عزيزي القارىء: إليك ثلاث صور مما روى من الروايات في قصة تصدق الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)بالخاتم إلى الفقير السائل، والايات النازلة بشأنه([49])، فراجع، اذكر منها الصورة الثانية للدلالة.
عن جابر بن عبدالله الانصاري قال: كنا جلوساً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ورد علينا أعرابي أشعث الحال عليه أثواب رثة والفقر ظاهر بين عينيه، ومعه عياله، فلما دخل المسجد سلّم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقف بين يديه وأنشد يقول:
أتيتك والعذارءُ تبكي برنّة * * * وقد ذهلت أُم الصبي عن الطفل
وأُختّ وبنتان وأُمٌّ كبيرة * * * وقد كدت من فقري أخالط في عقلي
وقد مسني فقر وذلّ وفاقة * * * وليس لنا شيء بمرّ ولا يحلي
ولسنا نرى إلاّ إليك فرارنا * * * وأين مفر الخلق إلاّ إلى الرسل
فلما سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك بكى بكاءً شديداً، ثم قال لاصحابه: «معاشر المسلمين إن الله تعالى، قد ساق إليكم ثواباً، وقاد إليكم أجراً، والجزاءُ من الله غرف في الجنة، تضاهي غرف إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فمن منكم يواسي هذا الفقير؟».
فلم يجبه أحد، وكان في ناحية المسجد علي بن أبي طالب يصلي ركعات تطوعاً كانت له دائماً، فأومأ إلى الاعرابي بيده فدنا منه، فدفع إليه الخاتم من يده وهو في صلاته فأخذه الاعرابي وانصرف.
ثم إنّ النبي أتاه جبرئيل ونادى: السلام عليك يا رسول الله ربك يقرؤك السلام ويقول لك: إقرأ: (إنَّما وَليُّكمُ اللهُ ورسولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤتُون الزكاةَ وَهُم راكِعُونَ * ومَن يَتولَّ اللهَ ورسولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فإن حِزبَ اللهِ هُمُ الغالِبُونَ)([50]).
فعند ذلك قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً على قدميه وقال: «معاشر المسلمين أيّكم اليوم عمل خيراً حتى جعله الله ولي كل مَن آمن؟».
قالوا: يا رسول الله ما فينا من عمل خيراً سوى ابن عمك علي بن أبي طالب فإنَّه تصدق بخاتمه على الاعرابي وهو يصلي. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «وجبت الغرف لابن عمي علي بن ابي طالب»، فقرأ عليهم الاية... الخ.
فتقدم حسان بن ثابت وأنشأ يقول:
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * * * وكل بطيء في الهدى ومسارعِ
أيذهب مدحي والمحبر ضائع * * * وما المدح في جنب الاله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعاً * * * فدتك نفوس القوم يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيّد * * * ويا خير شار ثم يا خير بايع
فأنزل فيك الله خير ولاية * * * وبيَّنها في محكمات الشرائع
وقال خزيمة بن ثابت ذو الشهاديتن:
فديت عليّاً إمام الورى * * * سراج البرية مأوى التقى
وصي الرسول وزوج البتول * * * إمام البرية شمس الضحى
تصدّق خاتمه راكعاً * * * فأحسن بفعل إمام الورى
ففضّله الله ربّ العباد * * * وأنزل في شأنه هل أتى
وأنشد الاعرابي هذه الابيات:
أنا عبد لخمسة نزلت فيهم السور * * * آل طه وهل اتى فاقرأوا واعرفوا الخبر والطواسين بعدها والحواميم والزمر
أنا عبدٌ لهؤلاء وعدوٌ لمن كفر * * * كما قيل في هذه المناسبة أيضاً:
أوفي الصلاة مع الزكاة اقامها
والله يرحم عبَده الصبّارا * * * من ذا بخاتمه تصدق راكعاً
واسره في نفسه إسرارا * * * من كان بات على فراش محمد
ومحمدٌ أسري يؤم الغار * * * من كان جبرئيل يقوم يمينه
يوماً وميكال يؤم يسارا * * * من كان في القرآن سمّى مؤمناً
في تسع آيات جعلن غزارا * * *
ذكر العلامة الاربلي في كتابه كشف الغمة ج1 ص232، 233 في سبب نزول آية المباهلة، إليك نصّها:
ولمّا انتشر أمر الاسلام بعد الفتح وما تلاه من الغزوات، وفدت الوفود على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ممّن وفد عليه أبو حارثة أسقف نجران في ثلاثين رجلاً من النصارى منهم: العاقب والسيّد وعبدالمسيح، فقدموا المدينة.
فلمّا صلّى النبيّ العصر جاءوا إليه يقدمهم الاسقف، فقال: يا محمّد ما تقول في السيّد المسيح؟.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «عبدالله اصطفاه وانتجبه».
فقال الاسقف: أتعرف له أباً ولّده؟.
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «لم يكن عن نكاح فيكون له والد».
فقال: كيف تقول أنه عبد مخلوق وأنت لا ترى عبداً بغير أب»؟.
فأنزل الله تعالى الاية من سورة آل عمران إلى قوله: (إنَّ مَثَل عِيسَى عِندَ اللهِ كَمَثلِ آدَمَ خَلَقهُ مِن تُراب ثُمَّ قالَ لهُ كُن فيكونُ * الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُن مِنَ المُمتَرينَ * فَمَن حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعدِ ما جَاءَك مِنَ العِلمِ فَقُل تَعالَوا نَدعُ أبناءَنا وأبناءَكُم ونِسَاءَنا ونِساءَكُم وأنفُسَنا وأنفُسَكم ثُمَّ نبتهِل فَنَجعل لَعنةَ اللهِ على الكاذِبين)([51]).
فتلاها على النصارى ودعاهم إلى المباهلة وقال: «إن الله أخبرني أنّ العذاب ينزل على المبطل عقيب المباهلة ، ويبيّن الله الحق من الباطل».
فاجتمع الاسقف وأصحابه وتشاوروا واتفق رأيهم على استنظاره إلى صبيحة غد، فلمّا رجعوا إلى رحالهم قال الاسقف: انظروا محمّداً فإن غدا بأهله وولده فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء.
فلما كان الغد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) آخذاً بيد علي (عليه السلام)والحسن والحسين (عليهما السلام) يمشيان بين يديه وفاطمة (عليها السلام)تمشي خلفه، فسأل الاسقف عنهم، فقالوا: هذا عليّ ابن عمه وهو صهره وأبو ولده وأحبّ الخلق إليه، وهذان الطفلان ابنا بنته من عليّ وهما أحب الخلق إليه، وهذه الجارية فاطمة ابنته وهي أعز الناس عنده وأقربهم إلى قلبه.
فنظر الاسقف إلى العاقب والسيد وعبدالمسيح وقال لهم: انظروا قد جاء بخاصته من ولده وأهله ليباهل بهم واثقاً بحقه، والله ما جاء بهم وهو يتخوف الحجة عليه فاحذروا مباهلته، والله لولا مكانة قيصر لاسلمت له ولكن صالحوه على ما يتفق بينكم، وارجعوا إلى بلادكم وارتاؤوا لانفسكم([52]).
فقالوا: رأينا لرأيك تبع.
فقال الاسقف: يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ولكنّا نصالحك ، فصالحنا على ما ننهض به، فصالحهم على ألفي حلة قيمة كل حلة أربعون درهماً جياداً، فما زاد أو نقص كان بحسبا ذلك، وكتب لهم به كتاباً.
ففي هذه القضية بيان لفضل عليّ (عليه السلام)، وظهور معجز النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن النصارى عَلِمُوا أنّهم متى باهلوه حلّ بهم العذاب، فقبلوا الصلح، ودخلوا تحت الهدنة، وإنّ الله تعالى ابان أنّ علياً هو نفس رسول الله، كاشفاً بذلك عن بلوغه نهاية الفضل، ومساواته للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في الكمال والعصمة من الاثام، وإنّ الله جعله وزوجته وولديه مع تقارب سنّهما حجة لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبرهاناً على دينه، ونصّ على الحكم بأنّ الحسن والحسين أبناؤه، وأنّ فاطمة (عليها السلام) نساؤه، والمتوجّه إليهم الذّكر والخطاب في الدّعاء إلى المباهلة، والاحتجاج، وهذا فضل لم يشاركهم فيه أحد من الامة ولا أقاربهم.
القرآن هو كتاب الله عزَّ وجلَّ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كلام الله الذي لا يتبع الهوى ولا يميل إلى أي جهة بدافع العاطفة، بل هو الصراط المستقيم والحق القويم.
كما أنّ هناك أحاديث نبوية شريفة اتفق على صحتها علماء الشيعة والسنّة، منها قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» والرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) يقرن العترة بالقرآن، والقرآن بالعترة.
أليس القرآن: (هُدًى للنّاسِ وبَيّنات منَ الهُدى والفُرقان)([53]).
أو أليس القرآن (يهدي للَّتي هِيَ أقومُ)([54]).
أو أليس القرآن (هَذا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِّلمُتَّقين)([55]).
أو أليس القرآن هو الحق ويدعو إلى الحق؟.
وإليك وصف موجز عن سبب نزول آية التطهير.
لقد أجمع المفسرون والمحدثون على اختلاف مذاهبهم ونحلهم، إلاّ الشاذ منهم، واتفقت كلمتهم على: أنَّ آية التطهير نزلت في: عليٍّ، وفاطمة، والحسن، والحسين (عليهم السلام)، وإن كان هناك بعض الاختلاف في ألفاظ الحديث، فالمؤدى واحد.
وخلاصة الواقعة: روى الشيخ الجليل عبدالله البحراني في (العوالم) بسند فيه جمع من أجلاء العلماء وأعلام الطائفة... إلى جابر بن عبدالله الانصاري قال: سمعت فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنها قالت:
دخل عليَّ أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في بعض الايام، فقال: «السلام عليكِ يا فاطمة».
فقلت: وعليك السلام يا أبتاه.
فقال: إني لاجد في بدني ضعفاً.
فقلت له: أعيذك بالله يا أبتاه من الضعف.
فقال: يا فاطمة، ائتيني بالكساء اليماني، وغطيني به... إلى آخر الحديث.
وفي رواية أخرى: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان في بيت زوجته أم سلمة فدخلت عليه ابنته فاطمة ومعها الحسن والحسين وتبعهما علي (عليه السلام)، فجلسا عنده، فألقى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رداءً أو عباءة أو كساءً]كيفما كان [عليهم وقال: «اللّهم هؤلاءِ أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً».
فقالت أم سلمة: يا رسول الله، فأنا مِن أهلك، وفي رواية: وأنا معكم؟ أو: ألا أدخل معكم؟ وفي رواية قالت فرفعت الكساءَ لادخل فجذبه من يدي وقال: «إنك على خير وإنك من أزواج النبي». فنزلت الاية: (إنّما يُريدُ اللهُ ليذهبَ عَنكُمُ الرجس أهلَ اَلبَيتَ ويُطهركُم تَطهيراً)([56]).
وقال أبو سعيد الخدري: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يأتي باب علي وفاطمة أربعين صباحاً فيقول: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت، (إنَّما يُريدُ اللهُ ليُذهبَ عَنكُمُ الرجسَ أهلَ البيتِ ويطهّركم تطهيراً)، أنا حربٌ لمن حاربتم وسلمٌ لمن سالمتم».
فقد أجمع محدثو الشيعة ومفسِّروهم، أنّ آية التطهير نزلت خاصة بعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، لا تشاركهم زوجات النبي (صلى الله عليه وسلم) فيها.
ومن أعلام السنة من ذكر ذلك، منهم: الثعلبي في تفسيره ، وأحمد بن حنبل في مسنده، والواحدي في تفسيره (البسيط)، وابن البطريق في المستدرك، والرازي في تفسيره، وغيرهم ممن يطول الحديث عن ذكرهم.
سبق أن ذكرنا بعض خصائص الامام أمير المؤمنين علي إبن ابي طالب (عليه السلام) التي تفرّد بها عن غيره، وكانت من جملة مفاخره، لان الله سبحانه وتعالى خصّه بها وأنزل العديد من الايات بشأنه، وتلك منزلة لم ينلها أحد من المسلمين.
ومن تلك الخصائص الفريدة، والمزايا الحميدة، ما رواه المفسرون، في تفسير قوله تعالى في محكم كتابه المجيد: (يَا أَيُّها الذينَ آمَنوا إذا ناجيتُمُ الرسولَ فَقَدِّموا بَينَ يَدي نَجواكُم صَدَقةً ذلك خيرٌ لكم وأطهرُ)([57]).
أما الاغنياءُ فبخلوا، وغلَّبوا على حبه والرغبة في مناجاته حب الحطام، وأما أهل العسرة «الفقراء» فلم يجدوا ما يقدموا بين يدي مناجاتهم صدقة.
فخف ذلك الزحام على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واشتد على أصحابه، فنزلت الاية التي بعدها، راشقةً لهم بسهام الملامة، ناسخة بحكمها حيث أحجم من كان دأبه الاقدام.
وقال عليٌّ أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ في كتاب الله تعالى لايةً ما عَمِلَ بها أحدٌ قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، (وهي آية المناجاة)، فإنّها لمّا نزلت كان لي دينار فبِعتُه بعشرة دراهم وكنت إذا ناجيت الرسول تصدَّقت بدرهم حتى فنيت الدراهم، فنسخت الاية بقوله عزَّ من قائل: (ءأشفَقْتُم أن تُقَدِّموا بَين يَدَي نجواكُم صَدَقات)([58]).
وروى الشيخ الطوسي (رضي الله عنه) عن الترمذي، والثعلبي، عن علي (عليه السلام) أنه قال: «بي خَفّف الله عن هذه الاُمة، لانّ الله تبارك وتعالى امتحن الصحابة بهذه الاية فتقاعسوا عن مناجاة الرسول، وكان قد احتجب في منزله من مناجاة كل أحد إلاّ من تصدّق، وكان معي ديناراً فتصدقت به ، فكنت أنا سبب التوبة من الله تعالى على المسلمين حين عَمِلتُ بالاية، ولو لم يَعمَل بها أحد لنزل العذاب لامتناع الكل عن العمل بها».
وفي كتاب فرائد السمطين: إن علياً (عليه السلام) ناجى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشر مرات، بعشر كلمات قدّمها عشر صدقات فسأل في الاولى: «ما الوفاء؟ قال: التوحيد: شهادة أن لا إله إلاّ الله». إلى آخر المناجات العشرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([49]) كما تجده مذكوراً ومفصلاً في الجزء الاول من كتابنا ( علي في الكتاب والسنة ) في تفسير الاية 55 من سورة المائدة من ص 95 إلى ص 103 .
([50]) سورة المائدة : آيتان 55 ـ 56 .
([51]) سورة آل عمران : آيات 59 ـ 61 .
([52]) ارتأى الامر : نظر فيه وتدبره .
([53]) سورة البقرة : آية 185 .
([54]) سورة الاسراء : آية 9 .
([55]) آل عمران آية 138 .
([56]) سورة الاحزاب : آية 33 .
([57]) سورة المجادلة : آية 12 .
([58]) سورة المجادلة : آية 12 .