الفصل 5

الامام علي عليه السلام وتواضعه

1 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (بالاسناد إلى أبي محمد العسكري عليه السلام أنه قال: أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدهم قضاء لها أعظمهم عند الله شأنا، ومن تواضع في الدنيا لأخوانه فهو عند الله من الصديقين، ومن شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام حقا، ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان أب وابن، فقام إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه وجلس بين أيديهما، ثم أمر بطعام فاحضر، فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل ليلبس (خ ل)، وجاء ليصب على يد الرجل، فوثب أمير المؤمنين عليه السلام وأخذ الأبريق ليصب على يد الرجل، فتمرغ الرجل في التراب، وقال: يا أمير المؤمنين ! الله يراني وأنت تصب على يدي ؟ قال: اقعد واغسل فإن الله عز وجل يراك وأخوك الذي لا يتميز منك ولا ينفصل عنك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها.

 فقعد الرجل، فقال له علي عليه السلام: أقسمت بعظيم حقي الذي عرفته ونحلته، وتواضعك لله حتى جازاك عنه بأن تدنيني لما شرفك به من خدمتي لك لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا، ففعل الرجل ذلك، فلما فرغ


[598]

ناول الأبريق محمد بن الحنفية، وقال: يا بني ! لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده ولكن الله عز وجل يأبى أن يسوي بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صب الأب على الأب فليصب الابن على الابن، فصب محمد ابن الحنفية على الابن، ثم قال الحسن بن علي العسكري عليهما السلام: فمن اتبع عليا على ذلك فهو الشيعي حقا).

 2 - الصادق عليه السلام: (كان أمير المؤمنين عليه السلام يحطب ويستسقي ويكنس، وكانت فاطمة عليها السلام تطحن وتعجن وتخبز).

 3 - (الأبانة) عن ابن بطة، و(الفضائل) عن أحمد: أنه اشترى تمرا بالكوفة، فحمله في طرف ردائه، فتبادر الناس إلى حمله وقالوا: يا أمير المؤمنين ! نحن نحمله، فقال عليه السلام: رب العيال أحق بحمله.

 4 - عن أبي طالب المكي في (قوت القلوب): كان علي عليه السلام يحمل التمر والمالح بيده ويقول:

لا ينقص الكامل من كماله * ما جر من نفع إلى عياله

5 - زيد بن علي: إنه كان يمشي في خمسة حافيا ويعلق نعليه بيده اليسرى: يوم الفطر والنحر والجمعة وعند العيادة وتشييع الجنازة ويقول: إنها مواضع الله واحب أن أكون فيها حافيا.

 6 - زاذان: إنه كان يمشي في الأسواق وحده وهو ذاك يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرأ: (تلك الدار الاخرة نجعلها )الاية (1).

 7 - عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام على أصحابه وهو راكب، فمشوا خلفه فالتفت إليهم فقال: لكم


(1) القصص 28: 83.

 


[599]

حاجة ؟ فقالوا: لا، يا أمير المؤمنين ! ولكنا نحب أن نمشي معك، فقال لهم: انصرفوا فإن مشي الماشي مع الراكب مفسدة للراكب ومذلة للماشي، قال: وركب مرة اخرى فمشوا خلفه، فقال: انصرفوا فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكي.

 (1) 8 - عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: أن عليا عليه السلام صاحب رجلا ذميا، فقال له الذمي: أين تريد، يا عبد الله ؟ قال: اريد الكوفة، فلما عدل الطريق بالذمي عدل معه علي، فقال له الذمي: أليس زعمت تريد الكوفة ؟ قال: بلى، فقال له الذمي: فقد تركت الطريق ! فقال: قد علمت، فقال له: فلم عدلت معي وعلمت ذلك ؟ فقال له علي عليه السلام هذا: من تمام حسن الصحبة أن يشيع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبينا، فقال له: هكذا ؟ قال: نعم، فقال له الذمي: لاجرم إنما تبعه من تبعه لافعاله الكريمة، وأنا اشهدك أني على دينك، فرجع الذمي مع علي عليه السلام فلما عرفه أسلم.

 9 - وترجل دهاقين الأنبار له وأسندوا بين يديه، فقال عليه السلام: (ما هذا الذي صنعتموه ؟ قالوا: خلق منا نعظم به امراءنا، فقال: والله، ما ينتفع بهذا امراؤكم، وإنكم لتشقون به على أنفسكم، وتشقون به في آخرتكم، وما أخسر المشقة وراءها العقاب، وما أربح الراحة معها الأمان من النار (2).

 


(1) - النوكى: جمع الأنوك، الاحمق.

 (2) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 53 - 56.

 


[600]

 

الفصل 6

جود الإمام علي عليه السلام وسخاؤه

1 - قال ابن أبي الحديد: (وأما السخاء والجود، فحاله فيه ظاهرة، كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده، وفيه انزل: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * (1).

 وروى المفسرون أنه لم يكن يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فأنزل فيه: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية)(2) ، وروي عنه أنه كان يسقي بيده لنخل قوم من يهود المدينة حتى مجلت يده، ويتصدق بالاجرة ويشد على بطنه حجرا.

 وقال الشعبى - وقد ذكره عليه السلام -: (كان أسخى الناس، كان على الخلق الذي يحبه الله السخاء والجود، ما قال (لا) لسائل قط، وقال عدوه ومبغضه الذي يجتهد في وصمه وعيبه معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال له: جئتك من عند أبخل الناس، فقال: (ويحك ! كيف تقول إنه أبخل الناس ؟ (وهو


(1) - الدهر، 76: 8 و9.

 (2) - البقرة، 2: 274.

 


[601]

الذي) لو ملك بيتا من تبر، وبيتا من تبن لأنفد تبره قبل تبنه) وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلي فيها، وهو الذي قال: يا صفراء ! ويا بيضاء، غري غيري، وهو الذي لم يخلف ميراثا وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام (1).

 2 - روى الحافظ ابن عساكر بسنده عن الأصبغ بن نباتة، عنه عليه السلام: (جاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين ! أن لي إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك، وإن أنت لم تقضها حمدت الله وعذرتك، فقال علي: اكتب على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في وجهك، فكتب: إني محتاج، فقال علي عليه السلام: علي بحلة، فاتي بها، فأخذها الرجل فلبسها، ثم أنشأ يقول:

كسوتني حلة تبلى محاسنها * فسوف أكسوك من حسن الثنا حللا

إن نلت حسن ثنائي نلت مكرمة * ولست تبغي بما قد قلته بدلا

إن الثناء ليحيي ذكر صاحبه * كالغيث يحيي نداه (2) السهل والجبلا

لا تزهد الدهر في زهو (3) تواقعه * فكل عبد سيجزى بالذي عملا

فقال علي عليه السلام: علي بالدنانير، فاتي بمائة دينار فدفعها إليه، فقال الأصبغ: فقلت: يا أمير المؤمنين ! حلة ومائة دينار ؟ قال: نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: (أنزلوا الناس منازلهم)، وهذه منزلة هذا الرجل عندي (4).

 3 - جاء سائل إلى علي رضي الله عنه فنظر إليه وقد تغير وجهه من الحياء، فقال علي رضي الله عنه: اكتب حاجتك على الأرض حتى لا أرى ذل المسألة في وجهك، فكتب:

لم يبق لي شيء يباع بدرهم * تغنيك حالة منظري عن مخبري


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 20.

 (2) - الندى: العطاء.

 (3) - الزهو: التيه، والكبر، والباطل، والكذب.

 (4) - تاريخ ابن عساكر، ج 3: ص 246.

 


[602]

إلا بقية ماء وجهٍ صنته * أن لا يباع ونعم أنت المشتري

فأمر علي رضي الله عنه بجمل يحمل ذهبا وفضة، ثم قال علي رضي الله عنه:

عاجلتنا فأتاك عاجل برّنا * فلا (1) ولو أمهلتنا لم تقتر

فخذ القليل وكن كأنك لم تبع * ما صنته وكأننا لم نشتر(2)

4 - أبو السعادات في (فضائل العترة): (روي أن عليا عليه السلام كان يحارب رجلا من المشركين، فقال المشرك: يا ابن أبي طالب ! هبني سيفك، فرماه إليه، فقال المشرك: عجبا، يا ابن أبي طالب ! في مثل هذا الوقت تدفع إلي سيفك ؟ ! فقال: يا هذا، إنك مددت يد المسألة إلي، وليس من الكرم أن يرد السائل، فرمى الكافر نفسه إلى الأرض، وقال: هذه سيرة أهل الدين، فقبل قدمه وأسلم (3).

 


(1) - الفل: ما ندر عن الشيء. القليل.

 (2) - احقاق الحق، ج 8: ص 582.

 (3) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 69.

 


[603]

 

الفصل 7

الإمام علي عليه السلام وشجاعته

1 - عنه عليه السلام: (والذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسيف أهون علي من ميتة على الفراش في غير طاعة الله (3).

 قال ابن أبي الحديد: (واعلم، أنه عليه السلام أقسم أن القتل أهون من حتف الأنف، وذلك على مقتضى ما منحه الله تعالى به من الشجاعة الخارقة لعادة البشر، وهو عليه السلام يحاول أن يحض أصحابه ويحر ضهم ليجعل طباعهم مناسبة لطباعه وإقدامهم على الحرب مماثلا لاقدامه على عادة الامراء في تحريض جندهم وعسكرهم، وهيهات إنما هو كما قال أبو الطيب:

يكلف سيف الدولة الجيش همة * وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم (2)

ويطلب عند الناس ما عند نفسه وذلك ما لا تدعيه الضراغم (3)

ليست النفوس كلها من جوهر واحد، ولا الطباع والأمزجة كلها من نوع واحد،


(1) - نهج البلاغة، الخطبة 122.

 (2) - جمع خضرم - بالكسر - وهو الكبير العظيم.

 (3) - جمع ضرغام، وهو الأسد.

 


[604]

وهذه خاصية توجد لمن يصطفيه الله تعالى من عباده في الأوقات المتطاولة والدهور المتباعدة وما اتصل بنا نحن من بعد الطوفان - فإن التواريخ من قبل الطوفان مجهولة عندنا - أن أحدا اعطي من الشجاعة والاقدام ما اعطيه هذا الرجل من جميع فرق العالم على اختلافها من الترك، والفرس، والعرب، والروم وغيرهم... (1) ؟

2 - قال العلامة ابن أبي جمهور الأحسائي: (روى جابر الأنصاري، قال: شهدت البصرة مع أمير المؤمنين عليه السلام والقوم قد جمعوا مع المرأة سبعين ألفا، فما رأيت منهزما إلا وهو يقول: هزمني علي، ولا مجروحا إلا يقول: جرحني علي ولا من يجود بنفسه إلا وهو يقول: قتلني علي، ولا كنت في الميمنة إلا سمعت صوت علي عليه السلام، ولا في الميسرة إلا سمعت صوت علي عليه السلام، ولقد مررت بطلحة - وهو يجود بنفسه وفي صدره نبلة - وقلت له: من رماك بهذه النبلة ؟ فقال: علي بن أبي طالب (2).

 فقلت: يا حزب بلقيس، ويا حزب إبليس ! إن عليا لم يرم بالنبل وما بيده ألا سيفه، فقال: يا جابر ! أما تنظر إليه كيف يصعد في الهواء مرة، وينزل في الأرض اخرى، وينزل من قبل المشرق، ومرة من قبل المغرب، وجعل المشارق والمغارب بين يديه شيئا واحدا فلا يمر بفارس إلا طعنه، ولا يلقى أحدا إلا قتله أو ضربه أو كبه بوجهه، أو قال: مت يا عدو الله، فيموت، فلا يفلت منه أحد (3).

 3 - وقال ابن أبي الحديد في شرح قوله عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام: (لا تدعون إلى مبارزة، فإن دعيت إليها فأجب، فأن الداعي إليها باغ، والباغي مصروع (4)، (قد


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 7: ص 301.

 (2) - كذا والتاريخ على القول بقتل مروان له.

 (م).

 (3) المجلى، ص 410.

 (4) - نهج البلاغة، الخطبة 233.

 


[605]

ذكر عليه السلام الحكم ثم ذكر العلة، وما سمعنا أنه عليه السلام دعا إلى مبارزة قط، وإنما كان يدعى هو بعينه أو يدعى من يبارز فيخرج إليه فيقتله، دعا بنو ربيعة بن عبد شمس بني هاشم إلى البراز يوم بدر فخرج عليه السلام فقتل الوليد، واشترك هو وحمزة عليهما السلام في قتل عتبة، ودعا طلحة بن أبي طلحة إلى البراز يوم احد فخرج إليه فقتله، ودعا مرحب إلى البراز يوم خيبر فخرج إليه فقتله، فأما الخرجة التي خرجها يوم الخندق إلى عمرو بن عبدود فإنها أجل من أن يقال جليلة وأعظم من أن يقال عظيمة، وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهذيل - وقد سأله سائل -: أيما أعظم منزلة عند الله، علي أم أبو بكر ؟ - فقال: يا ابن أخي ! والله لمبارزة علي عمرا يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها تربى عليها فضلا عن أبي بكر وحده.

 وقد روي عن حذيفة بن اليمان ما يناسب هذا، بل ما هو أبلغ منه، وروى قيس بن الربيع، عن أبى هارون العبدي، عن ربيعة بن مالك السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان، فقلت: يا أبا عبد الله ! إن الناس يتحدثون عن علي بن أبي طالب ومناقبه فيقول لهم أهل البصرة: إنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس ؟ فقال: يا ربيعة ! وما الذي تسألني عن علي، وما الذي احدثك عنه ؟ والذي نفس حذيفة بيده، لو وضع جميع أعمال امة محمد صلى الله عليه واله وسلم في كفة الميزان منذ بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه واله وسلم إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل واحد من أعمال 44 على في الكفة الاخرى، لرجح على أعمالهم كلها... والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرامن أعمال امة محمد صلى الله عليه واله وسلم إلى هذا اليوم وإلى أن تقوم القيامة (1).

 4 - أورد العلامة الحجة، الاية المرعشي في (الملحقات الاحقاق) نص


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 19: ص 60.

 في (بحر المعارف): سئل الصادق عليه السلام عن هذا، قال: (أنا من الثقلين)


[606]

المقالات في شجاعته عليه السلام وهى: (علي أشجع الناس قلبا، علي أسد الله في أرضه، علي سيف الله في أرضه، علي قاتل الكفرة، علي صاحب لواء رسول الله صلى الله عليه واله وسلم في الدنيا والاخرة، علي أسد الله الغالب، علي قاتل الفجرة، علي يقاتل على التأويل، علي أشجع العرب، علي قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ان لعلي الشجاعة والخلافة كما أن للنبي صلى الله عليه واله وسلم الرسالة والنبوة، ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين ب، لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار (1) 5 - قال ابن الأثير: (كانت ضربات علي مبتكرات لا عونا، أي إن ضربته كانت بكرا يقتل بواحدة منها لا يحتاج أن يعيد الضربة ثانيا، يقال: (ضربة بكر) إذا كانت قاطعة لاتثنى، والعون: جمع عوان وهي في الأصل الكهلة من النساء، ويريد بها ههنا المثناة (2).

 وقال - أيضا: (ومنه حديث علي: كان إذا تطاول قد، وإذا تقاصر قط، أي قطع طولا وقطع عرضا (3).

 وقال أيضا: (إن عليا حمل على عسكر المشركين فما زالوا يبقطون، أي يتعادون إلى الجبل متفرقين، بقط الرجل إذا صعد الجبل، والبقط: التفرقة (4).

 وقال - أيضا: (وفي حديث عمر أنه سأل الاسقف عن الخلفاء، فحدثه حتى انتهى إلى نعت الرابع منهم فقال: (صدأ من حديد)، ويروى صدع، أراد دوام لبس الحديد لاتصال الحروب في أيام علي وما مني به من مقاتلة الخوارج والبغاة، وملابسة الامور المشكلة والخطوب المعضلة، ولذلك قال عمر: (وادفراه) تضجرا من ذلك واستفحاشا، ورواه أبو عبيد غير مهموز كأن الصدالغة في الصدع هو


(1) - احقاق الحق، ج 8: ص 319.

 (2) - ابن أثير: النهاية، ج 1: ص 149 / (بكر).

 (3) - المصدر، ج 4: ص 21 / (قط).

 (4) - المصدر، ج 1: ص 145 / (بقط).

 


[607]

اللطيف الجسم، أراد أن عليا - رضي اله عنه - خفيف يخف إلى الحروب ولا يكسل لشدة بأسه وشجاعته (1).

 


(1) - ابن أثير: النهاية، ج 3: ص 15 / (صد).

 


[608]

 

الفصل 8

الأمام علي عليه السلام ومهابته

1 - قال المحدث القمي: (روي أن عدي بن حاتم دخل على معاوية ابن أبي سفيان، فقال: يا عدي ! أين الطرفات ؟ - يعني بنيه: طريفا وطارفة وطرفة - قال: قتلوا يوم صفين بين يدي علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال: ما أنصفك ابن أبي طالب إذ قدم بنيك وأخر بنيه، قال: بل ما أنصفت أنا عليا عليه السلام إذ قتل وبقيت (1) قال: صف لي عليا، فقال: إن رأيت أن تعفيني، قال: لا أعفيك.

 قال: كان والله، بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلا، ويحكم فصلا، تنفجر الحكمة من جوانبه والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستانس بالليل ووحشته، وكان والله، غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذ خلا، ويقلب كفيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير، ومن المعاش الخشن، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويدنينا إذا أتيناه، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته، ولا نرفع أعيننا إليه لعظمته، فإن تبسم فعن اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويتحبب إلى المساكين،


(1) - دوراز حريم كوى تو شرمنده مانده ام * شرمنده مانده ام كه چرا زنده مانده ام


[609]

لا يخاف القوي ظلمه، ولا ييأس الضعيف من عدله.

 فأقسم لقد رأيته ليلة وقد مثل في محرابه، وأرخى الليل سرباله وغارت نجومه، ودموعه تحادر على لحيته، وهو يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، فكأني الان أسمعه وهو يقول: يا دنيا أبي تعرضت، أم إلي أقبلت ؟ غري غيري لا حان حينك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة لي فيك، فعيشك حقير، وخطرك يسير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر، وقلة الأنيس.

 قال: فوكفت عينا معاوية، وجعل ينشفها بكمه ثم قال: رحم الله أبا الحسن، كان كذلك، فكيف صبرك عنه ؟ قال: كصبر من ذبح ولدها في حجرها فهي لاترقأ دمعتها، ولا تسكن عبرتها.

 قال: فكيف ذكرك له ؟ قال: وهل يتركني الدهر أن أنساه (1) ؟).

 2 - قيل له: بأي شيء غلبت الأقران ؟ فقال عليه السلام: (ما لقيت رجلا إلا أعانني على نفسه (2)، قال الرضي - رحمه الله -: يومى بذلك إلى تمكن هيبته في القلوب.

 


(1) - القمي: سفينة البحار، ج 2: ص 170، (عدى).

 (2) - نهج البلاغة، الخطبة 318.

 


[610]

 

الفصل 9

الإمام علي عليه السلام قوته وقدرته

1 - قال ابن أبي الحديد: (وأما القوة والأيد، فبه يضرب المثل فيهما، قال ابن قتيبة في (المعارف): (ما صارع أحدا قط إلا صرعه)، وهو الذي قلع باب خيبر واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة - وكان عظيما كبيرا جدا - وألقاه إلى الأرض، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته عليه السلام بيده بعد عجز الجيش كله عنها فأنبط الماء من تحتها (1).

 2 - قال العلامة المجلسي رحمه الله: (وكان أبو طالب يجمع ولده، وولد إخوته ثم يأمرهم بالصراع - وذلك خلق في العرب - فكان علي عليه السلام يحسر عن ذراعيه، وهو طفل ويصارع كبار إخوتة وصغارهم وكبار بني عمه وصغارهم فيصرعهم، فيقول أبوه: ظهر علي، فسماه ظهيرا فلما ترعرع عليه السلام كان يصارع الرجل الشديد فيصرعه، ويعلق بالجبار بيده ويجذبه فيقتله، وربما قبض على مراق بطنه ورفعه إلى الهواء، وربما يلحق الحصان الجاري فيصدمه فيرده على عقبيه).

 بيان: الجبار: العظيم القوي الطويل، والمراق - بتشديد القاف -: مارق من


(1) - ابن أبى الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 1: ص 21.

 


[611]

أسفل البطن ولان، ولا واحد له وميمه زائدة، والحصان - ككتاب -: الفرس الذكر (1).

 3 - عن الصادق عليه السلام في خبر: (قالت فاطمة بنت أسد - رضى الله عنها - فشددته (يعنى عليا عليه السلام) وقمطته بقماط فنتر القماط (2)، ثم جعلته قماطين فنترهما، ثم جعلته ثلاثة وأربعة وخمسة وستة منها أديم (3) وحرير فجعل ينترها، ثم قال: يا اماه لا تشدي فإني أحتاج أن ابصبص (4) لربي بإصبعي (5).

 4 - إن عليا عليه السلام رأى حية تقصده وهو في مهده - وقد شدت يداه في حال صغره - فحول نفسه فأخرج يده وأخذ بيمينه عنقها وغمزها غمزة حتى أدخل أصابعه فيها وأمسكها حتى ماتت، فلما رأت ذلك امه نادت واستغاثت، فاجتمع الحشم، ثم قالت: كأنك حيدرة.

 أقول: حيدرة: اللبوة إذا غضبت من أذى أولادها (6).

 قال العلامة في اللغة، ابن المنظور: (وحيدرة: الأسد، قال الأزهري: قال أبو العباس أحمد بن يحيى: لم تختلف الرواة في أن هذه الأبيات لعلي ابن أبي طالب - رضوان الله عليه -:


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 275.

 (3) - القمط: شد لشد الصبي في المهد، وفي غير المهد، إذا ضم أعضاؤه الى جسده، ثم لف عليه القماط، والقماط - بالكسر -: حبل يشد به الصبي في المهد، والخرقة العريضة التي تلفها على الصبي.

 ونتر الثوب نترا: شقه بأصابعه أو أضراسه (ابن المنظور: لسان العرب).

 (3) - الأديم: الجلد ماكان، وقيل: الاحمر، وقيل: هو المدبوغ.

 (4) - البصبصة: تحريك الظبأ أذنابها، والمقصود في الحديث تحريك الاصابع بالذكر.

 (5) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 274.

 (6) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 274.

 


[612]

أنا الذي سمتني امي حيدرة * كليث غابات غليظ القصرة (1)

أكيلكم بالسيف كيل السندرة

وقال: السندرة، الجرأة، ورجل سندر - على فعلل - إذا كان جريئا، والحيدرة الأسد، قال: والسندرة: مكيال كبير، وقال ابن الأعرابي: الحيدرة في الأسد مثل الملك في الناس، قال أبو العباس: يعني لغلظ عنقه وقوة ساعديه، ومنه: غلام حادر، إذا كان ممتلئ البدن شديد البطش، قال: والياء والهاء زايدتان، زاد ابن بري في الرجز: قيل: أكيلكم بالسيف كيل السندرة أضرب بالسيف رقاب الكفرة وقال: أراد بقوله: (أنا الذي سمتني امى الحيدرة) أنا الذي سمتني امى أسدا، فلم يمكنه ذكر الأسد لأجل القافية فعبر بحيدرة، لأن امه لم تسمه حيدرة وإنما سمته أسدا باسم أبيها، لانها فاطمة بنت أسد، وكان أبو طالب غائبا حين ولدته وسمته أسدا، فلما قدم كره أسدا وسماه عليا، فلما رجز علي هذا الرجز يوم خيبر سمى نفسه بما سمته به امه.

 قلت: وهذا العذر من ابن بري لايتم له إلا أن كان الرجز أكثر من هذه الأبيات ولم يكن أيضا ابتدأ بقوله (أنا الذي سمتني امي الحيدرة) وإلا فإذا كان هذا البيت ابتداء الرجز وكان كثيرا أو قليلا كان رضي الله عنه مخيرا في إطلاق القوافي أي حرف شاء مما يستقيم الوزن له به، كقوله: (أنا الذي سمتني امي الأسد)، أو (أسدا) وله في هذه القافية مجال واسع، فنطقه بهذا الاسم على هذه القافية من غير قافية تقدمت يجب اتباعها ولا ضرورة صرفته إليه مما يدل أنه سمي حيدرة، وقد قال ابن الاثير: وقيل: بل سمته امه حيدرة، والقصرة: أصل العنق (2).

 


(1) - في (تاريخ الامم والملوك): ليث بغابات شديد القسورة.

 (2) - ابن المنظور: لسان العرب، ج 4: ص 174.

 


[613]

5 - عن جابر الأنصاري: (إن النبي صلى الله عليه واله وسلم دفع الراية إلى علي عليه السلام في يوم خيبر بعد أن دعا له، فجعل يسرع السير وأصحابه يقولون له: ارقع (ارفق خ ل) حتى انتهى إلى الحصن فاجتذب بابه فألقاه على الأرض، ثم اجتمع منا سبعون رجلا وكان جهدهم أن أعادوا الباب (1) 6 - قال الازري رحمه الله :

وله يوم خيبر فتكات * كبرت منظرا على من رآها

يوم قال النبي إني لاعطي * رايتي ليثها وحامي حماها

فاستطالت أعناق كل فريق * ليروا أي ماجد يعطاها

فدعا أين وارث العلم والحلم * مجير الأيام من بأساها

أين ذو النجدة الذي لو دعته * في الثريا مروعة لباها

فأتاه الوصي أرمد عين * فسقاها بريقه وشفاها

ومضى يطلب الصفوف فولت * عنه علما بأنه أمضاها

ويرى مرحبا بكف اقتدار * أقوياء الأقدار من ضعفاها

ودحى بابها بقوة بأس * لوحمته الأفلاك منه دحاها

عائذ للمؤملين مجيب * سامع ما تسر من نجواها

إنما المصطفى مدينة علم * وهو الباب من أتاه أتاها

وهما مقلتا العوالم يسرا * ها علي وأحمد بمناها

7 - قال الفخر الرازي: (إن كل من كان أكثر علما بأحوال عالم الغيب كان أقوى قلبا وأقل ضعفا، ولهذا قال علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه -: (والله، ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية، ولكن بقوة ربانية)، وذلك لأن عليا - كرم الله وجهه - في ذلك الوقت انقطع نظره عن عالم الأجساد وأشرقت الملائكة بأنوار عالم الكبرياء،


(1) - المجلسي: بحار الانوار، ج 41: ص 279.

 


[614]

فتقوى روحه وتشبه بجواهر الأرواح الملكية وتلألأت فيه أضواء عالم القدس والعظمة، فلاجرم حصل له من القدرة ما قدر بها على ما لم يقدر عليه غيره، وكذلك العبد إذا واظب على الطاعات بلغ إلى المقام الذي يقول الله: كنت له سمعا وبصرا، فإذا صار نور جلال الله سمعا له سمع القريب والبعيد، وإذا صار ذلك النور بصرا له رأى القريب والبعيد، وإذا صار ذلك النور يدا له قدر على التصرف في الصعب والسهل والبعيد والقريب (1).

 8 - يقول الحكيم السبزواري رحمه الله:

ويقوي العمال فالهيولي * تنقاد خلعا شاء أو حلولا

فيقلب الهوا ويحدث المطر * يبدئ طوفانا يبيد

من فجر يطيعه

العنصر طاعة الجسد * للنفس فالكل كجسمه يعد (2)


(1) - الفخر الرازي: التفسير الكبير، ج 21: ص 91.

 (2) - السبزواري: المنظومة.

 الفريدة الثانية في اصول المعجزات والكرامات


[615]

 

الفصل 10

سيرة الإمام علي عليه السلام في مطعمه وملبسه

1 - روى إبراهيم الثقفي عن سويد بن غفلة قال: (دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام القصر فإذا بين يديه قعب (لبن) أجد ريحه من شدة حموضته، وفي يده رغيف ترى قشار الشعير على وجهه وهو يكسره ويستعين أحيانا بركبته، وإذا جاريته (فضة) قائمة (على رأسه)، فقلت لها: يا فضة أما تتقون الله في هذا الشيخ لو نخلتم دقيقه ؟ فقالت: إنا نكره أن يؤجر ونأثم وقد أخذ علينا أن لاننخل له دقيقا ما صحبناه، فقال علي عليه السلام: ما يقول ؟ قالت: سله، فقلت له ما قلت لها: لو ينخلون دقيقك فبكى ثم قال: بأبي وامي من لم يشبع ثلاثا متوالية من خبز بر حتى فارق الدنيا ولم ينخل دقيقه - قال: يعني رسول الله صلى الله عليه واله وسلم (1).

 2 - و- أيضا - عن بكر بن عيسى، قال: (حدثنا جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه عليه السلام، قال: كان علي عليه السلام يطعم الناس بالكوفة الخبز واللحم، وكان (له) طعام على حدة، فقال قائل من الناس: لو نظرنا إلى طعام أمير المؤمنين ما هو ؟ فأشرفوا عليه، وإذا طعامه ثريدة بزيت مكللة بالعجوة، وكان ذلك طعامه وكانت العجوة


(1) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 87.

 ونخل الدقيق، غربله.

 


[616]

تحمل إليه من المدينة (1).

 3 - أيضا من معاوية بن عمار، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن علي: قال: (ما اعتلج على علي عليه السلام أمران لله قط، إلا أخذ بأشدهما، وما زال عندكم يأكل مما عملت يده يؤتى به من المدينة، وإن كان ليأخذ السويق فيجعله في الجراب، ثم يختم عليه مخافة أن يزاد فيه من غيره، ومن كان أزهد في الدنيا من علي عليه السلام ؟ ! (2).

 4 - و- أيضا - عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (أعتق علي عليه السلام ألف مملوك مما عملت يداه، وإن كان عندكم إنما حلواه التمر واللبن، وثيابه الكرابيس، وتزوج عليه السلام ليلى فجعل له حجلة فهتكها، وقال: حسب أهل على ما هم فيه (3).

 5 - وقال أبو جعفر الأسكافي: (وبلغ من صبره ما أن كان الجوع إذا اشتد به وأجهده خرج يؤجر نفسه في سقي الماء بكف تمر لا يسد جوعته ولاخلته، فإذا اعطي اجرته لم يستبده وحده حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وبه من الجوع مثل ما به، فيشتر كان جميعا في أكله (4).

 6 - وقال عليه السلام في كتابه لعثمان بن حنيف: (ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، ويقودني جشعي إلي تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لاطمع له في القرص، ولاعهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى، أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال: أمير المؤمنين، ولا اشاركهم في مكاره الدهر، أو


(1) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 85.

 ومكللة: محفوفة، والعجوة: نوع من التمر.

 (2) - المصدر، ص 81.

 واعتلج: اجتمع.

 (3) - المصدر، ص 92.

 (4) الاسكافي: المعيار.

 الموازنة ص 238.

 


[617]

أكون اسوة لهم في جشوبة العيش ؟ فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، وتكترش من أعلافها - إلى أن قال: - لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما، وتقنع بالملح مأدوما، ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها، مستفرغة دموعها، أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك وتشبع الربيضة من عشبها فتربض، ويأكل علي من زاده فيهجع، قرت إذا عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية (1).

 وقال محمد عبده في شرحه: (كان - كرم الله وجهه - إماما علي السلطان، واسع الأمكان، ولو أراد التمتع بأى اللذائذ شاء لم يمنعه مانع، وهو قوله (لو شئت لاهتديت - الخ).

 والقز: الحرير، والجشع: شدة الحرص، وجملة (ولعل - الخ) حالية عمل فيها تخير الأطعمة، أي هيهات أن يتخير الأطعمة لنفسه والحال أنه قد يكون بالحجاز أو اليمامة من لا يجد القرص - أي الرغيف - ولاطمع له في وجوده لشدة الفقر، ولا يعرف الشبع، وهيهات أن يبيت مبطانا أي ممتلئ البطن والحال أن حوله بطونا غرثى - أي جائعة -، وأكبادا حرى - مؤنث حران أي عطشان -، والبطنة - بكسر الباء -: البطر والأشر والكظة، والقد - بالكسر -: سير من جلد غير مدبوغ، أي أنها تطلب أكله ولا تجده، الجشوبة: الخشونة، التقاطها للقمامة أي الكناسة، وتكترش أي تملأ كرشها، لأروضن: اذللن، وتهش أي تنبسط إلى الرغيف وتفرح به من شدة ما حرمها، ومطعوما حال من القرص كما أن مأدوما من الملح، أي مأدوما به الطعام، ولأدعن - الخ أي لأتركن مقلتي أي عيني وهي كعين ماء نضب أي غار معينها - بفتح وكسر - أي ماؤها الجاري، مستفرغة دموعها أي أبكي حتى لا يبقى دمع، والربيضة: الغنم مع رعاتها إذا كانت


(1) - نهج البلاغة، قسم الرسائل / الرقم 45.

 


[618]

في مرابضها، والربوض للغنم كالبروك للأبل، يهجع أي يسكن كما سكنت الحيوانات بعد طعامها، الهاملة: المسترسلة، والهمل من الغنم: ترعى نهارا بلا راع).

 7 - (أتى (علي عليه السلام) سوق الكرابيس فإذا هو برجل وسيم، فقال: يا هذا ! عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟ فوثب الرجل فقال: نعم، يا أمير المؤمنين ! فلما عرفه مضى عنه وتركه، فوقف على غلام فقال له: يا غلام ! عندك ثوبان بخمسة دراهم ؟ فقال: نعم، عندي ثوبان أحدهما أخير من الاخر، واحد بثلاثة والاخر بدرهمين، قال: هلمهما، فقال: يا قنبر ! خذ الذي بثلاثة، قال: أنت أولى به، يا أمير المؤمنين، تصعد المنبر وتخطب الناس، فقال: يا قنبر ! أنت شاب ولك شرة الشباب (1)، وأنا أستحيي من ربي أن أتفضل عليك، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول: ألبسوهم مما تلبسون، وأطعموهم مما تأكلون.

 ثم لبس القميص ومد يده في ردنه (2) فإذا هو يفضل عن أصابعه، فقال: يا غلام ! اقطع هذا الفضل، فقطعه، فقال الغلام: هلمه أكفه يا شيخ، فقال: دعه كما هو فإن الأمر أسرع من ذلك (3).

 8 - وعن ابن شهر آشوب: (فلما لبس القميص مد كم القميص فأمر بقطعه واتخاذه قلانس للفقراء (4).

 9 - عن أبي إسحاق السبيعي، قال: (كنت على عنق أبي يوم الجمعة، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يخطب وهو يتروح بكمه، فقلت: يا أبه ! أمير المؤمنين يجد الحر ؟ فقال لى: لا يجد حرا ولابردا، ولكنه غسل قميصه وهو رطب ولا له غيره فهو يتروح به (5).

 


(1) - أي حرصه ونشاطه.

 (2) - الردن - بالضم -: أصل الكم.

 (3) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 106.

 وكف الثوب: خاط حاشيته، وهو الخياطة الثانية بعد الثل.

 (4) - إبن شهرآشوب: مناقب آل أبي طالب، ج 2: ص 97.

 (5) - الثقفي: الغارات، ج 1: ص 98 و96.

 


[619]

10 - عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: (رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام وعليه قميص له، إذا مده بلغ أطراف أصابعه، وإذا قبضه تقبض حتى يكون إلى نصف ساعده (1).

 وعن أبي الاشعث العنزي عن ابيه قال: و(رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد اغتسل في الفرات يوم الجمعة، ثم ابتاع قميص كرابيس بثلاثة دراهم، فصلى بالناس فيه الجمعة، وما خيط جربانه بعد (2).

 11 - قال الغزالي في (الأحياء): (كان علي بن أبي طالب يمتنع من بيت المال حتى يبيع سيفه، ولا يكون له إلا قميص واحد في وقت الغسل.

 لا يجد غيره (3).

 12 - ذكر أبو بكر، أحمد بن مروان المالكي بسنده عن هارون بن عنزة، عن أبيه، قال: (دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالخورنق وعليه قطيفة، وهو يرعد من البرد، فقلت: يا أمير المؤمنين ! إن الله قد جعل لك، ولأهل بيتك نصيبا في هذا المال، وأنت تفعل بنفسك هذا ؟ فقال: إني والله، لا أرزء من أموالكم شيئا، وهذه القطيفة التي أخرجتها من بيتي - أو قال من المدينة - (4).

 13 - وعنه عليه السلام: (والله، لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل: ألا تنبذها عنك ؟ فقلت: اعزب عني، فعند الصباح يحمد القوم السرى (5).

 أقول: إن هذه الأخبار وما شابهها يدل على أن الواجب على الولاة أن يقدروا


(1) - الثقفي: الغارات ج 1 ص 98 و96.

 (2) المصدر، ص 97.

 والجربان - بالضم والتشديد -: جيب القميص، معرب گريبان.

 (3) - إبن شهرآشوب: مناقب آل ابي طالب، ج 2: ص 97.

 (4) - الإمام علي أسد الاسلام وقديسه، ص 84، ط بيروت.

 (5) - نهج البلاغة، خ 158.

 وقوله: (يحمد القوم السرى) مثل يضرب للرجل يحتمل المشقة للراحة (راجع (مجمع الأمثال) للميداني فيما أوله عين).

 


[620]

أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره، ولا يطغي الغني غناه، ولا يزال هذا الفرض مادام في رعيتهم فقير لا يكفي معونته مؤونته، ولذلك ورد في سيرة القائم عليه السلام أنه يلبس ثياب علي عليه السلام ويسير بسيرته، وأما إذا كان الأمام إو الولي الشرعي مقبوض اليد غير متصرف في الأمور فحاله حال سائر الناس في المطعم والملبس، فإن خير لباس كل زمان لباس أهله، فالمعيار في هذه الامور المواساة مع ضعفة الناس، وأما إذا ما رفع الفقر والضعف فأحق من يتمتع بنعم الله تعالى الامام والوالي).

 


[621]

 

الفصل 11

الإمام علي عليه السلام وزهده في الدنيا

1 - قال عليه السلام: (فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ، وقراضة الجلم (1).

 أقول: الحثالة - بالضم -: الردي من كل شئ، وما لاخير فيه، القرظ - بالتحريك -: ورق السلم، أو شجر له شوك كثير، والجلم - بالتحريك -: مقراض يجز به الصوف، والقراضة: ما يسقط منه عند الجز والقرض.

 2 - قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: (دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذى قار، وهو يخصف نعله فقال لي: ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت: لاقيمة لها، فقال عليه السلام: والله، لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن اقيم حقا أو أدفع باطلا (2).

 3 - وقال عليه السلام: (والله، لدنيا كم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم (3).

 قال ابن المنظور: (والعظام إذا لم يكن عليها شيء من اللحم سميت عراقا (4)، و


(1) - نهج البلاغة، خ 32.

 (2) - المصدر، خ 33.

 (3) - المصدر، ح 235.

 (4) - ابن المنظور: لسان العرب / مادة (عرق).

 


[622]

قال الشيخ محمد جواد مغنية: (وقيل هو الكرش، ومن الذي يأكل كرش الخنزير، أو عظمه من يد مشوهة بالجذام، وهل في الكون كله أبشع وأشنع من هذا الطعام واليد التي تحمله، هذه هي الدنيا في نظر علي قولا وفعلا وعاطفة وعقلا، وهذا هو واقعها وإن تحلت بالذهب، ورفلت بالديباج، وتعطرت بالعنبر، وإذا خدعت بها أنا، وغيري من طلابها وكلابها، فهل يخدع بها العقل السليم... (1).

 4 - وقال عليه السلام: (... ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عطفة عنز (2).

 قال ابن المنظور: (في حديث على: (لكانت دنياكم هذه أهون علي من عفطة عنز)، والمعفطة: الأست، والعرب تقول: ما لفلان عافطة ولانافطة، العافطة: النعجة (3).

 5 - وقال عليه السلام: (وإن دنيا كم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها (4)، ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ بالله من سبات العقل (5)، وقبح الزلل، وبه نستعين (6).

 6 - وقال عليه السلام: (فو الله، ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا، ولاحزت من أرضها شبرا، ولا أخذت منه إلا كقوت أتان دبرة، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة (7).

 أقول: الكنز: المال المدفون، وكل شيء يرغب ويتنافس فيه، والتبر - بكسر الأول وسكون الثاني -: الذهب والفضة قبل أن يصاغ، الوفر: المال، والطمر


(1) - المغنية: في ظلال نهج البلاغة، ج 4: ص 358.

 (2) - نهج البلاغة، خ 3.

 (3) - ابن المنظور: لسان العرب / مادة (عف).

 (4) - أي تكسرها بالسنان.

 (5) - سبات العقل: نومه.

 (6) - نهج البلاغة، خ 222.

 (7) نهج البلاغة خ 45.

 


[623]

- بالكسر -: الثوب الخلق، والأتان: مقام المستسقي على فم البئر وهو صخرة، و- أيضا - الحمارة، وعلى هذا يقرأ بإضافة أتان إلى دبرة وسكون الباء في دبرة، والدبرة - بسكون الباء -: البقعة من الأرض تزرع، وبفتح الباء: قرحة الدابة والبعير، والعفصة: شجرة البلوط وهو دواء قابض، والمقرة: المر.

ممقر مر على أعدائه * وعلى الأدنين حلو كالعسل

قال ابن أبي الحديد: (أقسم (علي عليه السلام) أنه ما كنز ذهبا، ولا ادخر مالا، ولا أعد ثوبا بالياً سملاً لبالي ثوبيه فضلاً عن أن يعد ثوباً قشيبا كما يفعله الناس في إعداد ثوب جديد ليلبسوه عوض الأسمال التي ينزعونها، ولا حاز من أرضها شبرا - والضمير في أرضها يرجع إلى دنياكم - ولا أخذ منها إلا كقوت أتان دبرة وهي التي عقر ظهرها فقل أكلها (1).

 أقول: يحتمل أن يكون المعني: وما أخذت منه إلا كقوت مستسقي البقعة المزروعة في خلف الدار، يعني كما أن المتصدي لسقي البقعة يأخذ منها شيئا يسيرا، كذلك أنا ما أخذت من قوت الدنيا إلا قليلا، وهذا المعنى أنسب لكلام علي عليه السلام، وكأنه مثل سائر للشئ القليل.

 


(1) - ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج 16: ص 205.