علي وسورة هل اتى

وسائل هل أتى نص بحق علي؟

 أجبته هل أتى نص بحق علي

في أمالي الصدوق: عن الامام الصادق (عليه السلام)، عن أبيه في قوله عزَّ وجلَّ: (يوفونَ بالنَّذرِ)([59]) قالا: «مرض الحسن والحسين (عليهما السلام)، وهما صبيّان صغيران فعادهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعه رجلان، فقال أحدهما: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذراً إنِ اللهُ عافاهما، فقال: اصوم ثلاثة أيام شكراً لله عزَّ وجلَّ، وكذلك قالت فاطمة (عليها السلام)، وقال الصبيّان الحسن والحسين (عليهما السلام): ونحن أيضاً نصوم ثلاثة ايام، وكذلك قالت جاريتهم فضة.

فألبسهما الله عافية، فأصبحوا صياماً وليس عندهم طعام ، فانطلق عليٌّ (عليه السلام)، فاستقرض ثلاثة أصوع من الشعير.

ثمّ أخذت فاطمة (عليها السلام) صاعاً من الشعير فطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرصاً، وصلى عليٌّ (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المغرب، ثمّ أتى منزله فوضع الخوان وجلسوا خمستهم، فأوّل لقمة كسرها علي (عليه السلام)، وإذا مسكين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي (عليه السلام) اللقمة من يده، ودفعها إلى المسكين وفعل أهل بيته كذلك، وباتوا جياعاً وأصبحوا صياماً ولم يذوقوا إلاّ الماء القراح.

وفي اليوم الثاني عمدت فاطمة (عليها السلام) إلى الثلث الثاني من الشعير وطحنته وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً، وصلى عليٌّ المغرب مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أتى منزله فلما وضع الخوان بين يديه وجلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها عليٌّ (عليه السلام)، وإذا بيتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد أنا يتيم من يتامى المسلمين أطعموني مما تأكلون، أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي (عليه السلام) اللقمة من يده فعمدت فاطمة (عليها السلام) إلى الطعام فأعطته جميع ما في الخوان، وباتوا جياعاً لم يذوقوا إلاّ الماء القراح، وأصبحوا صياماً.

وفي اليوم الثالث، عمدت فاطمة الزهراء (عليها السلام)وطحنت الباقي من الشعير وعجنته وخبزت منه خمسة أقراص لكل واحد قرصاً، وصلّى عليٌّ (عليه السلام) المغرب مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أتى منزله، فقرّب إليه الخوان وجلسوا خمستهم فأول لقمة كسرها عليّ (عليه السلام) وإذا بأسير من أسراء المشركين قد وقف بالباب فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا أسيركم أطعموني مما أطعمكم الله.

فوضع عليّ (عليه السلام)، اللقمة من يده، ثم عمدوا جميعاً إلى ما كان على الخوان فأعطوه وباتوا جياعاً وأصبحوا مفطرين وليس عندهم شيء».

قال شعيب في حديثه: وأقبل عليٌّ بالحسن والحسين (عليهم السلام)، نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهما يرتعشان كالفِراخ من شِدَّة الجوع، فلما بصر بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا أبا الحسن شدّ ما يسوءني ما ارى بكم!؟ انطلق إلى ابنتي فاطمة».

فانطلقوا إليها وهي في محرابها قد لصق بطنها بظهرها من شدّه الجوع وغارت عيناها، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ضمها إليه وقال: «وا غوثاه بالله؟ أنتم منذ ثلاث فيما أرى؟» فهبط جبرئيل فقال: يا محمد خذ ما هيأ الله لك في أهل بيتك، قال: وما آخذ يا جبرئيل؟ قال: (هَل أَتى على الانسان حِينٌ من الدهرِ)([60])حتى إذا بلغ (إنَّ هذا كانَ لكُم جزاءً وكان سعيكم مشكوراً).

 

حديث سد الابواب

عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: لما قدم أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، المدينة لم تكن لهم بيوت، فكانوا يبيتون في المسجد، فقال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تبيتوا في المسجد فتحلموا».

ثم إنّ القوم بنوا بيوتاً حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وإنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إليهم معاذ بن جبل فنادى أبا بكر فقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمرك أن تخرج من المسجد وتسد بابك، فقال: سمعاً وطاعة، فسدّ بابه وخرج من المسجد.

ثم أرسل إلى عمر فقال مثل قوله، فقال: سمعاً وطاعة.

ثم أرسل إلى عثمان وعنده رقية، فقال: سمعاً وطاعة ، فسدّ بابه وخرج من المسجد.

ثم أرسل إلى حمزة (رضي الله عنه) فسد بابه وقال: سمعاً وطاعة لله ولرسوله.

وعلي (عليه السلام)، كان متردداً لا يدري أهو فيمن يقيم أو فيمن يخرج؟ ، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بنى له في المسجد بيتاً بين بيوته، «كذا مذكور» فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «اسكن طاهراً مطهراً».

فبلغ حمزة ذلك فقال: يا رسول الله تخرجنا وتمسك غلمان بني عبدالمطلب، فقال له النبي: «لو كان الامر إليّ ما جعلت دونكم أحد، والله ما أعطاه إياه إلاّ الله، وإنك لعلى خير من الله ورسوله، أبشر» فبشره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقتل يوم أحد شهيداً.

 

ونَفَس ذلك رجال على عليٌّ فوجدوا في أنفسهم (أي حسدوه)، وتبين فضله عليهم وعلى غيرهم من الصحابة ، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقام خطيباً فقال: «إنّ رجالاً يجدون في أنفسهم في أن أسكن علياً في المسجد وأُخرِجُهم، والله ما أخرجتهم ولا اسكنته، إنّ الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى موسى وأخيه (أن تبوءَا لقومِكما بمصرَ بُيُوتاً واجعلوا بُيُوتَكم قِبلةً وأقيموا الصَّلاة) يونس 10: 78 وأمر موسى أن لا يسكن مسجداً ولا ينكح فيه ولا يدخله إلاّ هارون وذريته، وإنّ علياً بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يحل مسجدي لاحد ينكح فيه النساء إلاّ علي وذريته، فمن شاء فها هنا» وأومأ بيده نحو الشام.

 

علي ومفاخرة العباس وشيبة

روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني عن ابن بريدة عن أبيه قال: بينا شيبة بن أبي طلحة، والعباس بن عبدالمطلب عم النبي، يتفاخران إذ مرّ بهما علي بن ابي طالب (عليه السلام) فقال: «بماذا تتفاخران»، فقال العباس: لقد أوتيت من الفضل ما لم يؤت أحد: سقاية الحاج.

وقال شيبة: أوتيت عمارة المسجد الحرام.

قال عليٌّ (عليه السلام) «إستحييت لكما فقد أُوتيت على صِغَرِي ما لم تأتيا».

فقالا: وما أُوتيت يا عليّ؟

قال: ضربت خراطِمَكما بالسيف حتى آمنتما بالله ورسوله».

فقام العباس يجر ذيل ثوبه حتى دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: أما ترى إلى ما يستقبلني به علي؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «ادعوا لي علياً» فدعي له، فقال: «ما حملك على ما استقبلت به عمك»؟

فقال: «يا رسول الله صدمته بالحق، فمن شاء فليغضب، ومن شاء فليرضى».

فنزل جبرئيل وقال: «يا محمّد إنّ ربك يقرأ عليك السلام ويقول: اتل عليهم: (أَجَعَلتُم سِقايَةَ الحَاجِّ وَعمَارةَ المسجدِ الحرامَ كمن آمَنَ باللهِ واليومِ الاخِرِ وَجاهَدَ في سبيل اللهِ لا يَستوُن)([61]).

 

تبليغ علي سورة البراءة

في شهر ذي الحجة من السنة التاسعة للهجرة، نزلت الايات الاولى من سورة برآءة - التوبة - ملخصها:

أرسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أبا بكر ليحج بالناس، والمشركون لا يزالون يشاركون المسلمين في أداء الفريضة، فيحج في الموسم من يؤمن بالله، ومن يؤمن بالجبت والطاغوت.

ومضى ابو بكر بمن معه من المسلمين ليشرف على الحج في ذلك العام، حتى انتهى إلى ذي الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة المعروف بمسجد الشجرة في يومنا هذا.

وفيما هو يسير بمن معه وإذا بالوحي ينزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويأمره بأن يرسل علياً مكان أبي بكر، وقال له: لا يؤديها إلاّ أنت أو رجل منك.

وهذا مما يثبت بالدليل القاطع على أن نفس علي (عليه السلام)هي نفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وان أبا بكر غير جدير بحمل الرسالة وادائها.

فارسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علياً (عليه السلام) وأمره أن يأخذ الايات من أبي بكر ويؤديها بنفسه، فلحقه علي (عليه السلام) وهو لا يزال بذي الحليفة فأخذها منه، ورجع أبو بكر إلى المدينة خائفاً أن يكون قد نزل فيه ما يغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله هل أنزل فيَّ شيء؟ فقال النبي: «لا ولكني أُمرِت أن أبلغها أنا أو رجل مني».

ومضى عليٌ (عليه السلام) حتى بلغ مكة فقرأ على الناس الايات الاولى من سورة برآءة في اليوم العاشر من شهر ذي الحجة، كما جاء ذلك برواية ابن كثير في البداية والنهاية.

 

إنه تلا عليهم سورة برآءة حتى بلغ قوله تعالى: (إنَّما المُشرِكُونَ نَجَسُ فَلا يَقرَبُوا المسجِدَ الحَرَامَ بَعدَ عَامِهِم هذَا وإن خِفْتُم عَيْلَةً فَسوَفَ يُغنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إن شآءَ إنَّ اللهَ عَليمٌ حَكيمٌ)([62]).

ثم أعاد عليهم القول: «لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف في البيت عريان ومن كان بينه وبين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد فأجله إلى مدته».

وأصغى المشركون إلى هذا القرار، بقلوب ترتعد من الخوف ويسعرها الحقد، ثم رجعوا إلى أنفسهم وتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض: ما تصنعون وقد أسلمت قريش وأكثر العرب، فأسلم أكثرهم (اضطراراً) قبل نهاية الاشهر الاربعة.

 

اقوال الصحابة والتابعين

من المعيب أن نستدل على فضل علي بن أبي طالب عليه السلام بأقوال الصحابة والتابعين، وهم لولا جهاده وآثاره لكانوا في طي النسيان، وعالم الاهمال، وما قيمة ما ذكروه بعد قول الرسول الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم له: يا علي ما عرفك إلاّ الله وأنا، وناهيك بهذا شرفاً وفخراً.

نذكر من كلماتهم:

- قال أبو بكر لامير المؤمنين (عليه السلام): أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة([63]).

- قال عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر([64]).

وقال أيضاً: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن([65]).

وقال أيضاً: لا يفتين أحد في المسجد وعلي حاضراً([66]).

وقال أيضاً: علي أقضانا([67]).

وقال أيضاً: اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب([68]).

- قال عبدالله بن مسعود: كنا نتحدث أنّ أقضى المدينة علي بن أبي طالب([69]).

- قال سعيد بن المسيب: ما كان أحد من الناس يقول سلوني غير علي بن أبي طالب([70]).

- قال زيد بن أرقم: أوّل من صلى مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم علي بن أبي طالب([71]).

- قالت عائشة: ما رأيت رجلاً أحب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منه([72]).

وقالت أيضاً: أما إنّه لاعلم الناس بالسنة([73]).

- قال أبو سعيد الخدري: كنا نعرف المنافقين ببغضهم علياً([74]).

- قال عبدالله بن عباس لقوم يتناولون علياً: ويحكم أتذكرون رجلاً كان يسمع وطأ جبرئيل عليه السلام فوق بيته، ولقد عاتب الله أصحاب رسول الله صلّى عليه وآله وسلّم في القرآن ولم يذكره إلاّ بخير([75]).

وقال أيضاً: أعطي علي رضي الله عنه تسعة أعشار العلم، ووالله لقد شاركهم في العشر الباقي([76]).

وقال أيضاً: لعلي أربع خصال ليست لاحد غيره: وهو أول عربي وعجمي صلّى مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الذي كان لواءه معه في كل زحف، وهو الذي صبر معه يوم فرّ غيره، وهو الذي غسله وأدخله قبره([77]).

- قال جابر بن عبدالله الانصاري: ما كنا نعرف المنافقين إلاّ ببغض علي بن أبي طالب عليه السلام([78]).

قال ضرار بن ضمرة الكناني لما طلب منه معاوية أن يصف له علياً: كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من الدنيا وزهرتها، ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما خشن، ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، ويأتينا إذا دعوناه، وينبئنا إذا استنبئناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا، وقربه منا، لا نكاد نكلمه هيبة له، فإن ابتسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا يياس الضعيف من عدله. وأشهد لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الان وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول: يا دنيا غري غيري، إليّ تعرضت، أم إليّ تشوقت هيهات هيهات، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر، ووحشة الطريق.

 

شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام)

ضُرِبَ الامام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ليلة الاربعاء التاسعة عشر من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وقبض ليلة الجمعة ليلة إحدى وعشرين هذا ما كان عليه علماء أهل البيت (عليهم السلام) ومؤرخيهم والسائرين عليه.

 

نعيه نفسه قبل مقتله

قال ابن الاثير في الكامل: قيل من غير وجه أن علياً كان يقول ما يمنع اشقاكم أن يخضب هذه من هذه يعني لحيته من دم رأسه.

وقال الحسن بن كثير عن أبيه: خرج علي من الفجر فأقبل الاوز يصحن في وجهه فطردوهن عنه فقال ذروهن فانهن نوائح، فضربه ابن ملجم في ليلته.

 

سبب قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)

قال الطبري في تاريخه وابن الاثير في الكامل: كان سبب قتله (عليه السلام) أن عبدالرحمن بن ملجم المرادي والبرك بن عبدالله التميمي الصريمي واسمه الحجاج وعمروبن أبي بكر التميمي السعدي وهم من الخوارج اجتمعوا فتذاكروا أمر الناس وعابوا الولاة ثم ذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا ما نصنع بالبقاء بعدهم فلو شرينا أنفسنا لله وقتلنا أئمة الضلال وارحنا منهم البلاد فقال ابن ملجم أنا اكفيكم علياً وقال البرك بن عبدالله انا اكفيكم معاوية وقال عمرو بن بكر انا اكفيكم عمرو بن العاص فتعاهدوا أن لا ينكص أحدهم عن صاحبه الذي توجه إليه حتى يقتله أو يموت دونه وأخذوا سيوفهم فسموها واتعدوا لتسع عشرة أو سبع عشرة من رمضان فأتى ابن ملجم الكوفة فلقي اصحابه بها وكتمهم أمره ورأى يوماً أصحاباً له من تيم الرباب ومعهم امرأة منهم اسمها قطام (بنت الاخضر التيمية) قتل أبوها وأخوها يوم النهروان وكانت فائقة الجمال فخطبها فقالت لا أتزوجك إلاّ على ثلاثة آلاف وعبد وقينة وقتل علي فقال اما قتل علي فما أراك ذكرته وأنت تريدينني قالت بل التمس غرته فإن أصبته شفيت نفسك ونفسي ونفعك العيش معي وان قتلت فما عند الله خير من الدنيا وما فيها قال والله ما جاء بي إلاّ قتل علي فلك ما سألت قالت سأطلب لك من يشد ظهرك ويساعدك وبعثت إلى رجل من قومها اسمه وردان فأجابها وأتى ابن ملجم رجلاً من أشجع اسمه شبيب بن بجرة فقال هل لك في شرف الدنيا والاخرة قال وما ذاك قال قتل علي بن ابي طالب قال شبيب ثكلتك أمك لقد جئت شيئاً إداً كيف تقدر على قتله قال اكمن له في المسجد فإذا خرج إلى صلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه قال ويحك لو كان غير علي كان أهون قد عرفت سابقته وفضله وبلاءه في الاسلام وما أجدني انشرح لقتله قال اما تعلمه قتل أهل النهروان العباد الصالحين قال بلى قال فلنقتله بمن قتل من أصحابنا فأجابه فلما كان ليلة الجمعة([79]) وهي الليلة التي واعد ابن ملجم فيها أصحابه على قتل علي ومعاوية وعمرو جاؤوا قطام وهي في المسجد الاعظم معتكفة فدعت لهم بالحرير وعصبتهم به.

وقال الشيخ المفيد: أنهم أتوا قطام ليلة الاربعاء. وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبين أنهم أتوا قطام بنت الاخضر بن شجنة من تيم الرباب وهي معتكفة في المسجد الاعظم قد ضربت عليها قبة فدعت لهم بحرير فعصّبت به صدورهم وتقلّدوا سيوفهم ومضوا فجلسوا مما يلي السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين (عليه السلام)إلى الصلاة. (قال الشيخ المفيد) وقد كانوا قبل ذلك القوا إلى الاشعث بن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) واوطأهم على ذلك وحضر الاشعث في تلك الليلة لمعونتهم وكان حجر بن عدي في تلك الليلة بائتاً في المسجد فسمع الاشعث يقول لابن ملجم النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فأحس حجر بما أراد الاشعث فقال قتلته يا اعور وخرج مبادراً ليمضي إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ليخبره الخبر ويحذره من القوم وخالفه أمير المؤمنين (عليه السلام) في الطريق فدخل المسجد قال الطبري وابن الاثير: فلما خرج علي نادى الصلاة الصلاة فضربه شبيب بالسيف فوقع سيفه بعضادة الباب أو الطلق وضربه ابن ملجم على قرنه بالسيف وقال الحكم لله لا لك يا علي ولا لاصحابك. وقال أبو الفرج: فضربه ابن ملجم فأثبت الضربة في وسط رأسه قال ابن عبدالبر: فقال علي فزت ورب الكعبة لا يفوتنكم.

وفي الاستيعاب اختلفوا هل ضربه في الصلاة أو قبل الدخول فيها وهرب القوم نحو أبواب المسجد وتبادر الناس لاخذهم قال أبو الفرج فأما شبيب فأخذه رجل فصرعه وجلس على صدره وأخذ السيف ليقتله به فرأى الناس يقصدون نحوه فخشي أن يعجلوا عليه ولم يسمعوا منه فوثب على صدره وخلاه وطرح السيف من يده ومضى شبيب هارباً حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره فقال له ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين فأراد أن يقول له لا فقال نعم فمضى ابن عمه واشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه حتى قتله، قال المفيد: وأما ابن ملجم فلحقه رجل من همدان فطرح عليه قطيفة ثم صرعه وأخذ السيف من يده وجاء به أمير المؤمنين (عليه السلام) وافلت الثالث وانسل بين الناس، وفي رواية الطبري وابن الاثير أن الذي قُتِلَ وردان والذي اُفلِتَ شبيب. قال ابن الاثير: وقدم علي (عليه السلام) جعدة بين هبيرة ابن أخته أم هانيء يصلي بالناس الغداة قال الشيخ في الامالي وخرج الحسن والحسين (عليهما السلام) وأخذا ابن ملجم وأوثقاه، واحتمل أمير المؤمنين (عليه السلام) فأدخل داره.

قال ابن الاثير: وادخل ابن ملجم على أمير المؤمنين وهو مكتوف فقال أي عدو الله ألم أحسن إليك قال بلى قال فما حملك على هذا؟ قال شحذته أربعين صباحاً وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، قال علي لا اراك إلاّ مقتولاً به ولا اراك إلاّ من شر خلق الله ثم قال النفس بالنفس إن هلكت فاقتلوه كما قتلني وإن بقيت رأيت فيه رأيي، يا بني عبدالمطلب لا الفينكم تخوضون دماء المسلمين تقولون قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن إلاّ قاتلي، انظر يا حسن إذا أنا مت من ضربتي هذه فاضربه ضربة بضربة، ولا تمثلن بالرجل فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.

فأخرج من بين يديه وإن الناس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع وهم يقولون يا عدو الله ما فعلت أهلكت أمة محمد وقتلت خير الناس وأنه لصامت لا ينطق فذهب به إلى الحبس وجاء الناس إلى امير المؤمنين فقالوا مرنا بأمرك في عدو الله والله لقد أهلك الامة وأفسد الملة فقال لهم إن عشت رأيت فيه رأيي وإن هلكت فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي اقتلوه ثم احرقوه بعد ذلك بالنار.

 

قال أبو الفرج الاصبهاني روى أبو مخنف عن ابي الطفيل أنّ صعصعة بن صوحان استأذن علي (عليه السلام) وقد أتاه عائداً لما ضربه ابن ملجم فلم يكن عليه إذن فقال صعصعة للاذن: قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حياً وميتاً لقد كان الله في صدرك عظيماً ولقد كنت بذات الله عليماً. فابلغه الاذن فقال قل له وأنت يرحمك الله فلقد كنت خفيف المؤونة كثير المعونة.

وروى ابن الاثير في اُسد الغابة بسنده عن عمرو ذي مر قال لما أصيب علي بالضربة دخلت عليه وقد عصب رأسه فقلت يا أمير المؤمنين أرني ضربتك فحلها فقلت خدش وليس بشيء قال إني مفارقكم فبكت أم كلثوم من وراء الحجاب فقال لها اسكتي فلو ترين ما أرى لما بكيت فقلت يا أمير المؤمنين ماذا ترى قال هذه الملائكة وفود والنبيون وهذا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يا علي ابشر فما تصير إليه خير مما أنت فيه. وروى الشيخ أبو جعفر الطوسي في الامالي بسنده عن حبيب بن عمر ونحوه.

 

وصية أمير المؤمنين (عليه السلام)

ذكرها أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه وأبو الفرج الاصبهاني في مقاتل الطالبيين. بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أوصى به أمير المؤمنين علي بن ابي طالب أوصى أنه يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين اوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وان بغتكما ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للاجر (للاخرة خ ل) وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي ومن بلغهم كتابي هذا من المؤمنين بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام وإن البغضة حالقة الدين ولا قوة إلاّ بالله انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، والله الله في الايتام لا تغيروا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لاكل مال اليتيم النار، والله الله في القرآن فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ما زال يوصينا بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا وإن أدنى ما يرجع به مَن أمّهُ أن يغفر له ما سلف من ذنبه، والله الله في الصلاة فإنها خير العمل وإنها عمود دينكم والله الله في الزكاة فإنها تطفيء غضب ربكم والله الله في صيام شهر رمضان فإن صيامه جُنة من النار، والله الله في الجهاد في سيل الله بأموالكم وأنفسكم فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان إمام هدى ومطيع له مقتد بهذاه، والله الله في ذرية نبيكم فلا يظلمن بين أظهركم، والله الله في أصحاب نبيكم الذين لم يحدثوا حدثاً ولم يؤووا محدثاً فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصى بهم ولعن المحدث منهم ومن غيرهم والمؤوى للمحدث، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله في النساء وما ملكت أيمانكم فإن آخر ما تكلم به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن قال أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت ايمانكم ثم قال الصلاة الصلاة ولا تخافن في الله لومة لائم يلفكم من أرادكم وبغى عليكم قولوا للناس حسناً كما أمركم الله عزَّ وجلَّ ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولي الله الامر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، عليكم بالتواصل والتباذل والتبار وإياكم والتقاطع والتدابر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب حفظكم الله من أهل بيت وحفظ فيكم نبيكم واستودعكم الله خير مستودع واقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ثم فاضت روحه الطاهرة.

وبعد شهادته (عليه السلام) تولى تجهيزه ودفنه ابناه الامامان الحسن والحسين (عليهما السلام) بامره، وحملا نعشه وبقية أهل بيته واصحابه المخلصين إلى الغري من نجف الكوفة، فدفناه في مرقده المدخر له ادم ونوح (عليهما السلام) وعفيا موضع قبره بوصية منه، فلم يزل قبره مخفياً من بني أمية، حتى دلّ عليه حفيده الامام الصادق (عليه السلام) عند وروده الحيرة باستدعاء المنصور العباسي.

فعرفته الشيعة، واستأنفوا تعهدهم بزيارته. وكان عمره الشريف عند شهادته ثلاثاً وستين سنة.

وهكذا انتهت حياة هذا العظيم الذي ملئ الدنيا بجهاده وسمو مكارمه، وكانت حياته كلها عبادة ابتداءً من ولادته في الكعبة وشهادته بمحراب مسجد الكوفة.

فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد، ويوم استشهد ويوم يبعث حيا ورزقنا شفاعته.

 

قتل ابن ملجلم لعنه الله

ولما احسّ الامام علي (عليه السلام) بدنوا اجله من ضربة ابن ملجم لعنه الله، قال: احسنوا اليه فان أعش فهضم او قصاص، وان امت فعاجلوه فاني مخاصمه عند ربي عزّوجلّ.

 

وقد نهى الامام الحسن (عليه السلام) عن المثلة وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفيتكم تخوضون دماء المسلمين وتقولون قتل امير المؤمنين قتل امير المؤمنين، ألا لا يقتلن الا قاتلي، انظر يا حسن ان انا مت من ضربته هذه فاضربه ضربة بضربة ولا تمثل بالرجل فاني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: اياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، فلما قبض (عليه السلام) بعث الامام الحسن (عليه السلام) الى ابن ملجم، فقدّمه وضرب عنقه، ثم اخذ الناس جيفته فادرجوه في البواري ثم احرقوه بالنار، الا لعنة الله على الظالمين.

 

خاتمة المطاف

 

هذا غيضٌ من فيض فضائل الامام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومناقبه، الذي استخرجناه من مؤلفاتنا، ليكون في متناول خطباء المنبر الحسيني، ومصدراً للمؤلّفين، وتوعيةً لشبابنا المؤمن المهجر والمهاجر، ومن يريد ان يرتوي من نهله.

ولم نذكر بطولاته، وبعض جوانب حياته الفذّة، لما سبق ذكرها مفصّلاً، دراسة وتحليلاً.

سائلاً المولى القدير ان يتقبّل منّي هذا اليسير ويعفو عنّي الكثير، فإنّه سميع بصير.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيّين وآله الطاهرين.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([59]) سورة الانسان : آية 7 .

([60]) سورة الانسان : آية 1 ـ 22 .

([61]) سورة البراءة 9 : الاية 19 .

([62]) التوبة ... 38 .

([63]) الفتوحات الاسلامية 2/470 . قالها بعد أن قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من كنت مولاه فعلي مولاه .

([64]) شرح نهج البلاغة 1/6 . تذكرة الخواص ص87 .

([65]) شرح نهج البلاغة 6 . اسد الغابة 4/220 . تهذيب التهذيب 7/337 .

([66]) شرح نهج البلاغة 1/6 .

([67]) تهذيب التهذيب 7/337 .

([68]) تذكرة الخواص 87 .

([69]) أسد الغابة 4/22 . الائمة الاثنا عشر لابن طولون 50 .

([70]) أسد الغابة 4/22 . الائمة الاثنا عشر لابن طولون 51 .

([71]) الاستيعاب بهامش الاصابة 3/32 .

([72]) العقد الفريد 2/216 .

([73]) الاستيعاب بهامش الاصابة 3/40 .

([74]) الائمة الاثنا عشر لابن طولون 56 .

([75]) تذكرة الخواص 90 ، الاستيعاب بهامش الاصابة 3/40 .

([76]) الائمة الاثنا عشر لابن طولون 52 .

([77]) الاستيعاب بهامش الاصابة 3/27 .

([78]) الاستيعاب بهامش الاصابة 3/45 .

([79]) هكذا في تاريخ الطبري وكامل ابن الاثير ولعل الصواب ما يأتي عن المفيد ناقلاً له عن أبي مخنف أنه ضرب ليلة الاربعاء وقبض ليلة الجمعة وأنه وقع اشتباه بين ليلة الضرب وليلة الوفاة والله أعلم .