جواهر المطالب

في مناقب الإمام علي بن أبي طالب (ع)

ابن الدمشقي ج 1


[ 1 ]

جواهر المطالب

في مناقب الامام علي بن ابي طالب عليه السلام

تأليف

شمس الدين ابي البركات محمد بن احمد الدمشقي الباعوني الشافعي

المتوفى سنة 871 هـ

الجزء الاول

تحقيق المحقق الخبير العلامة الشيخ محمد باقر المحمودي

مجمع إحياء الثقافة الاسلامية (12)


[ 2 ]

هوية الكتاب:

إسم الكتاب: جواهر المطالب في مناقب الامام الجليل علي بن أبي طالب عليه السلام - ج 1.

تأليف: محمد بن أحمد بن ناصر الدمشقي الباعوني الشافعي.

تحقيق: العلامة الخبير الشيخ محمد باقر المحمودي.

الاخراج الفني: فارس حسون كريم ومحمد آغا اوغلو.

الناشر: مجمع إحياء الثقافة الاسلامية

الطبعة: الاولى 1415 ه‍. ق

المطبعة: دانش.

العدد 2000 نسخة.

 

 

جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة لمجمع إحياء الثقافة الاسلامية ايران - قم المقدسة

ص - ب - 3677 / 37185 تلفون 730981


[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم


[ 5 ]

الباب الواحد والخمسون

في خلافته (عليه السلام) وما اتفق فيها وصورة ما وقع

أجمع المؤرخون أن عثمان لما قتل أقبل الناس يهرعون إلى علي رضي الله عنه وتراكمت الناس في طلب البيعة (1) فدخل بيته وأصفق عليه بابه / 69 / ب / وامتنع من الاجابة وقال: إنما انا امرؤ من المسلمين من رضيتموه بايعته ورضيته.

 فأخرجوه من بيته فقبض يده فبسطوها وقالوا له: الله الله في أمة محمد (ص).

 فقال: ليس ذلك إليكم إنما ذلك لاهل بدر.

 فأقبل أهل بدر إليه ليبايعوه فقال: أين طلحة والزبير وسعد ؟ فأقبلوا وبايعوه ثم بايعه المهاجرون والانصار ولم يتخلف عنه أحد ممن هو حاضر بالمدينة وذلك يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وكان أول من بايعه طلحة وكانت إصبعه شلاء فنظر إليها وقال: ما أخلقه أن ينكث ؟ ! فكان كما قال (2).

 


(1) وقريبا منه رواه ابن عبد ربه المتوفى سنة: " 328 " في عنوان: " خلافة علي بن أبي طالب " من كتاب العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 57 طبعة لبنان، ولكن تعبير: " أجمع المؤرخون " غير موجود فيه، وفيه: " فتراكمت عليه الجماعة في البيعة... ".

 وليلاحظ الحديث: " 250 و 252 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 205 - 206 ط 1 (2) كذا في أصلي، وفي كتاب العقد الفريد: " فتطير منها علي وقال: " ما أخلقه أن ينكث " فكان كما قال علي رضي الله عنه.

 ولكن في الحديث المتقدم الذكر من أنساب الاشراف: " فبصر بها اعرابي - حين بايع - فقال: ابتدأ هذا الامر أشل لايتم ".

 


[ 6 ]


وفي رواية الطبري: " فنظر حبيب بن ذويب إلى طلحة حين بايع فقال: أول من بدأ بالبيعة يد شلاء، لا يتم هذا الامر " كما في أول خلافة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ الطبري: ج 4 ص 824 ط مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

 


[ 7 ]

الباب الثاني والخمسون

في نكث طلحة والزبير بيعته عليه السلام

قال أبو اليقظان: خرج طلحة والزبير بعد أن بايعا عليا عليه السلام مغاضبين له حتى لحقا بعائشة بمكة وكانت قد خرجت قبل مقتل عثمان إلى مكة فلحقا بها واجتمع من انضم إليهم من بني أمية وحرضوا عائشة على الخروج والطلب بدم عثمان، فاعتذرت إليهم بقلة ذات اليد فقال يعلى بن منية: عندي أربع مائة ألف مساعد وخمس مائة فارس أجهزها لكم.

 - وكان عثمان على اليمن -.

 وقال عبد الله بن عامر - وكان عامله (أي عثمان) على البصرة -: عندي ألف ألف درهم ومائة من الابل وأشار إليهم بالبصرة.

 ثم نادى المنادي بالتحريض والطلب بدم عثمان فاجتمع لهم ألف منهم ست مائة على النوق والباقي على الخيل.

 ووهب يعلى بن منية لعائشة الجمل وكان اسمه عسكر.

 فلما قدم طلحة والزبير بن العوام وعائشة (البصرة) تلقاهم الناس بأعلى " المربد " (وازدحموا) حتى لو رمي بحجر لما وقع إلا على رأس إنسان (فتكلم) طلحة وعائشة وكثر اللغط فجعل طلحة يقول: أيها الناس انصتوا فجعلوا يرهجون ولا ينصتون (1) فقال: أف أف فراش نار وذباب (طمع.

 وكان عثمان بن حنيف الانصاري عامل علي بن أبي طالب على البصرة فخرج إليهم في رجاله ومن معه فتواقفوا حتى) زالت الشمس (2) ثم اصطفوا وكتبوا بينهم كتابا


(1) كذا في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي: " فجعلوا يركبونه ولا ينصتون ".

 يرهجون: يهيج بعضهم بعضا.

 (2) ما بين المعقوفات أخذناه مما ذكره ابن عبد ربه في عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في 


[ 8 ]

أن يكفوا عن القتال حتى يقدم علي بن أبي طالب ولعثمان دار الامارة والمسجد وبيت المال فكفوا عنه.

 


الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 60.

 وقريبا منه أورده أيضا البلاذري في الحديث: " 284 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 226 ط 1، قال: وأقبل طلحة والزبير حتى دخلوا " المربد " مما يلي بني سليم.

 وجاء أهل البصرة مع عثمان (بن حنيف الانصاري والي البصرة) ركبانا ومشاة)، وخطب طلحة فقال... 


[ 9 ]

الباب الثالث والخمسون

في (ذكر) وقعة الجمل وما كان فيها وما آلت إليه مختصرا

قال (أبو اليقضان): لما اجتمع الناس (على عائشة وطلحة والزبير) - على ما تقدم ذكره - خطبت عائشة وقد سمعت لغطا بعسكرها فقالت: (أيها الناس صه صه) إن لي عليكم حق الامومة و (حق) الموعظة ؟ ! لا يتهمني إلا من عصى ربه، مات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين سحري ونحري (1) وأنا إحدى نسائه في الجنة ادخرني ربي له (وخلصني من كل بضع) (2) وميز بي بين منافقكم ومؤمنكم وبي أرخص الله لكم الصعيد (3) ثم إن أبي ثالث ثلاثة المؤمنين (4) وثاني اثنين / 70 / ب / في الغار وأول من سمي صديقا مضى رسول الله (ص) راضيا عنه وطوقه (طوق) الامامة ! ! ! ثم اضطرب حبل الدين (بعده) فمسك أبي بطرفيه ورتق به أفياءه


(1) وهذا ذكره أيضا ابن الاثير في مادة: " سحر " من كتاب النهاية، قال: وفي حديث عائشة: " مات رسول الله (ص) بين سحري ونحري " السحر: الرئة أي إنه مات وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي سحرها منه.

 وقيل: السحر: ما لصق بالحلقوم من أعلى البطن.

 (2) جميع ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 61.

 ومثله ذكره أيضا ابن عبد ربه في كتاب الواسطة في الادب من العقد الفريد: ج 4 ص 187، طبعة لبنان، ولكن فيه: " وبي ميز مؤمنكم من منافقكم... ".

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وبي أرخص الله لكم في صعيد الابواء ".

 (4) كذا في أصلي وفي العقد الفريد: " ثم أبي ثاني اثنين الله ثالثهما، وأول من سمي صديقا... ".

 


[ 10 ]

فوق النفاق (وأغاض) نبع الردة وأطفأ ماحش يهود (1) وأنتم يومئذ جحظ العيون تنظرون العدوة وتسمعون الضجة فرأب الثأي وأوذم العطلة وانتاش من الهوة واحتجى دفين الداء حتى أعطن الوارد وأورد الصادر وعل الناهل (2) فقبضه الله (إليه) واطئا على هامات النفاق مذكيا نار الحرب للمشركين فانتظمت طاعتكم بحبله ثم ولى (أمركم) رجلا مرعيا إذا ركن إليه بعيدا ما بين اللابتين (إذا ضل عركة للاذاة بجنبه ؟) (3) يقظان الليل في نصرة الاسلام فسلك مسلك السابقة ففرق شمل الفتنة وجمع أعضاد ما جمع القرآن وأنا نصب المسألة عن مسيري (هذا) لم ألتمس إثما ولم أدلس فتنة أوطئكموها (4) أقول قولي هذا صدقا وعدلا وإنذار وأسأل الله أن يصلي على محمد وأن يخلفكم بأفضل خلافة المرسلين (5).

 وكتبت أم سلمة إلى عائشة لما عزمت على الخروج إلى الجمل: من أم سلمة زوج النبي (ص) إلى عائشة أما بعد فإنني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو (و) اعلمي أنك سدة بين رسول الله (ص) و (بين) أمته وحجاب مضروب على حرمته قد جمع القرآن ذيولك فلا تصحريها ؟ وسكر عقيرتك فلا تندحيها (6) والله من وراء هذه


(1) ومثله في عنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد، وفي كتاب الواسطة في الادب من العقد الفريد: " ورتق لكم فتق النفاق.. ".

 (2) كذا في أصلي، في عنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد، غير أن في أصلي: " وأوذم الغلطة ؟ ".

 وفي كتاب الواسطة في الادب من العقد الفريد: " وأود من الغلظة ؟ وامتاح من الهوة حتى احتجى دفين الداء... ".

 (3) كذا في كتاب الواسطة في الادب، وعنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد، وكلما وضعناه بين المعقوفات فهو منهما، وكان ها هنا ألفاظ نسختي المخطوطة من جواهر المطالب سقيمة جدا.

 (4) كذا في كتاب العقد الفريد، وفي أصلي تصحيف.

 وفي الطبعة الازهرية ج 3 ص 102: عمار بن الحارث السدوسي.

 (5) كذا جاء في العقد الفريد، ولفظه: " خلافة " رسم خطها في أصلي غير جلي.

 (6) هذا هو الظاهر المذكور في غير واحد من المصادر، وفي عنوان: " يوم الجمل " من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 61.

 قد جمع القرآن ذيلك فلا تندحيه، وسكر خفارتك فلا تبتذليها ؟....

 وفي كتاب الواسطة منه: " قد جمع القرآن فلا تندحيه، وسكن عقيرتك فلا 


[ 11 ]

الامة ولو علم رسول الله (ص) أن النساء يحتملن الجهاد لعهد إليهن أما علمت أنه نهاك عن الفراطة في البلاد (1) فإن عمود الدين لا يثبت بالنساء إذا مال ولا يرأب بهن إذا انصدع جهاد النساء غض الاطراف وضم الذيول وقصر الوهازة (2) ماكنت قائلة لرسول الله (ص) لو عارضك ببعض هذه الفلوات ناصدا ؟ قعودا من منهل إلى منهل (3) وغدا تردين عليه وأقسم لو قيل لي يا أم سلمة ادخلي الجنة لا ستحييت أن ألقى رسول الله (ص) هاتكة حجابا ضربه علي فاجعليه سترك وقاعة بيتك حصنك (4) فإنك أنصح ما تكونين لهذه الامة ما قعدت عن نصرتهم / 71 / أ / ولم تدخلي فيما شجر بينهم ولو أني حدثتك بحديث سمعته من رسول الله (ص) لنهشت نهش الحية الرقطاء المطرقة والسلام (5).

 فأجابتها عائشة: من عائشة أم المؤمنين إلى أم سلمة سلام عليك فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو أما بعد فما أقبلني لوعظك وأعرفني بنصحك وما أنا بمعتمرة بعد تعريج (6) ولنعم المطلع مطلع فرقت به بين فئتين متشاجرتين (من المسلمين) فإن أقعد فعن غير حرج وإن أمض فإلى ما لاغنى به عنه ولا عن الازدياد فيه والسلام.

 وكتبت عائشة إذ قدمت البصرة إلى زيد بن صوحان:


تصحريها... ".

 وألفاظ أصلي من جواهر المطالب ها هنا سقيمة جدا.

 (1) هذا هو الظاهر المذكور في عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 62.

 وفي أصلي: " عن الفراطة في الدين... ".

 (2) كذا في أصلي، ومثله في العقد الفريد.

 (3) وفي غير واحد من المصادر: " ناصة قلوصا من منهل إلى منهل ".

 (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فاجعليه سترك، ووقاعة البيت حصنك... ".

 (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " لنهشتني نهش الرقشاء المطرقة والسلام ! ! ! ".

 وللحديث مصادر كثيرة يجدها الطالب تحت الرقم: " 124 " وما بعده من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب بحار الانوار: ج 23 ص 149 - 170، بتحقيق المحمودي.

 (6) كذا في عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 63.

 وها هنا لفظة نسختي من جواهر المطالب غير واضحة.

 وفي كثير من المصادر: " وما أنا بمغتمرة بعد التغريد... ".

 


[ 12 ]

من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان سلام عليك أما بعد فإن أباك كان رأسا في الجاهلية وسيدا في الاسلام وإنك من أبيك بمنزلة المصلي من السابق يقال: كاد (أن) يلحق (1) وقد بلغك الذي كان من مصاب عثمان بن عفان ونحن قادمون عليك والعيان أشفى لك من الخبر فإذا أتاك كتابي هذا فثبط الناس عن علي بن أبي طالب وكن بمكانك حتى يأتيك أمري والسلام (2) فكتب (زيد رضوان الله عليه) جوابها: من زيد بن صوحان إلى عائشة سلام عليك (أما بعد) فإنك (أمرت بأمر وأمرنا بغيره) أمرت أن تقري في بيتك وأمرنا أن نقاتل الناس حتى لا تكون فتنة فتركت ما أمرت (به) وكتبت تنهيني عما أمرنا به والسلام (3).

 ووجه علي ابنه الحسن وعمار بن ياسر (إلى الكوفة) يستنفر (ان) الناس / 70 / أ / فنفر معهما تسعة آلاف من أهل الكوفة.

 وقال عمار: والله أعلم أنها زوجته في الدنيا والاخرة ولكن الله قد ابتلاكم (بها ليعلم إياه نطيع أو إياها) (4).

 


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وسيدا في الاسلام يقال: كاد أو لحق.. ".

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وكن مكانك... ".

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وكتبت تنهيننا عما أمرنا به، والسلام ".

 (4) ما بين المعقوفين مأخوذ مما رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في عنوان: " ما ذكر في عائشة... " في كتاب الفضائل، تحت الرقم: " 12333 " من كتاب المصنف: ج 12، ص 132، ط 1، قال: حدثنا وكيع، عن شعبة عن الحكم عن أبي وائل أن عليا بعث عمارا والحسن يستنفران... ورواه عنه البيهقي في السنن الكبرى: ج 8 ص 174.

 وأيضا قريبا منه رواه ابن أبي شيبة بسند آخر، في كتاب الجمل تحت الرقم: (19629) من كتاب المصنف: ج 15، ص 264 ط 1، قال: حدثنا عبدة بن سليمان، عن الاعمش، عن شهر بن عطية، عن عبد الله بن زياد قال: قال عمار بن ياسر... وقريبا منه رواه أيضا ابن سعد في أواسط ترجمة أم المؤمنين عائشة من كتاب الطبقات الكبرى: ج 8 ص 65 ط بيروت قال: أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حميد بن عريب قال: وقع رجل في عائشة.. وفي العقد الفريد: " ولكن الله ابتلاكم بها لتتبعوه أو تتبعوها ".

 


[ 13 ]

وخرج علي في أربعة آلاف من أهل المدينة ثمان مائة من الانصار وأربع مائة ممن شهد بيعة الرضوان مع النبي (ص) وراية علي مع ابنه محمد ابن الحنفية وعلى ميمنته الحسن وعلى ميسرته الحسين عليهما السلام.

 ولواء طلحة والزبير مع عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى الخيل طلحة بن عبيد الله وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير.

 فالتقوا بموضع قصر عبد الله بن زياد في النصف من جمادى الاولى يوم الخميس وكانت الوقعة يوم الجمعة.

 ولما قدم علي البصرة قال لابن عباس: إئت الزبير - ولا تأت طلحة فإن الزبير ألين منه وإنما طلحة كالثور عاقصا بقرنه يركب الصعوبة (ويقول: هي أسهل) (1) - فاقرأه مني السلام وقل له: يقول لك ابن (خالك): عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق فما عدا مما بدا ؟ ! (2).

 قال ابن عباس: فأتيته (فبلغته) فقال: قل له: بيننا وبينك عهد خليفة ودم خليفة واجتماع ثلاثة وانفراد واحد وأم مبرورة العشيرة ونشر المصاحف نحل ما أحلت ونحرم ما حرمت (3).

 فقال علي (عليه السلام): ما زال الزبير رجل منا حتى أدرك ابنه عبد الله فلفته عنا (4).

 وقال طلحة لاهل البصرة - وقد سألوه عن بيعته لعلي ؟ فقال: أدخلوني في حش لهم ووضعوا اللج في قفي وقالوا: بايع وإلا قتلناك ! ! ! (5).

 قوله: " اللج " يريد به السيف، وقوله: " قفي " يريد به قفاه على لغة طئ وكانت أمه طائية.

 


(1) ما بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد، وقد سقط من أصلي كتاب جواهر المطالب.

 والكلام رواه السيد الرضي بلفظ أجود مما هنا، في المختار: " 31 " من نهج البلاغة.

 (2) قال الشريف الرضي في ذيل المختار: " 31 " من نهج البلاغة: هو عليه السلام أول من سمعت منه هذه الكلمة.

 (3) والصواب أن قائل هذا القول هو الميشوم ابن الزبير، كما في المختار: " 94 " من نهج السعادة: ج 1، ص 307 ط 2.

 (4) وقريبا منه رواه السيد الرضي رفع الله مقامه في المختار: " 453 " من قصار نهج البلاغة.

 (5) والحديث رواه ابن أبي شيبة في كتاب الامراء تحت الرقم: (10648، و 10676) من كتاب 


[ 14 ]

ثم قام علي فخطب خطبته المشهورة وقد تقدم ذكرها في باب خطبه عليه السلام (1) وقال علي بن محمد عن مسلمة بن محارب عن داود بن أبي هند عن أبي حرب بن (أبي) الاسود عن أبيه قال: خرجت مع عمران بن حصين وعثمان بن حنيف ؟ إلى عائشة فقال (لها) (2): أخبرينا عن مسيرك هذا أعهده إليك رسول الله (ص) أم رأي رأيتيه ؟ قالت: بل رأي رأيته حين قتل عثمان إنما نقمنا عليه ضربه بالسوط وموقع السحابة المحماة وإمرة سعيد الوليد فاستحللتم منه الثلاث الحرم: حرمة البلد وحرمة الخلافة وحرمة الشهر الحرام بعد أن مصتموه كما يماص الاناء (3) فغضبنا لكم من سوط عثمان / 71 / أ / ولا نغضب لعثمان من سيفكم ؟ ! ! (قال أبو الاسود:) فقلت: وما أنت وسيفنا وسوط عثمان وأنت حبيس رسول الله (ص) ؟


المصنف: ج 11، ص 117 و 107.

 ورواهما أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: (19619، و 19621) من مصنفه: ج 15، ص 260 - 261 ط الهند.

 والمعروف أن قائل هذا القول هو الزبير.

 (1) ولعل مراده من قوله: " وقد تقدم ذكرها في باب خطبه عليه السلام " هو ما تقدم في أواسط الباب: " 48 " في الورق: / 53 / أ / وفي هذه الطبعة ص.. قال: وقال الحسن البصري: لما نز علي " الدفافة " خطب الناس.. ويحتمل أيضا أنه أراد من قوله: " وقد تقدم ذكرها... " خطبته عليه السلام لما قدم عليه ابنه الحسن مع فرسان أهل الكوفة، وذلك بقرينة وقوع تلك الخطبة بين الحديث الماضي والتالي في كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 63 طبعة لبنان.

 والخطبة ذكرناها حرفية في المختار: " 91 " من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 293.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فقلنا: يا أم المؤمنين أخبرينا عن مسيرك هذا عهد عهده إليك رسول الله ؟... " (3) كذا في العقد الفريد: ج 5 ص 64، ولفظة: " الاناء " في أصلي رسم خطها غير جلي.

 وروى ابن الاثير في مادة: " موص " من كتاب النهاية، قال: (و) في حديث عائشة قالت عن عثمان: " مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه ".

 الموص: الغسل بالاصابع، أرادت أنهم استتابوه عما نقموا منه، فلما أعطاهم ما طلبوه قتلوه.

 


[ 15 ]

أمرت أن تقري في في بيتك فجئت تضربين (الناس) بعضهم ببعض ؟ فقالت: وهل أحد يقابلني أو يقول مثل هذا ؟ (1) قلنا: نعم.

 قالت: ومن يفعل ذلك ؟ وهل أنت مبلغ عني يا عمران ؟ قال: لست بمبلغ عنك حرفا واحدا.

 فقلت: لكني مبلغ عنك ما شئت.

 قالت: اللهم اقتل مذمما قصاصا بعثمان وارم الاشتر بسهم من سهامك لا يشوى وأدرك عمارا بجفوته على عثمان (2).

 وقال أبو بكر ابن أبي شيبة (3) حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين (عن عمر بن جاوان) عن الاحنف بن قيس قال: قدمنا المدينة ونحن نريد الحج فانطلقت فأتيت طلحة والزبير فقلت: إني لا أرى هذا الرجل إلا مقتولا فما تأمرانني به وترضيانه لي ؟ قالا: نأمرك بعلي بن أبي طالب.

 قلت: تأمرانني به وترضيانه لي ؟ قالا: نعم.

 (قال:) ثم انطلقت حتى قدمت مكة فبينا نحن بها إذ أتانا قتل عثمان وبها عائشة فانطلقت إليها فقلت: من تأمريني (به) أن أبايع ؟ قالت: علي بن أبي طالب.

 قلت: تأمريني به وترضينه لي ؟ قالت: نعم.

 قال (الاحنف:) فمررت على علي بن أبي طالب بالمدينة فبايعته ثم رجعت إلى البصرة وأنا لا أرى (الامر إلا) قد تم واستقام فما راعنا إلا قدوم طلحة والزبير وعائشة (4) قد نزلوا جانب الخريبة قال: قلت: ما جاء بهم ؟ قالوا: أرسلو إليك


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " قلنا: ما أنت وسيفنا وسوط عثمان... فقالت وهل أحد يقاتلني ؟... غير هذا ؟ ".

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأدرك عمارا بخفره بعثمان... ".

 (3) والحديث رواه ابن أبي شيبة في كتاب الامراء تحت الرقم: " 678.

 1 " من كتاب المصنف: ج 11، ص 90 ط 1.

 وجميع ما وضع بين المعقوفات مأخوذ من كتاب المصنف.

 ورواه بأطول مما في كتاب المصنف - الطبري في وقعة الجمل من تاريخه: ج 4 ص 497 طبعة بيروت، قال: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن إدريس، قال: سمعت حصينا يذكر عنن عمرو بن جاوان، عن الاحنف... ثم رواه عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر بن سليمان، عن أبيه عن حصين عن عمرو بن جاوان... (4) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وفي العقد الفريد: " وأنا أرى أن الامر قد استقام... ".

 


[ 16 ]

يستنصرونك على دم عثمان أنه قتل مظلوما ! ! قال: فأتاني أفظع أمر (ما) أتاني (قط مثله) فقلت: إن خذلان هؤلاء ومعهم أم المؤمنين وحواريي رسول الله (ص) لشديد وإن قتال ابن عم رسول الله (ص) وهم قد أمروني بمبايعته لعظيم (1) قال: فلما لقيتهم قالوا: جئناك نستنصرك على دم عثمان فإنه قتل مظلوما ! ! فقلت: يا أم المؤمنين أنشدك الله أ (ما) قلت لك من تأمريني (أن) أبايعه ؟ فقلت: عليا ؟ ! ! فقلت: (تأمرينني به) وترضيه لي ؟ فقلت: نعم ؟ (قالت: نعم) ولكنه بدل ! ! ! فقلت: يا حواريي رسول الله (يا زبير) ويا طلحة ناشدتكما الله أقلت لكما: من تأمرانني به وترضيانه لي ؟ فقلتما لي: علي.

 (فقلت: تأمراني به وترضيانه لي فقلتما: نعم ؟) قالا: نعم ولكنه بدل ! ! ! فقلت: والله / 72 / أ / لا أقاتلكم ومعكم عائشة ولا أقاتل عليا ابن عم رسول الله (ص) ولكن اختاروا مني إحدى ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لي باب الجسر فألحق بأرض الاعاجم حتى يقضي الله من أمره بما يقضي وإما أن الحق بمكة فأكون فيها أو أتحول فأكون قريبا ؟ قالوا: نأتمر ثم نرسل إليك.

 فأتمروا (بينهم) فقالوا: نفتح له باب الجسر فيلحق (به) المفارق والخاذل ؟ أو يلحق بمكة فيفحشكم في قريش فيخبرهم بأخباركم ؟ (ليس ذلك برأي) اجعلوه ها هنا قريبا حيث تنظرون إليه (وتطؤن صماخه) ! ! ! (2).

 قال: فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين واعتزل معه زهاء ستة آلاف من بني تميم (3).

 


(1) وفي كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 65 طبعة لبنان: فأتاني أمر لم يأتني قط... بعد أن أمروني ببيعته لشديد... (2) كذا في عنوان: " يوم الجمل " من العقد الفريد: ج 5 ص 66 طبعة بيروت، نقلا عن ابن أبي شيبة، ولفظة: " فيفحشكم " رسم خطها غير جلي في نسختي من جواهر المطالب، كما أنهم صحفوها في كتاب المصنف لابن أبي شيبة بلفظة: " فيتعجلكم ".

 وما وضعناه بين المعقوفات، أحذناه من كتاب المصنف وتاريخ الطبري: ج 4 ص 496 و 498، ومن أنساب الاشراف: ج 2 ص 233.

 (3) كلم: " من بني تميم " غير موجود في كتاب المصنف، والعقد الفريد، وأنساب الاشراف وتاريخ الطبري.

 


[ 17 ]

مقتل طلحة قال أبو الحسن (المدائني): وكانت وقعة الجمل (يوم الجمل) في النصف من جمادى الاخرة التقوا فكان أول (من) صرع طلحة بن عبيد الله أتاه سهم غرب فأصاب ركبته فكان إذا أمسكوه فتر الدم وإذا تركوه انفجر فقال لهم: اتركوه فإنما هو سهم أرسله الله تعالى (1) ! ! وعن حماد بن زيد عن سعيد قال: قال طلحة يوم الجمل: ندمت ندامة الكسعي لما شريت رضا بني حزم بزعم اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى (2).

 ومن حديث أبي بكر ابن أبي شيبة قال: لما رآى مروان بن الحكم يوم الجمل طلحة بن عبيد الله قال: ما أنتظر بعد اليوم بثأري في عثمان فرماه بسهم فقتله (3).

 ومن حديث سفيان الثوري رحمه الله قال: لما انقضى يوم الجمل خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في ليلة ذلك اليوم ومعه قنبر مولاه وبيده شمعة يتصفح وجوه القتلى حتى وقف على طلحة بن عبيد الله في بطن واد متعقرا بالتراب فجعل يمسح الغبار عن وجهه ويبكي ويقول: اعزز أبا محمد (علي) أن أراك متعفرا تحت نجوم السماء وبطون الاودية إنا لله وإنا إليه راجعون شفيت نفسي وقتلت معشري إلى الله اشكو عجري


(1) وليراجع ترجمة طلحة من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 220.

 (2) ومثله في ترجمة طلحة من كتاب الاستيعاب: ج 2 ص 223.

 (3) رواه أبو بكر ابن أبي شيبة، في كتاب الامارة تحت الرقم: " 10626 " من كتاب المصنف: ج 11، ص 90 طبعة الهند.

 وأيضا رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19616 " من المصنف: ج 15، ص 259.

 ورواه عنه البلاذري في عنوان: " مقتل طلحة بن عبيد الله " تحت الرقم: " 304 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 246 بتحقيقنا.

 وأيضا رواه ابن عبد ربه نقلا عن ابن أبي شيبة، في عنوان: " مقتل طلحة " من العقد الفريد: ج 3 ص 99، وفي طبعة لبنان: ج 5 ص 66.

 ورواه أيضا ابن سعد، بأسانيد، في ترجمة طلحة من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 223.

 


[ 18 ]

وبجري (1) ثم قال: إني لارجو (أن) أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله في حقهم: * (ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين) * (47 / الحجر: 15) وإذا لم يكن نحن وهم فمن هم ؟ (2).

 أبو إدريس / 72 / أ / عن ليث عن طلحة بن مصرف (3) (قال:) إن عليا عليه السلام أجلس طلحة يوم الجمل ومسح الغبار عن وجهه وهو يبكي.

 ومن حديث سفيان الثوري أن عائشة بنت طلحة كانت ترى في منامها طلحة وذلك بعد دفنه بعشرين سنة (4) وهو يقول لها: يا بنية أخرجيني من هذا الماء الذي


ورواه أيضا ابن عبد البر في ترجمة طلحة من كتاب الاستيعاب، المطبوع بهامش الاصابة: ج 2 ص 223.

 والحديث من أثبت القضايا التاريخية، وله شواهد كثيرة جدا.

 (1) هذا الذيل قد تكرر ذكره في مصادر شيعة آل أبي سفيان، وذكره الجزري في مادة: " بجر " ومادة " عجر " من كتاب النهاية.

 وأما صدر الحديث فلم نقف له على شاهد، والذي ورد في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام خلاف ذلك، فليلاحظ ما رواه الشيخ المفيد، في تطواف أمير المؤمنين عليه السلام على القتلى من كتاب الارشاد، ص 131، طبعة الغري.

 وليلاحظ أيضا ما رواه السيد الرضي في المختار: " 217 " من كتاب نهج البلاغة.

 (2) هيهات أن يتفوه إمام الحق بمثل الكلمات في شأن من سن الضلالة وخرج على إمام زمانه وهلك مصرا على ضلالته ؟ ! ! هيهات أن يتكلم أمير المؤمنين بمثل هذه الكلمات من أمر بقتاله وقتله ! !.

 هيهات أن يقول أمير المؤمنين هذه الكلم لمن سماه عين الفتنة، وافتخر بأنه قلعها.

 هيهات أن يتلفظ أمير المؤمنين بهذه الكلم في حق شخص هو من أوضح أفراد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " من سن سنة ضلالة فله وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزار العاملين شيئا ".

 (3) كذا في عنوان: " مقتل طلحة " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 66، وفي أصلي: " وعن إبن إدريس عن أبيه عن طلحة بن مضر.. ".

 أقول: وبما أن مطالب الكتاب في هذه الابواب مأخوذة من العقد الفريد أرجعنا لفظ الكتاب إلى ما فيه من طبعة لبنان وإن كانت مطبوعة لبنان من العقد الفريد أيضا غير خال عن الاغلاط، ولكن لم نتحمل كلفة البحث لعدم حجية هذه الاحاديث لارسالها وعدم معرفة رواتها، ولكونها من منفردات شيعة آل أبي سفيان.

 (4) كذا في أصلي والطبعة الازهرية من العقد الفريد: ج 3 ص 100، وفي طبعة لبنان منه " وذلك بعد موته بعشرين يوما ؟ ".

 


[ 19 ]

يؤذيني.

 فلما انتبهت من نومها جمعت أعوانا ثم نهضت إليه فنبشته فوجدته صحيحا كما دفن ولم تنحسر له شعرة وقد اخضر جنبه من الماء فصار كالسلق فلفته في الملاحف واشترت له عرصة في البصرة فدفنته بها (1).

 ولما قتل (طلحة) وجدوا في تركته ثلاث مائة بهار من ذهب وفضة والبهار: مزود من جلد عجل (2).

 قال ؟: ووقع قوم في طلحة عند علي عليه السلام فقال: أما والله لئن قلتم إنه كما قال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر


(1) وبعده في العقد الفريد زيادة سطرين.

 (2) المزود: ما يوضع فيه الزاد والمتاع، سواء كان من الجلد، أو من غيره، ولكن فسره في هذا الحديث بخصوص جلد العجل.

 وفي الاعصار القديمة كانوا يدبغون جلود الحيوانات ويجعلون فيها زادهم وأمتعتهم.

 وقال الجزري في مادة " بهر " من كتاب النهاية: وفي حديث ابن العاص: " إن ابن الصعبة ترك مائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير (من) ذهب وفضة ".

 قال الجزري: والبهار عندهم ثلاث مائة رطل... وقال الازهري: هو ما يحمل على البعير بلغة أهل الشام وهو عربي صحيح.

 وأراد (عمرو) بابن الصعبة طلحة بن عبيد الله كان يقال لامه الصعبة.

 


[ 20 ]

مقتل الزبير عن شريك عن الاسود قال: حدثني من رآى الزبير يوم الجمل يقعص الخيل بالرمح قعصا فنوه به علي (يا أبا عبد الله) فأقبل (إليه) حتى التقت أعناق خيلهما فقال له علي رضي الله عنه: أنشدك الله أتذكر يوم أتانا رسول الله (ص) وأنا أناجيك فقال: أتناجيه فو الله ليقاتلنك وهو ظالم لك ؟ ! ! قال: فضرب الزبير وجه دابته وانصرف (1).

 قال أبو الحسن (المدائني): ولما انصرف الزبير (يوم الجمل) مر بماء لبني تميم فقيل للاحنف بن قيس هذا الزبير قد أقبل.

 قال: (ما) أصنع (به) أن جمع بين العسكرين وترك الناس ؟ وأقبل ابن جرموز فسمع مقالة الاحنف ثم قام من مجلسه فأتبعه حتى وجده بوادي السباع نائما فقتله وأقبل برأسه إلى علي فقال له: أبشر بالنار فإني قد سمعت رسول الله (ص) يقول: بشروا قاتل الزبير بالنار.

 فخرج عمرو بن جرموز وهو يقول: أتيت عليا برأس الزبير وقد كنت أحسبها زلفة فبشر بالنار قبل العيان فبئس بشارة ذي التحفة وقالت امرأته / 72 / ب / ترثيه: غدر ابن جرموز بفارس بهمة يوم الهياج وكان غير معرد يا عمرو لو نبهته لوجدته لا طائشا رعش البنان ولا اليد ثكلتك ؟ أمك أن قتلت لمسلما حلت عليك عقوبة المتعمد وقال جرير: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير (2) قال:


(1) وهذا ليس بتوبة، فلو كان تائبا كان يجب عليه أن ينحاز إلى علي ويصرخ على أصحاب الجمل بأني كنت على ضلالة في نقض بيعة علي ودعوتي إياكم على خلافه ونقض بيعته، فالان قد تبت ورجعت إليه فتوبوا أنتم وكونوا معه ولا تخالفوه.

 (2) في هذا السند جماعة من المبتلين بداء النفاق، فلا اعتبار لحديث يرويه مثلهم إلا أن تقوم قرينة قطعية على صدق حديثهم، 


[ 21 ]

دعاني أبي يوم الجمل فقال: يا بني إنه لا يقتل اليوم إلا ظالم أو مظلوم وما أراني إلا سأقتل مظلوما وإن أكبر همي ديني فبع مالي ثم اقض ديني فإن فضل منه شئ فثلثه لولدك وإن عجز عني منه شئ فاستعن بمولاي.

 قلت: (و) من مولاك ؟ قال: الله تعالى.

 قال عبد الله: فو الله ما وقعت بعد ذلك في كربة إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه.

 فيقضيه ! قال: فقتل الزبير ونظرت في دينه فإذا هو ألف ألف ومائة ألف فبعت ضيعته بالغابة بألف ألف وست مائة ألف ثم ناديت: من كان له على الزبير شئ فليأتنا بالغابة يقبضه.

 فلما قضيت دينه أتاني إخوتي فقالوا: اقسم بيننا ميراثنا.

 قلت: والله لا أقسمه حتى أنادي أربع سنين بالموسم: من كان له على الزبير شئ فليأتنا يقبضه .

 فلما مضت أربع سنين أخذت الثلث لولدي ثم قسمت الباقي فصار لكل امرأة من نسائه - وكان له أربع نسوة - فجاء ريع كل ثمن ألف ألف ومائة ألف.

 ومن حديث ابن أبي شيبة (1) قال: كان علي يخرج مناديه يوم الجمل فينادي: لا يسلبن قتيل ولا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح.

 وخرج كعب بن سور من البصرة وقد تقلد مصحفا في عنقه فجعل ينشره بين الصفين ويناشدهم الله في دمائهم إذ أتاه سهم فقتله وهو في تلك الحال لا يدرى من قتله.

 وقال علي يوم الجمل للاشتر مالك بن الحارث - وكان على الميمنة -: احمل.

 فحمل فكشف من بإزائه.

 وقال لهاشم بن عتبة - أحد بني زهرة بن كلاب - وكان على الميسرة: احمل.

 فحمل فكشف من بإزائه ؟ فقال عليه السلام لاصحابه: كيف ترون مضري ويماني (ميسرتي وميمنتي).

 وعن أبي حاتم قال / 73 / أ /: أنشدني الاصمعي عن رجل شهد الجمل فقال: شهدت الحروب فشيبنني فلم تر عيني كيوم الجمل أشد على مؤمن فتنة وأقتل منه بخرق بطل فليت الضعينة في بيتها ويا ليت عسكر لم يرتحل (قال) والعسكر اسم الجمل الذي وهبه يعلى بن منية لعائشة وجعل لها هودجا


(1) وهذا المضمون متواتر عن أمير المؤمنين عليه السلام وله أسانيد ومصادر كثيرة، وقد رواه الحافظ ابن أبي شيبة بأسانيد في كتاب الجمل تحت الرقم: (19624) وما بعده من كتاب المصنف: ج 15، ص 262 - 280 ط 1.

 


[ 22 ]

من حديد وجهز خمس مائة فارس معها بأسلحتهم (وأزودتهم) وكان أكثر أهل البصرة مالا (1).

 وكان علي يقول: بليت بأنض الناس وأنطق الناس وأطوع الناس (في الناس.

 يريد بأنض الناس يعلى بن منية وكان أكثر الناس ناضا، ويريد بأنطق الناس طلحة بن عبيد الله، ومراده عليه السلام من أطوع الناس في الناس) عائشة.

 وكانت راية علي يوم الجمل سوداء وراية أهل البصرة الجمل.

 وقال الاعمش عن (رجل سماه قال:) (2) كنت أرى عليا يوم الجمل يحمل فيضرب بسيفه حتى ينثني ثم يرجع فيقول: لا تلومونني ولوموا هذا، ثم يعود ويقومه.

 ومن حديث أبي بكر ابن أبي شيبة (قال:) قال عبد الله بن الزبير: التقيت أنا والاشتر يوم الجمل فما ضربته ضربة حتى ضربني خمسا أو ستا ثم جرني برجلي وألقاني في الخندق وقال: والله لولا قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اجتمع منك عضو إلى عضو آخر.

 وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: أعطت عائشة للذي بشرها بحياة ابن الزبير - لما التقى بالاشتر - أربعة آلاف درهم.

 وعن سعيد عن قتادة قال: قتل يوم الجمل مع عائشة عشرين ألفا منهم ثمان مائة من بني ضبة.

 وقالت عائشة: ما أنكرت رأس جملي حتى فقدت أصوات بني عدي وضبة.

 وقتل من أصحاب علي خمس مائة رجل لم يعرف منهم إلا علباء بن الهيثم السدوسي (3) وهند الجملي قتلهما ابن اليثربي وأنشأ يقول:

إني لمن يجهلني ابن اليثربي * قاتل علباء وهند الجملي

ثم ابن صيحان ؟ على دين علي

ويروى أن عليا أتي (بابن) اليثربي أسيرا فأمر بقتله صبرا لقوله: ثم ابن صيحان على دين علي ؟ وقال عبد الله بن عون عن أبي رجاء قال: لقد رأيت الجمل يومئذ وهو كظهر


(1) ما بين المعقوفات مأخوذ من عنوان: " يوم الجمل " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 70 ط بيروت، (2) ما بين المعقوفين كان ساقطا من أصلي وأخذناه من كتاب العقد الفريد.

 (3) هذا هو الصواب لمصدر المصنف العقد الفريد ط بيروت ولترجمة الرجل من الاصابة 3 / 109 وكان في أصلي: بن الحارث.

 


[ 23 ]

القنفذ / 37 / ب / من النبل ورجل من بني ضبة آخذ بخطامه وهو يقول: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل الموت أحلى عندنا من العسل ننعي ابن عفان بأطراف الاسل ردوا علينا شيخنا ثم بجل وعن غندر وأبي داود (1) قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سلمة - وكان مع علي بن أبي طالب يوم الجمل - والحارث بن سويد - وكان مع طلحة والزبير - فتذاكرا وقعة الجمل فقال الحارث بن سويد: والله ما رأيت مثل يوم الجمل لقد أشرعوا رماحهم في صدورنا وأشرعنا رماحنا في صدورهم فلو شاءت الرجال أن تمشي عليها لمشت يقول هؤلاء: " لا إله إلا الله والله أكبر " ويقول هؤلاء: " لا إله إلا الله والله أكبر " فو الله لوددت أني لم أشهد ذلك اليوم وأني (أعمى) مقطوع اليدين والرجلين (2).

 (ف‍) قال عبد الله بن سلمة: والله ما يسرني أني غبت عن ذلك اليوم ولا عن مشهد شهده علي بن أبي طالب ولو أن لي حمر النعم.

 وعن علي بن عاصم عن حصين قال: حدثني أبو جميلة البكائي (3) قال: إني لفي الصف مع علي بن أبي طالب إذ عقر بعائشة جملها فرأيت محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر يشتدان بين الصفين أيهما يسبق إليها فقطعا عارضة الرحل واحتملاها من هودجها (4).

 قال (ابن أبي شيبة): وحدثني خالد بن مخلد عن يعقوب عن جعفر بن (أبي) المغيرة عن أبن أبزي (5) قال: انتهى عبد الله (بن) بديل إلى عائشة وهي في الهودج فقال: أنشدك الله أتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت لك: إن عثمان قد قتل فما تأمرينني به ؟ فقلت: الزم


(1) كذا في أصلي، وكلمتا: " وأبي داود " غير مذكورتين في عنوان: " ومن حديث الجمل " من العقد الفريد، وفيه: " غندر، قال: حدثنا شعبة... ".

 (2) ما بين المعقوفين مأخوذ من عنوان: " ومن حديث الجمل " من العقد الفريد.

 (3) وفي العقد الفريد: " أبو جميلة البكاء ".

 (4) كذا في العقد الفريد، غير أن فيه: " واحتملاها في هودجها ".

 وفي أصلي: " فقطعا عرضة الرحل... ".

 (5) كذا في كتاب الجمل تحت الرقم (19677) من كتاب المصنف: ج 15، ص 284 ط 1، ومثله رواه عنه ابن عبد ربه في العقد الفريد ج: 5 ص 71 وفي أصلي: " عن جعفر بن المغيرة عن ابن أبزى.. " 


[ 24 ]

عليا فو الله ما غير ولا بدل فسكتت فأعاد عليها (ثلاث مرات) فسكتت فقال اعقروا الجمل (1) فعقروه فنزلت أنا وأخوها محمد بن أبي بكر فاحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي علي رضي الله عنه فأمر بها فأدخلت منزل عبد الله بن بديل بن ورقاء ؟.

 وقالوا: لما كان يوم الجمل وظفر علي دنا من الهودج / 74 / أ / فسلم على عائشة وكلمها (2) فأجابته: ملكت فأسجح.

 فجهز (ها) علي بأحسن جهاز وبعث معها سبعين امرأة حتى قدمت المدينة (3).

 وعن عكرمة عن ابن عباس قال: لما انقضى أمر (وقعة) الجمل دعا علي بآجرتين فعلاهما ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أنصار المرأة وأصحاب البهيمة رغا فجئتم وعقر فهربتم نزلتم بشر بلاد الله ( أقربها من الماء، و) أبعدها من السماء وبها مغيض كل ماء (4) ولها شر أسماء وهي البصرة والبصيرة والمؤتفكة وتدمر.

 (ثم قال:) أين ابن عباس ؟ قال (ابن عباس) فدعيت (له) من كل مكان فأقبلت إليه فقال: إئت هذه المرأة (ومرها) فلترجع إلى بيتها الذي أمرها الله أن تقر فيه قال (ابن عباس: فجئتها) فاستأذنت عليها فلم تأذن لي فدخلت بلا إذن ومددت يدي إلى وسادة في البيت فجلست عليها فقالت: تالله يا ابن عباس ما رأيت مثلك تدخل علينا (بيتنا) بغير إذننا وتمد يدك إلى وسادتنا فتجلس عليها بغير أمرنا ! ! ! فقلت لها: والله ما هو بيتك (ما بيتك إلا) الذي خرجت منه، وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي (5) إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بيتك الذي خرجت منه.

 


(1) ما بين المعقوفين غير موجود في أصلي وإنما أخذناه من كتابي المصنف والعقد الفريد: ج 5 ص 71 ط بيروت.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " دنا من هودج عائشة (ف‍) كلمها بكلام فأجابته: ملكت فأسجح.

 (3) وفي العقد الفريد: فجهزها علي بأحسن وبعث معها أربعين امرأة وقال بعضهم: سبعين امرأة حتى قدمت المدينة.

 (4) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: " رغا فحنيتم وعقر ففر (ر) تم ؟ نزلتم بشر بلاد الله، أبعدها الله من السماء وجعلهها مغيض كل ماء... ".

 (5) هذا هو الظاهر في العقد الفريد: ج 5 ص 72.

 وفي أصلي: " فقال لها: والله ما هو بيتك (إلا) الذي خرجت منه وأمرك الله أن تقري فيه فلم تفعلي ".

 


[ 25 ]

قالت: يرحم الله أمير المؤمنين ذلك عمر بن الخطاب ! ! ! قلت: نعم وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

 قالت: أبيت أبيت ! ! ! فقلت: والله ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة حتى صرت لاتحلين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين.

 قال: فبكت حتى سمعت نشيجها ثم قالت: أرجع أرجع فإن أبغض البلدان إلي بلد أنتم به ! ! ! قلت: أما والله ما كان (هذا) جزاؤنا منك، إذ جعلناك للمؤمنين أما وجعلنا أباك لهم صديقا ؟ ! قالت: أتمن علي برسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن عباس ؟ قلت: نعم والله نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلة منا لمننت به علينا ! ! ! قال ابن عباس: ثم أتيت عليا فأخبرته الخبر فقبل ما بين عيني وقال: بأبي وأمي * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) *.

 (ومن حديث أبي بكر ابن أبي شيبة عن ابن فضيل عن عطاء بن السائب (قال:) إن قاضيا قضاة أهل الشام أتى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين رأيت رؤيا أفظعتني ! ! قال (عمر): وما رأيت ؟ قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان والنجوم معهما نصفين.

 قال (عمر): فمع أيهما كنت ؟ قال: مع القمر على الشمس.

 قال عمر بن الخطاب: * (وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) * (12 / الاسراء: 17) فانطلق فو الله لاتعمل لي عملا أبدا.

 قال عطاء: فبلغني أنه قتل مع معاوية بصفين (1).

 


(1) وهذا الحديث التالي مذكوران في كتاب الفريد بين الحديث المتقدم والتالي الذي هو كتاب أمير المؤمنين عليه السلام إلى الاشعث بن قيس والظاهر أنهما من جواهر المطالب ويحتمل أيضا أن الباعوني لم ينقلهما ومن أجله وضعناهما بين المعقوفين.

 والحديث رواه ابن أبي شيبة في كتاب الايمان والرؤيا، وكتاب الامراء تحت ررقم: (10554، 10754) من كتاب المصنف: ج 11 ص 47 و 144.

 ورواه أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: (19710) في ج 15، ص 294 وبرقم: (19658) ص 278.

 ورواه ابن عبد ربه عن ابن أبي شيبة في أوائل العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 73 ط بيروت.

 وأيضا رواه السيوطي في تفسير الاية: (12) من سورة الاسراء في تفسير الدر المنثور: ج 4 ص 167.

 ورواه محمد بن سليمان في الحديث (521 و 789) في الجزء الخامس من كتابه: مناقب علي عليه السلام الورق 122 / ب 1 / وفي ط 1: ج 2 ص 35 و 317.

 


[ 26 ]

أبو بكر ابن أبي شيبة قال: أقبل سليمان بن صرد - وكانت له صحبة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم - إلى علي بن أبي طالب بعد وقعة الجمل فقال له (علي عليه السلام): تنأنأت وتزحزحت وتربصت ؟ فكيف رأيت صنع الله ؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الشوط بطين وقد بقي من الامور ما تعرف به عدوك من صديقك) (1) وكتب علي رضي الله عنه إلى الاشعث بن قيس بعد (حرب) الجمل وكان واليا لعثمان على آذربيجان: سلام عليك أما بعد فلولا هنات كن منك لكنت المقدم في هذا الامر قبل الناس ولعل أمرك يحمل بعضه بعضا (إن) اتقيت الله / 74 / ب / تعالى وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، وقد كان طلحة والزبير أول من بايعاني ثم نكثا بيعتي من غير حدث ولا سبب، وأخرجا عائشة وساروا إلى البصرة (وسرت إليهم فيمن بايعني من المهاجرين والانصار) والتقينا فدعوتهم إلى أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه فأبوا، فبالغت في الدعاء لهم والموعظة وأحسنت في البقيا بالله (2) فأبوا إلا الحرب، فأمرت أن لا يدفف على جريح ولا يتبع منهزم ولا يسلب قتيل، ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن.

 واعلم أن عملك ليس لك بطعمة وإنما هو أمانة في عنقك، وهو مال من مال الله وأنت من خزاني عليه إلى أن تؤديه (إلي) إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 فلما بلغ الاشعث كتاب علي قام خطيبا فقال: أيها الناس إن عثمان بن عفان ولاني آذربيجان وقد هلك، وبقيت في يدي ؟ وقد بايع الناس عليا وطاعتنا له واجبة، وقد كان منه ومن أمر عدوه ما كان، وهو المأمون على ما غاب من ذلك.

 


(1) ورواه أيضا نصر بن مزاحم المنقري في الحديث الرابع من كتاب صفين، ص 6 ط مصر ورواه أيضا أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: (19658) من كتاب المصنف: ج 15 ص 278 ط 1 الهند.

 وأشار إليه ابن الاثير في مادة " نأنأ " من كتاب النهاية.

 (2) هذا هو الظاهر المذكور في كتاب العقد الفريد - غير أن فيه: " فأبلغت في الدعاء وأحسنت البقيا " - وما بين المعقوفات أيضا مأخوذ منه، وفي أصلي: " وأحسنت اليقين بالله ".

  


[ 27 ]

ما قيل في أهل الجمل (1) عن أبي بكر ابن أبي شيبة (2) قال: سئل علي عليه السلام عن أهل الجمل أمشركون هم ؟ قال: من الشرك فروا.

 قالوا: فمنافقون هم ؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا.

 قالوا: فما هم ؟ إخواننا بغوا علينا.

 (قال ابن أبي شيبة:) ومر (علي) عليه السلام بقتلى الجمل فقال: اللهم اغفر لهم.

 ومعه محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر فقال أحدهما لصاحبه: أما تسمع ما يقول ؟ قال: اسكت لا يزيدك (3).

 وعن وكيع عن مسروق عن مسعر عن عبد الله (بن رباح) عن عمار قال: لا تقولوا كفر أهل الشام ولكن قولوا: فسقوا وظلموا (4).

 وسئل عمار بن ياسر عن عائشة يوم الجمل ؟ فقال: إنا والله لنعلم أنها زوجته في الدنيا والاخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم هل تتبعونه أم تتبعونها ؟ ! (5).

 


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 74: " قولهم في أصحاب الجمل ".

 (2) هذا وبعض ما يليه، رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19069 " وما بعده من كتاب المصنف: ج 15، ص 256.

 وأيضا رواه ابن أبي شيبة بسند آخر في كتاب الجمل عند الكلام حول الخوارج تحت الرقم: " 19788 " من المصنف: ج 15، ص 332.

 ورواه ابن عبد ربه - مع الابيات الاتية نقلا عن ابن أبي شيبة وغيره - في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " من العقد الفريد: ج 5 ص 74.

 (3) رواه ابن أبي شيبة في أواخر كتاب الجمل تحت الرقم: " 19675 " من كتاب المصنف ج 15، ص 284.

 ورواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " في العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 74.

 (4) رواه - مع بعض ما في معناه عن عمار - ابن أبي شيبة في كتاب الجمل في الحديث: " 19589 " وما قبله من المصنف: ج 15، ص 290.

 (5) رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19629 " من المصنف: ج 15، ص 264.

 


[ 28 ]

وقال علي رضي الله عنه يوم الجمل: إن قوما يزعمون أن البغي كان منا عليهم وزعمنا أنه كان منهم علينا وإنما قتلناهم على البغي ولم نقتل (هم) على الكفر (1).

 وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: أول ما تكلمت الخوارج (كان) يوم الجمل قالوا: ما أحل لنا دماءهم وحرم علينا أموالهم ؟ فقال (لهم) علي عليه السلام / 75 / أ /: هي السنة في أهل القبلة.

 قالوا: والله لا ندري ما هذا ؟ قال: فهذه عائشة أتتساهمون عليها ؟ قالوا: سبحان الله هي أمنا فهي حرام علينا.

 قال: فإنه يحرم من بناتها ما يحرم منها (2).

 ودخلت أم أفعى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل فقالت: يا أم المؤمنين ما تقولين في امرأة قتلت ابنا لها صغيرا ؟ قالت: وجبت لها النار ! قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الكبار عشرين ألفا في صعيد واحد ؟ ! !.

 فقالت (عائشة): خذوا بيد عدوة الله (وأخرجوها عن محضري) (3).

 


(1) وهذا أيضا جاء في العقد الفريد: ج 5 ص 74.

 وروى عمر بن خضر المعروف ب‍ " ملا " في أواسط الباب: " 13 " وهو من باب معجزات النبي (ص) من كتاب وسيلة المتعبدين الورق 178 / أ / قال: (و) عن حذيفة (بن اليمان) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب جنب عمار بن ياسر وقال: إنك لن تموت حتى تقتلك الفئة الباغية ويكون آخر زادك شربة من لبن.

 (ف‍) قيل: إنه شرب شربة من لبن في يوم صفين وقاتل حتى قتل رحمه الله.

 وعن حذيفة (بن اليمان) قال: لو أحدثكم بما سمعت من رسول الله (ص) لرجمتوني ؟ ! ! قالوا: سبحان الله أنحن نفعل (هذا) ؟ قال: لو أحدثكم أن بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عدها، شديد بأسها تقاتلكم (أ) صدقتم هذا ؟ قالوا: سبحان الله ومن يصدق بهذا ؟ قال: تأتيكم أمكم الحميراء في كتيبة يسوق بها أعلاجها من حيث يسوء وجوهكم ! ! ! وعن ابن عباس قال: قال رسول الله (ص) (لنسائه): أيتكن صاحبة الجمل الاديب، يقتل حولها قتلى كثير ح تنجو) بعد أن كادت ! ! ! (2) وهذا الحديث كأن المصنف أخذه من صدر حديث وذيل حديث آخر، ذكرهما ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19605، 19679 " من المصنف ج 15، ص 256 و 286 طبعة الهند.

 ورواه ابن عبد ربه - نقلا عن ابن أبي شيبة - في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " في العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 74.

 (3) ورواه أيضا ابن عبد ربه في عنوان: " قولهم في أصحاب الجمل " من العقد الفريد: ج 5 ص 74، وفيه: " أم أوفى العبدية ".

 


[ 29 ]

قال (ابن أبي شيبة): ولما مات عائشة ؟ في زمن معاوية وقد قاربت السبعين وقيل لها: تدفنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: لا إني أحدثت بعده حدثا أدفنوني مع أخواتي بالبقيع (1).

 وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: يا حميراء كأني بك تنبحك كلاب الحوأب (ثم) تقاتلين عليا وأنت له ظالمة (2).

 والحوأب قرية في طريق المدينة إلى البصرة.

 وبعض الناس يسمونها الحوب - بضم الحاء (وتثقيل الواو وقد زعموا أن الحوأب ماء في طريق البصرة).

 وقال بعض الشعراء (وهو السيد الحميري) (3) في ذلك: إني أدين بحب آل محمد وبني الوصي شهودهم والغيب إني البرئ من الزبير وطلحة ومن التي نبحت كلاب الحوأب وقد ذكر بعض المؤرخين (4) في مسير سيدنا علي رضي الله عنه صورته ما سنذكره قال: (وعن أبي خليفة بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى) أخبرنا المنذر الجارود العبدي قال: لما قدم علي بن أبي طالب البصرة دخل مما يلي الطف فجاء إلى الزاوية ؟ فخرجنا ننظر (إليه وإلى جنده) فمر بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء متقلدا سيفا وبيده راية في ألف من الناس فقلنا من هذا ؟ فقيل: هذا أبو أيوب الانصاري صاحب منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 


(1) وقريب من جاء أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19618 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 260.

 ورواه أيضا ابن سعد في ترجمة عائشة من الطبقات الكبرى: ج 8 ص 51 طبعة بيروت.

 (2) وقريبا منه رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19617، و 19631 " من المصنف: ج 15، ص 260 و 265.

 (3) وفي العقد الفريد: (وقد) قال في ذلك بعض الشيعة... (4) وهو المسعودي ذكره في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 370 طبعة بيروت، وما وضعناه من السند بين المعقوفين مأخوذ منه.

 


[ 30 ]

ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلدا سيفا متنكبا قوسا (وهو) في ألف من الناس فقلنا: من هذا ؟ قيل: خزيمة بن الثابت ذو الشهادتين.

 ثم مر فارس آخر على فرس كميت متعمما بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء وعليه قباء أبيض مصقول ؟ متقلدا سيفا متنكبا قوسا (وهو) في ألف (من الناس) قلنا: من هذا ؟ قيل (هو) أبو قتادة الانصاري / 75 / ب /.

 ثم مر بنا فارس آخر على فرس أشقر عليه ثياب بياض وعمامة سوداء قد أسدلها بين يديه ومن خلفه (وهو) شديدة الادمة متقلدا سيفا متنكبا قوسا في ألف من الناس قلنا: من هذا ؟ قيل: (هو) عمار بن ياسر.

 ثم مر فارس على فرس أشقر (و) عليه ثياب بياض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكبا قوسا يخط الارض برجليه سناط ؟ (وهو) في ألف فارس من الناس قلنا: من هذا ؟ قيل: (هو) قيس بن سعد بن عبادة الانصاري.

 ثم مر بنا فارس على فرس أشقر ما رأينا أحسن منه وجها (و) عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد أسدلها بين يديه ومن خلفه، بيده لواء (ف‍) من هذا ؟ قيل: (هو) عبد الله بن عباس.

 ثم مر بنا فارس أشبه الناس به عليه مثل لباسه فقلنا: من هذا ؟ قيل: (هو) قثم بن العباس.

 ثم أقبلت الرايات وأقبل فارس يشبههما فقلنا: من هذا ؟ فقيل: (هو) معبد بن العباس.

 ثم أقبلت كتيبة عليهم الدروع متعممين بعمائم بيض شاكين في السلاح يقدمهم رجل كأنه كسر ثم جبر نظره في الارض أكثر من نظره إلى السماء كأنما على رؤسهم الطير وعن يمينه شاب حسن الوجه وعن شماله شاب حسن الوجه وبين يديه الراية العظمى وخلفه شاب في عدة شباب معهم قلنا: من هؤلاء ؟ فقالوا: أما هذا فعلي بن أبي طالب وهذا (ن) الحسن والحسين عن يمينه وعن يساره وهذا محمد بن الحنفية بين يديه ومعه الراية، وهذا خلفه عبد الله بن جعفر ولد عقيل معه و (أما) هؤلاء المشايخ فهم (من) أهل بدر.

 (قال:) فجاء حتى نزل الزاوية فصلى أربع ركعات ثم رفع يديه ثم قال: اللهم رب السماوات وما أظلت ورب الارضين وما أقلت ورب البحار وما جرت ورب الرياح وما درت ورب الشياطين وما أطلت (1) هذه البصرة أسألك من خيرك الذي


(1) ما درت: ما أنتجت وجلبت من اخير.

 وما أطلت: ما أشرفت عليه وغلبت عليه.

 


[ 31 ]

فيها وأعوذ بك من الشر الذي فيها (1).

 اللهم إن هؤلاء القوم قد بغوا وخلعوا طاعتي ونكثوا بيعتي فأقبل بقلوبهم واحقن دماء المسلمين فإن أبوا فانصرني عليهم (2).

 ثم دعا عمران بن حصين وأبا الاسود الدؤلي فوجههما إلى طلحة والزبير / 76 / أ / فلم يرجعا إليه بجواب يحمده، فأمر أصحابه أن لا يبدؤهم (بقتال) ولا يرمونهم بسهم ولا يطعنو (هم) برمح ولا يضربوا بسيف وقال (لهم): ليس بعد الدماء بقية ؟ فاصطفوا للقتال فرموهم أولئك بالنشاب فقال علي: اعذروا إليهم.

 فخرج علي بنفسه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم حاسرا ليس عليه سلاح فنادى: يا زبير اخرج إلي.

 فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه - فقيل لعائشة: إن الزبير قد خرج إليه فقالت: واثكل أسماء.

 - فاعتنق كل واحد منهما صاحبه ؟ فقال علي: ويحك يا زبير ما أخرجك ؟ قال: دم عثمان ! ! قال: قتل الله أولا (نا) بدم عثمان أتذكر يوم لقيت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وهو راكب حماره فضحك إلي رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم فقلت أنت: " ما يدع علي زهوه يا رسول الله " فقال (رسول الله: يا زبير) ليس به زهو أتحبه يا زبير ؟ فقلت: بلى والله أحبه فقال: أما إنك ستقاتله وأنت له ظالم (3).

 فقال الزبير: أستغفر الله لو ذكرتها ما خرجت، فكيف أرجع الان وقد التقت حلقتا البطان ؟ هذا والله العار الذي لا يغسل ! ! !.

 فقال علي: يا زبير ارجع فالعار خير من الدنيا (ارجع) قبل أن يجمع عليك العار والنار.

 فرجع الزبير وهو يقول: أخترت عارا على نار مؤججة أنى يقوم لها خلق من الطين نادى علي بأمر لست أجهله عار لعمرك في الدنيا وفي الدين


(1) وفي مروج الذهب: هذه البصرة، أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرها.. أيها الناس إن الموت طالب (حثيث).

 (2) والدعاء في كتاب الذهب أقصر مما ها هنا، وقد روينا حرفيا عن مروج الذهب في المختار: " 71 " من باب الدعاء من كتاب نهج السعادة: ج 6 ص 292 ط 1.

 (3) وهذا المعنى من متواترات فن التاريخ والحديث، وقريبا منه رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19674 " من المصنف: ج 15، ص 284 ط 1، وفيه: حتى التقت أعناق دوابهما... 


[ 32 ]

فقلت: حسبك من عذل أبا حسن فبعض هذا الذي قد قلت يكفيني فقال له ابنه (عبد الله): أين تذهب وتدعنا ؟ فقال: يا بني إن عليا ذكرني أمرا كنت له ناسيا ! ! قال: لا والله ولكنك فررت من سيوف بني عبد المطلب إنها طوال حداد يحملها فتية أمجاد ! ! ! قال: لا والله يا بني (ولكن) ذكرني ما أنسانيه الدهر فاخترت العار على النار أبا لجبن تعيرني لا أبا لك ؟ ثم خلع عنانه وشد في ميمنة علي فقال (علي): افرجوا له فقد هاجوه.

 ثم شد في الميسرة ثم رجع وشد في القلب ثم رجع إلى ابنه فقال: أيفعل هذا جبان ؟ ثم مضى وكان من أمره ما كان (1).

 ثم دعاهم علي رضي الله عنه إلى ما فيه الصلاح من الكف عن الدماء والرجوع إلى الطاعة فأبوا إلا القتال فقال علي: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه ؟ فقال غلام من عبد القيس يقال له: مسلم أنا آخذه فأخذه وتقدم (إليهم) فرموه حتى قتلوه فجاءت أمه إلى علي فوقفت عليه ثم قالت: لهم إن مسلما دعاهم يتلو كتاب الله لا يخشاهم فخضبوا من دمه لحاهم وأمه قائمة تراهم فقال علي: احملوا على القوم.

 فحملوا فانهزمت ميمنة علي وميسرته.

 قال بعض ولد عقيل: فأتيته وهو يخفق برأسه من النعاس فقلت: يا عم قد بلغت (ميمنتك) وميسرتك ما ترى وأنت تخفق نعاسا ؟ ! ! فقال: اسكت يا ابن أخي فإن لعمك يوما لا يعدوه والله لا يبالي عمك أن وقع على الموت أو وقع الموت عليه (2).

 ثم بعث إلى ابن الحنفية أن أقحم فداك أبي وأمي.

 قال: فأبطأ عليه وكان بإزائه قوم من الرماة فكان ينتظر أن يفنى سهامهم ثم يحمل فجاءه علي فقال: احمل فداك أبي وأمي.

 قال والله ما أجد متقدما إلا على سنان.

 فقال له عليه السلام: اقحم فلن ينالك الاسنة لان للموت عليك جنة فحمل محمد فشبك بالرماح فوقف عليه علي فضربه بقائم السيف وقال: أدركك عرق من أمك ؟ !


(1) رواه المسعودي في سيرة أمير المؤمنين في حرب الجمل من كتاب مروج الذهب: ج 2 ص 366.

 (2) ومعنى هذا الكلام قد استفيض عنه عليه السلام.

 


[ 33 ]

ثم أخذ الراية من يده فحمل (وحمل) الناس معه فما كان أهل البصرة إلا كرماد اشتدت به الريح فاستطار في يوم عاصف فبلغت ميمنتهم إلى مدينة الرزق وبلغت الميسرة إلى مقبرة بني حصن وبلغ القلب إلى بني عدي (1).

 ولقي علي طلحة فقال: يا أبا محمد ما أخرجك علي ؟ قال: طلب دم عثمان ! قال: قتل الله أولانا بدم عثمان أما سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: (اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ؟) أوما أنت أول من بايعني ثم نكثت ؟ ! ! (ثم) قال: * (ومن نكث فإنما ينكث عن نفسه) * (2) فقال (طلحة): استغفر الله ورجع (3).

 فقال مروان (بن الحكم) قاتله الله: رجع طلحة والزبير ؟ ما أبالي إلى ها هنا رميت أم ها هنا ؟ ! فرمى طلحة في أكحله فقتله ! ! ! (4) فمر به علي وهو مقتول في موضعه فنظر إليه / 77 / أ / وبكى وقال: * (إنا لله وإنا إليه راجعون) * (5) أبا محمد أنت والله كما قال الشاعر: فتى كان يدنيه الغنى من صديقه إذا هو ما استغنى ويبعده الفقر كأن الثريا علقت في جبينه (6) وفي خده الشعرى وفي الاخر البدر


(1) وليراجع مروج الذهب وتاريخ الطبري.

 (2) اقتباس من الاية العاشرة ة من سورة الفتح: 48.

 (3) لم يكن رجوع طلحة إلا رجوع منهزم فاشل فلو كان رجوعه رجوع تائب كان يعلن ذلك وينادي به أو ينحاز إلى صف عسكر أمير المؤمنين عليه السلام، وكل ذلك ما فعل بل أصر على انحرافه وكان في آخر رمق منه يقول: " اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى مني " ولم يكن قائلا: " اللهم اغفر لي بما نقضت بيعة علي سبب، وبما ألقيت بين المسلمين من الشقاق حتى قتل بعضهم بعضا ؟ ! " فليلاحظ ترجمة طلحة من تاريخ دمشق أو حرب الجمل من تاريخ الطبري: ج 4 ص 527 والعقد الفريد: ج 3 ص 99 ط القديم بمصر.

 (4) وقتل طلحة بسهم مروان - أمير المؤمنين للطائفة السنية - أمر متواتر لم يتيسر لشيعة آل أبي سفيان كتمانه وإنكاره، وشواهده في كتبهم جمة جدا.

 ورواه أبو بكر ابن أبي شيبة في كتاب الامراء تحت الرقم: " 10627 " من المصنف: ج 11، ص 9.

 وذكره أيضا في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19616، و 19650 " من المصنف: ج 15، ص 259 وص 276 ط 1.

 ورواه أيضا ابن عساكر في ترجمة كل من طلحة ومروان من تاريخ دمشق.

 (5) تفرد بهذا الذيل - بسند ضعيف - ابن عبد ربه عن أبي إدريس، عن ليث، عن طلحة بن مصرف كما في عنوان: " مقتل طلحة " يوم الجمل من كتاب العسجدة الثانية وتواريخهم من الطبعة المصرية من العقد الفريد ج 3 ص 100.

 (6) هذا هو الصواب، وفي أصلي تصحيف فاحش.

 


[ 34 ]

ثم استسقى عسلا فأتاه (ابن أخيه) بعسل فحسا منه حسوة ثم قال: إن عسلك هذا طائفي وهذا غريب من هذه البلدة.

 قال: يا أمير المؤمنين (أ) ما شغلك ما أنت فيه عن علم هذا ؟ ! فقال: إنه والله ماملا صدري شئ (من أمر الدنيا) يا ابن أخي ! ! !.

 ثم دخل البصرة فخطب خطبته المشهورة الطويلة التي احتوت من الفصاحة والبلاغة وأنواع البديع والمواعظ وذكر عجائب السموات والارض والوعد والوعيد وأتى فيها بما حارت فيه العقول (1).

 ثم بعث إلى عائشة بعد أيام يأمرها بالخروج (من البصررة إلى المدينة) ووجه إليها (مع) ابن عباس بمال كثير ثم ذهب إليها بنفسه وشيعها أميالا (2) ووجه معها أربعين إمرأة - وقيل: سبعين (إمرأة) - من عبد شمس وقال (لهن): كن في هيئة الرجال وهي لا تعلم فسارت إلى أن وصلت المدينة فقيل لها: كيف رأيت مسيرك ؟ قالت: كنت بخير ولقد أعطاني فأكثر لكنه بعث مع حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ! ! ! فكشف النساء عن وجوههن وقلن: أنحن رجال ؟ ! فخرت على وجهها وهي تقول: علي أعرف بالله من ذلك أبى أبن أبي طالب إلا كرما وعلما وحلما والله لوددت أني لم أقاتله ولم أخرج مخرجي هذا الذي خرجته ولو أن لي من رسول الله (ص) عشرة من الولد الذكور مثل أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث بن هشام وإنما خدعت وغررت وقيل لي: تخرجين فتصلحين بين الناس فكان ما كان والله المستعان.

 ثم إنه عليه السلام عند فراغه من (حرب) الجمل كتب إلى معاوية يأمره بالمبايعة له والدخول فيما دخل فيه الناس وأن لا يشق عصى المسلمين و (أن لا) يسفك دماءهم.

 وقد أتينا (على) ذلك من موضعه فلا فائدة في إعادته والله أعلم.

 


(1) ياليت أن المصنف كان ذكر الخطبة، وسد على القراء باب الترديد والاحتمال.

 (2) ما وجدت مصدرا يذكر تشييع أمير المؤمنين عليه السلام إياها غير ما ذكره الطبري بسنده عن سيف الكذاب، في تاريخه ج 4 ص 544.

 روى ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19676 " من المصنف: ج 15، ص 284 قال: حدثنا يحيى بن آدم قال: حدثني أبو بكر، عن جحش بن زياد الضبي قال: سمعت الاحنف بن قيس يقول: لما ظهر علي على أهل البصرة أرسل إلى عائشة (أن) أرجعي إلى المدينة وإلى بيتك.

 قال: فأبت، قال: فأعاد إليها الرسول (يقول لها): والله لترجعن أو لابعثن إليك نسوة من بكر بن وائل معهن شفار حداد يأخذنك بها ! ! ! فلما رأت ذلك خرجت.