال (عليه السلام) لاولياء المقتول: «أدفنتم وليكم؟».

قالوا: نعم.

قال: «ومتى دفنتموه»؟.

قالوا: الساعة.

فقال (عليه السلام) لعمر: «احبس هذا الغلام ولا تحدث فيه حدثاً حتى تمر عليك ثلاثة أيام». ثم قال لاولياء المقتول: «إذا مضت ثلاثة أيام أحضرونا».

فلما مضت ثلاثة أيام حضروا، فأخذ علي (عليه السلام) بيد عمر وخرجوا حتى وقفوا على قبر الرجل، فقال علي (عليه السلام) لاوليائه: «هذا قبر صاحبكم؟».

قالوا: نعم.

قال: «احفروا» حتى انتهوا إلى اللحد فقال: «اخرجوا ميتكم»، فنظروا إلى أكفانه في اللحد فلم يجدوه، فأخبروه بذلك.

فقال (عليه السلام): «الله أكبر، والله ما كَذبت ولا كُذبت، سمعت رسول الله يقول: من يعمل من أمتي عمل قوم لوط ثم يموت على ذلك، فهو يؤجل إلى أن يوضع في لحده، فإذا وضع فيه لم يمكث أكثر من ثلاث حتى تقذفه الارض إلى جملة قوم لوط المهلكين، فيحشر معهم»([10]).

7 - قال عاصم بن حمزة: إنّ غلاماً وامرأة أتيا عمر فقال الغلام: هذه والله أمي، حملتني في بطنها تسعاً، وأرضعتني حولين كاملين فانتفت مني وطردتني، وزعمت أنها لا تعرفني ; فأتوا بها مع أربعة أخوة لها، وأربعين قسّامة يشهدون لها أن هذا الغلام مدع ظلوم يريد أن يفضحها في عشيرتها، وأنّها بخاتم ربها ولم يتزوج بها أحد.

فأمر عمر بإقامة الحد عليه، فرأى علياً (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين احكم بيني وبين أمي.

فجلس (عليه السلام) موضع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال (عليه السلام): «لكِ ولي؟».

قالت: نعم، هؤلاء الاربعة إخوتي.

فقال (عليه السلام): «حكمي عليكم جائز وعلى أختكم؟».

قالوا: نعم.

فقال (عليه السلام): «أُشهِدُ الله وأُشهِدُ من حضر، أني زوجت هذه الامرأة من هذا الغلام بأربعمائة درهم، والنقد من مالي، يا قنبر عليّ بالدراهم»، فأتاه بها فقال: «خذها فصبها في حجر امرأتك، وخذ بيدها إلى المنزل».

فصاحت المرأة: الامان يا ابن عم رسول الله، هذا والله ولدي، زوجني إخوتي هجيناً فولدت منه هذا، فلما بلغ وترعرع أنفوا، وأمروني أن أنتفي منه وخفت منهم.

فأخذت بيد الغلام فانطلقت به، فنادى عمر: لولا علي لهك عمر([11]).

هذه بعض احكام الامام علي (عليه السلام) وقضاءه ولو أردنا الاسترسال لطال بنا المقام وخرجنا عن الاختصار.

 

شجاعةُ عليٍّ (عليه السلام)

اُقدِّم لك - عزيزي القارىء - في هذا الفصل نبذة منتقاة من الاحاديث، الواردة في شجاعته (عليه السلام)، وهي أشهر من أن تذكر، مشيراً في ذيل كلّ حديث إلى محل وروده في كتاب إحقاق الحق، وتجد التفصيل في الكراس الاول من هذه السلسلة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

* عليٌّ مثل موسى في شوكته وشجاعته ج4/ ح403.

* عليٌّ أشجع الناس قلباً. ج4/ 107، 150، 331، ج20/ 288، 442، 415، 416.

 

* إنَّ لعليٍّ الشجاعة كما أنَّ للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الرسالة والنبوّة. ج5/ 2.

* إنَّ الله تعالى أيَّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعليٍّ. ج6/ 139 - 153.

* عليٌّ صاحب لواء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الدنيا والاخرة. ج4/ 265، 762.

* عليٌّ قتل أصحاب الالوية يوم الخندق. ج5/ 72.

عليٌّ قاتل الكفرة. ج4/ 235.

* عليٌّ قاتل الفجرة. ج4/ 234، ج5/ 50.

* عليٌّ قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. ج4/ 85، 248.

* عليٌّ قاتل اللات والعزى. ج6/ 110.

* لاُقاتلن العمالقة بيد عليٍّ. ج6/ 500.

* عليٌّ يقاتل على التأويل. ج5/ 52، ج6/ 24 - 27.

* ضربة عليٍّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين. ج6/ 4 - 8.

* عليٌّ أسدُ الله الغالب. ج4/ 379.

* عليٌّ أشجع العرب. ج5/ 60.

* لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار. ج6/ 110.

* يا أبا الحسن، لو وضع إيمان الخلائق وأعمالهم في كفّة ميزان ووضع عملك يوم أحد على كفّة أخرى لرجح عملك على جميع ما عمل الخلائق، وإنَّ الله باهى بك يوم أحد ملائكته المقرّبين، ورفع الحجب من السماوات السبع، وأشرفت إليك الجنّة وما فيها، وابتهج بفعلك ربِّ العالمين، وإنَّ الله يعوضك ذلك اليوم ما يغبط كلّ نبيٍّ ورسول وصدّيق وشهيد. ج6/ 10.

هذا ماكان في موسوعة احقاق الحق

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([5]) قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) للتستري 121 .

([6]) وسائل الشيعة 19 ـ 279.

([7]) وسائل الشيعة 18/209 . قضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) للتستري ص 7 . ومن الجدير بالذكر أنّ بعض الحكام أخذ هذا الحكم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فقد ترافع اليه في قتيل ، والتهمة موجهة إلى جماعة ولم يتمكن من تشخيصه من بينهم مع كثرة المرافعات وفي آخر جلسة قال : برأتكم المحكمة ، فخرجوا ، فصاح القاتل يقف ، فوقف أحدهم ، وأخيراً اعترف .

([8]) الغدير 6/126 عن الطرق الحكمية لابن القيم .

([9]) الارشاد للشيخ المفيد 96 .

([10]) لالىء الاخبار للتويسركاني 589 .

([11]) المناقب 1/494 .