[34]

فانها مثله وآية معجلة " " فغشيه الوحي ونزل عليه قوله تعالى " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " وتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما نزل في ذلك عليه من القرآن وقال: " ان الله امرني ان اصير الى ملتمسكم وامرني بمباهلتكم ان اقمتم واصررتم على قولكم " - ذلك آية ما بيننا وبينك وإذا كان الغد باهلناك(1).

 ثم انصرفوا الى اماكنهم " تذوق الرجال العارفون من الوفذ حلاوة ما قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من اي القرآن الحكيم وادركوا صدق الحديث وادركوا شدة الخطرر الذي يحوطهم فيما إذا باهلوا، ولقد توفرت لدى بعضهم الامارات الدالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وصحة رسالته وان كانن الجهل والتعصب كانا يسيطران على بعض ذوي الشأن منهم فكان يعتز بالحول والطول !..

 ويظهر لنا ان بعضهم غلبت عليه شهواته في حب الرياسة والجاه العريض


 
(1) روايات شتى ويظهر منها ان الذي طلب المباهلة هو رسول الله (ص) وهذا الذي يظهر من القرآن المجيد.
 

 

[35]

الذي نالوه من ملوك النصرانية وهذا النعيم الترف الباذخ " اما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم ؟.

 اكرمونا ومولونا ونصبوا لنا كنايسنا واعلوا فيها ذكرنا فكيف تطيب نفوسنا بدين يستوفي فيه الشريف والوضيع ؟ " ومن اليسير ان نعرف ان هذه الارستقراطية هي التي عصبت عيونهم عن الالتجاء الى الواقع المحسوس وتغلبت على عقولهم والانتقال من ارستقراطية الى ديمقراطية تتصل بالروح والعقل لا تقوى عليها النفوس المشغوفة بالملكية والثراء وحب الرياسة.

 وعلى الغالب ان فكرة القوة وفكرة الثراء وحب الجاه شعور مرده في بعض الاحيانن الى الغيرة النفسية التي تحصل عادة من المفضول على فاضله المتغلب عليه بالبرهان القطعي والدليل الواضح وقد برز الان واضحا في نفوس النجرانيين، بيد انه مهما كان لهذه العناصر من مظاهر الجد في النفوس وارادت ان تظهر بالمظهر الحازم في الساعة الحاسمة فانها لا تلبث ان تنهزم مخذولة من قوة الحق.

 وبحسبنا ان نطالع صورة ثانية يرسمها النجرانبون حينما انصرفوا الى منزلهم من الحرى وخلا بعضهم الى بعض وقد اعتصرت يد الاسي تلك القلوب المشغوفة بذلك البذخ وتلك الاموال التي تغدقها عليهم النصرانية من الشمال ومن الجنوب.

 وهذا رجل من العارفين يرشد قومه الى الحقيقة فيقول لهم: " قد جاءكم محمد بالفصل من امره وامركم فانظروا اولا بمن يباهلكم ؟ أبكافة اتباعه ام باهل المكانة من اصحابه. ام بذوي التخشع..

 والصفوة ة دينا وهم القليل منهم عددا ؟ ! فان جاءكم بالكثرة وذوي الشدة فانما جاءكم مباهيا كما يصنع الملوك فالفلج إذا لكم دونه..

 وان جاءكم بنفر قليل ذوي تخشع فهؤلاء


 

[36]

سجية الانبياء وصفوتهم وموضع بهلتهم.

 فاياكم والاقدام إذا على مباهلتهم.

 فهذه لكم امارة فانظروا حينئذ ما تصنعون بينكم وبينهم " ! ! هذا قسط من الرأي الصائب والنصيحة الرشيدة وهو كاف للقارئ ان يفهم منه انهم على علم سابق من سيرة الرسل واوليائهم الذين طبعوا على غرارهم، وجلي بعد هذا ان اهل التخشع هم الصفوة من اتباع الرسل والانبياء، وموضع ثقتهم وبهلتهم.

 وهذه كلمات تلقي ضوءا على جانب كبير من الحق وهي في مجموعها صورة صادقة للحقيقة رسمتها كلمات الله في كتبه المنزلة على انبيائه ورسله وهي نصيحة على كل حال ونصيحة موفقة في كثير من نواحيها.

 وجدير بمن كانن يصطفيهم الانبياء ان يكونوا القدوة لكل جيل من الاجيال، يجب على المؤمنين الاقتداء بهم والاسترشاد برشدهم وحقيق بالمؤمنين اتباعهم في الطريق التي يسيرون عليها لانهم لا يدلون الا على خير ولا يرشدون الا الى حق كما ورد في الحديث عن عمار بن ياسر "..

 يا عمار ان سلك الناس كلهم واديا وسلك عليٌ وادياً فاسلك وادي علي وخلّ عن الناس. ان عليا لا يردك عن هدى ولا يدلك على ردى.

 يا عمار طاعة علي طاعتي وطاعتي طاعة الله " واصحاب محمد صلى الله عليه وآله أو بتعبير اوسع المسلمون وان بلغوا مئات الالوف في عهد صاحب الرسالة (ص) ولم يكن طريقهم الى الدين طريقا واحدا ولم يكن هدفهم واحدا ولم يصل الدين الى اعماق قلوبهم


 

[37]

بنسبة واحدة والذين امتازوا بهديهم واخلاقهم وكمالهم النفسي كانوا افرادا قلائل اولئك النخبة الممتازة ة ومن بين هذه النخبة الممتازة افراد هم الصفوة الصفوة ولباب اللباب هم " اهل بهلة الانبياء " وموضع عناية الله سبحانه وهداة الخلق الى الحق لا يقاس بهم احد ولا يساويهم في المنزلة عند الله احد وهم " سجية الانبياء وصفوتهم " الذين اصطفوهم من بين سائر المؤمنين ولو سئل الله بهم سؤال السائلين.

 وما كادت تطالع اساقفة نجران ان وجوه اهل بهلة الانبياء حتى ارتدوا على اعقابهم ترتعد فرائصهم بعد لم يثوبوا الى رشدهم من الدهشة التي اخذتهم حينما شاهدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى طالعتهم هذه الوجوه المشعة بالنور الرباني في الساعة الحاسمة فاحتوتهم الدهشة ثانية وطاشت عقولهم فقد رأوا وجوها لو سئل الله ان يزيل بها جبلا لازاله.

 ودنت اللحظة الفاصلة التي كادت ان تفصل بين عهدين، وتحسم بين مبدأين الى النهاية ة التي لا تتصل بحد من الزمن، وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقول الفصل من امره وامرهم، ولا بقاء على الدوام الا للاصلح.

 ولا شك بان المسيحية لم يبق لها شكلها الروحي، والعالم يحتاج المصلح الذي يطهر العقيدة من دنس الرذائل التي عمت اطراف العالم.

 واسقف نجران ابى وامتنع عن ان يباهل، فان تلمس الحقيقة في الوجوه التي خرجت لتباهله وليس في نجران ولا في غيرها من يدفع لعنة الله الحاطمة والعذاب النازل فيما لو سأل محمد صلى الله عليه وآله وسلم ربه ان يجعل لعنته على الكاذبين ورفعت تلك الايدي للتأمين على دعاء نبيه، وعرفوا انه لن يخطئهم السهم المراش فيما إذا باهلوه وانهم في نقطة التحول، والعقل لا يتصور


 

[38]

في البراهين اقوى من برهان الوجدان والعيان وهذه سحب البلاء تتدافع في الفضاء.

 وعرفوا ايضا ان النصرانية قد بلغت حدها المحدود برسالة محمد صلى الله عليه وآله وانتهى اجلها الذي اجلت له وانطوى بين تلافيف الزمن كما طويت شرائع من قبل وليلحق آخرها باولها وحاضرها بماضيها.

 واستيقن الاسقف ان يومهم هذا لم يعد موصولا بماضيه، وانما هي شريعة جديدة وعدوا بها على لسان السيد المسيح، وكتاب جديد ورسالة نهجت للناس الطريق الامثل ومضت تشق طريقها الى ارواح الناس لتجلوها من صدء الاجرام الخلقي الذي انغمس في مبائتها العالم باسره.

 وهذا محمد رسول الله بحق يتقدم الى الامم وبيده كتاب الله المجيد ينير البصائر، ويرسم المثل العليا من الفضائل التي تأخذ بيد البشرية الى السعادة الدائمة.

 


 

[39]

السمر اجتاز الركب سكك المدينة على خيولهم المطهمة تفوح منه رائحة المسك وعليهم ثياب صونهم من الحرير اللماع، والحبر الموشى، على سرج مزركشة بالذهب الوهاج، قد اعترضوا الرماح على مناسج خيلهم، وكانوا من اجمل العرب صورا.

 وبعد - لم يكن عجبا إذا افنتن الضعفاء بالوفد النجراني الذي يتمتع بكل المغريات للنفوس الضعيفة.

 وليس عجبا إذا كان هذا الوفد حديث اهل المدينة، فقد دخلها وفود كثيرة في السنة العاشرة وقبلها يقدمون الطاعة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ليس فيهم مثل وفد نجران في معالمه الفاخرة وزينته اللماعة يقول المحارث ابن كعب: " ما رأينا وفد مثلهم ".

 كانت صورة الوفد تمر في نفس اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم جميعا، ولكنه مرور عابر في نفوس بعضهم، وهي اهون عليهم من أن تثير شيئا، فان الرسالة السماوية نهجت لهم الطريق الامثل.

 على حين استقرارها


 

[40]

في نفوس البعض الاخر مجلوة بترفها المغدق، ونعيمها الباذخ، رهيبة اللمعان، رنانة الجرس، هفت إليها النفوس الضعيفة واستوعبت مشاعرا وقلوبا ما اضاءها النور المنبثق من رسالة السماء، والضوء المنير من مصباح محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. كان الترف الناعم، والنعيم الباذخ، والعيش اللين الذي يتمتع به وفد نجران حديث جماعة من اهل المدينة في سمرهم ومجالسهم.

 واين المحتاج الذي يستطيع ان يرد طرفه عن حياة ناعمة، ونعيم ترف ودنيا مزهوة ؟ وأي المحرومين لا يفكر في هذا النضار الوهاج المدلى في صدورهم ؟ وقد صنعوا منه مقايض سيوفهم ووشوا به حبرهم، وسرج خيولهم، ثم لا تنكمش نفسه ولا يستهويه الذهب اللماع ولم تكن نفوسهم قد اكتملت بمناهج الدعوة الاسلامية ولم تتصل بارواحهم لينظروا الى زخرف الحياة نظر ازدراء وليجعلوا متعها تحت مواطئ الاقدام، فان الاسلام هدى الى الصراط القويم، والهدى رحمة من الله تجلو النفس، وصفاء يمحو الظلمة، وسعادة تصوغ النفس من جوهر تتضاءل امامه المادة فلا يبقى لها اي ثمن.

 ليلة مظلمة.. لا يكاد ملتمس يحس فيها بطريقة لولا قبس ترسله النجوم المتلالئة في صفحة السماء تفتح يدها مرة وتقبضها اخرى..

 تقدمت جيوش الظلام تسدل الستائر - وقد القى النهار سلاحه - على يثرب مدينة الرسول


 

[41]

(ص) ومصدر النور..

 هو ذا الليل يوغل ايغالا ويلبس القضاء بردته السوداء فتمتد على الكون روعبة السكون، وليس فيه ما يعكر صفحة السماء الا هذه الغيوم التي تدفعها الرياح الى الفناء.

 ليلة مشهودة، لم تتصل بما قبلها ولا بما بعدها، فان اضطرابات فكرية ضربت حصارها على الافكار والعقول فحارت في شأنها، فان يدا قوية تمرست بعواصم من القوة لم تؤثر فيها قوة الحق.

 ليلة مشهودة، تزخر بالحوادث وتموج بالوان من الافكار والناس لا يعلمون انها تحمل الحادث الخطير، وان له شأنا بين الحوادث الخالدة الذكر وكل ما يعلمون ان الافكار تتدافع كلما اجتمع اثنان أو اكثر كما تتدافع امواج البحر في الريح العاصفة.

 فرغ المسلمون من صلاتهم وما كان ليطيب لاكثرهم العودة الى منازلهم ولكنهم تكتلوا في مسجدهم حيث اقاموا صلاتهم يتحدثون كل وما يعنيه من امر الحياة أو شؤون المسلمين العامة.

 ولقد كان الوفد النجراني سفرا ضخما تجمعت فيه كل الاحاديث وفيه نواح كثيرة للحديث فليس عجبا إذا كان حديث جماعات من المسلمين في هذه اللحظة من الزمن الحالك السواد، فقد كان هذا الاغراق في الترف حريا بان يدفع الناس للحديث عنه، وكان هذا العنت الشديد منه حريا بان يكون موضعا للعجب وللحديث، وان النفوس الفاحصة عن الوقائع اميل الى التوغل في الحديث عن نهاية الطاف في الحادث وانه مشهد يعسر نسيانه وفيه مغريات


 

[42]

قد لمست اكثر القلوب بكلتا راحتيها.

 وفي زاوية المسجد حلقة مستديرة كبيرة فيها الوان الافكار ومختلف الاذواق والميول يتصل حديثها بالوفد مباشرة. المحارث بن كعب - أرأيتم وفد نجران في معالمه الفاخرة، وزينته وقد ملات القلوب ؟ والحق اننا " ما رأينا وفد مثلهم " ولكن في حديثهم عن المسيح استحالة لا تصل إليها العقول وما اقر بها الى الوثنية التي كنا ندين بها قبل الاسلام، ولا ادري كيف يتوصل العقل البشري الى انحاد اقانيم ثلاثة في حقيقة واحدة ثم لا يؤثر اطلاق الاب على الابن أو الابن على الاب أو هما على روح القديس، ان هذه لشئ عجاب.

 بشير - ليس الذنب ذنب الاديان، وانما الاديان جميعها غايتها الاندماج في الكمال الروحي، وانها جميعها تربط البشرية في فكرة واحدة - الله - الواحد الاحد، وما تراه من تشعب المذاهب، واختلاف العقائد، ليس هو من طبيعة الاديان التي جاءت بها رسل الله الى خلفه وانما هو من ذنب القائمين عليها من بعد الرسل، والفكرة المسيحية التي قررها الانجيل فكرة ة واحدة لا تختلف عن الاسلام وهي لا تتصل بما نراه اليوم من نزاع حول طبيعة المسيح وامه والاقانيم الثلاثة.

 والمسيحية في حقيقتها دين مقدس بحث عن العلاقة بين الانسان وخالقه وبين الروح ومصدرها والشبهات المرتكزة التي نراهها هي بعيدة عن الناموس الاكبر الذي جاء به عيسى بن مريم.

 وهذه النصرانية المنتشرة في طول البلاد وعرضها واعتنقها الملوك والامراء


 

[43]

واهل الغنى والثراء قد تزحلقت الى ما تراه وهي اقرب الى الوثنية: ونجران اهم موطن للنصرانية في البلاد العربية وهؤلاء القسس قد شاهدوا وثنية العرب تنهزم امام الاسلام، وهم اليوم يحاولون ان لا تنهزم النصرانية كما انهزمت الوثنية، ويحاولون ان لا ينخذلوا امام محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما انخذل زعماء الوثنية واذن ليس عجبا ان يظهروا بهذا المظهر الخلاب، واحسب ان الخاطر الاول لهذا الوفد هو العبث بالمسلمين عن طريق الغني والثراء، فانه المشهد الذي يشق طريقه الى النفوس سريعا، ويعسر على الذاكرة نسيانه طوال الايام ولكن ما اقصر مرمى عيونهم، فان رسالة الاسلام مضت تشق طريقها الى الارواح والقلوب، ونهجت للناس المنهج الامثل وتلقى الناس الاسلام مرتاحين إليه فلا يغري المسلمين الثراء.

 وركام المادة قد داسه المسلمون تحت حوافر خيولهم في ساحات التضحية في سبيل الله.

 انس - التوحيد دعامة الاسلام الكبرى وطبيعي ان يصطدم بالعقائد التقليدية التي عليها الناس ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يدع الى ذلك قبل ان يدعو الى فك قيود العقل والتأمل في ملكوت السماوات والارض والتوحيد اشرف العقائد واجدرها بالانسان في ارفع حالاته العقلية، غير ان هؤلاء القسس لم يأتوا عن طريق المعقول في دعواهم في عيسى عليه السلام، وليس في حقائبهم من البراهين على الثالوث المتحد الا الخوارق التي جاء بها عيسى من ابراء الاكمه والابرص واحياء الموتى وانه خلق من غير اب وليس هذا بالشئ الجديد في رسالة الرسل والانبياء، ولقد


 

[44]

كان لموسى من قبل عيسى امثال هذه المعجزات وقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم فخلقه ابلغ من خلق عيسى.

 لقد حاججهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن طريق المنطق والعقل الا انه يلوح انهم ركبوا متن غرورهم وسدروا في الغي جاحدين كل دليل وبرهان، وكأنه كتب على الانسانية ان تبقى على الاعين هذه الحجب والغشاوات التي تصد عن الهدى.

 أبو سعيد - ان الامر تعدى عن طوره المعقول وقد افسد الديانون القائمون على الشرائع وتنفيذها فكرة التوحيد لاهواء نفسية واغراض شخصية وفكرة الله في الاسلام بلغت غاية المثل الاعلى في صفات الذات الالهية المقدسة وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله يحمل بكلتا راحتيه القرآن يشع بالنور وسحر البيان وقد بالغ في تقرير ما ينبغي الاعتقاد به في الذات الالهية كل ذلك بقياس من العقل والمنطق والبرهان الواضح.

 ولكن القسس واتباعهم عصبوا عيونهم بعصابة من التقليد فلم يبصروا النور ولا تلمسوا الهدى الذي يدعو إليه القرآن، وقد غلبت على عقلوهم فتنة البذخ والترف الذي هم عليه.

 ان هذه المتع الجوفاء التي تحجب عن الابصار الضوء، وعن القلوب النور وهذه المعالم الفاخره تسهل السبل للانسان من ان ينغمس في النعيم الزائل، افلا تنظر إليهم وما من واحد منهم الا ويهمس في اذن الاخر مشيرا الى حالة المسلمين الزاهدة، وكيف يولى بني المسلمين الدنيا ظهره معرضا عنها ؟.

 ولقد حدثني بعض من ارسله النبي الى نجران ان احد رجال هذا الوفد التفت الى محدثه وقال:


 

[45]

"اما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم ؟ اكرمونا ومولونا ونصبوا لنا كنايسنا واعلوا فيها ذكرنا، فكيف تطيب النفوس بدين يستوى فيه الشريف والوضيع "

ابن ارقم - هذه حقيقة واضحة يستطيع كل واحد ان يتلمسها في رجال هذا الوفد وكأنهم يرون الحياة في اثوابهم لا بقلوبهم وقديما، قالوا ان قوة المرء بقلبه ورجال نجران انحرفوا عن جادة المسيح عليه السلام الى اصطناع اساليب تضمن لهم العيش باسم الدين في اللحظة الاخيرة ولم تنفع البراهين ولم يؤمن وفد نجران بحجج الوحي المبين اوحى الله تعالى الى نبيه (ص) " فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " وليس وراء برهان المشاهدة برهان .

آخر طائف - ان الله سبحانه امر نبيه ان يباهل وفد نجران صوت ججل في فضاء المسجد رنان الجرس لم يسمعه احد الا تلفت حواليه وتهللت اساريرر وجهه، وسرى في المدينة كنسمة الصبح العليله تحمل صوت الحق الناعم الى النفوس الخاشعة ويعبق شذاها بالامل الباسم في مرحلة التمييز - تمييز الحق من الباطل - والترجيح في كفتي الميزان العادل البراء بن عازب - لقد انيلج الصبح عن شمسه، واستبان الحق من الباطل، فان كشف الحقيقة عن طريق المشاهدة ة اوقع تجليا باكمل الوجوه


 

[46]

واوضحها في النفوس.

 ولهذه المباهلة قيمة تزيد عن قيمة المنطق والاقيسة لانها قيمة الشهود في النفس الحساسة والعقل الواعي.

 وان البراهين والادلة جميعا لا تغني في ساعة الجدل إذا لم يلتمس العقل قيمها المحسوسة، وإذا كانت ادلة المؤمن ارجح من ادلة المنكر وتلمسها المنكر بعقله الواعي فقد اغنى الدليل غناه، والا فليس في البراهين شئ ادل واصلح للاقناع من وضع الحق والباطل في كفتي الميزان.

 قيس - حقا ما تقول فداينع الغرس إذا كان هؤلاء يبصرون بعين أو يسمعون بأذن أو يرجعون الى عقل، واما وهم ليسوا كذلك - وقد فتنهم زخرف الحياة - فان الجدل لا تغني فيه البراهين والادلة، ولا تجلوه الاقيسة والحقائق والعقيدة فأن 1 زائد 1 يساوي 2 هذا في واقع الامر، اما في الجدل الديني والعقيدة فأن 1 زائد 1 يساوي 4 أو 5 أو الفا وكأنه خفى عليكم ان مسألة الثالوث مشكلة تطلب الحل ولقد استحال حلها ويستحيل على العقول حلها ولكن النصرانية اليوم قررتهها وان امتنع الحل وهل هذا الا من عمل الرهبان القائمين على تنفيذ شريعة المسيح.

 البراء - ان للانسان وعيا يشعر معه بما في هذا الكون من جمال ونظام، واسرار والغاز، وقد يحتجب ذلك عن انسان فلا يدرك شيئا من هذا الجمال والنظام والاسرار ولكن هذه المباهلة ترجيح بين نوعين من الادلة والبراهين.

 وليس ادل على تهيئ الجو الصالح لانبثاق النور والهدى من ترجيح هذا النوع من البرهان الملموس بالمشاهدة، فأنن لعنة الله الا بدية لابد ان تقع على الكاذب منهما، ولا يسلم الكاذب من العذاب المحيط الشامل.

 


 

[47]

رجل - اترون ان رسول الله (ص) يخرج لمباهلتهم منفردا ام يخرج معه اصحابه واهله ؟ ؟ انس - لاشك بأنه يخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وابو عبيده وجماعة من الانصار.

 البراء - على هونك ان هذا تراث من عوسج خلقته لنا النوازع النفسية والميول الشخصية التي حاربها الاسلام، وما اجملها لو اننا تحررنا من سيطرة هذه النوازع التي تقلبت على سائر الحدود ولم يقيدها حد، ولقد كانت الميول من قديم الزمن وقد اشغلت المفكرين ورجال الاصلاح لكن بدون جدوى.

 انك لتعلم وكل واحد ان صحب محمد (ص) ليسو فئة واحدة موحدة الهدف وانما هم فئات واغراضهم شتى واهدافهم مختلفة ولا اريد ان اقول انا نحيط بحكمة الله تعالى لتعلل هذا الاختلاف، ولكن الميزان الذي بأيدينا والذي يحسن ان نزنن به الاشخاص انما هو العمل فقط، واعمال كل شخص هي التي ترجحه في كفة الميزان، واغلب الظن ان رسول الله (ص) إذا اراد ان يصحب احدا انما يصحب معه الرجل المعدوم العثرات الزاهد في الحياة، وإذا كنا لا نحكم النوازع النفسية ولا نميل مع الاغراض، فكل احد يعلم بان في صحب محمد من هم ادنى إليه مجلسا واقرب من ربه مقاما أثمة ايمان اذلوا النفوس، وقهروا الابدان وفنيت قلوبهم ونفوسهم في ذات الله رضوا من الحياة بما دون الكفاف وهم غير من ذكرت.

 غلب على الجالسين وجوم آفتة ضيق افق نفوسهم


 

[48]

عن تفهم الصحابة واحدا واحدا وكأنهم رجعوا الى الماضي يفتشونه حادثا فحادثا ليميزوا بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهل - حقا انا لا نملك الميزان الصحيح ولكن شيئا واحد لا يجوز ان ننساه ونغفل عنه فان منطق الحوادث التي رأيناها منذ بدء الدعوة الى الاسلام يقضى قضاء لا معدى عنه ان رسول الله سيصحب معه ابن عمه علي ابن ابي طالب فأنه " من اهل البيت لا يقاس به احد مع رسول الله (ص) في درجته " وهو وزيره وكاشف الكرب عن وجهه.

 في المواقف الكثيرة من حروبه وليس في المسلمين من يضاهي عليا بمكانه وزهدهه واخلاصه وعلمه وفضله ومنزلته فقد بلغ الغاية القصوى وارتقى الى اعلى مرتقى ولقد حدثني من سمع رسول الله يقول: " من اراد ان ينظر الى آدم في علمه والى نوح في عزمه والى ابراهيم في حلمه والى موسى في هيبتهه والى عيسى في زهده فلينظر الى علي بن ابي طالب " (1) وهو الرجل الذي لا يخزيه الله ابدا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله (2) وهو من رسول الله بمنزله هارون من موسى.

 ومولى كل مؤمن ومؤمنه.

 


 
(1) اخرجه احمد في مسنده والبهقي في صحيحه والتفسير الكبير في تفسير آية المباهلة انه متفق على صحته. (2) من حديث سهل الساعدي رواه البخاري ومسلم.

 

[49]

البراء - لم يكن ما حدثتنا به الا حلقة من حلقات فضائل علي ولقد تساندت فضائله بعضها الى بعض وانتشرت انتشار عمود الصبح تجلي ظلمته القلوب وله في قلوب خلص المسلمين حضوة وفي نفوسهم ولاء.

 ان عليا نهج لنفسه الرسالة السماوية مثلا يسير عليه في كل خطوة من خطواته وفي كل حركة من حركاته وعند كل نفس من انفساسه، ومن استوعب حياة هذا الفتى عرف كيف ذهب يشق طريقه الى الله تعالى ولقد تفتحت جوانب قلبه للرسالة المحمدية فوعاها وآمن بها ايمانا لا بشبهة ايمان، ورأيناه في البدء اول من يبادر الى اعتناق الاسلام ثم سار مع الايام يشبع غرائزه من المنهلين العذبين القرآن واخلاق النبي، وصفت نفسه صفاء استوعب لب الاسلام من مصدريه.

 ولقد اصبح الرجل الاول بين المسلمين والمصدر الاول والاخير بعد رسول الله، نضج هذا الفتى نضوجا لم ينضجه احد من صحب محمد (ص) نضج في تفكيره في هذا الكون ونضج بملازمته لصاحب الرسالة منذ فجر صباه في سن الطفولة فليس ثمة احد يضاهي عليا بما دلف إليه من تعاليم الاسلام واخلاق محمد (ص).

 وفي الحق ان هذا الفتى نبتة غرسها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الاسلام، فندفع يسير كما يشاء له النبي ويريد له كتاب الله فبلغ غاية الشأو كما صار ملتقى المنبعين كتاب الله وسنة رسوله وقد قرن النبي حب علي بحبه وبغضه ببغضه.

 


 

[50]

ولكن هذا حدث خطير يحمل في دقائقه معالم الحكمة وفي روحه وتشريعه معالم الانذار بغضب الله، وقد انبأت عنه كلمات الله ولم يسبق له مثيل في الاسلام ولا قبله فلا تسيره مشيخه الاصحاب ولا كثرة الرجال والعدد وان محمدا في كل عمل من اعماله مقيد بمبدأ يسيره ربه عليه في الطريق الا خاذ الى المثل العليا التي اعدت للانسانن الكامل بسائر انواع الكمالات النفسية والسياسية فقد يسمح له ظرفه بأن يصحب عليا وغيره وقد لا يسمح له وقد يكون من السياسة ان يصحبه وقد لا يكون، والامر وراء ذلك كله ينزل من السماء.

 يمر حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وابو ذر وعمار يتحدثونن بدعوة رسول الله (ص) وفد نجران الى المباهلة وحذيفة يقول: ان الوحي غشى النبي ونزل عليه " قل تعالوا ندع ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين " .

البراء - صدق الله العظيم هذا ما كان يختلج في نفسي ويعتقده ضميري.

 بشير - اترى يخرج ومعه جميع نسائه ام يقتصر على عائشة وحفصة وام سلمة.

 زيد - ايم الله ان المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى ابيها وقومها ونساؤه من حرمت عليهن الصدقة (1) .

رجل - يلتفت الى البراء بن عازب - الانسان لا يدعو نفسه فمن هي النفس التي هي رسول الله ويدعوها الى المباهلة ؟..

 ومن هم الابناء الذين تعينهم الاية الكريمة.

 


 
(1) اخرجه مسلم في صحيحه في باب فضائل علي.
 

 

[51]

البراء - لا اعلم ! الى حذيفه وسلمان وعمار وابي ذر فأنهم من خلص اصحاب النبي واعلم بالسر.

 يذهبون الى حلقة مؤلفة من اربعة يتناجون بصوت خافت كأنهم يحفرون قبرا لسر يريدون ان يدفنوه في ضمائرهم.

 بشير - الى حذيفة: يا ابا عبد الله لقد اشار الله سبحانه الى قصة الوفد في كتابه المجيد بابلغ واسمى ما تعرفه البلاغة من السمو وان هذه المباهلة ة قد رسمت المنهج الامثل للمتخاصمين في الله..

 ولكن من هم الابناء الذين يدعوهم رسول الله ؟ ومن هم النساء والانفس ؟..

 حذيفة - ان الحافز لهذه المباهلة هو الحرص على توطيد دعامة الحق، وواضح ان مقياس الاختيار انما هو فضل الاشخاص الذين يقع عليهم الاختيار وعلى مقدار تمتعهم بالفضيلة والتقوى يقع على الاختيار، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يتجه الا حيث يوجهه الله تعالى ويلوح لي ان الذين سيقع عليهم اختياره هم: علي من الانفس وفاطمة من النساء والحسن والحسين من الابناء.

 بريدة - " يلتفت الى حذيفة وهو مضطرب الاعصاب " أيترك عمه العباس وابا بكر وعمر ويختار هذا الشاب الفتى ويجعله كنفسه ؟ ! ثم يترك احب نسائه إليه، واعزهم عليه عائشة ؟ ثم يترك ابناء عمه وعمومته وابناء المهاجرين والانصار ثم يختار طفلين ليباهل بهم هذا الوفد الجبار ؟ !.. ليس هذا من المنطق


 

[52]

الصحيح في شئ.

 أبو ذر - يلتفت الى بريرة بغضب شديد - لامك الهبل، انها كلمات جوفاء لا تملاء جوفا تملؤه ذرة من هذه الذرات المبعثرة في الفضاء، ولا يجهل احد انك خاضع في حديثك لتيارات جاشت بها نفسك حقدا وحسدا وهما يصتطنعان لك هذه الاساليب.

 أيقال لمثل ابن ابي طالب ذلك ؟ ! قل لي هل وقعت عينك أو عين احد على احد انقى صحيفة من علي صنو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن فاطمة بضعته التي من اغضبها فقد اغضب رسول الله ومن اغضب رسول الله فقد اغضب الله ومن ريحانتيه من الدنيا سيدي شباب اهل الجنة.

 ولا اظن ان احدا من المسلمين لم يسمع رسول الله يقول " ان مثل اهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك (1) وان مثل اهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له (2) ولقد رأيته آخذا بيد علي فيقول " يا علي انت اخي ووصي ووزيري واميني مكانك مني مكان هارون من موسى الا انه لانبي بعدي من مات وهو يحبك ختم الله عز وجل له بالامن والايمان ومن مات وهو يبغضك لم يكن له نصيب في الاسلام.

 حذيفة - (الى بريده) ارى الافضل لنا ان نهئ قوانا العقلية لتصل


 
(1) اخرجه احمد. وللبزار - كما في ينابيع المودة - من تركها غرق.
 (2) اخرجه الطبراني في الاوسط وابو يعلى واحمد عن ابي ذر.
 

 

[53]

عن طريق الروح والعقل الى الواقع، وان الاهتداء لواقع الامر عن طريق القوى الروحية والعقلية هو اعلى ما تصل إليه افكار المفكرين، وانه العنت كل العنت الوصول الى الحقائق عن طريق الرأي وكم رأينا وسمعنا ان الرأي يخلق المصاعب ويضع العقبات في طريق التفكير وبالاخير لا اراه يصل وان وصل فان يصل وهو محطم القوى وحسبنا جميعا ان نرجع الى كتاب الله، فانه حفظ لنا كثيرا من الايات في فضل هؤلاء النفر ولحظات قصيرة في تلك الايات الكريمة كافية للتدليل على فضل العترة المباركة " ولكن الحسد اهلك الجسد " واخيرا احب ان اطلعك ان الله سبحانه اختار عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ليؤمنوا على دعاء رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يكن الاختيار من رسول الله.

 


 

[54]

يوم المباهلة استيقظت المدينة المنورة من نومها ومسحت عن عينها فترى الكرى وشبحت العيون فإذا صورة ثانية من الزمن غير التي يعرفونها بالامس الماضي. الارض واجفة.. والشمس كاسفة.. والسحب داكنة.. اصبحت البلدة الطيبة غيرها بالامس.. ولم تكن كعهدها بالهدوء.. الناس في جيئة وذهوبة.. اصبحوا وفي القلوب خلجات.. اصبحوا وعلى الشفاه همسات صغت إليها الاذان وارهفت غرب الاذهان.. لم يبق من لا يتحدث ثم هو لا يستفيض في الحديث..

 والحديث كله عن المباهلة والمباهلة سفر ضخم فيه كل لون وكل حديث.

 انهم ليحزنهم التطيرر المشفي على الجزع ! انهم يشفقون من المستقبل !.

 مدت الاعناق لترى الساعة الرهيبة وصغت الاذان للرعدة القاصفة.

 انها لقريبة جدا ساعة المباهلة أو ساعة الانذار بلعنة الله على الكاذبين.

 


 

[55]

هذه الشمس تركت خباءها تزحف وشئ مجهول يزحف معها يجلجل صوته كالرعدة القاصفة.

 ها هي المسامع تستك والفرائص ترتعد. ساعة من الزمن منتظرة هي الزمن كله..

 انها الساعة الاخيرة على احد المتباهلين أكانت هذه الساعة وليدا جديدا لم يشاهد لها مثيلات من قبل ؟ ! أم هي خلجات القلوب ترقب الحادث الجديد ؟..

 انها ارتسامات الشعور الهادئ المضطرب معا..

 عيون تنظر من كوة الحياة الى صنفين..

 انها العقل الواعي يقارن بين عهدين: العهد الماضي والعهد الحاضر..

 وبين مبدئين..

 كلمة واحدة وليس بعدها اخرى ثم ترتفع السجف ويتضح الحق مشعا..

 أمل باسم يطفح بالنور..

 وقلوب معتمة حيرى عصف بها الاسى وتكاد تفر من اقفاصها لو فتح لها الباب.

 يوم مشهود يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة (1) تطلع الناس فيه الى بزوغ شمسه كما تطلعوا الى سابقه يوم دخل الوفد ولكل يوم منهما حدوده ومقاييسه فلا تغيب اثارهما.

 يحمل اليوم الاول فتنة البذخ الى نفوس الضعفاء.

 والثاني يحمل الدعوة سافرة.. اجل انه اليوم الذي يحمل بين


 
(1) هذا هو المشهور وقيل كانت المباهلة في يوم الواحد والعشرين وقيل الخامس والعشرين وقيل في السابع والعشرين.
 

 

[56]

تلافيفه المفاجأة الكبرى، والدعوة سافرة لا يسترها شئ، وهي من مقولة الارقام وليست من مقولة الجدل والبرهان.. يوم ليس كمثله يوم.

 يحمل بين طرفيه الحادث الخطير يجر في اعقابه الف حادث وحادث، يحمل في طياته عدالة السماء وغضب جبار السموات والاررض ليعطي كلا من المتباهلين نصيبه منهما، ويكاد الناس ان يؤمنوا انها النهاية بعد ان ترفع الاكف للابتهال، وتجأر الالسن بالدعاء.

 يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة يوم مشهود..

 مصدر عظمة في سلسلة الايام الاسلامية..

 يوم تألق نوره بين الايام المشعة في الرسالة المحمدية..

 يوم مشهود حقت فيه كلمة الله العليا..

 وتمت الغلبة للاسلام. و.

 يوم مشهود.. عنت قبة رقاب اولئك السادة لشريعة الحق، واعطوا الجزية عن يد..

 يوم مشهود..

 يبسم بالامل الزاهر.

 يطوي صفحة من حياة ويفتح صفحة اخرى، يتلقاها العقل من مصدرها بالبرهان المشاهد.

 ولاشك في انها من المع صفحات تاريخ الاسلام.

 يوم مشهود..

 لا شبيه له ولا مثيل، ولا يقاس به يوم الا كان القياس خطأ لما تبين فيه من الحق، وظهر فيه من فضل آل محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم على سائر الناس..

 وآل محمد لا يقاس بهم احد.

 يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة ناصع الحبين مشرق المحيا تتراءى خلاله العظمة باهرة الحلال، تلفت الى حيث شئت فالمك ترى روحية عالية،


 

[57]

وقدسية سامية تتصلان باعماق النفس.

 يوم مشهود.

 قف منه حيث شئت فانما تقف على عظمة الرسالة المحمدية تتجلى في نفس واحدة من الانفس الكثيرة وامرأة واحدة من نساء كثيرات وطفلين، طفلين لا غير.

 هم جميعا صفوة الصفوة ولباب اللباب، الذين اختارهم الله لكرامته، واعدهم لهداية امته من بعد نبيه...

 يوم مشهود..

 اختصم فيه خصمان بربهم..

 لقد جاءت الساعة المرتقبة.

 واللحظة المنتظرة لحظة فقط تتفجر فيها براكين الارض وترسل السماء شهب النار.

 لحظة واحدة يهلك فيها الكبير ويفنى الصغير حيث زلزلت الارض زلزالها.

 انطلقت الابصار الى الجهة التي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترقب الثغر الباسم والجبين المشرق والوجه الاغر..

 يالجلال الله..

 هو ذا رسول الله ووجهه يشع بالنور تسبيحه هيبة الله...

 يا لعظمة الحق وجلال الايمان.

هو ذا يحتضن الحسين ويمسك بيمناه الحسن وخلفه بضعته الزهراء مغشاة بملاءة من نور الله، وهذا علي يمشي خلفها باهر الجلال، يرتدي بردة من مهابة الله.

 المباهلة هي القول الفصل في نهاية الجدل وقد اختارها الله لنبيه واختار له الاشخاص الذين يؤمنون على دعائه.

 


 

[58]

وبعد - فالعقل لا يصل الى صورة ارفع من هذه الصورة والى اشخاص في رتبة هؤلاء أو ارفع لئلا يقع من العليم الحكيم الترجيح بدون مرجح في المرحلة الحاسمة..

 ولان العقل لا يساند الاختيار الا إذا وقع على الامثل الامثل من المثل العليا.

 وليس في مكنون علم الله سبحانه امثل من هؤلاء.

 فالله " عالم الغيب والشهادة..

 ولا يعزب عنه مثال ذرة " " امر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشجرتين فقصدنا (1) وكسح (2) ما بينهما حتى إذا كان الغد امر بكساء اسود رقيق فنشر على الشجرتين " على هيئة المخيم.

 " وخرج السيد والعاقب بولديهما وعليهما من الحلي واحلل ما يلفت الانظار ومعهم نصارى نجران وفرسانن بني الحرث على خيولهم، وهم على احسن هيئة كأنهم ليوث غاب " واجتمع الناس من اهل المدينة ومن حولها من الاعراب واهل الالوية يرقبون الحادث لا يعرفون ما هو مقبل عليهم، عندهم ثقة تامة ولكن يرتادهم شك، ولهم ايمان راسخ ولكن يراوده قلق، وقد ضرب الاضطراب عليهم نطاقه والقلق مد روافه، فهذه وجوه عليها غبرة ترهقها قترة، وهذه وجوه مسفرة ضاحكة مستبشرة..

 الشمس تسير بافقها مضطربة كاضطراب هذه القلوب...

 هذه الرياح تهب من حول الناس بالوان مختلفة تارة مهيبا واخرى رهيبا.

 الناس جمود يتحركون..

 صامتون يتكلمون آمنون وجلون..

 حيارى وما هم بحيارى، واوشك الناس يتبينوا ان الانقلاب


 
(1) اي كسرتا.
(2) كنس ما بينهما

 

[59]

العظيم، فخذلتهم عقولهم وخانهم صلب ايمانهم.

 " وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محتضنا الحسين وبيده الحسن ومن خلفه فاطمة الزهراء ومن خلفها علي..

 فتقدموا الى ان وقفوا تحت ذلك الكساء على الهيئة التي خرج عليها " يقول لهم: " إذا دعوت امنوا - قولوا آمين - وارسل الى السيد والعاقب يدعوهما الى المباهلة.

 جفل الوفد وانكمش على نفسه، فانهم لم يثوبوا الى انفسهم من دهشتهم بالامس حينما اجتمعوا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد اخذ عليهم آفاق الارض والسماء حتى احتوتهم الدهشة ثانية من هذه الاوجه الكريمة - لم يأتنا أبو القاسم باهل الكبر والشدة من اتباعه.

 وانما جاءنا بالاعزة والاحبة من اهل التخشع وبهلة الانبياء والصفوة الصفوة المختارة تمر لحظات يتهيب فيها الوفد ويحار..

 لحظات كأنها الدهر الخالد.

 لحظات قاسية لم يعانها احد على نحو ما عاناها القسس، ولم يشق بها احد مثل ما شقي بها هؤلاء.

 انها الساعة الاخيرة وانه ليكاد اليقين يمس قلوبهم بصدق محمد صلى الله عليه وآله وسلم.. يأس جامح ملك قلوبهم.

 يتقدم السيد والعاقب الى رسول الله (ص) - " يا ابا القاسم بمن تباهلنا ؟ !

- " اباهلكم بخير اهل الارض واكرمهم على الله. هؤلاء واشار الى


 

[60]

علي وفاطمة والحسن والحسين " - " فما نراك جئت لتباهلنا بالكبر ولا الكثر.

 ولا اهل الشارة ممن نرى ممن آمن بك واتبعك، وما نرى هنا معك الا هذا الشاب والمرأة والصبيين ابهؤلاء جئتنا نباهلك ؟ !

- اجل: " بهؤلاء وهم خير اهل الارض وافضل الخلق " استكت اسماعهم وارتعدوا كأنما الارض تريدان تسيخ بهم، ساعة خاصمتها الرياح المختلفة في هبوبها والاعاصير الهوجاء، ثم رجعوا الى اسقفهم.

 - ابا حارثة ماذا ترى ؟ - ماذا ارى ؟ " اني لارى وجوها لو سئل الله بها ان يزيل جبلا من مكانه لازاله..

 أفلا ترون محمدا رافعا يديه ينظر الى ما تجيئان به ؟ وحق المسيح ان نطق فوه بكلمة فلا نرجع الى اهل ولا الى مال " أفلا ترون الشمس تغير لونها، والافق تتجمع فيه السحب الداكنة والرياح تهب هائجة سوداء حمراء وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان ؟ " لقد اطل العذاب انظروا الى الطير وهي تقئ حواصلها والى الشجر كيف تساقط اوراقها، والى هذه الارض كيف ترجف تحت اقدامنا ؟ ! " " والله لقد عرفتم يا معشر النصارى ان محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالامر الفصل من امر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن فعلتم لتهلكن وكان الاستئصال..

 وانما عهدكم باخوانكم حديث وقد مسخوا قردة وخنازير.. "


 

[61]

وبحكم لا تباهلوه.. " لا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الارض نصراني الى يوم القيامة "

- الى يوم القيامة !.

 - نعم: الى يوم القيامة.

 وذكروا انهم قالوا: " يا ابا القاسم رأينا ان لا نباهلك..

 وان نقرك دينك، وان نثبت على ديننا.

 فإذا ابيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما على المسلمين

- لا نسلم..

 ولا نترك دين ابائنا !.

 - انا جزكم القتال انها الحرب المهلكة..

 لا طاقة لنا بحرب العرب ولكن..

 - ولكن ماذا ؟ ! نصالحك على ان لا تغزونا، ولا تردنا عن ديننا على ان نؤدي اليك في كل عام حلة الفا في صفر والفا في رجب وثلاثين درعا عاديه من حديد .

يقول اليعقوبي وغيره: فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الفى حلة من حلل الاواقي (كذا) قيمة كل حلة اربعون درهما فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك وكتب لهم رسول الله (ص) كتابا.

 بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد رسول الله لنجران وحاشيتها إذ كان له عليهم


 

[62]

حكمة في كل بيضاء وصفراء وثمرة ورقيق فما زاد ونقص فعلى هذا الحساب الف حلة في صفر والف في رجب وعليهم ثلاثون دينارا مثواة رسلي فما فوق وعليهم في كل حرب باليمن دروع عارية مضمونة لهم بذلك جوار الله وذمه محمد فمن اكل الربا بعد عامهم هذا فذمتي منه بريئة " فقال العاقب: يا رسول الله انا نخاف ان نأخذ بجناية غيرنا فقال اكتبوا: " ولا يؤخذ احد بجناية غيره " وذكروا ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لاصحابه: " والذي نفسي بيده ان الهلاك تدلى على اهل نجران ولولا عنوا لمسخوا قردة وخنازير ولا ضطرم عليهم الوادي نارا ولاستأصل الله نجران واهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا.

 " موقف حساس وهل من سامع لهذا الكلام من رسول الله، ومشاهد لموقف هؤلاء النفر الى جانبه صلى الله عليه وآله وسلم ثم لا يمثل قلبه اجلالا واكبارا ثم لا يعترف بفضل الانفس والنساء والابناء، والمؤمنون العازفون عن الدنيا شعروا بمقامهم وامتلات قلوبهم ايمانا بمنزلتهم السامية، واعترفوا بتقدمهم.

 ولم يشأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان يقف هنا ولم يدع الناس ان يمضوا قبل ان يتحدث إليهم عن ربه في نقاء هؤلاء الاربعة وطهرهم.

 في هذه الساعة التي لا يزال الناس في دهشتهم وروعة الجلال التي


 

[63]

ملكتهم يعلن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نقاء آل رسول الله وطهرهم من كل دنس.

 تقول السيدة عائشة: " خرج رسول الله وعليه مرط مرجل من شعر اسود فجاء الحسن فادخله ثم جاء الحسين فادخله ثم فاطمة ثم علي ثم قال: " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت " ماذا بقى بعد هذا ما يحمل القلوب على الالتفاف حول اهل البيت واي شئ بعد الطهر والنقاء من كل رجس يحمل الناس على التهافت الى حضيرتهم السامية ؟.

 صوت رفيع من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انطلق من حاضرة الاسلام مع الريح ثم صار يشق طريقه في الفضاء رنان الجرس يقرع في سمع الاجيال جيلا فجيل حتى اليوم وحتى قيام الساعة صارخا.

 هؤلاء فقط اهل بيت النبوة وموضع الرسالة.. هؤلاء فقط.

 الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

 كلمات طرقت الاذان واستوعبها مشاعر المؤمنين رسالة السماء وكلمات الله تنهج للناس الطريق الامثل الا يلج، انه التنزيل بنصوص آياته وروح معانيه يرسم لنا صورة مثالية لاولياء ارتفعت عن التفكير والتصوير.

 انه صوت الله يفرع الاسماع فأين اين ؟.. والى اين ؟ انها الرواسب المادية في نفوس جعلت من المسلمين صنفين.

 


 

[64]

أفضل الخلق يجدر بنا ان نقف عند هذا الحادث الخطير قليلا، فأن لهذه المثالية الساميه التي رسمها كتاب الله لال رسوله حقوق في ذمة المسلمين لا يستطيع الزمن ان يقضى عليها أو يتناولها بتحريف، مهما انتهج من اساليب واصطنع من اعوان، لان النهج الذي نهجه كتاب الله واضح لا يدخله اي تعديل ولا يمكن ان يتناوله التحريف، وان تناوله التأويل، ومن ثمة تشعب الطريق بين المسلمين وذر الخلاف قرنه، ولكن الحق عزيز الجانب قد بث عيونه ونشر جنده ومن المستصوب ان نقف هنا موقف المعقب على هامش المباهلة علنا نخرج مع القاري ولم يفتنا الصواب حينما يسفر البحث عن براهين متنوعة لاثبات مثالية الانفس والنساء والابناء وحينما تكون النتيجة انهم افضل الخلق وهذا صحيح عن وجهة العقل ومن وجهة الواقع من وجهة الاختيار الذي وقع عليهم.

 فأنه واضح جلى ان الاختيار الذي وقع على علي وفاطمة وحسن وحسين له اهميته الكبرى في تقرير مرتبة الفضيلة وانحصارها.

 ولان السبب الذي طوى نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم جميعا وخفرات المجد من عمر العلى وشبيبة الحمد جميعا، واصحابه جميعا، وابناء


 

[65]

المسلمين جميعا في زاوية ولم يدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احد من هؤلاء لم يبق مجالا بأن الذين وقع عليهم الاختيار، لا يقاس بهم احد من الناس الا كان القياس خطأ لان القياس انما يقع في المرحلة التي يصح بها القياس، والذي لا مثيل له لا يقاس عليه.

 والاختيار دلنا على انهم لا مثيل لهم، والبداهة تستلزم ذلك، والعقل يحكم ونحن لانجد صعوبة في الفهم حين نفهم من هذا الاختيار التفضيل المطلق والكمال المطلق في المرحلة الاخيرة.

 ليس على الانسان حساب في فهم التفضيل حينما يعلم ان الله سبحانه اختارهم في ساعة المقايسة والموازنة.

 " والله بكل شئ عليم ".

 وهداية الله سبحانه تأخذ بيد الانسان فتخطو به الى المثالية الرفيعة وليس في العقل ما يمنع من الوصول الى اعلى درجات الكمال، ولكن العقل لا يفهم هذا الا باعتبار الوصول الى فهم الحقيقة الالهية فهما كاملا الى حد الفناء في الله.

 كما وانه ليس لاختيار الله مقاييس اخرى غير مقاييس الفضيلة على اعتبار الوصول إليه تعالى وصولا مقربا منه، وقد فنيت قلوب آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذات الله وكان لهم من الحياة الفضلى والفناء ما يثبت لهم المثالية المطلقة في كل مقاييس الفضل، والكمال النفسي والشخصي، وقد جاء الاختيار منه برهانا ساطعا لا يفسح مجالا الى قيل وقال ولا الى استدلال..

وبعد - فالعقل لا يتصور مثالية ولا عبقرية ارفع من مثاليتهم وعبقريتهم، فهم الراجحون في مقاييس الفضل والسبق والشرف والايمان


 

[66]

اولئك هم كيف واجهتهم، ومن اي النواحي اتيتهم، تجدهم الراجحين في مقاييس الفضل والفضيلة.

 في بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسع نسوة، ولسنا في حاجة ة الى تصوير من فيه منهن الكفاية من ناحية الدين والخلق والكمال فانهن امهات المؤمنين حقا، وفي المدينة من المهاجرين والانصار وبني هاشم جمع غفير تجاوز عشرات المئات الى عشرات الالوف، وفيهم النخبة الصالحة الممتازة من المقيمين على الحق، اعتصموا بحبل الله وحبل الرسول صبروا على الاذى، وجاهدوا في سبيل الله، اولو سابقة في الاسلام، اخلصوا لله في نياتهم، وتوجهوا إليه بقلوبهم واعمالهم، راضوا انفسهم في سبيل كمالها فرضوا من الدنيا بالكفاف، وفي بني هاشم والمسلمين من الابناء ما يزيد عن العد احتفل بهم التاريخ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طوى هؤلاء جميعا، واولئك جميعا وتركهم جانبا، ثم خرج بعلي (ع) من الانفس وبفاطمة (ع) من النساء وبالحسن والحسين (ع) من الابناء ولم يخرج معه احدا غيرهم.

 ولماذا ؟؟..

 حدثونا فيما حدثونا به عن ابي رباح مولى ام سلمة يرفعه الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جواب هذا السؤال انه قال: " لو علم الله تعالى ان في الارض عبادا اكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لامرني ان اباهل بهم، ولكن امرني بالمباهلة مع هؤلاء


 

[67]

- وهم افضل الخلق - فغلبت بهم النصارى " بهذا يواجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه حيث يسأل وبهذه الكلمات الوجيزة يعلن عن قيم اصحاب الكساء واهل آية المباهلة وقدسهم وسموهم وعن مكانتهم من الله عز وعلا حقا ان مثل هذا الخبر له قيمته في تعرف قيم آل رسول الله الذين اختارهم الله ليباهل بهم رسوله قسس نجران ونحن لانجد تصويرا لسمو فضلهم ادق واصدق من هذا التصوير المعلن برفيع مكانهم وكبير قدرهم وسامي منزلتهم وعظيم فضلهم، ويحسبنا ان نستمع إليه يقول " لو علم ان في الارض اكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لامرني ان اباهل بهم " بخ بخ ليس في علم الله احد افضل منهم، لا في الارض ولا في السماء.

 وان هذا التعبير ينشئ في نفوسنا صورا شتى من القيم المثالية التي تعبر عن قيمهم الرفيعة في المجتمع الروحاني الاقدس وهذا هو الشرف العظيم الذي تطامن إليه الرقاب نجوعا ولهذا الحديث منشآة عالية في النفوس فهو ينشئ في نفوسنا صورا من قدس النفس وعظيم المنزلة، وينشئ في نفوسنا صورة من الفضل والكرامة عند الله تعالى، وانه ليس احد اكرم عليه منهم، وينشئ في نفوسنا صورة مثالية رفيعة ارتفعت عن كل تفكير، فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باهل بهم وهم افضل الخلق وبهم غلب النصارى، وحسب الناظر في هذا الحديث وغيره من الاحاديث الصحيحة ان يثبت اعلى درجة الكمال، ويحسبه


 

[68]

ان يكون رجع الى وعيه، وثاب الى رشده فاثبت ذلك بعقله ونحن اليوم نعيش في عصر المحاكمات وقياس الامور باقيسة الارقام لا باقيسة الثقل.

 وبعد - فلا احسب ان احدا من المسلمين يستطيع ان يرجع هذا الى مظهر من مظاهر عطف النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اهل بيته، وان وجد فيهم من يعتقد مثل هذا - والعياذ بالله - فقد قصدت نفسه الى نوازع الشيطان التي تحيك في السرائر، وزلقت قدمه فتدحرج الى هوة سحيقة، فخسر الدنيا والاخرة، وذلك هو الخسرانن المبين فان رسول الله.

 " لا ينطق عن الهوى، ان هو الا وحي يوحى علمه شديد القوى انه لقول رسول كريم.

 وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون.

 ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون.

 تنزيل من رب العالمين.

 ولو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين.

 فما منكم من احد عنه حاجزين ".

 وليست آية المباهلة بالاية الاولى والاخيرة التي التقى فيها القرآن المجيد بآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد التقى بهم مرات في كثير من النواحي.

 يقول بن العباس: " نزل في علي اكثر من ثلثمائة آية في مدحه وعن الاعمش عن اصحاب بن عباس قال: ما انزل الله يا أيها الذين آمنوا الا وعلي اميرها وشريفها ولقد عاتب الله اصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم في غير مكان


 

[69]

وما ذكر عليا الا بخير " ولا نريد هنا ان ننقل الى القارئ كل ما نزل فيه وفي اصحاب الكساء، إذ ربما يكون في النقل الكثير شئ من الاطناب، ولكن مع امساكنا عن التبسط في الحديث لا يسعنا الا ان نلفت القارئ الى شئ ميسور فهمه: ذلك ان المفسرين وحملة الحديث لم يتفقوا على شئ من الايات التي يدعى نزولها في بعض الصحابة كما اتفقوا على الايات التي نزلت في اصحاب الكساء في مدحهم والثناء عليهم ونظرة عجلى في ذلك تثبت لنا صحة الدعوة ومثلا واحدا نضعه بين يديك، اقرأ قوله تعالى من سورة الدهر: " ان الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا.

 عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا.

 يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا يطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما واسيرا.

 انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " اقرأ ذلك الى قوله تعالى " ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " اقرأ ذلك لتعلم مقام اهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، وقد ورد من طرق عديدة ان هذه الايات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين (1)


 
(1) اخرج غير واحد من اعلام اهل السنة عن ابن عباس، ان هذه الايات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين واليك نص ما قاله الزمخشري في كشافه: " وعن ابن عباس (رض) ان الحسن والحسين مرضا فعادهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ناس معه، فقالوا يا ابا الحسن -

 

[70]

وهل من قارئ لهذه الايات لا يمتلئ قلبه اكبارا واجلالا وتقديسا لهؤلاء الابرار ؟ وهذه ناحية من نواحي عظمتهم المرموقة(1).

 أجل..

ان هذه الايات وغيرها من الايات الكثيرة تلقي ضوءا على عبقرية اهل البيت عليهم السلام، ويكاد ان يعتقد كل منصف انه لا يجد في المسلمين من يشاركهم في فضلهم، وبوضوح ترسم لنا الوانا من السمو، وتحتفل بضروب من العظمة، وهي بمجموعها تمثل لنا صورة من المنزلة العالية


 
(1) لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة وفضة - جارية لهما - ان برئا مما بهما ان يصوموا ثلاثة ايام، فشفيا وما معهما شئ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة اصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة اقراص على عددهم فوضعوها بين ايديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم اهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين اطعموني اطعمكم الله من موائد الجنة، فاثروه وباتوا لم يذوقوا الا الماء، واصبحوا صياما، فلما امسوا ووضعوا الطعام بين ايديهم وقف عليهم يتيم فأثروه، ووقف عليهم اسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك، فلما اصبحوا اخذ علي (رض) بيد الحسن والحسين واقبلوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ابصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال ما اشد ما يسوؤني ما ارى بكم، وقام فانطلق معهم فرأى فاطمة في محرابها، وقد التصق بطنها في ظهرها، وغارت عيناها فساءه ذلك، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وقال: خذها يا محمد، هناك الله في اهل بيتك فاقرأه السورة " انتهى.
 من الكشاف في تفسير هل أتى - الدهر.
 

 

[71]

والمقام الرفيع عند الله تعالى، وبالاخير المثالية التي خرجت عن حدود المقاييس والموازين.

 وليس هناك ما يمنعهم من هذه المثالية وقد خرجوا من البيت الذي خرجت منه الدعوة الاسلامية وساروا في الطريق التي يسير فيها القرآن المجيد ويدخلون كل بيت يدخله القرآن ولا يفترقون حتى يردوا على رسول الله يوم القيامة (1) ليس من السهل الهين على الانسان ان ينتزع من نفسه الانسجة


 
(1) من جملة حديث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعرف بين المحدثين بحديث الثقلين أو حديث التمسك ولفظه عند الترمذي " اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين احدهما اعظم من الاخر: كتاب الله عز وجل حبل ممدود من السماء الى الارض.
 وعترتي اهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما " ؟ !.
 ولقد بسطنا البحث فيه في كتابنا " تحت راية الحق " وهو من الاخبار المتواترة اجمع المحدثون على رواية اخرجوه من طرق عديدة اخرجه مسلم في صحيحه وصاحب الجمع بين الصحاح الست وصاحب الجمع بين الصحيحين والترمذي والنسائي والحاكم والطبراني والطبري والبيهقي والبزار والملا وابو يعلي الى كثير منهم وقد اجمعوا على صحته.
 نعم البخاري لم يخرجه وان صح من طريقه ولكن حال البخاري في امثال هذا الحديث معلوم كل متتبع ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
 

 

[72]

التي يحاك منها الخطأ ليشاهد الحقيقة الماثلة امام عينيه واضحة جلية لا يسترها ستر، ولكن من السهل الهين ان يوقظ في نفسه الروح العلمية فتقوده الى دراسة النفسيات والشخصيات عن طريق الحوادث التاريخية وبهذا يستطيع - إذا كان جريئا وكان صافي النفس - ان يكشف الستار عن الحقائق ويجليها من الاصداء المتراكمة عليها طوال السنين ومن السهل عليه اذن ان يكون ضميره اسرع الى اقتباس الحقائق من عينيه ويأمن كل خطأ.

 وايضا يجب ان لا نشك ان لكل جيل ولكل حضارة قيم اجتماعية هي مقياس الفضيلة في الموازين.

 وكذلك لاشك في اختلاف هذه القيم وتفاوت نسبها سموا واعتبارا، وواجب الباحث الفصل بينها بكل الاعتبارات المقومة لهذه القيم.

 والانسان الذي يرجح في كفة الميزان هو الذي تحف بشخصه اعلا القيم وامثلها وذلك بالحصول على امثل الصفات واعلاها التي هي تجعله فريدا وحيدا، وان يتصف بالصفات التي تقربه من الله " تخلقوا باخلاق الله " وكلما كان الانسان قريبا من الله فانيا في ذات الله كانت انسانيته اكمل ومنزلته اعلا وارفع.

 فانه " في كل ناحية من نواحي الانسانية ملتقى بسيرته (1) " وقد " ورث اما علي علي بحكم مولده ومرباه مناقب النبوة ومواهب الرسالة وبلاغة الوحي وصراحة المؤمن " (2) وقد تجمعت فيه اخلاق محمد صلى الله عليه وآله


 
(1) عبقرية الامام للعقاد.
 (2) تاريخ الاداب العربية للزيات.