وظائفه في الدولة
في سنة 388 قلده بهاء الدولة خلافته في بغداد وخلع عليه خلعا فاخرة ، وفيها ولاه نقابة العلويين ، واما ولاية المظالم فكانت وظيفة تخص الملوك والخلفاء فانهم يجلسون يوما خاصا في السنة ، يؤذن فيه لارباب المظالم برفع ظلاماتهم مباشرة سواء نظر فيها القضاة أم لا ، وقد يقوم مقامهم نائب خاص ينظر في المظالم ويشترط فيه كونه من بيت شرف ومنعة وطهارة وعفاف وفقه واسع بجميع الاحكام الشرعية ، ففي سنة 388 قام الشريف الرضي بهذه الوظيفة بالنيابة عن بهاء الدولة .
وفي سنة 397 بعث بهاء الملك من البصرة إلى بغداد مرسوما ، بتولية الشريف امارة الحج ، وكان الشريف ممارسا لها منذ صباه تولاها في أغلب أعوام عمره نائبا عن أبيه ومستقلا (1) .

القابه
ان من العادات القديمة المنتشرة بين جميع الامم والشعوب أيا كان شكل حكومتها منح الالقاب لزعماء الدولة ، وظالما تزلف بها رجال الحكم لرعاياهم ليصطنعوهم بها ، وقد استكان ذووا الالقاب لاولئك الذين منحوهم بها ما يخول لهم حق الرفعة على من كان عاطلا منها .
وعلى هذا جرت الحكومات الاسلامية في تقدير عظمائها باسداء ألقاب إليهم ، وكان الشريف الرضي ممن يحمل أسمى الالقاب التي يرمز بها إلى مقامه الفخم ، فقد لقبه بهاء الدولة في سنة 388 ( بالشريف الجليل ) في واسط ، وسيره إلى بغداد في موكب ملوكي وفي سنة 498 صدر مرسوم من واسط بتلقيبه ( بذي المنقبتين ) وفيها لقبه بهاء الدولة ( بالرضي ذي الحسبين ) وفي سنة 401 أمر الملك قوام الدين ان تكون المكاتبة مع الشريف بعنوان ( الشريف
____________
1 ـ الغدير 4 | 204 . البداية والنهاية 11 | 335 .

( 26 )

الاجل ) مضافا إلى مخاطبته بالكنية (1) .

علمه
لقد كان الشريف مجيدا في العلم إلى الغاية كاجادته في الشعر غير انه لم يكثر منه كاكثاره في الشعر ، فلذلك لم يشتهر به ، وإن كتابه « حقايق التأويل » اكبر آية على اتقانه للفنون العلمية الدينية ومبادئها ووقوفه على اسرارها ، ولعل السبب الوحيد في قلة تأليف الشريف اشتغاله بشطر كبير من عمره بامارة الحج ، والنظر في المظالم ، ومقتضيات النقابة ، وهذه الاحوال لا تتفق مع التأليف والبحث ، اضف إلى ذلك شغل الوقت بالنظم في الاعياد والمواسم السنوية وما يتفق في العام الواحد من مراث وتهان ومعاتبات .
ومع هذا فانا نعرف من شهادة ابن جني ، والسيرافي ، بأنه متوقد الذكاء جيد الحفظ سريع الانتقال ولما تتم له العشرون سنة حضر عند ابن السيرافي النحوي ، وله دون العشرة فقال له يوما : إذا قلنا رأيت عمر فما علامة النصب في عمر ؟ فقال الشريف على البديهة : علامة النصب بغض علي ، فتعجب ابن السيرافي ومن حضر من سرعة انتقاله وهو بهذا السن (2) .
ومحاوراته مع أخيه المرتضى تشهد بفقاهة الشريف ومعرفته بطرق الاستدلال والاجتهاد ، قال الشهيد الاول (3) في « الذكرى » (4) ، والشهيد الثاني (5) في
____________
1 ـ الغدير 4 | 204 .
2 ـ وفيات الاعيان 1 | 107 ط حجر ايران .
3 ـ شمس الملة والدين الامام الشيخ محمد بن جمال الدين مكي بن محمد بن حامد بن أحمد العاملي النبطي الجزيني المستشهد سنة 786 وهو اول من اشتهر بهذا اللقب . شهداء الفضيلة | 97 ـ 80 .
4 ـ ذكرى الشيعة في احكام الشريعة . في الفقه خرج منه كتاب الطهارة والصلاة بعد مقدمة فيها سبع اشارات في المباحث الاصولية . وللفقهاء عليه حواش وشروح وقد طبع الكتاب في ايران عام 1271 حجر . الذريعة 6 | 86 و 10 | 40
5 ـ الشيخ الامام شرف الاسلام زين الدين بن الامام نور الدين علي بن احمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح الجبعي العاملي المستشهد 965 والمعروف لدى فقهاء الامامية

=


( 27 )

( روض الجنان ) (1) سأل الرضي ، أخاه المرتضى ، فقال : ان الاجماع واقع على ان من صلى صلاة لا يعلم احكامها فهي غير مجزية فأجاب المرتضى : بجواز تغيير الحكم الشرعي بسبب الجهل .
فهذه المناظرة تدل بأن له قوة في الاستدلال وملكة راسخة في الاستنتاج .

دار العـلم
اتخذ الشريف الرضي لتلامذته مدرسة سماها « دار العلم » وارصد لها مخزنا فيه ما يحتاجه الطلاب ، وذكر شاهدا له ان الوزير المهلبي لما بلغه ولادة ولد للشريف ارسل إليه الف دينار فردها ، فبعث إليه الوزير ان هذا للقابلة فارجعها ثانيا يعلمه : أنا أهل بيت لم تكن قوابلنا غريبة ، وانما هي من عجائزنا ولا يأخذن اجرة ولا يقبلن صلة ، فاعلمه الوزير برغبته في تفريقه على ملازميه من طلاب العلم ، فقال الشريف : لمن رجع المال انهم حضور يسمعون كلامك ، فقام أحدهم وأخذ دينارا وقطع منه قطعة ورد الباقي ، وأخبر الشريف بانه احتاج ليلة إلى دهن السراج ولم يكن الخازن حاضرا وقد اقترض هذا المقدار فأمر السيد أعلى الله مقامه ، أن يتخذ للخزانة مفاتيح بعدد التلاميذ ولا ينتظر الخازن (2) .
وفي هذه الدار كان الشريف يلقي على التلاميذ افاداته ودروسه يوميا متتابعة لا يشغله عن ذلك وظائف الدولة من النقابة وغيرها ، ولم يتعلل بزيارة زائر أو مدح خليفة أو قصيدة في حميم فان هذا كله نقض لهمم الطلاب وفت في عزيمتهم .
____________
=
بالشهيد الثاني . له تصانيف كثيرة وديوان شعر . شهداء الفضيلة | 132 ـ 164 .
1 ـ روض الجنان في شرح ارشاد الاذهان . . كتاب في الفقه خرج منه موضوع الطهارة والصلاة اوله : الحمد لله المتفضل بشرح معالم شريعته لارشاد الانام المتطول بارسال الرسل . . طبع في ايران سنة 1307 . الذريعة 11 | 275 .
2 ـ روضات الجنات 6 | 194 . عمدة الطالب | 199 .

( 28 )

على ان دار العلم لم تكن مدرسة فقط بل هي مكتبة ايضا فيها من امهات الكتب ما يحتاج إليه القاطن في المدرسة وغيره ، فهي كبيت الحكمة المؤسس للرشيد ، والمكتبة الحديثة التي انشأها وزير شرف الدولة البويهي ابو نصر سابور بن ازدشير سنة 381 وكان أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصري خازن ( دار العلم ) ولعبد السلام هذا مجمع علمي خاص ببغداد ينعقد يوم الجمعة من كل اسبوع .

اساتذته
قرأ الشريف على جماعة كثيرة منهم :
1 ـ أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي قرأ عليه « مختصر الطحاوي » في الفقه (1) .
2 ـ أبو الحسن علي بن عيسى الربعي البغدادي النحوي المتوفى 420 قرأ عليه النحو (2) .
3 ـ أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي مات 392 قرأ عليه « مختصر الجرمي » ، وقطعة من « ايضاح » ابي علي الفارسي ، و « العروض » لابي اسحاق الزجاج ، و « القوافي » للاخفش (3) .
4 ـ ابن السيرافي النحوي ابو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى 368 قرأ عليه النحو قبل ان تتم له العشرة (4) .
5 ـ ابن نباتة ابو يحيى عبد الرحيم بن محمد المتوفى 394 صاحب « الخطب » (5) .
____________
1 ـ المجازات النبوية | 92 . فصلنا القول عن شيوخه في كتابنا ( الشريف الرضي ) .
2 ـ المجازات النبوية | 250 .
3 ـ حقائق التأويل | 85 و 86 . الغدير 4 | 184 .
4 ـ الغدير 4 | 183 .
5 ـ المجازات النبوية | 233 .

( 29 )

6 ـ قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد الشافعي المعتزلي ، قرأ عليه كتابه « شرح الاصول الخمس » ، وكتابه « العمدة » في اصول الفقه (1) .
7 ـ أبو حفص عمر بن ابراهيم الكناني ، صاحب ابن مجاهد قرأ عليه « القراءات » بروايات كثيرة (2) .
8 ـ أبو إسحاق ابراهيم بن احمد بن محمد الطبري الفقيه المالكي قرأ عليه « القرآن المجيد » وهو شاب (3) .
9 ـ شيخ الامة وفقيه الطائفة ومتكلمهم الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان البغدادي المتوفى 413 . وكان السبب في ملازمته مع أخيه علم الهدى له ما يحدث عنه المؤرخون وهو :
عن فخار بن معد الموسوي ، قال : رأى الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان الفقيه الامامي في منامه كأن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ، دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين عليهما السلام صغيرين ، وقالت له : علمهما الفقه فانتبه متعجبا من ذلك ، فلما تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا ، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر وحولها جواريها ، وبين يديها ابناها محمد الرضي ، وعلي المرتضى صغيرين فقام إليها وسلم عليها ، فقالت : أيها الشيخ هذان ولداي قد أحضرتهما اليك لتعلمهما الفقه ، فبكى أبو عبد الله وقص عليها المنام وتولى تعليمهما ، وأنعم الله عليهما ، وفتح لهما من أبواب العلوم والفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا ، وهو باق ما بقي الدهر (4) .
ولا غرابة في ذلك بعد ان كانت والدتهما من أشراف النساء ، وسليلة آبائها
____________
1 ـ الغدير 4 | 184 . المجازات النبوية | 233 .
2 ـ المجازات النبوية | 155 . الغدير 4 | 185 .
3 ـ الغدير 4 | 185 . المنتظم 7 | 223 .
4 ـ الدرجات الرفيعة | 466 . شرح ابن ابي الحديد 1 | 13 . الغدير 4 | 184 . دار السلام 1 | 417 .

( 30 )

علماء ادباء وملوك ، ولاجلها صنف الشيخ المفيد رسالة في احكام النساء ، وكان مجيؤها إلى المفيد بولديها أيام اعتقال أبيهما ، وعمهما بالقلعة من فارس ، وهما صغيران حينئذ ، وللرضي ثمان سنين .
10 ـ وكان ممن يروي عنهم أبو محمد هاون بن موسى التلعكبري المتوفى 385 وذكر في ( خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ) عنه حديث امير المؤمنين مع كميل بن زياد وهو طويل (1) .
ولسنا في حاجة إلى تعداد تلاميذه بعد أن عرفنا مدرسته ( دار العلم ) تحتوي على عدد كثير ممن يقطن هذه الدار للافادة منه والاستضاءة بانوار علومه وتحقيقاته .
نعم : هنا شيء لابد من التنبيه عليه ، وهو ان صاحب « روضات الجنات » (2) ذكر رواية الشيخ الطوسي عن الشريف الرضي ، وقد عرفنا الميرزا النوري ان السيد الرضي توفى سنة 406 وقدوم الشيخ الطوسي إلى العراق سنة 408 فيكون ورود الشيخ الطوسي إلى العراق بعد وفاة السيد الرضي بأربع سنين فلم يدركه حتى يروي عنه ، واحتمال مسافرة الشريف إلى طوس واجتماعه بالشيخ الطوسي هنا بعيد ، اذلم يذكره أحد من أرباب التراجم ولا نبه عليه المؤرخون مع ان الشريف في اكثر ايام سنيه كان مشغولا بامر النقابة وولاية المظالم وامارة الحج (3) .
____________
1 ـ وذكر شيخنا الحجة العلامة الاميني كرم الله وجهه شيوخا آخرين للسيد الرضي غير من ذكرناهم وهم : ابو علي الحسن بن احمد الفارسي النحوي المتوفى 377 وله منه اجازة يروي عنه في كتابه المجازات النبوية .
أبو عبد الله محمد بن عمران بن موسى المرزباني الخراساني المتوفى 384 | 378 .
ابو القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجراح . . . شيخه في الحديث كما في المجازات النبوية | 153 . ابو محمد عبد الله بن محمد الاسدي الاكفاني .
2 ـ روضات الجنات 6 | 190 .
3 ـ مستدرك الوسائل 3 | 510 .

( 31 )

آثـاره
للشريف الرضي مؤلفات كثيرة مفعمة بالتحقيق والبحث مع قصر المدة التي تمكن فيها من ذلك الانتاج ، فان عمره كله 47 سنة قضى اكثره في مزاولة وظائف الدولة والقاء دروسه ومحاضراته في مدرسته ( دار العلم ) وقرضه الشعر ، ومحاولاته السياسية ومجاملاته مع الخلفاء والملوك ، فما بقى إلا النزر من ايامه خصوصا بعد اخراج سني الطفولة من تلك القائمة فهاهنا تعرف ان انتاج الشريف لتلك المؤلفات القيمة اعجاز ، وهذا ما وصل الينا من مؤلفاته :
1 ـ « نهج البلاغة » جمع فيه ما اختاره من خطب أمير المؤمنين ( ع ) ، وحكمه ، ورسائله ، وأشار إليه في المجازات النبوية ص 40 طبعة مصر (1) .
2 ـ « تلخيص البيان عن مجاز القرآن » قال ابن خلكان فيه : انه نادر في بابه ، وأشار إليه الشريف في المجازات النبوية ص 20 ط مصر وطبع في بغداد سنة 1328 .
3 ـ « المجازات النبوية » من انفس المؤلفات في هذا الشأن طبع أولا سنة 1428 ببغداد وثانيا سنة 1356 في مصر .
4 ـ « حقائق التأويل في متشابه التنزيل » : وهو تفسيره ذكره في كتابه ـ المجازات النبوية ـ وعبر عنه تارة بحقائق التأويل ، واخرى بالكتاب الكبير في متشابه القرآن . وعبر عنه النجاشي بحقائق التنزيل ، وصاحب عمدة الطالب بكتاب المتشابه في القرآن .
5 ـ « الزيادات في شعر ابي تمام » .
6 ـ « اخبار قضاة بغداد » .
7 ـ « تعليق خلاف الفقهاء » .
8 ـ « تعليق على الايضاح » لابي علي الفارسي .
____________
1 ـ لقد توالت عليه الشروح منذ عهد قريب من عصر المترجم له بما يربو على السبعين شرحا تجده في الغدير 4 | 186 ـ 193 .

( 32 )

9 ـ ما دار بينه وبين الصابي من الرسائل والشعر .
10 ـ « المختار من شعر أبي إسحاق الصابي » .
11 ـ « المختار من شعر ابن الحجاج » سماه : « الحسن من شعر الحسين » .
12 ـ رسائله ثلاث مجلدات ذكر في ( الدرجات الرفيعة ) بعضها ونشرت مجلة العرفان بعضها .
13 ـ « سيرة والده الطاهر أبي احمد » ألفه سنة 379 .
14 ـ « معاني القرآن » . وهو كتابه الثالث في القرآن .
15 ـ « الزيادات » في شعر ابن الحجاج المذكور .
16 ـ « انشراح الصدر » في مختارات من الشعر .
17 ـ « طيف الخيال » .
18 ـ ديوان شعر يقع في مجلدين طبع في مصر ولبنان .
19 ـ « خصائص الائمة » ـ خصائص امير المؤمنين عليه السلام ، وهو الكتاب الذي بين يديك .
وقد ذكرت هذه الكتب في « رجال النجاشي » | 283 و « روضات الجنات » 6 | 194 . و « الغدير » 4 | 198 . و « كشف الظنون » 1 | 523 ومصادر ترجمة الشريف الرضي .

وفاة الشريف
توفي الشريف الرضي بكرة يوم الاحد سادس المحرم سنة 406 ببغداد ، وعمره 47 سنة وولادته كانت سنة 359 ببغداد ، ودفن في دار بالكرخ بخط مسجد الانباريين (1) وحضره الوزير فخر الملك أبو غالب ، وجميع الاشراف والقضاة ، والشهود ، والاعيان ، وصلى عليه الوزير فخر الملك في الدار مع جماعة أمهم أبو عبد الله بن المهلوس العلوي ، ثم دخل الناس أفواجا فصلوا عليه ،
____________
1 ـ ينسب إليهم لكثرة من سكنه منهم .

( 33 )

وركب فخر الملك في آخر النهار فعزى المرتضى والزمه إلى داره ففعل لانه من جزعه عليه لم يستطع النظر إلى تابوته ومضى إلى مشهد موسى بن جعفر عليه السلام (1) .
واستغرب العلامة النوري عدم صلاة الشيخ المفيد عليه ، وهو شيخ الطائفة وعلم الامة ، قال : إلا ان يكون ذاهبا إلى زيارة الحسين ( ع ) لانها أيام عاشوراء ، ثم نقل الشريف إلى كربلاء ودفن عند أبيه الطاهر ابي احمد ، نص عليه السيد الداودي في « عمدة الطالب » ص 200 ، والسيد علي خان في الدرجات الرفيعة بترجمة الرضي ، والشيخ الجليل الشيخ يوسف البحراني في « لؤلؤة البحرين ص 197 ، والسيد بحر العلوم في « رجاله » بترجمة السيد المرتضى قال : الظاهر أن قبر السيد علم الهدى ، وقبر أبيه وأخيه في المحل المعروف بابراهيم المجاب الذي هو جد المرتضى ، وابن الامام موسى بن جعفر عليه السلام ، وذكر العلامة الحجة المتتبع السيد حسن الصدر الكاظمي في رسالته « نزهة أهل الحرمين » حاكيا عن مشجرة النسابة العبيد جمال الدين أحمد بن المهنا ، أن قبر إبراهيم المجاب ، خلف قبر الحسين عليه السلام بستة اذرع .
ويظهر من التاريخ ان قبره كان في القرون الوسطى مشهورا معروفا في الحائر الحسيني المقدس وهذا قريب إلى الاعتبار لان بنى ابراهيم المجاب قطنوا كربلاء وجاوروا الامام السبط عليه السلام فاتخذ بنوه تربته مدفنا لهم وكان من قطن منهم بغداد والبصرة ونقلوا إلى كربلاء بعد موتهم ، وكانت تولية تلك التربة المقدسة بيدهم وما كان يدفن فيها أي أحد إلا باجازة منهم (2)
____________
1 ـ الغدير 4 | 210 . المنتظم 7 | 283 .
2 ـ مصادر ترجمة الشريف الرضي .

( 34 )

أبو الرضا الراوندي

ضياء الدين السيد فضل الله بن علي بن عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أبي الفضل عبيد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن محمد بن الحسن بن جعفر بن ابراهيم بن جعفر بن الحسن المثنى إبن الامام الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام .
كان علامة زمانه ، وعميد أقرانه جمع إلى علو النسب كمال الفضل والحسب ، وكان استاذ أئمة عصره ، ورئيس علماء دهره ، وهو من أساتيذ ابن شهر اشوب ، والشيخ محمد بن الحسن الطوسي والد الخواجه نصير الدين الطوسي ، ومن تلاميذ الشيخ أبي علي ابن شيخ الطائفة الطوسي .
روى عن الشيخ العلامة أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي . وأبي علي الحداد . والشيخ أبي جعفر النيسابوري . وأبي الفتح بن أبي الفضل الاخشيدي ، وخلق آخرين من الشيعة والسنة كما روى عنه أكثر أهل عصره ، وله تصانيف ووشروح في مختلف المواضيع والبحوث .
قال أبو سعيد السمعاني الشافعي في كتابه ( الانساب ) : اني لما وصلت إلى كاشان قصدت زيارة السيد أبي الرضا ضياء الدين فلما انتهيت إلى داره ، وقفت على الباب هنيهة أنتظر خروجه فرأيت مكتوبا على طراز الباب هذه الآية المشعرة بطهارته وتقواه : (
إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) فلما إجتمعت به رأيت منه فوق ما كنت أسمعه عنه ، وسمعت


( 35 )

منه جملة من الاحاديث ، وكتبت عنه مقاطيع من شعره ، ومن جملة أشعاره التي كتبها لي بخطه الشريف هذه الابيات :

هل لك يا مغرور من زاجر * أو حاجز عن جهلك الغـامر
امس تقضى وغد لـم يجئ * واليوم يمضي لمحة البـاصر
فذلك العـمر كـذا ينقضي * ما أشبـه المـاضي بالغـابر

ترجم له في :
أعيان الشيعة 42 | 296 . أمل الآمل 2 | 217 . الانساب | ورقة 181 . تنقيح المقال 2 | 13 . الدرجات الرفيعة | 506 . روضات الجنات 5 | 365 . تأسيس الشيعة | 181 . ريحانة الادب 4 | 9 . فوائد الرضوية | 354 . الكنى والالقاب 2 | 435 . مجالس المؤمنين 1 | 526 . مستدرك الوسائل 3 | 493 . منتهى المقال | 242 . هدية الاحباب | 190 . جامع الرواة 2 | 9 . راهنماي دانشوران 1 | 373 هدية العارفين 1 | 821 . الغدير 4 | 186 . الثقات العيون | 217 . الذريعة 9 ق 2 | 352 . رياض العلماء 4 | 364 .


( 36 )

بسم الله الرحمن الرحيم

كنت ـ حفظ الله عليك دينك ، وقوى في عليي ولاء العترة الطاهرة يقينك ـ سألتني أن أصنف لك كتابا يشتمل على خصائص أخبار الائمة « الاثنى عشر صلوات الله عليهم ، وبركاته ، وحنانه ، وتحياته » على ترتيب ايامهم وتدريج طبقاتهم ، ذاكرا أوقات مواليدهم ، ومدد أعمارهم ، وتواريخ وفاتهم ، ومواضع قبورهم ، وأسامي أمهاتهم ، ومختصرا من فضل زياراتهم ، ثم موردا طرفا من جوابات المسائل التي سئلوا عنها ، واستخرجت أقاويلهم فيها ، ولمعا من أسرار أحاديثهم ، وظواهر وبواطن أعلامهم ، ونبذا من الاحتجاج في النص عليهم ، وحقيقة البرهان في الاشارة إليهم ، موضحا من ذلك ما يزيد به الولي المخلص إخلاصا في موالاتهم ، وصفاء عقد في محبتهم ، ويصدع عن عين عدوهم العمى ، ويكشف عن قلبه الغمى ، حتى يستشف أنوارهم فيسعوا إليها ، ويستوضح أعلامهم فيتتبعها ، ويقتفيها سالكا في جميع ذلك طريق الاختصار ، ومائلا عن جانب الاكثار ، لان مناقب موالينا الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين ، لا تحصى بالعدد ، ولا تقف عند حد ، ولا يجري بها إلى أمد ، فإني أعتقد أن جميع أعداد هؤلاء الغرر الذين هم قواعد الاسلام ، ومصابيح الظلام ، والذين خفض الله الخلق عن منازلهم ، وقصر الالسن والايدي عن تناولهم ، وميز بين العالم وبينهم ، وأماط (1) العيب والعار عنهم ، بين مغموس القلب في الجهالة ،
____________
1 ـ أماط : أذهب ، أزال .

( 37 )

ومطروف العين بالضلالة ، لا يفيق من سكرة الهوى ، فيتبين الطريقة المثلى ، وبين عالم بفضلهم ، خابر بطيب فرعهم ، وأصلهم ، يكتم معرفته معاندة ، ويغالط نفسه مكايدة ، ترجيبا (1) لغرس قد غرسه ، وتوطيدا لبناء قد أسسه ، وتنفيقا قد قامت له ، وائتجارا (2) لجماعة قد إلتفت عليه .
وكل ذلك طلبا لحطام هذه الدنيا ، الوبيل مرتعها ، الممر مشربها ، المنغص نعيمها ، وسرورها ، المظلم ضياؤها ونورها ، الصائرة بأهلها إلى أخشن المصارع ، بعد ألين المضاجع ، والناقلة لهم إلى أفزع المنازل ، بعد أمن المعاقل ، على قرب من المعاد ، وعدم من الزاد ، ثم تتقلب بهم إلى حيث «
تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً » (3) .
فعاقني عن إجابتك ـ إلى ملتمسك ـ مالا يزال يعوق من نوائب الزمان ، ومعارضات الايام إلى ان أنهضني إلى ذلك اتفا اتفق لي فاستثار حميتي ، وقوى نيتي ، واستخرج نشاطي وقدح زنادي ، وذلك أن بعض الرؤساء ـ ممن غرضه القدح في صفاتي ، والغمز لقناتي ، والتغطية على مناقبي ، والدلالة على مثلبة ـ إن كانت لي ـ لقيني ، وأنا متوجه عشية عرفة من سنة ثلاث وثمانين هجرية ، إلى مشهد مولانا أبي الحسن موسى بن جعفر ، وأبي جعفر محمد بن علي بن موسى عليهما السلام ، للتعريف هناك ، فسألني عن متوجهي فذكرت له إلى أين مقصدي ، فقال لي : متى كان ذلك ؟ يعني ان جمهور الموسويين جارون على منهاج واحد في القول بالوقف ، والبرائة ممن قال بالقطع ، وهو عارف بان الامامة مذهبي ، وعليها عقدي ومعتقدي ، وإنما أراد التنكيت لي ، والطعن على ديني ، فأجبته في الحال بما إقتضاه كلامه ، واستدعاه خطابه ، وعدت وقد قوى عزمي ، على عمل هذا الكتاب إعلانا
____________
1 ـ الترجيب : يدل على دعم شيء بشيء وتقويته . المقاييس 2 | 495 .
2 ـ في الاصل : اتجرارا . وفي المطبوعة : استجرارا . والصواب ما اثبتناه .
3 ـ سورة آل عمران | 30 .

( 38 )

لمذهبي ، وكشفا عن مغيبي ، وردا على العدو الذي يتطلب عيبي ، ويروم ذمي وقصبي ، وأنا بعون الله مبتدئ بما ذكرته على الترتيب الذي شرطته ، والله المنقذ من الضلال ، والهادي إلى سبيل الرشاد . وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل ، نعم المولى ونعم النصير .


( 39 )

خصائص مولانا أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب عليه السلام

ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام لثلاث عشرة ليلة خلت من رجب ، بعد عام الفيل بثلاثين سنة ، وامه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف ، وهو اول هاشمي في الاسلام ، ولده هاشمي مرتين ولا نعلم مولود ولد في الكعبة غيره (1) .
وقبض عليه السلام قتيلا بالكوفة ، ليلة الجمعة لتسع ليال بقين من شهر رمضان ، سنة أربعين من الهجرة ، وله يومئذ ثلاث وستون سنة على الرواية الصحيحة ، وكان بقاؤه مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثا وثلاثين سنة ، وكونه بعده حجة الله في أرضه ثلاثين سنة ، ونقش خاتمه ـ وهو عقيق أحمر ـ الله الملك وعلي عبده ، ويقال : الملك لله (2) .
واختلف الناس في موضع قبره ، فقال قوم في رحبة القضاء ، وقال قوم : في دار الامارة ، وقال قوم : حمل إلى المدينة ، والصحيح الذي لا شك فيه ، ولا لبس عليه انه عليه السلام بالغري (3) من نجف الكوفة ، ومما يدل على ذلك أن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام ، زاره في هذا الموضع لما أشخصه المنصور إليه .
____________
1 ـ الغدير 6 | 22 ـ ولادة علي عليه السلام في الكعبة ـ .
2 ـ مناقب ابن شهر اشوب 3 | 301 .
3 ـ أعلام الورى | 202 . الارشاد | 19 . فرحة الغري في تعيين قبر امير المؤمنين عليه السلام في النجف .

( 40 )

فضل زيارته عليه السلام

روي عن الصادق عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلى الله عليه وآله إنه قال : من زار عليا بعد وفاته فله الجنة (1) .
وقال الصادق عليه السلام : إن أبواب السماء لتفتح عند دعاء الزائر لامير المؤمنين عليه السلام .
وقال عليه السلام : من ترك زيارة امير المؤمنين عليه السلام لم ينظر الله تعالى إليه ، ألا تزورون من تزوره الملائكة والنبيون عليهم السلام ، إن امير المؤمنين عليه السلام أفضل من كل الائمة ، وله مثل ثواب أعمالهم ، وعلى قدر أعمالهم فضلوا (2) .
____________
1 ـ كامل الزيارات | 38 .
2 ـ المصدر السابق بسنده عن محمد بن يعقوب ، عن محمد بن يحيى العطار ، عن حمدان بن سليمان النيشابوري ، عن عبد الله بن محمد اليماني ، عن منيع بن الحجاج ، عن يونس عن أبي وهب البصري عن أبي عبد الله الصادق .

( 41 )

طرف من الاحتجاج للنص عليه ، عليه السلام

مما يدل على ذلك أن الشيعة جماعة كثيرة لا يحصرهم العدد ، ولا يشتمل عليهم بلد ، وقد طبقوا البلدان ، وملؤا الاقطار ، وساروا شرقا وغربا وانتشروا برا وبحرا ، على اختلاف أوطانهم ، وتباعد ديارهم ، وتفاوت هممهم ، وأهوائهم ، وتباين أقاويلهم وآرائهم ، وانتفاء الاسباب الموجبة للشك ، والوقوف في خبرهم ، وفيهم مع ذلك عدد كثير ، وجم غفير ، من أهل بيت النبي عليه السلام ، وذريه وأصحابه ومواليه ، ينقلون نقلا متصلا متواترا ان النبي صلى الله عليه وآله ، قد إستخلف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، على امته بعد وفاته ، ونص عليه ، وفرض طاعته في أمر الدين كله ، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فعل ذلك ظاهرا مكشوفا ، فوجب قبول هذا الخبر علما ويقينا .
فإن قال قائل : إنهم إنما كثروا الآن ، وان اولهم كان قليلا ، وسلفهم كان يسيرا مغمورا ، قيل له : ما الفضل بينك وبين من احتج عليك بمثله من الملحدين ، وسائر المخالفين ؟ فقال : إن آيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لا تصح لان عدد المسلمين الناقلين لها كان قليلا في الاول ، وإنما كثر الآن فلا تجد بينهما فصلا .


( 42 )

فصل فيما روي من الاشعار في نص النبي على أمير المؤمنين عليهما السلام
والصلاة في يوم الغدير

فمن ذلك ما رواه نقلة الآثار أن حسان بن ثابت الانصاري (1) إستأذن النبي عليه السلام ، يوم الغدير بعد فراغه من المقام أن يقول شعرا في ذلك ، فأذن له فأنشأ يقول :

ينـاديهم يوم الغدير نبيهم * بخـم وأسمع بـالرسول مناديا
فقال : فمن مولاكم ووليكم * فقالوا : ولم يبدوا هناك التعاديا
اِلهك مولانـا ، وانت ولينا * ولم تر منـا في المقالة عاصيا
فقال له : قم يا علي فإنني * رضيتك من بعدي إماما وهاديا
فمـن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هنـاك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عـادى عليا معاديا

فقال له النبي صلى الله عليه وآله : لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك (2) .
واتفق حملة الاخبار على نقل شعر قيس بن عبادة (3) وهو ينشده بين يدي
____________
1 ـ ابو الوليد حسان بن ثابت بن المنذر المتوفى 54 | 55 عاش ستين سنة في الجاهلية وستين في الاسلام .
2 ـ الغدير 2 | 39 ـ 34 .
3 ـ سيد الخزرج قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الانصاري مات في آخر خلافة معاوية وقيل سنة 59 | 60 .

( 43 )

أمير المؤمنين عليه السلام ، بعد رجوعه من البصرة في قصيدته التي أولها :

قلت لما بغـى العـدو علينـا * حسبنـا ربنـا ونـعم الوكيـل
حسـبنـا ربنـا الــذي فتح * البصرة بالامس والحديث طويل

إلى أن بلغ فيها إلى قوله :
وعـلي إمـامـا وإمــام * لسوانـا أتى بـه التنزيـل
يوم قال النبي من كنت مولاه * فهـذا مولاه خطب جـليل
إنمـا قاله النبي على الامة * حتـم ما فيه قال وقيل (1)

وهذان الشاعران (2) صحابيان شهدا بالامامة لامير المؤمنين عليه السلام شهادة من حضر هذا المشهد ، وعرف المصدر والمورد .
ثم هذا الكميت بن زيد الاسدي (3) وهو غير مشكوك في فصاحته ، ومعرفته بالعربية يقول :

ويوم الدوح دوح غدير خم * أبـان له الولايـة لو اطيعا
ولكن الرجال تـبايعوهـا * فلم أر مثلها خطرا منيعا (4)

وهذا السيد بن محمد بن الحميري (5) وليس بدون في الفصاحة ، ولا بمتأخر في البلاغة يقول من قصيدة :

قالوا لـه لو شئت أعلمتنا * لى مـن الغايـة والـمفزعُ
فقـام في خم النبي الذي * كان بمـا قيل لـه يصـدع
فقال مـأمورا وفـي كفه * كفـه علـي لهـم تلـمـع
من كنـت مولاه فهذا له * مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا

____________
1 ـ الغدير 2 | 67 .
2 ـ حسان بن ثابت ، وقيس بن سعد بن عبادة .
3 ـ ابو المستهل الكميت بن زيد بن خنيس الاسدي المقتول 126 من كبار شعراء العربية ،
4 ـ ديوان الهاشميات | 18 .
5 ـ ابو هاشم اسماعيل بن محمد بن يزيد بن وداع الحميري الملقب بالسيد والمتوفي 173 .