[ 147 ]

الباب الحادي والعشرون

في اختصاصه بتزويج فاطمة رضي الله عنهما

عن أنس بن مالك قال: جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقدمي في الاسلام وأني وأني.

 قال: وما ذاك ؟ قال: تزوجني فاطمة.

 قال فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، ورجع أبو بكر إلى عمر فقال: هلكت.

 قال ولماذا ؟ قال: خطبت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عني قال: مكانك حتى آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأطلب مثل الذي طلبت.

 فأتى عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقعد بين يديه فقال: يا رسول الله قد علمت مناصحتي وقدمي في الاسلام وأني وأني ! ! ! قال: وماذاك ؟ قال: تزوجني فاطمة.

 فسكت [ النبي ] عنه ورجع إلى أبي بكر فقال: إنه ينتظر أمر الله بها قم بنا إلى علي حتى نأمره يطلب مثل الذي طلبنا.

 قال علي: فأتياني فقالا لي: جئنا من عند ابن عمك قال علي: فنبهاني لامر [ كنت غافلا عنه ] فقمت أجر رداي حتى أتيت النبي صلى الله عليه [ وآله ] وسلم / 20 / ب / فقعدت بين يديه فقلت: يا رسول الله قد علمت قدمي في الاسلام ومناصحتي وقرابتي وأني وأني.

 قال: وما ذاك ؟ قلت: تزوجني فاطمة.

 قال: وما عندك ؟ قلت: فرس وبدني.

 قال: أما فرسك فلا بد لك منه وأما بدنك فبعها.

 [ قال: ] فبعتها بأربع مائة وثمانين [ درهما ] وجئت بها حتى وضعتها في حجره فقبض قبضة [ منها ] وقال: أي بلال ابتعنا بها طيبا وأمرهم أن يجهزوها.

 فجعل لها سريرا مشروطا بالشريط ووسادة من أدم محشوة بليف وقال لعلي: إذا أتتك لا تحدث شيئا حتى آتيك.

 [ قال علي ] فجاءت [ فاطمة ] مع أم أيمن فقعدت في جانب البيت وأنا في جانب [ منه ] وجاء رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم وقال: [ أ ] هاهنا أخي ؟ قالت أم أيمن: أخوك وقد


[ 148 ]

زوجته ابنتك ؟ قال: نعم.

 ودخل رسول الله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم البيت وقال لفاطمة: ائتيني بماء فقامت إلى قعب في البيت فأتت فيه بماء فأخذه [ النبي ] ومج فيه ثم قال: تقدمي.

 فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.

 ثم قال لها: أدبري.

 فأدبرت فصب [ من ذلك الماء ] بين كفيها وقال: اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم.

 ثم قال: ائتوني بماء.

 قال علي: فعلمت الذي يريد، فقمت وملأت القعب وأتيته به، فأخذه ومج فيه ثم قال لي: تقدم.

 [ فتقدمت إليه ] فصب على رأسي وبين ثديي ثم قال: [ اللهم ]: إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم.

 ثم قال [ لي ]: أدبر.

 فأدبرت فصب بين كتفي وقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم.

 ثم قال لعلي: ادخل بأهلك بسم الله والبركة.

 خرجه أبو حاتم (1) والامام أحمد، في المناقب من حديث [ أبي يزيد ] المديني (2).

 ونقلت من شرح المنهاج للشيح الامام العلامة أحد مشايخ الاسلام كمال الدين الدميري رحمه الله (3) هذه الخطبة التي خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عقده


(1) رواه ابن حبان في عنوان: " وصف تزويج علي بن أبي طالب فاطمة رضي الله عنهما " في فضائل فاطمة من صحيحه: ج 2 / الورق 181 / أ / وفي ط 1: ج ص... ورواه عنه الهيثمي في عنوان: " باب تزويج فاطمة بعلي... " تحت الرقم:: " 2225 " من كتاب مورد الظآن: ج.

 ص 549.

 والحديث بالخصوصية التي في المتن رواه أيضا ابن المغازلي في عنوان: " تزويج فاطمة بعلي " تحت الرقم " 399 " من مناقبه ص 347.

 (2) لعل هذا هو الصواب، ولفظ أصلي غامض.

 وحديث أبي يزيد هذا رواه موجزا أحمد بن حنبل تحت الرقم: " 81 " من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 53 ط قم.

 ورواه أيضا - ولكن بسند آخر - تحت الرقم: " 198 " من فضائل علي عليه السلام من كتاب الفضائل ص 143، ط قم.

 وليراج ما رواه ابن سعد في ترجمة فاطمة صلوات الله عليها من كتاب الطبقات الكبرى: ج 8 ص 23 وما حولها.

 (3) لم يصل إلي شرح كتاب المنهاج للشيخ محمد بن موسى الدميري المولود عام: " 742 " المتوفى سنة: " 808 ".

 


[ 149 ]

لعلي على فاطمة رضي الله عنهما والخطبة هي هذه: الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته المطاع بسلطانه، المرهوب عقابه وسطواته ؟ والمرغوب إليه فيما عنده النافذ أمره في أرضه / 20 / ب / وسمائه الذي خلق الخلق بقدرته ودبرهم بحكمته وأمرهم بأحكامه وأعزهم بدينه ودبرهم ؟ وأكرمهم بنبيه محمد صلى الله عليه [ آله ] وسلم.

 [ وبعد ] فإن الله تبارك وتعالى وتعالت عظمته جعل المصاهرة نسبا لاحقا وأمرا مفترضا ووشج بها الارحام وأزال بها الايام ؟ فقال عز من قائل: (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا) [ 54 / الفرقان: 25 ] وأمر الله يجري إلى قضائه وقضاؤه يجري إلى قدره ولكل قضاء قدر ولكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (1).

 [ وعد ف‍ ] إن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي وقد أوجبته (2) على أربع مائة مثقال من فضة إن رضي علي بذلك.

 فقال علي: رضيت عن الله ورسوله صلى الله عليه [ وآله ] وسلم.

 فقال [ النبي ] صلوات الله وسلامه عليه: جمع الله بينكما وأسعد جدكما وأخرج منكما طيبا.

 قال جابر: فوالذي بعثه بالحق لقد أخرج الله منهما كثيرا طيبا (3).

 هذا ما نقله [ الدميري ] من كتاب النكاح في الشرح المذكور مما رواه عن الشيخ محب الدين الطبري رحمع الله والحسن بن عبد الله بن سهل العسكري.

 


= وللخطبة مصادر، وقد رواها أبو الخير الطالقاني في الباب: " 17 " من كتابه الاربعين المنتقى.

 ورواها أيضا الخوارزمي في الفصل: " 20 " من كتابه مناقب علي عليه السلام ص 234.

 ورواها أيضا الحموئي في الباب: " 17 " من السم الاول من كتاب فرائد السمطين: ج 1، ص 90 ط بيروت بتحقيقنا.

 (1) وليلاحظ فضائل علي عليه السلام من كتاب الرياض النضرة: ج 2 ص 129 وذخائر العقبى (2) رواه الحموئي بسند طويل في الباب: " 25 " من السمط الاول من كتاب فرائد السمطين: ج، ص 142.

 وأورده الخفاجي في الخصيصة: " 11 " من خصائص علي عليه السلام التي أوردها في خاتمة تفسير آية الموة الرق 73 / ب /.

 (3) ومما يدل على هذا - مضافا إلى الحديث التالي - ما رويناه في تعليق الحديث: " 296 " وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1، ص 253 - 257 ط 2.

 وليراج فضائل علي عليه لسلام من كتاب الرياض النضرة: ج 2 ص 129، وذخائر العقبى.

 


[ 150 ]

فياله من عقد انعقد على شرفه الاجماع وانقطعت عن إدراك شاوه الاطماع حاز من الفخار الطرف القصى وحوى من العظمة والعزة والفخر ما لا يستقصى ما عقد لاحد نظيره من الاولين والآخيرين ولا فاز بمثله أحد من العالمين عقد الاذن فيه الملك المعبود وجبريل والملائكة الشهود وعاقده سيد [ عالم ] الوجود [ الذي ] روي [ عنه ] أنه قال له: يا علي أعطيت ثلاث مفاخر عظام لم يعطهن أحد سواك: صهرا مثلي (1) وزوجة مثل فاطمة وولدين مثل الحسن والحسين.

 قال [ الدميري ]: والصحيح أن تزويج فاطمة من علي كان بأمر من الله ووحي منه إليه [ ف‍ ] عن أنس بن مالك قال: خطب أبو بكر فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال [ له النبي ]: يا أبا بكر لم ينزل القضاء ثم خطبها عمر مع عدة من قريش [ فرد ] كلهم يقول له مثل ذلك ! ! ! فقيل لعلي [ هلا ] خطبت من رسول الله صلى الله / 21 / ب / عليه وسلم فاطمة فأنت خليق أن يزوجكها ؟ ! قال: وكيف وقد خطبها أشراف قريش فلم يزوجها [ منهم ].

 قال [ علي ]: فخطبتها فقال صلى الله عليه وسلم قد أمرني ربي عز وجل بذلك.

 قال أنس: ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم بعد أيام فقال: يا أنس اخرج وادع أبا بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمان بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وغيرهم من الانصار.

 قال [ أنس ]: فدعوتهم فلما اجتمعوا عنده وأخذوا مجالسهم - وكان علي غائبا في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم - خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الخطبة التي تقدمت ذكرها بتمامها وكمالها ثم دعا بطبق من بسر فوضعه بين أيدينا ثم قال: انتهبوا.

 فانتهبنا.

 قال: فبينما نحن ننتهب إذ دخل علي على النبي صلى الله عليه وسلم فتبسم في وجهه ثم قال: إن الله أمرني أن أزوجك فاطمة على أربع مائة مثقال من فضة أن رضيت بذلك.

 فقال علي: رضيت بما رضي به الله ورسولته.

 فقال عليه الصلاة والسلام: جمع


(1) رواه الامام الرضا عليه السلام كما رواه أبو سعد في كتاب شرف النبوة على ما رواه عنهما المحب الطبري في أواخر الفصل السادس من فضائل علي عليه لاسلام من كتاب الرياض النضرة: ج 2 ص 152.

 ورواه أيضا الطوسي في الحديث: (44) من الجزء (12) من أماليه: ج 1، ص 219 ط 1.

 وانظر الرياض النضرة: ج 2 ص 129.

 


[ 151 ]

الله شملكما وأسعد جدكما وبارك عليكما وأخرج منكما كثيرا طيبا.

 قال أنس: فوالله لقد أخرج الله منهما كثيرا طيبا.

 أخرجه القزويني الحاكمي (1).

 وعن أنس قال: بيناما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد إذ قال لعلي: هذا جبرئيل أخبرني أن الله عز وجل قد زوجك فاطمة وأشهد على تزويجها أربعين ألفا من الملائكة وأوحى إلى شجرة طوبى أن انثري عليهم الدر والياقوت عليهم ذلك فابتدرت إليه الحور العين يلتقطن في أطباق الدر والياقوت فهم يتهادونه إلى يوم القيامة ! ! ! وأما وفاتها بعد أبيها بستة أشهر [ فها ] كذا ذكره الامام الجليل القشيري مسلم في صحيحه وعليه الاعتماد، والله أعلم (2).

 [ و ] خرجه [ أيضا ] الملا في سيرته [ وسيلة المتعبدين ] والله سبحانه أعلم.

 وقد اختلفوا في مولدها رضي الله عنها والصحيح أنها ولدت بعد البعثة بخمسة أعوام ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن خمس وأربعين سنة وأقامت معه بمكة إلى حين هاجرت [ و ] سنه ثلاث وخمسين سنة وهي بنت ثمان سنين وأقامت بالمدينة عشرة أعوام فهذه / 21 / ب / ثمانية عشر سنة وعاشت بعد أبيها صلى الله عليه وسلم ستة أشهر كما ذكره الامام مسلم في صحيحه.

 وقد سئل الامام أبو بكر بن داوود (3): أخديجة أفضل أم عائشة ؟ فأجاب بأن عائشة


(1) رواه مسندا أبو الخير الطالقاني القزويني في الباب الثالث من كتابه: الربعين المنتقى.

 وفي أصلي هاهنا، وفي غير واحد من الموارد: " خرجه القزويني والحاكمي " وظاهره التعدد، ولكن يحتمل أن يكنو الواز زائدة ومن أخطاء المستنسخين ؟ وقريبا منه جدا بسند آخر، رواه كل من ابن المغازلي وابن عساكر، في الحديث: " 394 " من كتاب مناقب علي عليه السلام ص 343، والحديث " 298 " من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 1، ص 255 ط 2.

 (2) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " الامام الجليل القشيري في صحيح مسلم، وعليه الاعتماد، والله أعلم ".

 وليراجع صحيح مسلم.

 (3) وهو عبد الله بن سليمان بن الاشعث الناصبي صاحب المقالة المعروفة المذكرة في ترجمته من كامل ابن عدي: ج 4 ص 1578، طبع دار الفكر، وفي حرف العين من تاريخ دمشق: ج.. ص وفي سير أعلم النبلاء: 13، ص 229.

 


[ 152 ]

أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبرئيل وخديجة أقرأها جبرئيل السلام من ربها على لسان نبيه ! ! ! فقيل: خديجة أفضل أم فاطمة ؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فاطمة بضعة مني " ولا أعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم [ أحدا ].

 وهو استقراء حسن ؟ يشهد بذلك أن أبا لبابة لما ربط نفسه وحلف أن لا يحله إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت فاطمة لتحله فأبى من أجل قسمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما فاطمة بضعة مني (1).

 قال ويدل عليه قوله عليه [ السلام ] والصلاة: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم (2).

 وقد تكلم الناس في المعنى الذي سادة به على سائر أخواتها فقيل: لأنها ولدت سيد هذه الامة وهو الحسن ولقوله عليه الصلاة والسلام: " إن ابني هذا سيد " وهو خليفة وبعلها أيضا خليفة (3).

 وأحسن من هذا قول من قال: سادت على سائر أخواتها لانهن ماتوا في حياته فكن في صحيفته ومات هو صلى الله عليه وسلم فكان رزؤه في صحيفتها وميزانها.

 وقد روى البزار من طريق عائشة " رض " قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاطمة خير بناتي إنها أصيبت بي (4).

 ومن شرفها أن المهدي الذي يملأ الارض عدلا من ولدها وقد اختصت بهذه المزايا دون أخواتها.

 وفضائلها رضوان الله عليها أكثر من أن يحصى [ ذكر ] ذلك كله الامام السهيلي رحمه الله في كتابه روض الانف (5) والله أعلم.

 


(1) لاعهد لي بهذا الحديث، وليراجع سيرة النبي بعد رجوعه من تبوك من كتب التاريخ أو تفسير قوله تعالى: (وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا) [ 102 / التوبة 9 ].

 (2) هكذا في روايات آل أمية، ولا استثناء في روايات أهل البيت عليهم السلام.

 (3) وكل هذا فضائل عظام لن تتحقق لغيرها صلوات الله عليها ولكنها فضائل خارجية، وإذا يتأمل الباحث فيما جاء من فضائلها يجد أن لها فضائل نفسية داخلية لن يتحلى بها أحد غيرها صلوات الله عليها فليراجع المنصفون ما دونه الثقات من فضائلها.

 (4) لم يصل إلي بعد سنن البزار.

 (5) كتاب روض الانف منشور، ولكن ما ظفرت عليه بعد.

 


[ 153 ]


ثم أنه ينبغي لنا أن نعلق على هذا الباب، ما رواه محمد بن عبد الرزاق بن علي بن زين العابدين المناوى - المولود عام: (952) المتوفى سنة: (1031) - في الباب الرابع من كتابه اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب، ص 60 ط مصر، قال: [ الباب الرابع في خصائصها ومزاياها على غيرها ] وهي كثيرة: الاولى - أنها أفضل هذه الامة: روى أحمد والحاكم والطبراني عن أبي سعيد الخدري - بإسناد صحيح مرفوعا - " فاطمة سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم ".

 وفي رواية صحيحة: إلا ما كان من مريم بنت عمران " فعلم أنها أفضل من أمها خديجة، وما وقع في الاخبار مما يوهم أفضليتها، فإنما هو من حيث الامومة فقط.

 و [ أيضا هي أفضل ] عن عائشة - على الصحيح - بل الصواب.

 قال السبكي: الذي نختاره وندين الله به: أن فاطمة أفضل [ نساء هذه الامة ] ثم خديجة ! ثم عائشة ! قال: ولم يخف عنا الخلاف في ذلك، ولك إذا جاء نهر الله بطل نهر العقل ! قال الشيخ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي: ولوضوح ما قاله السبكي تبعه عليه المحققون... وممن تبعه عليه: الحافظ أبو الفضل بن حجر، فقال في موضع: هي مقدمة على غيرها من نساء عصرها، ومن بعدهن مطلقا.

 مناقشة قول ابن القيم: وأما قول ابن القيم: إن أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فذاك أمر لا يطلع عليه، فإن عمل القلوب أفضل من عمل الجوارح (1).

 وإن أريد كثرة العلم فعائشة (2).

 - (1) بل يطلع عليه في بعض الافراد والاحيان من إخبار من أطلعه الله على غيبه كما في مفروض المقام، فإن الثابت من طريق أهل البيت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " فاطمة سيدة نساء العالمين ".

 (2) لو كان ابن القيم أبدل ما ذكره بذكر تهور أم المؤمنين وتشجيعها الثائرين على عثمان بقولها: " إن عثمان قد أبلى دين رسول الله ولم يبل قميصه " كان أصوب ! ! أو ذكر حضورها مع المشاغبين والناكثين والباغين كما فعلت في حرب الجمل وعند منعها من دفن الامام الحسن عند جده صلى الله عليه وآله


[ 154 ]


وإن أريد شرف الاصل فاطمة لا محالة، وهذه فضيلة لا يشاركها فيها غير أخواتها.

 وإن أريد شرف السيادة فقد ثبت النص لفاطمة وحدها.

 وما امتازت به عائشة من فضل العلم، لخديجة من يقابله وأعظم ! وهي أنها أو من أجاب إلى الاسلام ودعي إليه، وأعان على إبلاغ الرسالة بالنفس والمال والتوجه، فلها مثل أجر من جاء بعدها إلى يوم القيامة.

 قال: وقيل [ إن ] انعقد الاجماع على أفضلية فاطمة فأين [ قول ]: ما عدا مريم ؟ أما مريم أفضل منها إن قلنا بما عليه القرطبي في طائفة من أنها " نبية "، وكذا على قول تقدم نبوتها بقوة الخلاف ؟ وبقصده استثناءها.

 أعنى مريم في عدة أحاديث من بعضها ؟ بل روى ابن عبد البر عن ابن عباس مرفوعا: " سيدة نساء العالمين مريم، ثم فاطمة، ثم خديجة ثم آسية ".

 قال القرطبي: وهذا حديث حسن يرفع الاشكال من أصله (1).

 وقول الحافظ ابن حجر: " إنه غير ثابت ".

 إن أراد به نفي الصحة الاصطلاحية فمسلم، فإنه حسن لا صحيح.

 ونص على ذلك الحافظ الجبل ؟ ولفظه عن ابن عباس مرفونعا " سيدات نساء أهل الجنة بعد مريم بنت عمران فاطمة وخديجة، ثم آسية بنت مزاحم امرأة فرعون " رواه الطبراني في [ في المعجم ] الكبير بنحو.

 قال الحافظ الهيثمي: ورجال الكبير رجال الصحيح.

 لكن قال بعضهم: لا أعدل ببضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وممن صار إلى ذلك: المقريزي والسيوطي.

 = - = وسلم ! ! ! أو يذكر بدل ما ذكره كثرة نسيان أم المؤمنين حيث نسيت ما يقرءه المؤمنون في آناء الليل والنهار، من قوله تعالى في الآية: (33) من سورة الحزاب: (وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية) لكان هو الوجه.

 وقد اعترفت أم المؤمنين بنسيانها عندما بلغته شهادة أمير المؤمنين عليه السلام فأنشدت: فإن يك نائيا فلقد نعاه غلم ليس في فيه التراب ! ! فقالت زينب بنت أبي سلمة: سبحان الله العلي تقولين هذا ؟ فقالت: إني أنسى فإذا نسيت فذكروني ! ! ! (1) هيهات من رفع الاشكال بما ذكره مع استفاضة الاخبار من طريق شيعة أهل البيت عليهم السلام بأنها في تفضيلها لا يدانيها أحد من النساء، كما لا يداني أباها أحد من الرجال ! !.

 


[ 155 ]

ولما توفى الله نبيه ونقله إلى المقر الاعلى صلى الله عليه وسلم وبلغها أن أبا بكر منعها [ فدكا ] فأرخت خمارها على رأسها واشتملت جلبابها وأقبلت في طائفة من حفدتها ونساء قومها من نساء عبد المطلب يطأن ذيولها حتى دخلت على أبي بكر [ بن أبي قحافة ] وعنده حشد من المهاجرين والانصار / 22 / ب / فنيطت دونها ملاءة ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء حتى ارتج المجلس وعلت الاصوات ثم إنها أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القم وهدأت الاصوات وسكنت فورتهم افتتحت كلامها بحمد الله والثناء عليه والسلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم ثم قالت: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم) [ 128 / التوبة: 9 ] فإن تعرفونه تجدونه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة والمعظة الحسنة فهشم الاصنام وفلق الهام حتى


أفضليتها على نساء هذه الامة: أما نساء هذه الامة لا ريب في تفضيلها عليهم مطلقا بل صرح غير واحد أنها وأخوها إبراهيم أفضل من جميع الصحابة حتى الخلفاء الاربعة.

 أفضليتها على بقية أخواتها: وذهب الحافظ ابن حجر أنها أفضل من بقية أخواتها، لانها [ أهل ] ذرية المصطفى دون غيرها من بناته، فإنهم متن في حياته، فكن في صحيفته، ومات في حياتها فكان صحيفتها ! قال: وكنت أول ذلك استنباطا إلى أن وجدت الامام ابن جرير الطبري نص عليه: فأخرج عن طريق فاطمة بنت الحسين بن علي عن جدتها فاطمة قالت: " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وأنا عند عائشة، فناجاني فبكيت ثم ناجاني فضحكت، فسألتني عائشة عن ذلك، فقلت: لا أخبرك بسره، فلما توفي سألتني فذكرت الحديث في معارضه جبريل له بالقرآن مرتين، وأنه قال: أحسب أني ميت في عامي هذا، وأنه لم تدزأ امرأة من نساء العالمين مثلها فلا تكون دون امرأة منهم صبرا، فبكيت، فقال: أنت سيدة نساء أهل الجنة فضحكت ".

 وأما ما أخرجه الطحاوي وغيره من حديث عائشة في قصة مجئ زيد بن حارثة بزينت بنت المصطفى قال النبي صلى الله عليه وسلم " هي أفضل بناتي أصيبت في ".

 فأجاب عنه بعض الائمة - بفرض ثبوته - بأن ذلك كان متقدما، ثم وهب الله فاطمة من الاحوال السنية والكاملات العليا ما لم يطاولها فيه أحد من نساء هذه الامة مطلقا.

 على أن البزار روى عن عائشة أنها قالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: " هي خير بناتي إنها أصيبت بي ".

 وعليه فلا حاجة للجواب المتقدم بنصه الصريح على أفضليتها مطلها.

 


[ 156 ]

انهزم الجمع وولوا الادبار حتى نطق زعيم الدين وخرست شقاشق الشيطان وتمت كلمة الاخلاص وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم [ منها وكنتم ] نهزة الطامع ومذقة الشارت وقبسة العجلان وموطئ الاقدام تشربون الطرق وتقتاتون القد أذلة خاسئين [ تخافون أن ] يتخطفكم الناس من حولكم حتى أنقذكم الله برسوله بعد اللتيا والتي [ و ] بعد أن منى ببهم الرجال وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله أو نجم قرن للشيطان وفغرت فاغرة [ من ] المشركين تقذف أخاه في لهواتها فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه وتطفئ نارها وعاديها بسيفه مكدودا في ذات الله وأنتم في رافية فاكهنون آمنون وادعون حتى اختار الله لنبيه دار أنبيائه وألحقه بالرفيق الاعلى فظهرت [ فيكم ] حسيكة النفاق ونطق ناطق الغاوين ونبع خامل الآفلين وهدر فنيق المبطلين (1).

 [ قالوا: لما بلغ فاطمة عليها السلام إجماع أبي بكر منعها فدكا (2) لاثت خمارها على - (1) رواه الوزير الآبي في كتابه نثر الدر: ج 4 ص 8.

 وللحديث مصادر، وقد رواه الطوسي في الحديث: " 55 " من أماليه: ج 1، ص 338.

 ورواه أيضا أحمد بن أبي طاهر في كتاب بلاغات النساء.

 ورواه أيضا بنحو الايجاز ابن الاثير في كتاب منال الطال ص 588، ثم قال: [ وهذا ] الحديث أكثر ما يروى [ يكون ] من طريق أهل البيت، وإن كان قد روي من طرق أخر أطول من هذا وأكثر... وليراجع سيرة أم الائمة فاطمة صلوات الله عليها من كتاب بحار الانوار ج 43 ص 158 وحيث أن ما ذكره المصنف من خطبتها صلوات الله عليها مغلوطة وفيه سقط نحن نتقرب إلى الله تعالى بذكر الخطبة المباركة وتاليتها كاملتين أخذا من مصدر المصنف وهو كتاب نثر الدرر: ج 4 ص 8 طبعة مصر، فنقول: قال الوزير منصور بن الحسين الآبي - المتوفى عام: (421) - قالوا: (2) كذا في أكثر مصادر الحديث، والمراد من الاجماع هاهنا: العزم المقرون بالعمل أي لما بلغها صلوات الله عليها منع أبي بكر بالعزم القاطع إياها من فدك وقطع يدها عنها.

 وفدك: قرية بينها وبين المدينة يومان، أفاءها الله على رسوله، ذكرت فاطمة أن رسول الله تصدق عليها بها وشهد لها بذلك أمير المؤمنين عليه السلام وأم أيمن، لكن أبا بكر رأى انه إن رد إليها فدك يوم ادعاها، تأتيه في صباح اليوم التالي وتطلب منه رد الخلافة إلى زوجها علي عليه السلام ! ! ! ومن أراد أن يعرف استفاضة الروايات المقرونة بالشواهد القطعية على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى أعطا فاطمة فدكا وشلمها إليها، فليراجع الاحاديث الواردة في تفسير قوله تعالى (وآت ذا القربى حقه) [ 26 / بني إسرائيل ] شواهد التنزيل: 1، ص 438 ط 1.

 أو يراج كتاب الشافي للسيد المرتضى: ج 4 ص 68 - 120، ط 2 / أو يراجع شرح المختار: = 


[ 157 ]

رسها، واشتملت بجلبابها (1) وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه (2) حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والانصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء، وارتج المجلس ثم امهلت هنية (3) حتى إذا سكن نشيج القوم، وهذأت فورتهم (4) افتتحت كلامها بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه (5) ثم قالت:


= (45) من باب كتب أمير المؤمنين من نهج البلاغة - من ابن أبي الحديد: 16، ص 268 209.

 أو يراجع إلى ما أورده المجلسي في الباب: (11) من القسم الاول من ثامن البحار: ص 91 - 131.

 أو يراجع ما أورده الاميني في الغدير: ج 8 ص 19، وج 137 8 - 138.

 (1) لاثت الخمار تلوثه لوثا - على زقة قالت وبابه - أدراته، والجلباب: الثوب الواسع.

 اللسان.

 (2) ومثله في الرواية الاولى من رواية أبي الفضل أحمد بن أبي طاهر، في كتاب بلاغات النساء غير أن فيها: " ما تخرم من مشية رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا... ".

 واللمة - بضم اللام من اللمم -: الصاحب والاصحاب.

 والمونس للجمع والواحد.

 وذكره ابن الاثير في مادة: " لمه " من كتاب النهاية قال: في حديث فاطمة: " إنها خرجت في لمة من نسائها تتوطأ ذيلها إلى أبي بكر فعاتبته " أي في جماعة من نسائها.

 والحفدة - بالتحريك -: الاعوان الخرم مشيتها مشية رسول الله: ما تنقص عنها.

 (3) والحشد - بفتح أوله وسكون الشين، وقد يحرك -: الجماعة.

 ونيطت: ضربت وعلقت.

 والملاءة - بالضم والمد - الريطة والازار.

 والربطة - بالفتح -: الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن لفقين.

 وأنت - على زنة فرت وبابه -: تأوهت.

 بمعنى هنيهة، تصغير هنة، وهذا القياس في التصغير.

 اللسان.

 هو.

 (4) وافتتاحها صلوات الله عليها كلامها بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على أبيها صلوات الله عليه، مذكور في غير واحد من مصادر الكلام منها كتاب بلاغات النساة لابن طيفور المتوفى عام: (280).

 ومنها كتاب الاحتجاج - للطبرسي من أعلام القرن (6).

 ومنها كتاب السقيفة لابي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي المتوفى (323).

 ومنها سيرة أم الائمة فاطمة سلام الله عليها من كتاب كشف الغمة - نقلا عن كتاب السقيفة -: ج 2 ص 480.

 


[ 158 ]

(لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) (1).

 فأن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم، وأخا ابن عمي (2) دون رجالكم، فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة، بالغا بالرسالة مائلا عن سنن المشركين، ضاربا لثبجهم (3)، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، آخذا بأكظام المشركين، يهشم الاصنام ويفلق الهام (4) حتى انهزم الجمع وولوا الدبر، حتى تفرى الليل عن صبحه، وأسفر الحق عن حمضه (5)، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشيطان (6)، وتمت كلمة الاخلاص، (وكنتم على شفا حفرة من النار) (7) نهزة الطامع، ومذقة الشارب، وقبسة


(1) ما بين النجمتين اقتبسها صلوات الله عليها من الآية: (128) من سورة التوبة.

 (2) كذا في أصلي ومثله في الحديث الاول من كلم الزهراء سلام الله عليه من كتاب بلاغات النساء، وفي كثير من المصادر: " فإ تعزوه... " وهو من باب دعا ورمى وعلى زنتها: تنسبوه.

 واتخاذ رسول الله صلى الله وآله وسلم عليا أخا له، من محكمات تاريخ الاسلام، وقد أثبت صلى الله عليه وآله وسلم أخوته لعلي قبل ما يواخي بين المهاجرين والانصار في يوم الدار، وقد افتخر به علي عليه السلام في مقامات كثيرة، من أراد علم ذلك فعليه بمراجعة ما ورد حول المواخاة بين المهاجرين والانصار من كتب التاريخ والحديث، وقصة يوم الدار، في الحديث: (133) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 1، ص 97 وتواليها، ط 2.

 (3) كذا في أصلي، وفي بلاغات النساء: " مائلا عن مدرجة المشركين، ضاربا لثبجهم آخذا بكظمهم، يهشم الاصنام، وينكت الهام، حتى هزم الجمع وولو الدبر... ".

 والسنن - محركة -: الطريقة.

 والمدرج والمدرجة: المذهب والمسلك.

 والثبج - محركا -: وسط الشئ.

 ويهشم - على زنة يضرب وبابه -: يكسر.

 وينكت - بالمثناة الفوقانية من باب نصر -: يلقيه ويطرحه.

 وبالمثلث الفوقانية - على زنة ضرب ونصر: تنقض وتشعث.

 وفي بعض نسخ الاحتجاج - على ما رواه المجلسي رفع الله مقامه -: " ينكس " يقلب.

 (4) الاكظام: جمع كظم وهو مخرج النفس.

 ويهشم الاصنام: يبالغ في هشمها أي كسرها.

 والهام: جمع الهامة: الرأس.

 (5) تفرى: تشقق.

 وأسفر الحق: أضاء وأشرق.

 ومحض الشي: خالصه.

 (6) في بعض المصادر: " الشياطين "، وخرست: على زنة علمت - وقفت وسكنت.

 والشقاشق: جمع الشقشقة القول فيه كذت: والمراد منه هنا تكلم الشياطين بملا أفواههم بجرأة وشهامة، ويعبر عنه في لسان الفرس ب‍ " جه جه ".

 (7) اقتباس من الآية: (103) من سورة آل عمران: 3.

 


[ 159 ]

العجلان وموطئ الاقدام (1) تشربون الطرق، وتقتاتون القد، أذلة خاسئين (2) [ تخافون أن ] يخطفكم الناس) [ 26 / الانفال: 8 ] من حولكم، حتى أنقذكم الله برسوله صلى الله عليه بعد اللتيا واللتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) (3)، أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت فاغرة للمشركين، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويطفئ عادية لهبها بسيفه - أو قالت - ويخمد لبها بحده (4) مكدودا في ذات الله، وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون (5).

 حتى إذا اختار الله لنبيه صلى الله عليه دار أنبيائه ظهرت حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الاقلين وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم (6) وأطلع الشيطان رأسه صارخا بكم، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين،


(1) نهزة الطامع: اسم للشئ المعرض لك كالغنيمة.

 المذقة: الشربة من اللبن المخلوط بالماء: اللسان، وفي القول تشبيه.

 (2) وفي بلاغات النساء: " وتقتاتون الورق أذلة خاشعين ؟ ".

 الطرق: ماء الذي خاضته الابل وبالت فيه.

 وتقتاتون: تأكلوا.

 وهو من قات فلان الشئ - من باب قال -: جعله قوتا له.

 والقد - على زنة ضد -: القطعة التي تتخذ من جلد غير مدبوغ.

 وأذلة: جمع ذليل.

 وخاسئين: مبعدين - عن الخيرات - مطرودين.

 (3) ما بين النجمتين اقتباس من الآية (64) من سورة المائدة.

 ومني: ابتلي.

 وبهم - على زنة صرد -: جمع بهمة - على زنة زهرة -: الشجاع الذي يستبهم مأتاه على أقرانه.

 وذؤبان: جمع ذئب.

 ومردة: جمع مارد.

 (4) نجم: ظهر وطلع.

 وفغرت: فتحت.

 وفاغرة المشركين: عاديتهم.

 واللهوات: جمع لهاة: اللحمة بأقصى الفم.

 فلا ينكفئ: فلا يرجع.

 والصماخ: فتحة الباطنة للاذن.

 وأخمص القدم: ما لا يصيب الارض من باطنه.

 (5) ومثله في الطريق الاول من رواية المرزباني المذكورة في كتاب الشافي ج 74 ط بيروت، غير أن فيه: " وأنتم في رفاهية " وهما بمعنى واحد، يقال: رفه العيش - على زنة نصر وبابه - رفاها ورفاهية ورفاهة: لان وطاب.

 ومكدودا: تعبانا وفكهون: متنعمون.

 ووادعون: مستريحون.

 وفي الطريق الاول من كتاب بلاغات النساء: " وأنتم في بلهية وادعون آمنون " وفي كشف الغمة برواية الجوهري: وأنتم في رفهية ورفهية وادعون آمنون.

 (6) وفي الطريق الاول من كتاب بلاغات النساء: " حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه ظهرت خلة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفلين، وهدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم... ".

 = 


[ 160 ]

وللغرة ملاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خفافا وأحمشكم (1) فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، وأوردتم غير شربكم، هذا والعهد قريب والكلم رحيب، والجرح لما يندمل.

 أبتذرا زعمتم (2) خرف الفتنة ؟ (ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) (3) فهيهات فيكم، وأنى بكم، وأنى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، زواجره بينة، وشواهده لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون ؟ أم بغيره تحكمون ؟ (بئس للظالمين بدلا) (4) (ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) (5) ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها تشربون حسوا في ارتغاء، ونصبر منكم على مثل حز المدى (6) وأنتم الآن تزعمون [ أن ] لا إرث لنا (أفمجم الجاهلية يبغون ومن أحسن من


= وفي كشف الغمة نقلا عن سقيفة الجوهري: " فلما اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم دار انبيائه وأتم عليه ما وعده ظهرت حسيكة النفاق، وسمل جلباب الاسلام، فنطق كاظم ونبغ خامل، وهدر فنيق الكفر يخطر في عرصاتكم... " ومما يشهد على صدقها صلوات الله عليها في خصوص المقام، كلام أم المؤمنين عائشة في تأبين أبيها على ما رواه عنها ابن طيفور في اول بلاعات النساء ص 7 قالت: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب الشيطان برواقه وشد طنبه ونصب حبائله وأجلب خيله ورجله... وأيضا قالت - كما في ص 14: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها ! ! اشرأب النفاق بالمدينة وارتدت العرب... والحديث الاول رواه ايضا عنها الطبراني في آخر مسند عائشة تحت الرقم (300) من المعجم الكبير 23 / 184.

 والفنيق - على زنة شريف -: الفحل المكرم لا يؤذي ولا يركب لكرامته.

 وألفاكم: وجدكم.

 (1) وأحمشكم: جعلكم تغضبون، ومن معانيها: ساقكم بغضب.

 اللسان.

 (2) قال محقق طبعة مصر وفي المصورة: أبماذا زعمتم، وفي المخطوطة أنازعتم.

 والتصويب من بلاغات النساء ص 18.

 أقول: وفي المطبوعة منها، ص 25: إنما زعمتم خوف الفتنة وفي الشافي: إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة.

 (3) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (49) من سورة التوبة.

 (4) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (50) من سورة الكهف.

 (5) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (75) من سورة آل عمران: 3.

 (6) كذا في أصلي، وفي كتاب بلاغات النساء: تشربون حسوا وتسرون في ارتغاء... وفي الشافي وشرح ابن أبي الحديد: " تسرون حسوا في ارتغاء... " وهذا مثل يضرب لمن يظهر أمرا ويبطن غيره.

 والحسو - على زنة الضرب -: الشرب شيئا فشيئا.

 والارتغاء: شرب الرغوة وهي ما يطفو فوق اللبن


[ 161 ]

الله حكما لقوم يوقنون) (1).

 إيهأمعشر المسلمة المهاجرة، أأبتز إرث أبيه ؟ أبى الله في الكتاب يابن [ أبي ] قحافة، أن ترث أباك ولا أرث أبيه (لق جئت شيئا فريا) (2) فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد صلى الله عليه، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون (ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون) (3).

 ثم انكفأت على قبر أبيها (4) صلى الله عليه فقالت: قد كان بعدك أنباء وهنبثة (5) لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها واختل أهلك فاحضرهم ولا تغب (6)


= من الماء المشوب به.

 والحز: القطع.

 والمدى: جمع مدية: السكين.

 (1) ما بين النجمتين هي الآية: (50) من سورة المائدة: 5.

 وبعده في كتاب الشافي: يا ابن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي (لقد جئت شيئا فريا).

 (2) ما بين الجمتين مقتبس من الآية: (27) من سورة مريم وفي شرح ابن أبي الحديد: ج 16، ص 212 - نقلا عن الجوهري في كتاب السقيفة -: ايها معاشر المسلمين [ أ ] أبتز إرث أبي ؟ أبى الله أن ترث يا ابن أبي قحافة أباك ولا أرث أبي (لقد جئت شيئا فريا) فدونكها مخطومة مرحوله تلقاك يوم حشرك... قولها سلام الله عليها: " مخطومة " مأخوذة من الخطام وهو ما يوضع في أنف البعير ليقاد به.

 و " مرحوله " مأخوذة من الرحل وهو للناقة كالسرج للفرس.

 (3) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (67) من سورة الانعام: 6.

 (4) انكفأ: مال.

 (5) وفي شرح ابن أبي الحديد: هينمة.

 وهي الصوت الخفي.

 وقال ابن منظور في مادة: " هنبث " في حرف الثاء من كتاب لسان العرب: والهنبثة: الاختلاط في القول.

 [ و ] يقال: [ هو ] الامر الشديد.

 - والنون زائدة -.

 وفي الحديث: ان فاطمة [ سلام الله عليها ] قالت بعد موت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كان بعدك أنباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد الارض وابلها فاختل قومك فاشهدهم ولا تغب (6) وفي كشف الغمة ذكر هذا المصرع هكذا: " واختل قومك لما غبت وانقلبوا ؟ ".

 ولم يأت المصرعان الثانيان في شرح ابن أبي الحديد، وفيه بعد ذكر المصرعين الاولين هكذا: = 


[ 162 ]

وذكر أنها لما فرغت من كلام أبي بكر والمهاجرين عدلت إلى مجلس الانصار فقالت: يا معشر الفئة ؟ وأعضاد الملة، وحضنة الاسلام، ما هذه الفترة في حقى ؟ والسنة في ظلامتي ؟ أما كان لرسول الله صلى الله عليه أن يحفظ في ولده ؟ لسرع ما أحدثتم ! وعجلان ذا إهالة (1) أتقولون: مات محمد صلى الله عليه ؟ فخطب جليل استوسع وهنه، واستنهر (7) فتقه وفقد راتقه، وأظلمة الارض لغيبته، واكتأبت خيرة الله لمصيبته، وخشعت الجبال وأكدت الآمال (2) وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته صلى الله عليه، وتلك نازلة [ أ ] علن بها كتاب الله في أفنيتكم في ممساكم ومصبحكم تهتف في أسماعكم ولقبله ما حلت


= أبدت رجال لنا نجوى صدورهم لما قضيت وحالت دونك الكثب تجهمتنا رجال واستخف بنا إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب قال [ الراوي ]: ولم ير الناس أكثر باك ولا باكية منهم بومئد ؟ ! ثم عدلت إلى مسجد الانصار ؟ فقالت: يا معشر البقية ؟ وأعضاد الملة أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " المرء يحفظ في ولده " سرعان ما أحدثم....

 (1) والمستفاد من شرح المجلسي رفع الله مقامه انه كان في نسخة من كتاب الاحتجاج: " يا معشر الفتية " وفي المطبوع الذي عندي من الاحتجاج: " يا معشر النقيبة " ولعله الصواب.

 وفي كشف الغمة وشرح ابن أبي الحديد: أما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " المرء يحفظ في ولده ".

 وذكر الفيروز آبادي في مادة " سرع " من كتاب القاموس ونسوقه ممزوجا بلفظ تاج العروس ج 5 ص 377 - ما لفظه: و " سرعان " يستعمل خبرا محضا، وخبرا فيه معنى التعجب، ومنه قولهم: لسرعان ما صنعت كذا أي ما أسرع.

 وأما قولهم في المثل: " سرعان ذا هالة " فأصله أن رجلا كانت له نعجة عجفاء ورعامها يسيل من منخريها لهزالها فقيل له: ما هذا الذي يسيل ؟ فقال: ودكها.

 فقال السائل ذلك القول.

 والاهالة: اسم للشحم والودك أو ما أذيب منه أو من الزيت.

 وكل ما أوتدم من الادهان كزبد وشحم ودهن سمسم.

 ونصب " إهالة " على الحال، وذا إشارة إلى الرعام أي سرع هذا الرعام حال كونه إهالة.

 أو هو تمييز على تقدير نقل الفعل ؟ كقولهم: تصبب زيد عرقا، والتقدير: سرعان إهالة هذه ؟ يضرب مثلا لمن يخبر بكينونه لشئ قبل وقته.

 (2) الخطب: الامر.

 الوهي - على زنة الرمي - الشق والهرق.

 واستوسع: اتسع.

 واستنهر: اتسع اتساع النهر، والفتق: الشق، والرتق: ضده.

 والاكتئاب من الكآبة بمعنى الحزن.

 وأكدت الآمال: بخلت أو قل خيرها.

 


[ 163 ]

بأنبياء الله ورسله صلى الله عليهم - (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) [ 144 / آل عمران: 3 ].

 إيها بني قيلة (1) أأهتضم تراث أبيه وأنتم بمرأى مني ومسمع ؟ تلبسكم الدعوة، وتشملكم الحيرة، وفيكم العدد والعدة و، ولكم الدار، وعندكم الجنن (2)، وأنتم الالى بنخبة الله التي انتخب لدينه، وأنصار رسوله صلى الله عليه، وأهل الاسلام والخيرة التي اختار الله لنا أهل البيت فنابذتم العرب، وناهضتم الامم، وكافحتم البهم، لانبرح نأمركم فتأتمرون، حتى دارت لكم بنا رحا الاسلام، ودر حلب الايام وخضعت نعرة الشرك، وخمدت نيران الحرب، وهدأت دعوة الهرج واستوسق نظام الدين (3)، فأنى حرتم بعد البيان، ونكصتم بعد الاقدام، وأسررتم بعد التبيان، لقوم نكثوا أيمانهم أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (4).

 ألا قد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وركنتم إلى الدعة، فعجتم عن الدين، ومججتم الذي وعيتم، ولفظتم الذي سوغتم (إن تكفروا أنتم ومن في بالارض جميع فإن الله لغني حميد) (5).

 ألا وقد قلت الذي قلته على معرفة مني بالخذلان الذي خامر صدوركم (6)، واستشعرته قلوبكم، ولكن قلته فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وبثة الصدر، ومعذرة الحجة فدونكموها


(1) قيلة: هي قيلة بنت كاهل، أم الاوس والخزرج.

 أأهتضم: أأظلم ويكسر علي حقي.

 والتراث: الميراث وأصل التاء فيه واو.

 (2) وقريب منه جدا في بلاغات النساء وكشف الغمة.

 وفي شرح ابن أبي الحديد " تبلغكم الدعوة ويشملكم الصوت " قال المجلسي رحمه الله: تلبسكم - على بناء المجرد -: تغطيكم وتحيط بكم والدعوة المرة من الدعاء أي الناء كالخبرة - بالفتح - من الخبر - بالضم بمعنى العلم، والجنن: جمع جنة، وهي الدرع.

 (3) والهرج: الفتنة والختلاط.

 واستوسق: اجتمع وانضم.

 (4) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (13) من سورة التوبة.

 (5) ما بين النجمتين مقتبس من الآية (7) من سورة إبراهيم.

 (6) خامر صدوركم: خالط صدوركم واستشعر قلوبكم أي صار لقلوبكم، كالشعار أي الثوب 


[ 164 ]

فاحتقبوها مدبرة الظهر، ناقبة الخف، باقية العار موسومة بشنار الابد (1) موصولة بنار الله الموقدة (التي تطلع على الافئدة) (2) فبعين الله ما تفعلون (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، ف‍ (اعملوا إنا عاملون، وانتظروا إنا منتظرون) (3) ].

 [ قالوا: (4) لما مرضت فاطمة عليها السلام دخل النساء عليها وقلن: كيف أصبحت


= الملاصق للبدن.

 والفيض في الاصل: كثرة الماء وسيلانه، وفاض صدر فلان بالسر: باح به وظهره، والمراد به هاهنا إظهار المضمر في النفس لا إستيلاء الهم وغلبة الحزن، وامتلائها بالفيض بحيث لا تسع النفس من تحمله فيسيل عنها قهرا كما يفيض الماء عن الاناء إذا ورد عليه فوق ظرفيته.

 والنفث بالضم شبيه بالنفخ، وقد يكون للمغتاظ تنفس عال تسكينا لحر القلب وأطفاءا لنائرة الغضب.

 والبث اظهار الشئ وإذاعته.

 (1) كذا في أكثر ما وصلنا من مصادر الخطبة المباركة، ولكن في شرح ابن أبي الحديد على المختار: (45) من الباب الثاني من نهج البلاغة: ج 16، ص 213: " فدونكموها فاحتووها مدبرة الظهر، ناقبة الخف باقية العار، موسومة الشعار ؟ ".

 والحقب - بالتحريك -: حبل يشد به الرحل، يقال: احتقبت البعير: شددته به.

 وكلما شد في مؤخر رحل أو قتب فقد احتقب.

 والدبر - بالتحريك -: الجرح في ظهر الدابة.

 والنقب - بالتحريك -: رقة خف البعير.

 والشنار: العار.

 (2) ما بين النجمتين مقتبس من الآية: (121) من سورة هود: 11: (4) وهذه القصة رواها أيضا جماعة مسندة وجماعة بنحو الارسال، فرواها أحمد بن طيفور المتوفى (280) في المختار الثالث مما اختاره من كلام أم الائمة في كتاب بلاغات النساء، ص 32 قال: وحدثني هارون بن مسلم بن سعدان، عن الحسن بن علوان، عن عطية العوفي قال: لما مرضت فاطمة.

 ورواه الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين المتوفى (381) بسندين في الباب: (218) من كتاب معاني الاخبار، ص 354.

 ورواه بسند آخر أحمد بن عبد العزيز الجوهري المتوفي سنة (323) كما في كتاب الاوراق ص 64 في أخبار الراضي.

 ورواه عنه ابن أبي الحديد المتوفى (656) في شرحه على نهج البلاغة: 16، ص 233 وعلي بن عيسى المتوفى (692) في كشف الغمة ج 1 / 492.

 ورواه أيضا محمد بن الحسن الطوسي المتوفى (460) في الحديث: (55) من الجزء (13) من أماليه: ج 51 ص 374.

 


[ 165 ]

من علتك يابنة رسول الله ؟ قالت: أصبحت والله عائفة لدنياكم، قالية لرجالكم، لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد، وخطل الرأي (1) (ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون) (2).

 لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وشنت عليهم غارتها فجدعا وعقرا وبعدا للقم الظالمين.

 (3)


(1) كذا في الاصل، ومثله في كتاب بلاغات النساء، ومعاني الاخبار، وشرح نهج البلاغة ج 16، ص 233 وكشف الغمة: ج 1، ص 492، وفي تاريخ اليعقوبي وأمالي الطوسي: " أصبحت والله عائفة لدنياكن قالية لرجالكن ".

 قال حمد بن علي الفقيه صاحب معاني الاخبار: سألت أبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري عن معنى هذا الحديث فقال: أما قولها صلوات الله عليها: " عائفة " فالعائفة: الكارهة، يقال: عفت الشي أعافه [ على زنة خفت وبابه - عيفا وعيافا وعيفانا ] إذا كراهة.

 والقالية: المبغضة، يقال: قليت فلانا [ وقوله - على زنة رميت ودعوت وبابهاما ] إذا أبغضته، قال الله تبارك وتعالى: (ما ودعك ربك وما قلى) [ 3 / الضحى ].

 لفظتهم: [ طرحتهم.

 واللفظ ] هو طرح الشئ من الفم كراهة له، تقول: " عضضت على الطعام ثم لفظته " إذا رميت به من فمك.

 وقولها [ سلام الله عليها ]: " بعد أن عجمتهم " إذا عض [ أي بعد أن جربتهم ] يقال: عجمت الشئ أي عضضت عليه [ لمعرفة صلابته ] و " عود معجوم " إذا عض [ عليه لعرفان أنه صلب أم لا ].

 وشنأنهم [ على زنة علم ومنع وبابهما ]: أبغضتهم.

 والاسم منه " الشنأن " [ على زنة رمضان ].

 وقولها [ صلوات الله عليها ] " سبرتهم " أي امتحنتهم، يقال: سبرت الرجل: اختبرته وخبرته.

 وقولها [ سلام الله عليها ] " فقبحا لفلول الحد " يقال: سيف مفلول: انثلم حده وكسر، والخور: الضعف.

 والخل: الاضطراب.

 (2) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (80) من سورة المائدة: 5.

 (3) قال محقق الطبعة المصرية: وفي مصورة الكتاب: " شننت عليهم عارها " أقول: ومثل ما ذكره محقق الطبعة المصرية في كتاب معاني الاخبار،: " وشننت عليهم عارها ".

 وقولها صلوات الله عليها: " قلدتهم ربقتها " من قولهم: قلده القلادة: جعلها في عنقه.

 وقلد البعير: جعل في عنقه حبلا يقاد به.

 والربقة: ما يعلق في عنق الغنم وغيره من الخيوط، والجمع الربق.

 والضمير في " ربقتها " راجع إلى الفدك، أو حقوق أهل البيت وشننت - على زنة مددت وبابه -: صببت.

 يقال: شننت الماء وشننته - على زنة مددته مدا ومددت تمديدا -: صببته.

 والجدع: قطع الانف أو الاذن أو الشفة.

 والعقر - بالفتح فسكون -: القتل والهلاك.

 


[ 166 ]

ويحهم أن زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الروح الامين، والطبن (1) بأمر الدنيا والدين (ألا ذلك هو الخهسران المبين) (2).

 ما الذي نقموا من أبي الحسن ؟ نقموا والله نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته وتنمره في لذات الله (3) وتالله لو تكافوا عن زمام نبذه إليه رسول الله صلى الله عليه لا عتقله (4) ولسار بهم سجحا لا يكلم خشاشه (5) ولا يتعتع راكبه ولا وردهم منهلا رويا فضفاضا، تطفح ضفتاه (6) ولاصدرهم بطانا، وقد تحيز بهم الري، غير مستحل منه بطائل، إلا بغمر


(1) كذا في أصلي غير أن محققه قال: كان في المصورة [ أي مصور نسخته ]: " والطبين " بدون نقط.

 أقول: ومثل المثورة في شرح ابن أبي احديد.

 وفي معاني الاخبار: " ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الامين والطبين بأمر الدنيا والدين ".

 وفي أمالي الشيخ: ويحهم أنى زحزحوها عن أبي الحسن... فإنه قواعد الرسالة ورواسي النبوة ومهبط الروح الامين والطبين... أو قول: الظاهر من سياق الكلام أن الطبين بمعنى العلم، ولكن لم أجد فيها عندي منكتب اللغة تفسير الطبين بمعنى العليم، نعم ذكروا أن الطبن - على زنة الفرح - بمعنى العالم الفطن الحاذق.

 (2) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (15) من سورة الزمر.

 (3) وفي المطبوع من كتاب بلاغات النساء: وبالله لو تكافئوا على زمام نبذه [ إليه ] رسول الله.

 يقال: نقم زيد الامر على فلان - على زنة علم وضرب وبابهما -: أنكره عليه.

 كرهه أشد كراهة.

 وساق الكلام مساق كلام الشاعر في قوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وتنمره: تحمسه وغضبه في ذات الله.

 والوطأة - كضربة -: الاخذة الشديدة.

 (4) كذا في أصلي، ولعله من قولهم: اعتقل الرمح: وضعه بين ركابه وساقه.

 ولكن في جميع المصادر الموجودة عندي: " لا عتقه... " قال العلامة المجلسي: ولعله بمعنى تعلق به.

 وتكافروا: كف بعضهم بعضا.

 (5) السجح - بضمتين - اللين السهل.

 ولا يكلم: لا يجرح.

 والخشاش بكسر الخاء: ما يجعل في أنف البعير ويشد به الزمام، ولا يتعتع: لا يقلق.

 (6) كذا في أصلي.

 وفي غيره من المصادر: " منهلا نميرا... " والمنهل: محل ورود الماء من العين أو الشط أو غيرهما.

 والروي: كثير الرواء.

 والنمير: النافع.

 فضفاضا: واسعا.

 تطفح: تمتلأ حتى تفيض.

 ضفتاه: جانباه.

 


[ 167 ]

الناهل، أو دعة سورة الساغب (1)، ولفتحت عليهم بركات من السماء، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

 ألا هلم فاستمع ؟ وما عشت أراك الدهر عجبا وإن تعجب فعجب لحادث ؟ إلى أي ملجأ لجئوا واستندوا ؟ [ واسندوا " خ " ] وبأي عروة تمسكوا ؟ (2) (لبئس المولى ولبئس العشير) (3).

 


(1) قال محقق الطبعة المصرية من كتاب نثر الدر: وفي المصورة [ من أصلي ]: " غير منحل منه يطائل إلا تغمر... " ؟ والتحيز: سير الابل برفق والمراء سار بهم في هوادة إلى منهلهم.

 أقول وفي بلاغات النساء ص 24: أورد عنه سورة الساغب، والمراد: تسكين حدة السغب.

 وفي معاني الاخبار: " قد تخير لهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة الساغب... " وفي ط قم من كتاب كشف الغمة: ج 1، ص 493: " ولاصدرهم بطانا قد تخير بهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة الساغب ؟ " قال محققه: في الهامش [ من أصلي ]: التختر: التقتر والاسترخاء والكسل، يقال: شرب اللبن حتى تختر.

 وقال الجوهري: قولهم: " لم يحل منها بطائل " أي لم يستفد منها كثير فائدة.

 والتحلي: التزيين.

 والطائل: الغناء والمزية والسعة والفضل.

 والتغمر هو الشرب دون الري.

 مأخوذ من الغمر - بضم الغين وفتح الميم -: وهو القدح الصغير.

 وحاصل المعنى أنه لو منه كل منهم الآخرين عن الزامام الذي نبذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليه، وهو تولي أمر الامة لتعلق به أمير المؤمنين عليه السلام وأخذه محبا له، ولسلك بهم طريق الحق من غير أن يترك شيئا من أوامر الله أو يتعدى حدا من حدو الله، ومن غير أن يشق على الامة ويكلفهم فوق طاقبهم ووسعهم ولفازوا بالعيش الرغيد في الدنيا والآخرة ولم يكن هو ينتفع من دنياهم وما يتولى من أمرهم إلا بقدر البلغة وسد الخلة.

 (2) وفي بلاغات النساء: الا هلمن فاسمعن وما عشتن أراكن الدهر عجبا ؟ إلي أي لجأ لجأوا واستندوا ؟... وفي معاني الاخبار: ألا هلم فاسمع ؟ وما عشت أراك الدهر العجب ؟ وإن تعجت وقد أعجبك الحادث... وفي شرح ابن أبي الحديد: ألا هلم فاستمع ؟ وما عشت أراك الدهر عجبه ؟ وإن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي لجأ استندوا... (3) ما بين النجمتين مقتبس من الآية: (13) من سورة الحج.

 


[ 168 ]

استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغما لمعاطس (1) قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) (2) ويحهم (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) (3).

 أما لعمر إلهك لقد لقحت، فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا وذافا مقرا (4) فهنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسسه الاولون ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا ؟ وطامنوا لفتنة جأشا (5) فيا حسرة بكم وقد عميت عليكم (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (7) ].

 


(1) الذنابى: أربع ريشات للطائر بع الخوافي وهو ما يلي الذنب من الجناح.

 والقوادم: ما تقدم منه.

 و " العجز " معروف.

 والمعاطس - جمع المعطس عى زنة مرهم ومجلس -: الانوف.

 (2) ما بين لنجمتين اقتباس من الآية: (12) من سورة البقرة: 2.

 (3) ما بين النجمتين أقتبسته صلوات الله عليها من الآية: (35) من سورة يونس.

 (4) لقحت - على زنة علمت -: حملت.

 وفاعل " لقحت " فعلتهم أو فعالهم أو الفتنة.

 والنظرة - بفتح النون وكسر الظاء - التأخير.

 واسم يقوم مقام الانظار.

 وهي إما مرفوع بالخبرية والمبتدأ محذوف كما في قوله تعالى في الآية: (390) من سورة البقرة: (فنظرة إلي ميسرة) أي فالواجب نظرة إلى ميسرة أو نحو ذلك.

 وأما منصوب بالمصدرية أي انتظروا أو انظروا نظرة قليلة.

 وهذا مختار أبي أحمد العسكري والصدوق.

 وريثما تنتج: قدر ما تنتج.

 واحتلبوا: احلبوا اللبن [ أي لبن تخاذلكم وفتنتكم ] واستدروه وطلاع القعب: ملؤه.

 والقعب: العس والقدح من الخشب يروي الرجل.

 أو هو القدح الكبير.

 والعبيط: الطري.

 والذعاف - بالذال المعجمة والزاى المعجمة أيضا على زنة عذاب -: السم الذي يقتل سريعا.

 قال المجلسي رفعا الله مقامه: ويحتمل أن تكون اللفظة " الزعاق " - بالقاف في آخرها، لا بالفاء - بمعنى الماء الذي لا يطاق شربه، وهو أنسب بقولها صلوات الله عليها: " ممقرا " - أي مرا.

 (5) غب كل شئ: عاقبته.

 و " نفسا " منصوب على التميز.

 و " الجأش " - على زنة الوحش -: القلب أي أجعلوا قلبكم مطمئنة لنزول الفتنة عليكم.

 (6) الصارم: القاطع.

 والهرج: الفتنة.

 والاستبداد بالشئ: التفرد به.

 والفئ: الغنيمة والخراج وما حصل للمسلمين من أموال الكفار بلا حرب.

 والزهيد: القليل.

 والحصديد: المحصود.

 (7) ما بين النجمتين اقتباس من الآية: (28) من سورة هود.

 ثم انا أشرنا إلى أن الخطبة المباركة رواها جماعة مسندة، وأحبنا هاهنا أن نذكر سندين لها، فنقول قال الصدوق - بعدما ساق الخطبة بسند في معاني الخبار، ص 354 -: وحدثنا بهذا الحديث


[ 169 ]

ومن ألفاظها رضي الله عنها: وما زالوا حتى استبدلوا الذنابي بالقوادم والعجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ! ! لفظتهم بعد أن أعجمتهم ؟ وشنأتهم [ ظ ] بعد أن خلط الرأي ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم - في كلام كثير اختصرناه - ثم قامت [ سلام الله عليها ] وانصرفت ؟ [ قال الباعوني: ] نقلت ذلك من [ كتاب ] نثر الدر.

 


= [ أيضا ] أبي الحسن علي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني ؟ قال: أخبرنا أبو عبد الله جعفر بن محمد بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام، قال: حدثني محمد بن علي الهاشمي قال: حدثا عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه لسلام قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب عليه لسلام قال: فلما اشتدت علتها [ أي فاطمة ] اجتمع إليها نساء المهاجرين والانصار فقلن: كيف أصبحت يا بنت رسول الله من علتك ؟ فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكم....