المباهلة

السيد عبدالله الحسيني


 

[1]

 

المباهلة

السيد عبد الله الحسيني

 

"فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين"

" القرآن كريم "

 

قدم له الكاتب القدير السيد صدر الدين شرف الدين الموسوي

مطبوعات مكتبة النجاح طهران الطبعة الاولى 1366 ه‍ - 1947 م بغداد

الطبعة الثانية 1982 - 1402

جدول الخطأ والصواب في الكتاب بعض الاغلاط التي يدركها القارئ ندرج اهمها بهذا الجدول الذي حاولنا جهدنا ان نستغني عنه فلم نتمكن.

 


 

[2]

 

الاهداء

بسم الله الرحمن الرحيم

يا رسول الله هذه آجال تمر علي يوم المباهلة - ذلك اليوم الذي شع منه نور للاسلام وانبعثت في الافاق متألقا منيرا - والناس لاتكاد تحس بمروره حتى ان بعض الناس لا يعرفون عنه شيئا أو انهم شاءوا ان لا يعرفوا عنه شيئا.

 ان هذا شئ يغيضك ولابد. فأنك قد أوضحت بيومك ذاك طريقا لاحبا سويا لو سار عليه المسلمون لكانوا على خير عظيم.

 وان يومك ذاك قد أهلتة ليكون عيدا من أعظم اعياد امتك ويوما من اكبر الايام واكرمها.

 لقد مر الناس علية مرورا عابرا..

 ولكن علما من أعلام أمتك وحملة مواريثك وفرعا من دوحك الضاربة في السماء وأعني به الامام السيد عبد الحسين شرف الدين وهو احد اولئك الذين خلفتهم للسير بامتك على الطريق الذي رسمتة ولينهجوا بها على الصراط الذي نهجته.

 قد رفع صوته في يوم من الايام داعيا لاذاعة فضل هذا اليوم المبارك في الناس واخراج قصة مؤتمر نجران ليعرفوه وها أنى طلبا لرضائكم وآجابة لنداء شبلكم وحامل لوائكم اتقدم بمجهودي الضئيل هذا فارفعة بكلتا يدي الى سدتكم الرفيعة راجيا منكم القبول ومن شبلكم الرضاء عبد الله السبيتي


 

[3]

 

المقدمة

بقلم: السيد صدر الدين شرف الدين

اننا نقرأ الان كتابا جديدا للعلامة السبيتي، وما ادري اين يقع رقم هذا الكتاب من السلسلة التي افرغها مؤلفه في بضع سنين أهو الكتاب الخامس ؟ أم هو الكتاب السادس ؟ ما ادري ولا يهمني ان ادري ولكن الذي اهتم به من هذا انه يدلني على ان للشيخ عبد الله بلاءا حسنا في ميادين البحث وجهدا متواصلا في مجالات العلم يتجاوز به صفوف المتخلفين من رجال الدين المطمثين الى دعة الفتور المفتونين بحب السلامة ويشمر به بعيدا حيث يشارك بالحياة ويساير مواكبها السائرة نحوا من المشاركة والمسايرة اقل ما يثبت له انه جندي يجد من ايمانه ووعيه صارفا عن الفرار من الساحة ووازعا يأبى له تسليم " البدل " أو التماس المعاذير.

 واعظم بهذه مزية قبل ان تعرف ما وراءها من شمائل الفروسية في هذا الجندي النامي وقبل ان نستوثق من سلامة عدته وجدة سلاحه في اداتي التفكير والتعبير اللذين يسموان بالايمان سموا يتقاوت بنسب الهبات والثقافات من نفوس هؤلاء المجاهدين في العلم والحياة. هذه ميزة.. الرجل دائب في غير فتور، ماض في غير تقهقر.

 


 

[4]

وكثيرون من رجال العلم فاترون دائبون على الفتور متقهقرون ماضون في التقهقر في حال تنذر بوخامة العاقبة التي ينظرون إليها كالمكتوب المهم يستهول عمق الهوة دون ان يفكر بوسيلة تحميه من هول الانحدار.

 وافضل ما يوضح ميزة الشعور بالواجب أن يمضي الرجل منا في قوم واقفين ان لم نقل في قوم راجعين.

 ولا يصح اعتبار هذه الميزة ميزة - كما هو واضح - إلا حين يستمد بحث الباحث في التاريخ والمسائل النظرية القديمة من الحياة الحاضرة جدة في تبسيط الموضوع واسلوب عرضه على نحو يحيه احياء يلائم مناحي التفكير الحاضر.

 وقد عرفنا رجالا مكثرين لا يغنيهم الا كثار شيئا وراء تضييع الايام في انفاقها على نسخ كتب قديمة ينشرونها من اجداثها كما تنشر العظام البالية من اجدلتها مشوهة شائهة دون ان يسبلوا عليها رداء أو يكسوها بعمل فني حديث يجعل نشرها عملا مشروعا.

 فنحن حين نسجل للشيخ عبد الله ميزة في مؤلفاتة المستمدة من الفكر الاسلامي وتاريخه نحافظ على الدقة بالتعبير ونلمح به الى صنعه الخاص في ابحاثه التي يلبسها من فكره وجهده ورأية ما يشفع بالعودة إليها باعتبارها فكرة متصلة بحياتنا اتصالا مركزا بنظر المتجردين الاحرار.

 ولي كلمة احب ان اقولها في هذا السياق بهذه المناسبة وهي ان - التاريخ - باشمل مداليله - من كل امة جزء من حاضر كل امة والعودة إليه عمل لاغناء عنة في بناء النهضات أو ضع استمرارها.

 وعلى ذلك فمعالجوه طبقة لابد منها حين توزع اعمال الحياة الحاضرة لان حذفها حذف لحلقة من


 

[5]

حلقات الحيات الحاضرة الاساسية.

 ولكن يجب اختيار هذه الطبقة اختيارا على اساس الشروط الصحيحة لهذه البحوث ليصبح وجود هذه الطبقة مصادفا موقعة من التضامن مع الحياة وطريقة البحث واسلوب التفكير وصحة الضمير وحسن الانتقاء كل اولئك من الشروط أما النقل الصرف دون تحقيق ولا تعليق أو معهما تافهين غثيثين - أما ذلك فثرثرة ميسرة لطلب الشهرة فقط وذلك من اعباثنا التي يجب ان نتخفف منها ونتحرر ممن يحملنا اياها بصراحة وشجاعة وبعد فهذا كتاب يبحث في آية قرآنية كريمة كانت ولا تزال موضعا للاخذ والعطاء بين المسلمين.

 وكثرة الرد والبدل بمجردها في هذه الاية الكريمة تدل على انها ذات اثر بالغ في الحياة الواقعة التي لن تتغير ما دام للاسلام لواء يخفق، وما دام اسم محمد ينطلق في الفضاء البعيد والافق الواسع.

 تذيعه منائر الدين الحنيف كل يوم ثلاث مرات.

 أما الاية التي اختص بها هذا الكتاب فهي آية المباهلة.

 وهي من الايات الفواصل في مراحل الاسلام وادوار نشئه ولعظيم اثرها هذا كانت مدار بحث طويل بين المفسرين والفلاسفة من اعلام المسلمين حتى اليوم ذلك لانها قاعدة من قواعد الامامة التي شقيها السياسة متجنية على المفكرين والعلماء منذ تحكمت مطامع السياسين باصول الدين تخضعها لاهوائهم وتسيرها برغباتهم حتى جعلتها آخر الامر اداة للاقطاع والاثراء والارهاب على نحو ما عرفناه في اكثر ادوار الحكم الاسلامي منذ صدوره، الامر الذي اورده الخاتمة المعروفة.

 ولا اريد ان اشارك المؤلف بتأليفه بهذه الكلمة فذلك جهد قد لا


 

[6]

يقنع مني بالقليل من وقتي الضيق.

 بل ذلك تجن على المؤلف في جهد انفق فيه ليالى طوالا وخرج منه موفقا توفيق الباحث العصري الامين.

 فجاءت دراسته مستوفية لعناصر الدراسات الحديثة القيمة.

 قائمة على اصول البحث الجديد.

 فالكتاب صدى لرغبة تقدم بها إليه في احياء (قصة المباهلة) المطمورة في كتاب قديم بعد ان كان متحفزا لاحياء هذه القصة اخذا بنصيحة (الكلمة الغراء) (1).

 اذن فاساس الفكرة تجديد طبع (رواية قديمة) وتحقيقها في مذهب من مذاهب النشر الحديثة النافعة، غير انه بدأ له ان يلقي بين يدي (الرواية القديمة) كلمة تجمع بين التحقيق والايضاح ثم توسعت الكلمة فكانت بحثا يفصل القول في ظروف يوم المباهلة وعوامله واثاره.

 هكذا تكونت هذه الدراسة لتكون حلقة من حلقات قلم العلامة السبيتي التي نحمدها له ونتمنى عليه اطراد النشاط داعين الفرسان من جبهته الى مثل هذا الاثمار النافع.

 صدر الدين شرف الدين


 
1 - الكلمة الغراء رسالة لسيدنا الوالد ولعلها اوفى بحث تناول (تفصيل الزهراء) بحرية وعمق واستقلال.
 

 

[1]

 

تصدير

في حياة علي (ع) وفي حياة الزهراء عليها السلام وفي حياة ولديهما عليهما السلام نواح كثيرة للحديث عنهم، وكفايات للاشادة بفضلهم، وفي كل ناحية من نواحي الفضلية والكمال ملتقى مع هؤلاء الاربعة..

وقد التقت في حياتهم وشائج الفضائل والمثل العليا مذ تفتحت اكمام حياتهم وعرفوا هذا الوجود، وإذا نظرنا إليهم من البداية الى النهاية لرأيناهم يتقلبون بين احضان الفضيلة وقد اسدلت عليهم ابرادها تلفهم من الفرع الى القدم فلا يساويهم في سموهم احد، ولا يدانيهم مخلوق.

 ولا جرم ان كانوا كذلك وقد تربوا في البيت الذي خرجت مننه الدعوة الى الاسلام، وكفلهم صاحب الدعوة الاسلامية.

 وليس عجبا بعد هذا ان كان في كل ناحية من نواحي حياتهم ملتقى للفضائل، فان لهذه التربية اثر فعال في صبغهم بالصبغة المثالية وتوجيههم الى الفضيلة والكمال..

 ولقد كانن كل واحد منهم بحكم التربية وبحكم الوراثة معجزة خالدة انفصلت من جسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتكون معجزة في صميم الحياة


 

[2]

وان حياة كل واحد منهم تتصل بحياة رسول الله صلى الله عليه وآله، ووجوده الكامل يتصل بوجوده (ص) المثالي وفضائله تتصل بفضائله، من الساعة الاولى التي انفصلوا فيها من وجود واستقرار في وجود آخر.

 هذه حقيقة ثابتة يستطيع القارئ ان يراها من خلال حياتهم، وان عرضا موجزا لحياتهم كفيل بان يرينا انه بعد النبوة لانجد فواصل اخرى بين كمال وجوده (ص) وكمال وجودهم، وان الله تعالى اعدهم للانسانية في اعلى مثاليه كما اعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل.

 وفي الحق انهم المعجزة الخالدة التي كشف الزمن ذيله عنهم، فجاءوا في وسط المعترك الهائج وليسوا منه، وجاءوا بين طرفي الزمن وليسوا من الزمن وانما هم اشعاعة من نور الله افاضه على هذا الوجود وعلى هذه الانسانية المعذبة يشق الطريق ليهديها في كل اجيالها الى الخير والسعادة، والى المثل العليا من الكمالات النفسية.

 موضوع هذا الكتاب ناحية واحدة من نواح كثيرة، وآية واحدة من كتاب الله المجيد من بين آيات كثيرة هي آية المباهلة: " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ".

 هذا موضوع هذا الكتاب.

 وان موضوعا كهذا الموضوع ينكمش


 

[3]

فيه القلم على نفسه متهيبا فلا يستطيع ان يجري مترسلا لتشعب نواحيه، ورامي اطرافه، ومن ناحية ثانية لما احيط بهذا الموضوع من اسلاك شائكة متشابكة الاطراف، لا يكاد ينتزع طرف منها حتى يلتقي باطراف اخرى متحصنة بمتارك الزمن القاسي ومخلفات الاقلام المهوسة التي خلقت وراءها الزمن مظلما بالستائر الكثيفة والسحب الداكنة، تتصل بعهدها القديم المظلم.

 ولكن.. سيف الظلم مفلول الحد، ودولته دائما الى زوال، وان الحق مكفول لسائر الاجناس..

 وفي الحق نور لاتخبو شعلته مهما احاطوه بحصون كثيفة الجدر، وسوروه بزبر الحديد، ومهما تراكمت عليه الاصداء، وعبرت عليه الازمان، ولا بد ان يخترق النور هذه الحجب ويكشف الظلمات..

 وان السنين الطوال التي مرت تحمل سيف النقمة مسلولا لم يتسن لها ان تمس ذلك النور ولم تستطع ان تمد يدها الى القلوب المستنيرة بنور الحق..

 وان الايدي العابثة بالحقائق التي اعقبت رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن مرجوا لها ان تمتد الى المبادئ السامية لتفسدها وما كانت الا أيد عابثة في جدها، هزيلة في احكامها غير مرجوة في نهايتها، كما لم تكن رشيدة في بدايتها.

 وان تلك القلوب التي اغمضها ذل الاستبداد، وامتهنتها حكومات الاستبعاد لم تمت ولم تدفن ولم تهن ولم تتكل وانما انفردت في زاوية من الزمن تعمل نشيطة في سبيل هدفها في ظلمات الاستبداد وتحت قوارع النكبات لا متوانية ولا كسله...

 


 

[4]

وكان الزمن حريصا الحوص كله على ان يسد النوافذ وان يحول بين سوانح الفرص، ولكن بالرغم عنه يبد القبس ينير الطريق.

 ويوضح السبل ! ويفلت الاسد من اقفاصه الموصدة، ويزأر زأرته القاصفة، ويرجع بالحلقة المفقودة ليوصلها باخواتها، وليسلم السلسلة متلاصقة الحلقات، الا وان يومنا هذا موصول بايام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وموصول بيوم المباهلة وان جار عليه الزمن، واراد ان يلفه بطيات ماضيه، لولا ان كتاب الله المجيد يعالن الناس بذلك اليوم وبفضل اربعة فقط من مئات الالوف من المسلمين، وان سورة آل عمران تصارحهم بفضل آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم المرموق رغم كل حاسد وكل مناوء.

 ان الله بعث محمدا رسولا هاديا وداعيا مبشرا ونذيرا، يدعو الى الله الواحد الاحد، ونشر للناس كتابا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، يهدي للتي هي أقوم، نعى ركود العقل واهاب بالانسان الى التفكير بملكوت السموات والارض قبل الايمان.

 " قل انظروا ما ذا في السموات والارض " " وان في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولي الالباب " ودعى الانسان الى النظر في نفسه " ومن آياته ان ان خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون " " والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والابصار والافئدة لعلكم تشكرون "


 

[5]

ودعى الانسان الى النظر في آيات الله الذي خلق كل شئ فاحسن صنعه واحكم تدبيره وما اودع في هذا الكون من بديع الصنع واحكام التنسيق " ان الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ذلكم الله فانى تؤفكون " " فالق الاصباح وجعل الله سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم " " ألم نجعل الارض مهادا والجبال اوتادا  وخلقناكم ازواجا وجعلنا نومكم سباتا وجعلنا الليل لباسا والنهار معاشا وبنينا فوقكم سبعا شدادا وجعلنا سراجا وهاجا وانزلنا من المعصرات ماء ثجاجا لنخرج منه حبا ونباتا وجنات الفافا ".

" وفي الارض قطع متجاورات من اعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك لايات لقوم يعقلون "

الى امثال ذلك من الايات.

 اجل: امر بالنظر ثم بعد النظر والتفكير في صنع القادر الحكيم الايمان بالله الواحد الاحد ليخلص الانسان من رق تقليد الاباء وقد نعى على الانسان الركود والرجوع الى الاباء والاجداد في كثير من الايات.

 وكتاب الله سبحانه الذي شق طريقه الى قلوب الظمأى الى عدالة الحق لم يتبدل ولم يصبه تحريف.

 وانما انحرفت نفوس قامت على انفاذ شريعته ونصوصه متأثرة بعوامل هدامة في المبدأ والمنتهى وما زالت تعيش بين المسلمين وبمد حبائلها وشباكها الى القلوب والضمائر فتجرفها عاصبة عيونها بعصابة من التعصب المقيت.

 


 

[6]

بيد ان هذا عهد غبر وتولت ايامه وانتهت دولته الى اسوأ مصير وبدت الحقيقة تنكشف شعة لماعة وليس على طالب الحق الا ان يضع كتاب الله بين يديه يقلب صفحاته صفحة صفحة.

 فليس ثمة احد ارحم يطالب بحق من الله ولا احد اعلم بالخلق ظاهرهم وباطنهم منه تعالى.

 ثم يضع سنة رسول الله يقلبها حديثا فحديثا.

 وكتاب الله وسنة نبيه صريحان بان آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افضل من اقلته الارض واظلته السماء.

 والقارئ يقرأ في كتاب الله المجيد المراسيم الالهية بالتزام جانب آل رسول الله (ص) ومودة قرباه وهم علي وفاطمة وحسن وحسين عليهم السلام ومن استوعب القرآن استيعاب تأمل واستقصاء وقرأه قراءة تفهم واستنتاج استخلص منه اعظم المدح والثناء على آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

 ولا اريدك ان تقرأ فيه الايات مئة التي انزلت في علي عليه السلام (1) ولكن اقرأ قوله تعالى في سورة الاحزاب " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " وقد رووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال نزلت في خمسة " في وفي علي والحسن


 
(1) في ينابيع المودة: اخرج الطبراني عن ابن عباس (رض) قال نزلت في علي اكثر من ثلثماية آية في مدحه

 

[7]

والحسين وفاطمة " (1) وجاء في القرآن في سورة حم الشورى (قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى (2) ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور رحيم.

 ام يقولون افترى على الله كذبا) وقد رووا انه لما نزلت هذه الاية قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: (علي وفاطمة وابناهما) (3)


 
(1) في الكلمة الغراء ص 7 وقد اورد الامام جلال الدين السيوطي في تفسير هذه الاية من كتابه الدر المنثور عشرين رواية من طرق مختلفة في ان المراد من اهل البيت هنا انما هم الخمسة لاغير.
 وذكر بن جرير الطبري - كما في الشرف المؤبد للنبهاني - خمس عشرة رواية باسانيد مختلفة في قصر الاية عليهم بالخصوص.
(2) القربى كالزلفي وهي بمعنى القرابة والاستثناء والمعنى لا اسألكم على اداء الرسالة من الاجر الا ان تودوا قرابتي ويصح الاستثناء منقطعا اي لا اسألكم عليه اجرا ولكن اسألكم ان تودوا قرابتي.
(3) اخرجه احمد والطبراني والحاكم وابن ابي حاتم عن ابن عباس كما في الصواعق المحرقة لابن حجر واخرجه ايضا عنه ابن المنذر وابن مردويه والمقريزي والبغوي والثعلبي في تفسيرها والسيوطي في درره المنشورة صرح بذلك النبهاني في اربعينه في الشرف المؤيد.
 

 

[8]

واقرأ ان شئت سورة الدهر - هل اتى - وامعن النظر في آية الابرار منها، واستوعب استيعاب متأمل نصوصها وروح معانيها لتعلم ان اهل هذه السورة قد بلغوا الشأو، ووصلوا الى القمة العليا وانتهت بهم المثالية الى اقصى الحدود التي لا تصل إليها الافكار ولا تبلغها العقول.

 ثم اقرأ آية المباهلة من سورة آل عمران (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(1) لتعلم انه سلام الله عليهم كما قال فيه الجاحظ " صفوة الامم، وخيرة العرب والعجم. ولياب البشر ومصاص بني آدم وزينة الدنيا. وحلية الدهر، والطينة البيضاء والمغرس المبارك والنصاب الوثيق ومعدن المكارم وينبوع الفضائل واعلام العلم وايمان الايمان " وخيرة الله للتأمين على دعاء رسول الله (ص) وبرهانه على صحة الاسلام والدعامه لتركيز الايمان.

 ولقد فهم المسلمون يوم كانوا خلوا من المؤثرات السياسة مزيد عناية الله


 
(1) ونحن لا نريد ان نأتي على كل ما جاء في هذه الايات الكريمة من رواية وتفسير وبحسب القارى ان يطلب الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء لسماحة الامام السيد عبد الحسين شرف الدين فانها وضعت خصيصا للبحث في هذه الايات الكريمة والاحاديث الواردة في تفسيرها وقد اوضح هناك دلالة هذه الايات باجلى بيان واوضح برهان فجزاه الله عن الحق واهله خير جزاء المحسنين.
 

 

[9]

بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان سبيلهم الى فهم القرآن الكريم ورسول الله (ص) وهذه حقيقة لا سبيل الى نكرانها، غير انا نبخس الحقيقة والواقع حقهما إذا انكرنا انه كان في الافق الاسلامي بعض السحب الداكنة كانت تلوح حينا وتضمحل حينا آخر، ورسول الله والقرآن المجيد لم يكونا كفيلين باقتلاع بذرة الحقد على علي بن ابي طالب عليه السلام التي كانت مغروسة في النفوس والتي نمت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أو في اليوم الاول من وفاته وامتدت اغصانها في العصور المتوالية والى يومنا هذا والى ان يشاء الله وليس من موضوعنا ان نتبسط هنا ولا نريد ان نتغمس في هذا الحديث.

 ومهما يكن من امر فان الاية الكريمة والايات التي تقدمتها براهين واضحة جلية على سمو فضلهم، وعلو قدرهم، ورفعة مقامهم، وانهم صفوة الصفوة ولباب اللباب، والخيرة الخيرة من عامة المسلمين، لا يدانيهم احد من الخلق ولا يضاهيهم، ولا نريد ان نستوعب الكلام في هذه الايات ونحيل القارئ الكريم على " الكلمة الغراء في تفضل الزهراء " الملحقة بكتاب " الفصول المهمة، الطبعة الثانية لسماحة البحاثة المتتبع الثبت حجة الاسلام السيد عبد الحسين شرف الدين المجاهد في سبيل الله والحقيقة وهناك تجد ما يزيل كل ريب أو شك باجلى بيان واضح برهان.

 فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة فجفل العرب الوثنيون وهالهم امر


 

[10]

رسول الله واضطرب النصارى في نجران، وانخلعت قلوب القسس الذين يديرون شؤون كعبة نجران، وهالهم انتشار الاسلام، وبيناهم في حيرتهم سادرون إذ ورد عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم للاسلام أو اعطاء الجزية أو ينابذهم الحرب، والحرب كانت علاجا مرا يتجرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كره دفعا للاذى وكفا للفتنة، وليس في موضوعنا ان ندخل في هذا البحث.

 عظم على رؤساء نجران هذا التحدي من النبي (ص) وعقدوا مؤتمرا عاما اجتمع فيه رؤساء النصرانية ورجال حربها واحلافهم، يشتورون فيما يجب عليهم ان يصنعوه، لان عوامل الخطر اصبحت تحيط بنجران بصورة خاصة وبالنصرانية بصورة عامة، واصبح الاسلام قوى الدعائم بشمول عدله، وقوة برهانه، وقد تلقى الدعوة الاسلامية من تلقاها وهو مستريح إليها، لانها دعوة طبيعة ليس فيها ما ينفيه العقل أو ينافيه وليس فيها ما يحجزه عن النظر في ملكوت السموات والارض بل الاسلام دعوة الى ذلك بصراحة رفعت كل الحواجز وسهلت جميع السبل.

 ويلوح ان المؤتمر كان صريحا اتسع فيه المجال لرجاله المتعاقدين للنظر في الحوادث الجسيمة التي تقع على مقربة منهم وتحت سمعهم وبصرهم.

 وقد اهمل التاريخ - على عادته - ما دار في ذلك المؤتمر من جدل عنيف بين الاقطاب المشتورين في صحة رسالته وصدق دعواه.

 والذي يلوح انه ليس بمستطاع للتاريخ ان يقول كلمته في ذلك وليس


 

[11]

في استطاعة المؤرخين ان يبحثوا عن اصول الحوادث أو يقولوا كل شئ، فان شيئا مخوفا كان يكم الافواه، ويلجم الاقلام، ولو ان المؤرخين عنوا بانتهاج الحقائق حق العناية لكان التاريخ صورة صحيحة صادقة ليس فيها التواء ولا اسفاف ولكن للسلطة كلمة خاصة لابد ان توحي بها الى الاقلام، فلا تستطيع هذه ان تحيد عنها أو تخرج من محبسها الضيق، والمؤرخين انما يكتبون ما تلوح به لهم السياسة وما تفرضه عليهم فرضا ليكونوا بمنجاة من خبثها ولؤمها أو لعلهم كما يظن بعضهم " ان المؤرخين لم يوفقوا الى اقامة التاريخ على سنن منطقية، وقواعد نقدية تحتفل ببيان الدوافع والعوامل التي تهئ ظروف التاريخ المختلفة وتحدد له الاتجاهات " (1) ونحن نرى انه كان للسياسة اثر كبير في توجيه التاريخ، وكان للعقيدة ايضا اثر في تسييره، اقول هذا وانا ارى وجوها من الادلة تفيض في نفسي ولا معدى عنها عند تحليل الحوادث التاريخية.

 ولا شك ان هذا الارهاق السياسي الذي وقعت الاقلام تحت وطأته، وتلك الحدود الضيقة التي حبست فيها الاقلام والافكار كانت باعثا قويا الى توجيه افكار رجال صالحين من اهل العلم والامانة عملوا تحت نكبات الصعاب فدونوا كثيرا من الحقائق بامانة واخلاص كما هي بعيدين عن اغراض السياسة واهدافها.

 ولقد كلف هؤلاء الاعلام بالحق لذات الحق وهو الذي حملهم على


 
(1) هذا رأى الاستاذ عبد الله العلائي وقد استقاه من اللورد اكتن.
 

 

[12]

تسجيل الحقائق وتدوينها، وهذا الشعور دائما هو مفتاح اعمالهم وشفافيه نفوسهم الطيبة، فتحملوا النكبات، وصبروا على الاذى، ولم يخفهم سمل العيون وقطع الايدى والارجل والصلب على الجذوع النخل.

 ومن الحقائق التي حملت الينا على لسان اولئك البررة بامانة واخلاص حديث مؤتمر نجران وما دار فيه من جدل وحوار ونحن نقدمه الى القارئ في خاتمة هذا الكتاب، ولعل هذا الحديث النادر هو الذي حملنا على افراد هذا الكتاب...

 ففي سنة 1347 ه‍ اخرجت المطبعة رسالة سماحة المجتهد الاكبر البحاثة الجليل السيد عبد الحسين شرف الدين سماها " الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء " جاء في الصفحة الثالثة ما نصه بالحرف: " وقد تصدى سيدنا الشريف المقدس ابن طاووس لتفصيل المباهلة ومقدماتها وما كان قبلها في نجران، من المؤتمرات والمناظرات في جلساتهم المنعقدة لذلك حين دعاهم سيد الانبياء والمرسلين الى الله تعالى وارسل إليهم في ذلك رسله، فليراجع الاقبال من اراد الوقوف على تفصيل تلك الاحوال، ليرى اعلام النبوة، وآيات الاسلام، وبشائر النبيين بسيدهم محمد (ص) وبعترته الطيبين الطاهرين وبذريته المباركة من بضعته سيدة نساء العالمين، وكنت اردت ان اخرج هذه القصة من كتاب الاقبال وانتشرها في رسالة على حده تعميما لفوائدها وتسهيلا لطالبها، ولعل بعض اهل العلم العالية ممن حبسوا نفوسهم على نشر الحق يسبقني الى ذلك فاكون قد فزت بتنبيه الى هذه المهمة "


 

[13]

جلجل الصوت في سمعي فان الدعوة جميلة ومنبعثة عن شعور قلب كبير استوعبت مشاعري ووعاها سمعي وبصري، لانها دعوة الخير مست القلب فتحرك، وقرعت السمع فوعاها الذهن، ولكنها رهيبه ! أمن المستطاع ان تقرن بالتلبية ؟.

 ام هي عصية على هذا القلم القاصر ؟ !...

 لقد حبست نفسي على نشر الحق، واوقفت هذا القلم - ان صح التعبير - على نشر الحق ايضا غير اني لست من اهل الهمم العالية الذين يقرنون الدعوة بالتلبية ولكن الصوت العالي المنطلق في الفضاء من الرجل الكبير كان رنانا عذبا مشت على نعماته النفس، وتحركت فيها البواعث القوية لاخراج هذه الصورة عن مؤتمر نجران التي حملها الينا السيد ابن طاووس، ولكنها مقدمة باحاديث معقبة بشروح وحواشي، غير انها رغبة ابت ان تحققها الايام وانحسر الستر عن القضاء فإذا هو باسم ساخر !...

 وكيف مضى الزمن والفكرة لم تحقق ! ؟ وليس عجبا ان تبقى الفكرة طوال هذه المدة إذا كانت مقودة بزمام القضاء والقدر ولكن الفكرة لم تتزحزح عن مكانها الذي ولدت فيه، وانما ركدت تحت اكداس من رماد القضاء.

 لم يتغير المبدأ الذي اتخذته لنفسي منذ تنسمت الحياة العملية في ميادين الاعمال، ولم تتبدل الفكرة انما برزت بروزا واضحا منذ سمعت الصوت من الرجل الجليل واخذت امهد السبل بالمطالعة والبحث عن يوم المباهلة، وإذا


 

[14]

بكتاب " فجر الاسلام " يشق طريقه من الافق المصرى وله في السمع دوى مجلجل، وفي القلب طعنات دامية، وفي الضمائر وخزات مؤلمة، فتركت يوم المباهلة وحديث مؤتمر نجران الى كتاب " تحت راية الحق " في الرد على طعون " فجر الاسلام ".

 كانت طعونن كتاب فجر الاسلام قاسية لا يرتكبها اديب مفكر ولا يقدم عليها عالم مثقف ولكن شاء الاديب الاستاذ احمد امين ان يتخلى عن ادبه وعلمه وشاء ان يكون مسفا ملتويا وابت عليه نفسه ان يكون حرا ودفعته الى التقليد فكتب مقلدا وطعن ظالما وتحدث بغير روية فتنكب عن الصراط السوى فانكره الادب والعلم واسف فجفاه الخلق والتوى في الطريق ففقد الثقة.

 وكان من الطبيعي لنا ان نترك كتاب (المباهلة) ونترك كل شئ، فان كتاب فجر الاسلام بما يحمله من طعون دامية يحتاج الى محاسبة دقيقة واقول دقيقة لا لان كتاب فجر الاسلام جائنا بشئ جديد لم يفتريه من قبل ابن تيمية والشهرستاني وابن حزم الظاهري ولم يلصقوه بالشيعة، وانما يوم احمد امين بماضي سلفه وليس ما في كتابه الا حلقة تتلقى باخواتها المختفية خلف التاريخ وكأن تلك الانفس التي لفها الماضي بطياته تقمصت في هذا الانسان الذي يسمونه اليوم احمد امين.

 وهكذا أسيء الى العلم والحق مرة ثانية ولكن مع الفرق بين الاسائتين فان تلك كانت في عصور مظلمة ظالمة غايتها ارضاء المحكوم لحاكمه


 

[15]

من عقيدة أو سياسة لا للحق والحقيقة، وتعتبر اليوم انها انحرفت عن وجهة الحق وغادرته لكن الى عقبى وخيمة سيئة ادت الى سخط المنصفين، وليس معنى هذا انه لا يوجد اليوم بين المسلمين من لا يحترم الاقلام المهوشة فان كتاب فجر الاسلام يعلن بان لا تزال باقية ولكن حتما ان هؤلاء سيفقدون قيمتهم الاجتاعية.

 والاساءة الثانية كانت في عصر النور والحريات ولكنها تستفى من تلك العصور المظلمة، ولا نعلم الهدف الذي يرمى إليه الاستاذ احمد امين وامثاله وقد انار العلم طريق الحياة، واخذ الشعور بحب التحرر من تلك الاراء البالية يراود النفوس الحرة لها الطريق، ولم يبق لتلك العناصر الهدامة اي قيمة غير انه يلوح في الافق ان عوامل الوراثة لم تمت في النفوس، وانما ركدت قليلا وهي تعود الى سيرتها الاولى والى ما كانت عليه من قبل في عهدها الاول تسير في الافق الضيق منبعثة عن ذلك الشعور الذي لم يعرف الحق، وانما هدفه النفوذ الى مأرب خاصة، ولا يبالي من اي كان طريق النفوذ لا يعلم واجبه العلمي، وغير مقدر تبعة ذلك.

 هذه حقيقة راهنة لاسبيل الى نكرانها ما دام يكشف عنها كتاب فجر الاسلام وليس من موضوعنا ان نسير وراء اهداف الكتاب وقد كشفت عن نوايا الاستاذ احمد امين طعونة التقليدية.

 وبالجملة فقد انصرفنا عن كتاب المباهلة الى الرد على مطاعن فجر الاسلام وكتبنا كتاب " تحت راية الحق " وقدمناه الى المطبعة ثم خرج منها


 

[16]

عائدا الى العراق المأوى الذي خرج منه ولكن مع الاسف لم يكن بالحسبان ان الكتاب يحبس في زاوية من زوايا الكمرك في العراق ثم يحرق.

 احرق الكتاب فكانت الصدمة عنيفة جدا وعلمت آنئذ ان الحق لا يزال سجيا في قفصه وكل ما يستطيع ان يفعله فعل الاسود في المحبس الضيق، وعلمت ايضا ان العلم لا يزال في محبسه الضيق تحوطه سيوف السياسة ورماحها ولم يتهئ له الانطلاق والتحرر لان اللحظة المرجوة لبروز العلم والحقائق لم يأت وقتها.

 وفي يوم من ايام سنة 1366 كنت جالسا في مكتبة الجامعة في بغداد مع جماعة من اهل الفضل والادب وكان الحديث متنوعا لم تحدد اطرافه وإذا بالاستاذ..

 وهو احد المحامين المطلعين يدخل علينا ولم يمهلنا نحن الجالسين لحظة واحدة لنعطيه مكانه من مجلسنا وانما توجه الي بالسؤال التالي: " ارأيت كتاب الاقبال ؟...

 استقبلت السؤال بهدوء.

 ولماذا ؟ ! وما في الاقبال ؟ كانه كتاب يقرؤه اولئك البررة الذين يجأرون الى الله بالدعاء فان فيه اعمال الشهور وادعيتها فهل انت ممن يقرأه - " ان فيه حديث مؤتمر وفيه ادب جم وتاريخ اهملته كتب التاريخ وفيه التعريف بفضل اهل بيت النبوة آل رسول الله (ص) الذين غمط حقهم المؤرخون.. اخرجه.. اخرجه للناس وللمستشرقين ".

 


 

[17]

لقد كان في دعوته حرارة، وفي كلماته صدق، وعلى قسمات وجهه شئ من الجد الصريح.

 كلمات لمست باحدى يديها قلبي، وبالاخرى ازاحت الستار عن تلك الفكرة المدفونة، وكأنه شعر ان لحديث نجران موطن في نفسي، فاراد ان يزيح الرماد وينفخ في النار. نفخ النار.

 وعاد ذلك الصوت من فم الرجل العظيم الجالس في " صور " بجرسه الرنان صيحة عالية عذبة الرنة قرعت السمع فهفا إليها القلب فتقدمت الى القلم والكتاب وعدت الى الموضوع الذي اهملته من قبل وها انا اقدم هذا الكتاب الى قرائي الكرام تلبية لذلك الصوت الذي حفظه الاثير بين ذراته فان كنت اصبت الهدف فذلك من فضل الله علي وان اخطأني الحظ فتلك زلة يغفرها لي الداعي الاول وقرائي الكرام.

 


 

[18]

نجران من الامور القطعية التي لاشبهة فيها تطور الديانات على اختلاف الادوار التي مرت عليها ولم تطرد في طريق واحد متدرجة صعودا أو متراجعة هبوطا، والديانات التي نشأت في الشعوب كانت على اطوار مختلفة لا يمكن الحكم عليها بالتدرج، وانما كانت صاعدة هابطة ولم تكن على طور واحد.

 ومن الصعب جدا التعرف على تلك الاطوار التي مرت عليها مختلفة في شكلها وطقوسها، لان كل ما وصل الينا ظن لم يؤيد بالبرهانن الصحيح على انه ليس من موضوعنا الحديث عنها لنتبسط في ذلك ولا تهمنا بقليل ولا كثير.

 واما العقيدة بالاله أو الرب فهي فكرة سايرت الانسان في كل الادوار وآمن بها في اقدم العصور وان كانت احيطت بكثير من الضلال والسخف ولقد تعددت الارباب عند الامم الغابرة فتجاوزت العشرات الى المئات وربما كان لكل اسرة من الاسر ربا تعبده مضافا الى آله القبيلة وربما كان للشخص الواحد ربا يعبده وإذا خرج للسفر - ان اذن له - يصحبه كما هو الشأن عند بعض العرب.

 ولم تكن هذه الارباب نوعا واحدا، وانما هي انواع شتى، تمثل افكارا شتى كالارباب التي تمثل مشاهد الطبيعة كالبرق والرعد والمطر وارباب


 

[19]

الاسر والقبائل واله الخلق الى غير ذلك، وربما اشاروا بتماثيل مختلفة الصور والاشكال وقد اختلفت درجات قدسها بنظرهم.

 وفي نهاية مطاف اطوار الديانات المختلفة جاء " التوحيد " ومعناه عندهم كما يلوح لنا: هو اله يعلو جميع الالهة وينفرد بالعظمة والجلال.

 ثم الاديان الكتابية - بعد تلك الاطوار - هي التي اشارت الى الله سبحانه واثارت فكرة التوحيد الصحيح وعلمت الناس عبادة الاله الواحد الاحد الذي خلق كل شئ ووسعت قدرته كل موجود في السموات والارض وانه لا شريك له في خلقه ولا شبيه له في عظمته تفرد بالكمال وتنزه عن النقص لا تدركه الابصار واحاط بكل شئ علمه وهو على كل شئ قدير لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد.

 والسيد المسيح سلام الله عليه هو احد الدعاة الى توحيد الله جاء في جو مضطرب بالعقائد المفتونة بالفلسفة فدعا الناس الى الله وذكرهم بالله الرؤوف الرحيم وامرهم بعبادة الله الواحد الاحد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن في دعوته ما يمس الوحدانية بشئ ولكن الاناجيل - وقد جاءت بعد عصره بجيلين - اشارت الى ان المسيح ابن الله " وانا قد رأيت وشهدت ان هذا هو ابن الله " يوحنا 24 اصحاح 1 واشارت الى انه قال " انا الراعي الصالح " يوحنا 14 اصحاح 10.

 واشارت الى انه ابن الله " قد اتيت باسم ابي ".

 يوحنا 43 اصحاح 5 " وكما ان الاب يعرفني اعرف الاب " يوحنا..

 ثم تطورت النصرانية وامتزجت بعقائد وثنية واعتقدت الثالوث المقدس أو الاقانيم الثلاثة: الاب والابن وروح القدس، واعتقدت الكنيسة


 

[20]

اتحاد هذه الاقانيم الثلاثة " وان الاب والابن وجود واحد، وانك حين تقول الاب لاتدل على ذات منفصلة عن الابن أو روح القدس، لانه لا انفصال ولا تركيب في الذات الالهية " وهم شئ واحد " وان كان يستحيل على العقل البشري ادراك كيفية الاتحاد " (1) ولم يكن هذا التثليث المتحد معروفا عند العرب ولا مما يصل إليه عقل العربي ولا من ديانتهم ولكنه عبر حوض البحر المتوسط والبحر الاحمر - بحر القلزم - الى شبه جزيرة العرب واستقر في " نجران " الى جانب الوثنية في " مكة " يتضارعان.

 ان الوثنية كانت تتصرف بعقول الاسر والقبائل العربية في شبه جزيرة العرب، ووجدت فيها تربة خصبة، ومنهلا عذبا، ومرتعا صالحا، وقد كان للعرب افانين شتى في عبادة الاوثان وكان لهذه الاوثان في نفوسهم مكانة جليلة، وقدسية عظيمة، ويلوح انها لم تكن في درجة واحدة من القداسة فصنم القبيلة افضل من صنم البيت، وصنم الكعبة افضل من صنم القبيلة وقد اختلفت اشكال هذه المعبودات، فالصنم - وهو ما كان متخذا من خشب أو معدن على شكل الانسان، غير الوثن المتخذ من حجر على شكل الانسان وهما غير النصب وهو صخرة غير ذات صورة معينة.

 وكذلك اختلفت درجات هذه الاصنام، فهمل مثلا كبير آلهة العرب وهو منصوب على ظهر الكعبة يحجون إليه من كل فج عميق.

 


 
(1) المسيحية والاسلام للاب لويس ادء.
 

 

[21]

ولم يكتف العرب بهذه الاصنام الكبرى، بل ربما كان بعضهم أو اكثرهم يتخذ له صنما في بيته يطوف به عند خروجه وساعة اوبته، وربما صحبه معه في سفره.

 وكانوا يعتبرونها الوسيط بينهم وبين الله ويعبدونها لتقربهم من الله زلفى، فهم يذكرون الله على السنتهم، ويسمون عبد الله وتيم الله الا انهم نسوا عبادة الله واقتصروا على عبادة هذه الاصنام.

 ولقد تسرب الى الجزيرة العربية ديانات اصطدمت مع ديانتهم تسربت إليها اليهودية وكونت لها مستعمرات في شبه الجزيرة اهمها يثرب، ونشط اليهود لبث دعوتهم وعملوا على نشرها في الجنوب وتهود كثير من اهل اليمن.

 وتسربت إليها النصرانية، ولم يكن طريقها من الشمال فقط، فان النصرانية امتدت الى الحبشة ثم عبرت البحر الاحمر الى اليمن ثم استقرت في نجران وكذلك تسربت من الشام الى الحيرة وامتدت على شاطئي دجلة والفرات.

 النصرانية الحقيقة التي جاء بها عيسى عليه السلام ديانة روحية مقدسة لم تكن لتختلف بجوهرها عن الديانة اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام وكذلك لا تختلف عن الاسلام بقدر ما يتراءى اليوم من الذين يدينون بالاديان الثلاثة.

 


 

[22]

وهي دين سامي متقشف دعى الى الزهد والمسالمة " اترك القيصر لقيصر وما لله لله " " ومن ضربك على خدك الايمن فادر له الايسر " ولم يكن فيها اي جدل في طبيعة السيد المسيح ولكنها اصطدمت بمدرسة الاسكندرية - وكانت ملتقى ثقافات ومجمعا من مجامع العلم والحركة الفكرية - والتقى الفكر السامي القائل بطبيعة واحدة بالفكر الروماني الوثني، ولم تخرج المسيحية بريئة من هذا المجتمع وانما تلقحت بالتثليث وبهذا تزحلقت النصرانية عن سموها الروحي وهوت من علياء مراتب الايمان الكامل الى الجدل في المسيح وامه عليهما السلام وعبادة الصور مما قربها الى الوثنية.

 ولم تكن النصرانية من قبل تعرف الصور ولكن المؤتمرات التي كانت تعقد تباعا وتقرر بشأن طبيعة المسيح عليه السلام هي التي كانت تقرر ادخال الصور وبعض المؤتمرات كان ينفيها والذي يلوح انه كان للاهواء الشخصية اثر كبير في ذلك.

 وقد انشقت النصرانية على نفسها الى فرق عديدة: فرقة يرون ان المسيح هو الله وان الله والانسان اتحدا في طبيعة واحدة هي المسيح.

 واخرى قالت ان للمسيح طبيعتين متميزتين الطبيعة اللاهوتية والطبيعة الناسوتية الى غيرر ذلك من الفرق، وقد اشار القرآن المجيد ورد عليها فقال: " لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح بن مريم..

 وقال المسيح يا بني اسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم انه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار.

 وما للظالمين من انصار.

 لقد كفر الذين قالوا ان الله ثالث ثلاثة وما من اله الا اله واحد.

 قل فمن يملك من الله شيئا ان اراد ان يهلك المسيح بن


 

[23]

مريم وامه ومن في الارض جميعا " والمسيح نفسه نفى ما ينسب إليه من ادعاء الالوهية كما نص على ذلك الكتاب المجيد " واذ قال الله يا عيسى بن مريم أنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله.

 قال سبحانك ما يكون لي ان اقول ما ليس لي بحق ان كنت قد قلته فقد علمته فانك تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك انك انت علام الغيوب " " ويلوح ان فكرة التثليث لم تكن قبل القرن الثالث للميلاد وان اول من نشر فكرة التثليث هو راهب مصري اسمه انناسيوس كان البابا العشرين الكنيسة الاسكندرية من سنة 326 - 373 " (1) والذي يظهر ان الذي عبر الى الجزيرة العربية من هذه العقائد عقيدتان: العقيدة النسطورية والعقيدة اليعقوبية وانتشرت النسطورية في الحيرة واليعقوبية عند الغسانيين وسائر بلاد الشام، ويظن بعضهم ان نجران ان كانت على مذهب اليعاقية.

 وقد انتشرت التعاليم المسيحية بين العرب ووجد فيهم من يميل الى الرهبنة، وبناء الاديرة، واشتهر منهم قس بن ساعدة وذكروا انه " كان يتقفز القفار، ولا تكنه دار، يتحسي الطعام ويأنس بالوحش والهوام " وذكروا ان قسا هذا كان اسقف نجران، وكذلك اشتهر منهم امية بن السلط وورقة بن نوفل.

 وقد نشط القسس والرهبان للتبشير بالدين المسيحي وكانوا يردون اسواق العرب لهذه الغاية.

 


 
(1) راجع تاريخ الكنيسة المصرية هلال شهر ديسمبر 1927

 

[24]

وكان اهم موطن للنصرانية في الجزيرة العربية نجران - وهي من مخاليف اليمن من ناحية مكة - وكانت بلدة زراعية خصبة " عامرة بالسكان تصنع الانسجة الحريرية وتتاجر في الجلود وفي صنع الاسلحة وكانت احدى المدن التي تصنع الحلل اليمانية التي تغني فيها الشعراء وكانت قريبة من الطريق التجاري الذي يمتد الى الحيرة ".

 وتغنى بنجران وبكعبتها الشعراء يقول الاعشى: وكعبة نجران حتم * عليك حتى تتاخى بابوابها نزور بزيدا وعبد المسيح * وفيساهم خير اربابها وشاهدنا الجل والياسمون * والمسمعات بقصابها وبربطنا دائم معمل * فاي الثلاثة ازرى بها وذكروا ان اهلها كانوا قبل النصرانية " على دين العرب يعبدون نحلة عظيمة بين اظهرهم، ولها في كل سنة عيد، فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلى النساء " وقد ذكروا اسبابا لاعنتاق اهلها دين النصرانية ولكن في كلها مجال للشك ولا يهمنا تحقيق ذلك.

 ومهما يكن من امر فان نجران تنصرت وصارت مركزا مهما للنصرانية، وبنوا فيها كعبة غرار الكعبة في مكة قال ياقوت: " وكعبة نجران هذه - يقال - بناها بنو عبد المدان بن الديان الحارثي على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة وسموها كعبة نجران وكان فيها اساقفة ة معتمونن، وهم الذين جاءوا الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعاهم الى المباهلة " (1)


 
(1) معجم البلدان ج 8 ص 264.
 

 

[25]

وقد غزوا ذو نواس نجران بجنوده ودعاهم الى اليهودية فابوا عليه، وذكروا في سبب ذلك " ان يهوديا كان بنجران عدا اهلها على ابنين له فقتلوهما ظلما فرفع امره الى ذي نواس وتوسل إليه اليهودية واستنصره على اهل نجران - وهم نصارى - فحمى له ولدينه وغزاهم " وقتل جماعة بالسيف وجماعة خدد لهم اخدودا من نار والقاهم فيه وبعضهم يرى انه نزل في تلك الواقعة قوله تعالى " قتل اصحاب الاخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم الا ان يؤمنوا بالله العزيز الحكيم " وللشك في ذلك مجال واسع.

 وقد استنجد نصارى نجران بالحبشة فانجدوهم وغزوا بلاد العرب وهزموا ذا نواس واستمرت النصرانية في نجران تحميها الحبشة من الجنوب والروم من الشمال.

 وكان يتولى كعبة نجران - وان شئت فقل نجران وتوابعها - ثلاثة: السيد - واسمه وهب - ويظهر انه كان يدير الامور الخارجية وبتولي امور العلاقات بينهم وبين القبائل من غيرهم وهو ما نسميه اليوم وزير الخارجية وكان ايضا رئيسهم في الحرب وهو ما نسميه وزير الحريبة أو وزير الدفاع.

 والعاقب - واسمه عبد المسيح - وكان يتولى الامور الداخلية وهو ما نسميه اليوم وزير الداخلية والاسقف - وهو أبو حارثة - وكان يتولى الامور الدينية. ولكن المهمات كان يشتور الثلاثة فيها.

 قال ياقوت: " ووفد على رسول الله (ص) وفد نجران وفيهم السيد - واسمه وهب - والعاقب - واسمه عبد المسيح - والاسقف - وهو أبو حاتم - واراد رسول الله (ص) مباهلتهم فامتنعوا وصالحوا النبي (ص) فكتب لهم كتابا فلما ولى أبو بكر نفذ ذلك لهم ولي عمر اجلاهم واشتري اموالهم "


 

[26]

وفد نجران في لحظة قصيرة من الزمن خفق علم الاسلام في الجزيرة العربية وانطلقت الالسن في البيوت وفي المساجد وعلى المآذن تشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك لهه وان محمدا رسول الله في كل يوم خمس مرات.

 في لحظة قصيرة جدا رأيت القلوب تهتز طربا عندما تنطق الشفاه بهذا الاسم المبارك الاغر.

 فان قرابة عشرين سنة يستظهر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وثنية العرب دين آبائهم واجدادهم هي لحظة من الزمن قصيرة جدا، وما عشرون عاما إذا قسناها الى الجهود الجبارة، والفتح العظيم، والانتصار الباهر على الوثنية.

 لم يكن من حاجة لدين محمد صلى الله عليه وآله وسلم الى زمن طويل ليظهر فيه على الاديان كلها، فانه دين تسكن إليه نفوس مؤمنة بدوام ظله وشمول عدله.

 ولم يكن من حاجة لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم الى زمن طويل ليستظهر على الوثنية الرعناء، وعلى النصرانية المتزحلقة، وعلى اليهودية المتكالبة لانها دعوة ليس فيها ما ينفيه العقل.

 


 

[27]

وهل محمد الا رسول الله ارسله رحمة للعالمين ؟ وهل محمد الا بشير ونذير ؟ واي نفس سامية تتردد في ترك عبادة الاوثان لعبادة الله الواحد الاحد ؟...

 واي نفس سامية مفتوحة للحق ولا تتسع لتعاليم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟..

 أليس يدعو الناس الى الحب والمودة والاخاء في الله، والى التراحم والبر والاحسان واعطاء السائل والمحروم، والبر باليتيم ؟ ويدعوهم فيما يدعوهم الى فك العقل من قيوده والى الحرية المطلقة، ويدعوهم الى ترك الرذيلة، والى التمسك باهداب الفضيلة، ويدعوهم الى توحيد الله الذي خلق كل شئ وبيده ملكوت كل شئ، يدعوهم الى تحطيم كل ما بينهم وبين الله سبحانه من اغلال لا هبل ولا اللات ولا العزى فانها كلها لا تغني عن الله شيئا.

 لقد اعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كل العدد، وهيأ الله له الاسباب وجاء نصر الله والفتح وفتح رسول الله (ص) مكة، ودخل الناس في دين الله افواجا، واقام الرسول (ص) في المدينة ومعه المسلمون مستريحين الى نصر الله وقد كال جهادهم بالفوز والظفر واستتب الامر لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم استتابا جعل العرب الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله (ص) يخافون سطوة الاسلام فتوافدوا على رسول الله (ص) ليدخلوا في دين الله.

 ولكن هذا كله لم يكن تمهيدا كافيا للانتقال العظيم الذي اعد له الاسلام، ولنشر الدعوة في المملكتين العظيمتين فارس والروم، فان رسالة الاسلام عامة


 

[28]

لم تكن لبلاد دون اخرى، أو لقوم دون آخرين والنصر وان كان بيد الله، يؤتيه من يشاء من عباده، لكن لا يؤتيه الا لمن اعد له كل عدده.

 والدعوة الاسلامية قد بلغت يومئذ من النضوج في النفوس ما يجعل الاسلام دين الكافة من الناس، والدعوة في ذلك العهد تعدت عن دور التوحيد، والوعد والوعيد، الى النواحي الاجتماعية والاخلاقية والسياسية.

 وقد آن للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يهئ المسلمين للانتقال العظيم الى خارج الجزيرة الى الشمال والى الجنوب..

 وآن له ان يبعث في نفوسهم روح النشاط لفتح المملكتين فارس والروم.

 وآن للمسلمين ان يفهموا ان هذا العلم المبارك الذي يرفرف فوق شبه جزيرة العرب يجب ان يخرج الى خارجها ليرف ايضا فوق عروش القياصرة والا كاسرة، ثم ليطوف حول حوض البحر الابيض ثم ينتهي به المطاف الى ما وراء البحار..

 ولم يكن في الدعوة الاسلامية ما يخشى معه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الدعوة إليه فانه دين الحرية والمساواة، والبر والرحمة وفك العقل من القيود والاغلال، تتقبله النفوس مرتاحة إليه..

 ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليتردد يوما في دعوة الملوك الى الاسلام ولكنه اراد ان يهئ اصحابه للنهوض فخرج عليهم يوما فقال: " ايها الناس: ان الله بعثني رحمة وكافة، فلا تختلفوا علي كما اختلف الحواريون على عيسى بن مريم " - وكيف اختلف الحواريون يا رسول الله " - دعاهم الى الذي دعوتكم إليه، فاما من بعثه مبعثا قريبا قر وسلم،


 

[29]

واما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل " ثم ذكر لهم انه مرسل الى هرقل وكسرى والمقوقس والحارث الغساني ملك الحيرة، والحارث الحميري ملك اليمن، والى نجاشي الحبشة.

 وذكروا انه لما فتح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وانقادت له العرب وارسل رسله ودعاته الى الامم، وكاتب الملكين كسرى وقيصر يدعوهما الى الاسلام أو الاقرار بالخزية أو الاذان بالحرب اكبر شأنه اهل نجران وخلطاؤهم من بني عبد المدان وجميع بني الحرث بن كعب ومن الضوي إليهم ونزل بهم من دهماء الناس على اختلافهم هناك في المذاهب النصرانية من الا روسية والسالوسية والمارونية والنسطورية، وقد امتلات قلوبهم - على تفاوت منازلهم - رهبة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورعبا، وانهم لكذلك إذ وردت عليهم رسل رسول الله (ص) وهم: عتبة بن غزوان وعبد الله بن ابي امية والهديل بن عبد الله اخو تيم بن مرة وصبيب بن سنان يدعوهم الى الاسلام، فان اجابوا فاخوان في الله، فان ابوا فالى خطة الخسف الجزية عن يدوهم صاغرون، وان ابوا فاذنوهم على سواء، وكان في كتابه صلى الله عليه وآله وسلم لهم: " قل يا اهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم " لا نعبد الا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا اربابا من دون الله فان تولوا فاشهدوا بانا مسلمون " ذعر الاساقفة ذعرا شديدا وهز الكتاب نجران هزا عنيفا فعقدوا مؤتمرا عاما في كعبتهم اجتمع فيه رؤساء نجران، واهل الرأي من الاقيال


 

[30]

واجتمع من القبائل من عك وحمير وانمار ومن دنا منهم سببا ونسبا، فكان مؤتمرا عاما اشتوروا فيه وافاضوا فيه الرأي والجدل العنيف في حديث مفصل بجده القارئ في خاتمة هذا الكتاب (1) ويلوح لنا ان المشادة كانت عنيفة بينهم فيما يجب ان يتخذوه من حيطة ليأمنوا غزو الاسلام، وليحتفظوا بكعبتهم "لانهم اصابوا بموضعهم من دينهم شرفا ووجها عند ملوك النصرانية جميعا" ويلوح ايضا انه كان في هؤلاء الاساقفة من هو مؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مصدق بدعوته.

 وذكروا انه اجتمع عامة الناس على السيد والعاقب يسألونهما - بعد هذا الجدال العنيف - " عن رأيهما وما يعملان في دينهم فقالوا لهم " تمسكوا بدينكم حتى يكشف لنا دين محمد وسنسير الى يثرب وننتظر ما جاء به وفيما يدعوا إليه " قالوا: " وتجهز السيد والعاقب والاسقف ومعهم اربعة عشر راكبا من نصارى نجران وسبعون رجلا من اشراف بني الحرث بن كعب وساداتهم - وفيهم قيس بن الحصين ويزيد بن عبد المدان - فاغترز (2) القوم ظهور


 
(1) أهمل المؤرخون هذا المؤتمر كما اهملوا كثيرا من الحقائق الاخرى ومروا بيوم المباهلة وبالمؤتمر مرورا عابرا ونحن وضعنا هذه الرسالة لنقدم للقراء هذا المؤتمر المنعقد في نجران بما فيه من حوار واشادة بفضل آل رسول الله وصدق رسالة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
 (2) غرز الرجل رجله في الغروز - الركاب - وضعها فيه

 

[31]

خيولهم واقبلوا لوجوههم الى المدينة " وقالوا: " ولما استراث (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خبر اصحابه انفذ إليهم خالد بن الوليد في خيل سرحها معه لمشارفة امرهم فالفوهم وهم عائدون " وقالوا ايضا: " ولما دنوا من المدينة احب السيد والعاقب ان يباهيا المسلمين واهل المدينة باصحابهما، وبمن خف من بني الحرث معهما فاعترضاهم وقالا لو كففتم صدور ركابكم ومسستم الارض فالقيتم عنكم تفثكم (2) وثياب سفركم وشننتم (3) عليكم من باقي مياهكم كان ذلك امثل، فانحدر القوم عن الركاب، فاماطوا من شعثهم (4) والقوا عنهم ثياب بذلتهم (5) ولبسوا ثياب صونهم (6) من الانحميات (7) والحرير والحبر، وذروا المسك في لممهم (8) ومفاوقهم ثم ركبوا الخيل واعترضوا الرماح على مسابح (9) خيلهم، واقبلوا يسيرون زردقا (10) واحدا، وكانوا من اجمل العرب صورا واصحهم اجساما وخلقا،


 
(1) استراث الخبر استبطأه.
 (2) اي ازلتم الوسخ عنكم .
(3) شن الماء عليه اي صبه .
(4) الشعث ككتف المغبر الرأس واماط كشف اي ازالوا الغبرة التي لحقتهم من السفر .
(5) البذلة من الثياب ما يستعمل كل يوم .
(6) الثياب التي تحفظ فيهم وتلفت انظار الناس إليهم .
(7) اتحم الحاثك الثوب وشاه .
(8) الشعر المجاوز شحمة الاذن فهو لمة فإذا بلغ المنكبين فهوا جمة .
(9) المسبح منتهى معرفة الفرس وقيل هو منتهى منبت العرف تحت القربوس اي وضعوا الرماح على فرابيس الخيل عرضا استهانة بالمسلمين وعدم المبالاة على حد قول الشاعر: جاء شقيق عارضا رمحه ان بني عمك فيهم رماح والذي يتهيب الامر لابد ان يكون على استعداد فيحمل رمحه متهيئا للطوارئ .
(10) اي صفحا واحدا.
 

 

[32]

فلما كشفوهم الناس اقبلوا نحوهم، فقالوا " ما رأينا وفدا اجمل من هؤلاء " وكان المحارث بن كعب يقول " ما رأينا وفدا مثلهم " " واقبل القوم حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مسجده وحانت صلاتهم فضربوا ناقوسهم في المسجد وقاموا يصلون الى المشرق فاراد الناس ان ينهوهم عن ذلك فكفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم امهلهم وامهلوه ثلاثا، فلم يدعهم ولم يسألوه، لينظروا الى هديه ويعتبروا ما يشاهدون منه مما يجدون من صفته فلما كان بعد ثلاث دعاهم الى الاسلام فقالوا: " يا ابا القاسم ما اخبرتنا كتب الله عز وجل بشئ من صفة النبي المبعوث من بعد الروح عيسى " عليه السلام " الا وقد تعرفناه فيك الا خلة هي اعظم الخلال آية ومنزلة، واجلاها امارة ودلالة " !!..

رسول الله (ص) -: " وما هي " ؟.

- " انا نجد في الانجيل من صفة النبي.. من بعد المسيح انه يصدق به ويؤمن به وانت تسبه وتكذبه وتزعم انه عبد " ! !...

 - " بل اصدقه واصدق به واؤمن به، واشهد انه النبي المرسل من

 
 

 

[33]

ربه عز وجل واقول: انه عبد لا يملك نفعا ولاضرا، ولا موتا، ولا حياة ولا نشورا.

 - وهل تستطيع العبيد ان تفعل ما كان يفعل ؟ وهل جاءت الانبياء بما جاء من القدرة القاهرة ؟ !.

 الم يكن يحى الموتى ويبرأ الاكمه والابرص، وينبئهم بما كانوا يكنون في صدورهم، وما يدخرونه في بيوتهم ؟ فهل يستطيع هذا الامر الا الله عز وجل أو ابن الله ؟ !.

 - وقد كان عيسى اخى كما قلتم يحي الموتى ويبرئ الاكمه والابرص ويخبر قومه بما في نفوسهم وبما يدخرون في بيوتهم، وكل ذلك باذن الله عز وجل وهو عبد الله..

 غير مستنكف، فقد كان لحما ودما وشعرا وعظما وعصبا وامشاجا ياكل الطعام ويظمأ وينصب والله باريه وربه الاحد الحق الذي ليس كمثله شئ وليس له ند " -: " فأرنا مثله جاء من غير فحل ولا أب -: " هذا آدم عليه السلام اعجب منه خلقا من غير اب ولا ام، وليس شئ من الخلق باهون على الله عز وجل في قدرته من شئ ولا اصعب وانما امره ان اراد شيئا ان يقول له كن فيكون.

 " ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون.

 فقالوا: " فما نزداد منك في امر صاحبنا الا تبينا، وهذا الامر الذي لا نقره لك فهلم فلنلا عنك (1) اينا اولى بالحق ونجعل على الكاذبين


 
(1) يلوح من هذه الرواية ان وفد نجران طلب الملاعنة، ويخالفها -