[ 35 ]

الباب الرابع والخمسون

في (حوادث) أيام صفين، وما اتفق فيها من الوقائع والمحن وما آل الامر إليه

حدث أبو بكر ابن أبي شيبة قال: خرج علي رضي الله عنه من الكوفة إلى معاوية في خمسة وتسعين ألفا وخرج معاوية من الشام في بضع وثمانين فالتقوا بصفين.

 وكان عسكر علي يسمى الرجرجة لكثرة حركته وعسكر معاوية يسمى الخضرية لاسوداده بالسلاح والدروع.

 قال أبو الحسن (المدائني): وكانت أيام صفين كلها مواقفة ولم يكن هزيمة بين الفريقين إلا على حمية ثم يكرون (1).

 وكان منادي علي عليه السلام يخرج كل يوم فينادي: أيها الناس لا يجهزن على جريح ولا يتبعن مول ولا يسلبن قتيل ومن ألقى سلاحه فهو آمن (2) وعن أبي الحسن قال: خرج معاوية إلى علي رضي الله عنه (يوم صفين) ولم يبايعه أهل الشام بالخلافة وإنما بايعوه على نصرة عثمان والطلب بدمه فلما كان من أمر (الحكمين في) التحكيم ما كان بايعوه بالخلافة.

 وكتب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص يدعوه إلى القيام معه في (طلب) دم عثمان (وهذا نص كتابه إلى سعد):


(1) كذا في أصلي، وفي ط مصر، من العقد الفريد: ج 3 ص 109: " إلا على حامية ثم يكرون " والحمية: الانفة والاباء والمروءة والنخوة.

 والحامية - مؤنث الحامي والتاء للمبالغة -: الجماعة التي تحامي وتذب عن نفسها أو عن غيرها، والجمع الحوامي.

 (2) وفي العقد الفريد: " ولا تتبعن موليا ولا تسلبن قتيلا " ووصية أمير المؤمنين عليه السلام جنده بهذه الوصية في جميع حروبه متواترة أو كادت أن تكون متواترة، وبعض طرقها ذكرناه في المختار: (44 - 47) نهج السعادة: ج 8 ص 337 - 343 ط 1، وذكره أيضا المسعودي قبل إلتحام حرب الجمل في مروج الذهب ج 2 ص 362، والطبري في وقعة صفين من تاريخه: ج 4 ص 6 وفي ط: ج 5 ص 11.

 


[ 36 ]

سلام عليك أما بعد (فإن) أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش الذين أثبتوا حقه واختاروه على غيره وقد نصره طلحة والزبير وهما شريكاك في الامر ونظيراك في الاسلام وخفت (معهما) لذلك أم المؤمنين فلا تكره ما رضوا ولا ترد ما قبلوا فإنما نريد أن نردها شورى بين المسلمين والسلام.

 فأجابه سعد: أما بعد فإن عمر لم يدخل في الشورى إلا من تحل له الخلافة فلم يكن أحد أولى بها من صاحبه إلا باجتماعنا عليه غير أن عليا كان فيه ما فينا ولم يكن فينا ما فيه ولو لم يطلبها ولزم بيته لطلبته العرب ولو بأقصى اليمن وهذا الامر قد كرهنا أوله وكرهنا آخره.

 وأما طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما والله يغفر لام المؤمنين ما أتت والسلام.

 وكتب معاوية إلى قيس بن سعد بن عبادة (وهو أمير مصر من قبل علي عليه السلام): أما بعد فإنما أنت يهودي وابن يهودي إن ظفر بك أحب الفريقين إليك عزلك (واستبدل بك) وإن ظفر بك أبغض الفريقين إليك قتلك ونكل بك، وقد كان أبوك قد أوتر قوسه ورمى غرضه فأكثر الحز / 78 / ب / وأخطأ المفصل، فخذله قومه وأدركه يومه، فمات طريدا ب‍ " حوران " (1).

 فأجابه قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما: أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن دخلت في الاسلام كرها وخرجت منه طوعا لم يقدم إيمانك (ولم يحدث نفاقك) ولا لك سابقة (2) ونحن أنصار (الدين) الذي خرجت منه وأعداء الدين الذي دخلت فيه ! ! !


(1) والحديث رواه ابن عبد ربه في عنوان: " يوم صفين " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 81 ط بيروت، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه، وفيه: " ثم مات طريدا بحوران " (2) هذا هو الصواب الموافق لما رواه أبو الفرج في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من كتاب مقاتل الطالبين ص 66.

 ومثله رواه أيضا البلاذري في الحديث: " 46 " من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 3 ص 40 ط بيروت.

 وفي أصلي ها هنا تصحيف، ورواه أيضا ابن عبد ربه في العقد الفريد، وفيه أيضا في الطبعة البيروتية تصحيف: " ولم يحذر نفاقك ؟ كما في عنوان: " يوم صفين " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 81 ط لبنان.

 


[ 37 ]

وخطب علي عليه السلام يوم صفين لاصحابه فقال: أيها الناس إن الموت (حثيث) لا يعجزه هارب ولا يفوته مقيم اقدموا ولا تنكلوا فليس عنه محيص والذي نفس ابن أبي طالب بيده إن (ألف) ضربة بالسيف (على رأسي) أهون (علي) من موتة على فراش (1).

 أيها الناس اتقوا السيوف بوجوهكم والرماح بصدوركم وموعدي وإياكم الراية الحمراء (2).

 فقال رجل من أهل العراق: ما رأيت كاليوم خطيبا يأمرنا أن نتقي السيوف بوجوهنا والرماح بصدورنا ويعدنا راية بيننا وبينها مائة ألف سيف ! ! قال أبو عبيد في كتابه التاج (3): وجمع علي بن أبي طالب رئاسة بكر ورايتها يوم صفين للحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة وجعل ألويتها تحت لوائه فقال فيه عليه السلام (4): لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل: قدمها حضين تقدما يقدمها في الصف حتى يزيرها (5) حياض المنايا يقطر السم والدما جزى الله عني والجزاء بكفه ربيعة خيرا ما أعف وأكرما


(1) ما بين المعقوفين زيادة منا لاصلاح الكلام، وببالي أن ما وضعناه بين المعقوفين ورد في روايات ومصادر أخر، ولكن لم يتيسر لي المراجعة.

 وفي العقد الفريد: " إن ضربة سيف أهون من موت الفراش ؟ ".

 (2) لا عهد لي بمصدر يذكر هذا الدليل عنه عليه السلام غير عقد الفريد: ج 3 ص 110.

 (3) لا عهد لي بكتاب التاج لابي عبيد.

 (4) كذا في العقد الفريد: ج 5 ص 82 ولكن زاد بعد قوله: " تحت لوائه " ما لفظه: وكانت له راية سوداء يخفق ظلها إذا أقبل، ولم يغن أحد في صفين غناءه، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " لمن راية سوداء " وساق كلامه عليه السلام إلى قوله: " ادخلوا بسلام " وفي أصلي من جواهر المطالب ها هنا تكرار كلمات.

 (5) هذا هو الصواب المذكور في جميع مصادر الابيات وهكذا في العقد الفريد: ج 3 ص 110، من الطبعة الازهرية، وفي ط لبنان: ج 5 ص 82، وفي أصلي من مخطوطة جواهر المطالب تصحيف.

 


[ 38 ]

وكان (لطائفة) همدان بلاء يوم صفين (1) حتى قال فيهم (علي) عليه السلام: لهمدان أخلاق ودين يزينهم وبأس إذا لاقوا (2) وحسن كلام فلو كنت بوابا على باب جنة لقلت همدان: ادخلي (3) بسلام وقال أبو الحسن (المدائني): كان علي بن أبي طالب يخرج كل غداة بصفين في سرعان الخيل فيقف بين الصفين ويقول: يا معاوية يقتل الناس ؟ (4) ابرز إلي وأبرز إليك فيكون الامر لمن غلب.

 فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أنصفك الرجل ! ! فقال (له) معاوية: أردتها والله يا عمرو والله لارضيت عنك حتى تبارز عليا.

 فبرز (عمرو) إليه متنكرا فلما غشيه علي بالسيف / 79 / أ / رمى بنفسه (إلى الارض) وأبدى له عورته فصرف علي وجهه عنه وانصرف عمرو (5) قال: فجلس (عمرو) يوما مع معاوية فلما نظر إليه (معاوية) ضحك فقال له عمرو: مم تضحك أضحك الله سنك ؟ ! ! قال: من حضور ذهنك يوم بارزت عليا إذ اتقيته بعورتك أما والله لقد صادفته كريما منانا ولولا ذلك لخرم رفغيك بالرمح ! ! ! فقال له عمرو: والله إني عن يمينك إذ دعاك إلى البراز فاحولت عيناك وربا سحرك وبدا منك ما أكره ذكره لك وأنت أعلم به (6).

 وذكر عمرو بن العاص عند علي رضي الله عنه فقال فيه علي: عجبا لابن النابغة يزعم أني تلعابة أعافس وأمارس أما - وشر القول أكذبه (7) - إنه


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وكان من همدان في صفين بلاء (حسن) فقال فيهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه... ".

 (2) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد: ج 5 ص 82، وفي أصلي: " يعزهم ببأس... " (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " ادخلوا بسلام ".

 (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " يقتتل الناس ".

 (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فلما غشيه علي... رمى بنفسه إلى الارض وأبدى له سوأته ! ! ! فضرب علي وجه فرسه وانصرف عنه ؟ " (6) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فجلس معه معاوية يوما فنظر إليه (وهو) يضحك... وبدا منك ما أكره ذكره لك ".

 (7) هذا هو الصواب المذكور في غير واحد من المصادر، وها هنا في كل من جواهر المطالب والعقد الفريد حدث التصحيف في كلمات.

 


[ 39 ]

ليسأل فيلحف ويسأل فيبخل فإذا حمي البأس وحمي الوطيس وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا أن يترفط ثيابه ويمنح الناس أسته قبحه الله وترحه وأخزاه وفضحه (1).

 


(1) كلمة: " يترفط " غير واضحة في أصلي.

 وفي العقد الفريد: " فإذا احمر البأس وحمي الوطيس وأخذت السيوف مآخذها من هام الرجال لم يكن له هم إلا نزعه ثيابه ويمنح الناس أسته ؟ أغصه الله وترحه ".

 وفي طبعة مصر: ج 3 ص 111 أيضا تصحيف: لم يكن له هم إلا غرقة ثيابه ويمنح الناس... 


[ 40 ]

ذكر مقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه قال العتبي: لما التقى الناس بصفين نظر معاوية إلى هاشم بن عتبة الذي يقال له: المرقال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ارقل ليموت (1) وكان أعور والراية بيده وهو يقول: أعور يبغي نفسه محلا قد عالج الحياة حتى ملا لابد أن يفل أو يفلا فقال معاوية لعمر بن العاص: يا عمرو هذا المرقال والله لئن زحف بالراية زحفا إنه ليوم أهل الشام الاطول لكني أرى أن (ابن) السوداء إلى جنبه - (يعني) عمارا - وفيه عجلة في الحرب وأرجو أن تقدمه للهلكة (2).

 وجعل عمار يقول: يا أبا عتبة تقدم.

 فيقول (هاشم): يا أبا اليقظان أنا أعلم بالحرب منك دعني أزحف بالراية زحفا.

 فما أضجره (تحريض عمار) تقدم.

 وأرسل معاوية (خيلا) فاختطفوا عمارا رحمه الله وكان يسمي أهل الشام يوم قتل عمار يوم فتح الفتوح (3).

 وقال أبو بكر ابن أبي شيبة عن يزيد بن هارون (عن العوام بن حوشب عن أسود بن مسعود): عن حنظلة بن خويلد قال: إني لجالس عند معاوية إذ أتاه رجلان يختصمان في رأس عمار كل واحد منهما يقول: أنا قتلته ! ! فقال لهما (عبد الله بن) عمرو بن العاصي: ليطب به أحدكما نفسا (لصاحبه) فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (له): يا عمار تقتلك الفئة الباغية (4).

 


(1) كذا في عنوان: " مقتل عمار " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 83 ط لبنان، وفي أصلي: " ارقد ليموت ؟ ".

 (2) وفي العقد الفريد: " وأرجو أن تقدمه إلى الهلكة ".

 (3) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي هنا بعض النقص.

 (4) وهذا الحديث بهذا السند رواه ابن أبي شيبة في عنوان: " باب ما ذكر في (أمر) صفين " في كتاب 


[ 41 ]

(فقال معاوية لعمرو: ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو ؟ فما بالك معنا ؟ قال (عبد الله): إني معكم ولست أقاتل إن أبي شكاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أطع أباك ما دام حيا ولا تعصه.

 فأنا معكم ولست أقاتل).

 وعن أبي بكر ابن أبي شيبة (1) عن ابن علية عن ابن عون عن الحسن (البصري) عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية.

 


الجمل تحت الرقم: " 19691 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 291 ط الهند.

 وما وضعناه في المتن بين المعقوفين مأخوذ منه ومن المصادر الذي نذكرها الان، وكان ساقطا من أصلي.

 ورواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 5 ص 83.

 ورواه أيضا ابن سعد بالسند المتقدم عن ابن أبي شيبة، وبأسانيد أخر من ترجمة عمار من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 181، وفي طبعة بيروت ص 253.

 ورواه أيضا أحمد بن حنبل في أوائل مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي أواخره من كتاب المسند: ج 2 ص 164، وص 206.

 ورواه أيضا البلاذري في الحديث: " 400 " من سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الحديث: " 380 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 1، ص 168، ط 1، وج 2 ص 312.

 (1) هذا هو الصواب المذكور في رواية ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19697 " من المصنف: ج 15، ص 293.

 وفي مخطوطة جواهر المطالب، " عن أبي علية عن أبي عون عن الحسن عن أبيه... " والحديث رواه ابن سعد بأسانيد عن أم المؤمنين أم سلمة في ترجمة عمار بن ياسر، من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 180، وفي طبعة بيروت: ج 3 ص 252.

 ورواه أيضا النسائي بأسانيد كثيرة تحت الرقم " 156 " وما بعده من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام ص 289 طبعة بيروت بتحقيق المحمودي.

 ورواه أيضا بأسانيد الحافظ البيهقي في عنوان: " باب ما جاء في إخبار النبي (ص) بما يحدث بعده " من كتاب دلائل النبوة الورق 210 / ب / من نسخة قيمة يظن أنها كتبت في القرن السابع، وفي طبعة بيروت: ج 6 ص 420.

 ورواه الحافظ ابن عساكر على وجه بديع بأسانيد في ترجمة عمار قدس الله روحه القدوسي من تاريخ دمشق: ج 11، من المخطوطة الظاهرية.

 


[ 42 ]

وعن أبي بكر بن (أبي شيبة) (1) عن علي بن حفص عن أبي معشر عن محمد بن عمارة (بن خزيمة بن ثابت) قال: ما زال جدي خزيمة بن ثابت كافا سلاحه (يوم صفين ويوم الجمل) حتى قتل عمار فلما قتل سل سيفه وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: تقتل عمارا الفئة الباغية.

 وما زال يقاتل حتى قتل.

 وقال: أبو بكر عن غندر عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين وهو شيخ آدم طوال آخذ الحربة بيده ويده ترعد وهو يقول: والذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الحربة ؟ مع رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة.

 والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى بلغنا سعفات هجر لعرفت أنا على الحق وأنهم على الباطل.

 ثم جعل يقول: صبرا عباد الله الجنة تحت ظلال السيوف (2).

 


(1) رواه ابن أبي شيبة في عنوان: " ما ذكر في (أمر) صفين " في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19721 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 302 ط 1.

 ورواه عنه ابن عبد ربه في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " - ولكن ليس فيه: " ويوم الجمل " - من العقد الفريد: ج 5 ص 84 ط بيروت.

 (2) ورواه أيضا - عن ابن أبي شيبة - ابن عبد ربه في عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 5 ص 84.

 وقريبا منه ذكره في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19712 " من المصنف: ج 15، ص 297 ط الهند، قال: حدثنا وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة قال: رأيت عمارا يوم صفين شيخا آدم طوالا ويداه ترتعش وبيده الحربة فقال: لو ضربونا حتى بلغوا بنا سعفات هجر لعلمت أنا على الحق وأنهم على الباطل.

 وذيل الحديث - وتاليه - صحفه بعض النواصب بقول: " لعلمت أن مصلحينا على الحق وأنهم على الباطل ".

 وأيضا روى ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19718 " من المصنف: ج 15، ص 299 قال: حدثنا غندر عن شعبة، عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة سمعه يقول: رأيت عمارا يوم صفين شيخا طوالا آخذ حربة بيده ويده ترعد فقال: والذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أنا على الحق وأنهم على الباطل أنه بعينه الرواية التي نقلها المصنف هنا ولكن سقط منه شئ 


[ 43 ]

وقال أبو بكر ابن أبي شيبة (1) عن وكيع عن سفيان عن حبيب عن أبي البختري قال لما كان يوم صفين واشتد الحرب دعا عمار بشربة لبن فشربها وقال: إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم قال لي: آخر شربة تشربها من الدنيا شربة (من) لبن.

 وعن أبي يزيد (عن محمد بن يحيى) (2) عن محمد بن عبد الرحمان عن أبيه عن جدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: لما بنى رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم مسجده بالمدينة أمر باللبن فقرب ما كان يحتاج إليه ثم قام فوضع رداءه فلما رآى ذلك المهاجرون والانصار ألقوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون (3): لئن قعدنا والنبي يعمل فإن ذاك العمل المضلل (4) قالت: وكان عثمان (بن عفان) رجلا نظيفا (متنظفا) وكان يحمل اللبنة فيجافي بها عن ثوبه وإذا وضعها نفض بكفيه ونظر إلى ثوبه فإن أصابه تراب نفضه فنظر إليه علي عليه السلام ثم أنشأ يقول: لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها راكعا وساجدا وقائما 80 / أ / طورا قاعدا ومن يرى عن التراب حائدا فسمعها عمار بن ياسر فجعل يرتجزها وهو لا يدري من يعني (بها) فسمعه عثمان فقال: يا ابن سمية ما أعرفني بمن تعرض ؟ و (كان) معه جريدة فقال: لتكفن أو لاعترضن بهذه الجريدة وجهك ! ! !


ورواه ابن عبد ربه من غير تحريف في العقد الفريد: ج 3 ص 111، ط مصر، وأيضا رواه على نحو الصواب ابن سعد في ترجمة عمار من الطبقات الكبرى: ج 3 ص 259 ط بيروت.

 ومثله رواه البلاذري في الحديث: (386) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 317 ط 1.

 ومثلهما رواه الحاكم في فضائل عمار من المستدرك: ج 3 ص 384 و 386 وليلاحظ ص 392 منه أيضا.

 (1) رواه ابن أبي شيبة في العنوان المتقدم الذكر تحت الرقم:، " 19723 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 302.

 (2) ما بين المعقوفين مأخوذ من عنوان: " مقتل عمار بن ياسر " من العقد الفريد: ج 5 ص 84 وفيه: " أبو ذر عن محمد بن يحيى بن عبد الرحمان... ".

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فلما رآى ذلك المهاجرون والانصار وضعوا أرديتهم وأكسيتهم يعملون ويرتجزون ويقولون:... (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " ذاك إذا لعمل مضلل ".

 


[ 44 ]

فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل حائط فقال: عمار جلدة بين عيني وأنفي فمن بلغ ذلك منه فقد بلغ مني.

 وأشار بيده فوضعها بين عينيه.

 فكف الناس عنه (1) وقالوا لعمار: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غضب لك ونخاف أن ينزل فينا قرآن ! ! فقال (عمار): أنا أرضيه كما غضب فأقبل إليه فقال: يا رسول الله مالي ولاصحابك ؟ قال: ما لك ولهم ؟ قال: يريدون قتلي يحملون لبنة لبنة ويحملون علي لبنتين لبنتين.

 فأخذه (النبي) وطاف به في المسجد وجعل يمسح عن وجهه التراب وجعل يقول: يا ابن سمية لا يقتلك أصحابي ولكن يقتلك الفئة الباغية.

 فلما قتل (عمار) بصفين وروى هذا الحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال معاوية: هم قتلوه لانهم أخرجوه إلى القتل ! ! ! فلما بلغ ذلك عليا: ونحن قتلنا أيضا حمزة لانا أخرجناه ! ! ! (2).

 قال أبو بكر ابن أبي شيبة (3): انقضت وقعة صفين عن سبعين ألف قتيل خمسين


(1) وللقضية مصادر وأسانيد جمة، يجد الطالب كثيرا منها في حرف الدال من الباب السادس من كتاب نهج السعادة.

 وأيضا حديث: " تقتل عمارا الفئة الباغية " من أثبت أقوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متواتر عنه (ص) وقد أخرجه الحافظ ابن عساكر على وجه بديع في ترجمة عمار من تاريخ دمشق.

 وقد رواه النسائي أيضا بأسانيد في الحديث: " 157 " وما بعده من كتاب خصائص علي عليه السلام ص 289 - 301 ط بيروت بتحقيق المحمودي.

 وأيضا رواه مسلم بأسانيد في الباب " 18 " من كتاب الفتن وأشراط الساعة تحت الرقم: " 2915 " وما بعده من صحيحه: ج 4 ص 2235 ط الحديث.

 ورواه أيضا محمد بن سليمان الكوفي اليمني تحت الرقم: " 828 " في أواخر الجزء السادس من كتابه: مناقب علي عليه السلام الورق 176 / ب / وفي ط 1: ج 2 ص 350.

 ورواه أيضا بأسانيد ابن كثير عند ذكره شهادة عمار رفع الله مقامه في حوادث سنة: " 37 " الهجرية من تاريخه البداية والنهاية: ج 8 ص 269 طبعة دار الفكر.

 (2) رواه ابن أبي شيبة في كتاب الجمل تحت الرقم: " 19706 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 295 قال: حدثنا محمد بن الحسن قال: حدثنا حماد بن زيد عن هشام عن محمد بن سيرين قال: بلغ القتلى يوم صفين سبعين ألفا فما قدروا على عدهم إلا بالقصب، وضعوا على كل إنسان قصبة ثم عدوا القصب.

 (3) كذا في العقد الفريد: ج 5 ص 86 ط بيروت، ولفظ أصلي غامض.

 وليراجع ما رواه ابن أبي شيبة تحت الرقم: " 19713 " من كتاب المصنف: ج 15، ص 297.

 


[ 45 ]

ألفا من أهل الشام وعشرين ألفا من أهل العراق.

 فلما انصرف الناس من صفين قال عمرو بن العاصي: شبت الحرب فأعددت لها مفرع الحارك محبوك الثبج يصل الشر بشر فإذا (1) وثب الخيل من الشر معج (جرشع أعظمه جفرته فإذا ابتل من الماء خرج) (2) وقال السيد الحميري - وهو من كبار الشيعة وكانت الشيعة من تعظيمها له تلقي له وسادة في مسجد الكوفة (كي يتكئ عليها) -: إني أدين بما دان الوصي به وشاركت كفه كفي بصفينا في سفك ما سفكت فيها إذا احتضروا وأبرز الله للقسط الموازينا تلك الدماء معا يا رب في عنقي ومثلها فاسقني آمين آمينا آمين من مثلهم في مثل حالهم في فتية هاجروا في الله شارينا ليسوا / 80 / ب / يريدون غير الله ربهم نعم المراد توخاه المريدونا وقال النجاشي - وكتب بها إلى معاوية - وهو بصفين: يا أيها الملك المبدي عداوته انظر لنفسك أي الامر تنتظر فإن نفست على الاقوام مجدهم فابسط يديك فإن الخير ينتظر واعلم بأن علي الخير من نفر شم العرانين لا يعلوهم بشر نعم الفتى أنت لولا أن بينكما كما تفاضل ضوء الشمس والقمر وما إخا لك إلا لست منتهيا حتى ينالك من أظفاره ظفر


(1) كذا في العقد الفريد: ج 3 ص 112، ط القديم بمصر، وفي أصلي تصحيف.

 (2) ما بين المعقوفين غير موجود في أصلي من جواهر المطالب، وإنما هو من كتاب العقد الفريد.

 


[ 46 ]

خبر عمرو بن العاصي مع معاوية عن سفيان بن عيينة قال: أخبرني أبو موسى (البصري إسرائيل بن موسى (1)) قال: أخبرني الحسن (البصري) قال: علم - والله - معاوية أنه (لو) لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر (2) فقال له: يا عمرو بايعني.

 قال (عمرو): لماذا ؟ الاخرة ؟ فو الله ما معك آخرة ! ! ! أم للدنيا ؟ فو الله لا كان ذلك حتى أشاركك فيها ! ! قال (معاوية): فأنت شريكي فيها.

 قال: فاكتب لي مصر وكورها.

 فكتب له وكتب في آخر الكتاب: (وعلى عمرو السمع والطاعة.

 قال عمرو: واكتب:) السمع والطاعة لا ينقصان من شرطه شيئا (3) قال معاوية: لا ينظر الناس إلى هذا ؟ قال (عمرو): لا والله لا أكتب حتى تكتب قال: فكتب والله ما يجد بدا من كتابتها (4).

 ودخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية وهو يتكلم في مصر وعمرو يقول: إنما أبيعك بها ديني ! ! ! فقال عتبة: أثمن الرجل بدينه فإنه من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم (5).

 وكتب عمرو بن العاصي إلى معاوية: معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل به منك دنيا فانظرن كيف تصنع وما الدين والدنيا سواء وإنني لاخذ ما تعطي ورأسي مقنع


(1) ما بين المعقوفات ماخوذ من ترجمة إسرائيل بن موسى من كتاب تهذيب التهذيب: ج 1، ص 261 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 87 " قال: علم معاوية - والله - إن لم يبايعه عمرو لم يتم له أمر ".

 (3) ما بين المعقوفات مأخوذ من كتاب العقد الفريد، وقد سقط من أصلي من مخطوطة جواهر المطالب الورق 80 / ب /.

 (4) هذا هو الظاهر، وجملة: " لا والله لا أكتب " قد سقطت أو أسقطت من كتاب العقد الفريد.

 (5) هذا هو الظاهر، أي قدر للرجل ثمنا بإزاء دينه الذي تريد أن تشتري منه، فإن الرجل عند الناس يعد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم مرموقون عند الناس وتستفيد من وجاهتهم إذا كانوا معك.

 وها هنا في أصلي المخطوط وفي العقد الفريد كليهما تصحيف، وهذ شنشنة معروفة من بني أخزم حول مناقب أهل البيت عليهم السلام ومخازي أعدائهم ! ! ! 


[ 47 ]

فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة (1) أخذت بها شيخا يضر وينفع ولما قدم عمرو على معاوية وقام معه في شأن (حرب) علي بعد أن جعل له مصر طعمة قال له: إن بأرضك رجلا له شرف واسم وإنه إن قام معك استهويت به قلوب الرجال وهو / 81 / أ / عبادة بن الصامت (2) فأرسل إليه معاوية فلما أتاه وسع له بينه وبين عمرو بن العاصي فجلس (عبادة) بينهما فحمد الله معاوية وأثنى عليه وذكر فضائل عبادة وسابقته وذكر عثمان وفضائله وما ناله وحضه على القيام معه في نصرته.

 فقال عبادة: قد سمعت ما قلت أتدريان لم جلست بينكما ؟ قالا: نعم لفضلك وسابقتك وشرفك ! ! قال: لا والله ما جلست بينكما لذلك وما كنت لاجلس بينكما في مكانكما ولكن (لاجل ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم) بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك إذ نظر إليكما تسيران وأنتما تتحدثان فالتفت إلينا وقال: إذا رأيتموهما جميعا (3) ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير أبدا ! ! !


(1) هذا هو الظاهر المذكور في أصلي، وفي طبعة لبنان من العقد الفريد: " فأربح صفقة... ".

 وللقصة وأبيات ابن النابغة مصادر جمة يقف الباحث على كثير منها في صدر المختار: " 173 " وتعليقته من كتاب نهج السعادة: ج 2 ص 65 وما حولها من ط 1.

 (2) والرجل صحابي بدري من رجال الصحاح الست السنية مترجم في حرف العين من تهذيب التهذيب: ج 5 ص 111، وتحت الرقم: " 4497 " من كتاب الاصابة: ج 2 ص 268، وكذلك في الاستيعاب بهامش الاصابة.

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 88 ط بيروت: " إذا رأيتموهما اجتمعا ففرقوا بينهما... ".

 وما بعده أيضا بعض كلماته يغاير ما ها هنا.

 والحديث رواه ابن عساكر، في ترجمة عمرو بن العاص من تاريخ دمشق: ج 42 ص 99 قال: أنبأنا أبو علي الحداد - وحدثني أبو مسعود الاصبهاني عنه - (قال:) أنبأنا أبو نعيم الحافظ، أنبأنا سليمان بن أحمد، أنبأنا يحيى بن عثمان بن صالح أنبأنا سعيد بن عفير أنبأنا سعيد بن عبد الرحمان، وولد من ولد شداد بن أوس ؟ عن أبيه عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه: أنه دخل على معاوية وهو جالس، وعمرو بن العاص على فراشه ؟ فجلس شداد بينهما وقال: هل تدريان ما مجلسي بينكما ؟ (قالا: لشرفك وسابقتك.

 قال: لا بل) لاني سمعت رسول الله (ص) يقول: " إذا رأيتموها جميعا ؟ ففرقوا بينهما فو الله ما يجتمعا إلا على غدرة " فأحببت أن أفرق بينكما ! ! ! أقول: كان في أصلي: " فو الله ما اجتمعا إلا على عذره ! ! ! وما وضعناه بين المعقوفين أيضا كان 


[ 48 ]

فأنا أنهاكما عن إجتماعكما، وأما ما دعوتماني إليه من القيام معكما فإن لكما عدو هو أغلظ أعدائكما عليكما وأنا كائن من ورائكم وإذا اجتمعتم على شئ دخلنا فيه إن شاء الله تعالى.

 


محذوفا من أصلي وأخذناه مما ذكره الباعوني وابن عبد ربه في عنوان: " خبر عمرو بن العاص ومعاوية " من العقد الفريد: ج 4 ص 114، وفي ط: ج 5 ص 88.

 ثم إنا وجدنا الحديث في أواخر مسند شداد بن أوس تحت الرقم (7161) من المعجم الكبير: ج 7 ص 289 وفيه: حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح، حدثنا سعيد بن عفير، حدثني شداد بن عبد الرحمان من ولد شداد بن أوس، عن أبيه يعلي بن شداد... ورواه عنه الهيثمي وقال: وفيه عبد الرحمان بن يعلى ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.

 كما في مجمع الزوائد: ج 7 ص 241 ولسان الميزان: ج 3 ص 36.

 


[ 49 ]

الباب الخامس والخمسون

فيما كان (بصفين) من تحكيم الحكمين وما كان منهما بعد ذلك

قال أبو الحسن (المدائني): لما كان يوم الهرير وهو أعظم يوم بصفين زحف أهل العراق إلى أهل الشام فأزالوهم عن مراكزهم حتى انتهوا إلى سرداق معاوية فدعا بالفرس وهم بالهزيمة (ثم) التفت إلى عمرو بن العاصي فقال: ما عندك (لمثل هذه الساعة) ؟ قال: تأمر بالمصاحف فترفع في أطراف الرماح ويقال: هذا كتاب الله بيننا وبينكم.

 ففعل (معاوية ذلك).

 فلما نظر أهل العراق إلى المصاحف اختلفوا فقال بعضهم نحاكمهم إلى كتاب الله .

 وقال بعضهم: لا نحاكمهم لانها على الحق واليقين من أمرنا ولسنا على شك ثم اجتمع أمرهم على التحكيم فهم (علي) أن يقدم أبا الاسود الدؤلي فأبى الناس عليه ! ! ! فقال له ابن عباس: اجعلني أحد الحكمين فو الله لافتلن (لك) حبلا لا ينقطع وسطه ولا ينثر طرفاه.

 (ف‍) قال له علي: لست من كيدك وكيد معاوية في شئ (1) ولا أعطيه إلا السيف حتى يغلب الحق.

 قال (و) هو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يعطيك الباطل (2) قال: وكيف ذلك ؟ قال: لانك تطاع اليوم وتعصى غدا وهو يطاع ولا يعصى.

 فلما انتشر على علي أصحابه قال: لله (در) ابن عباس إنه لينظر / 81 / ب / (الى) الغيب من ستر رقيق (3)


(1) ومثله في عنوان: " أمر الحكمين " من حوادث وقعة صفين من الطبعة الازهرية من كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 114.

 ولم يعلم من أين أخذ ابن عبد ربه هذا المطلف الضعيف المعارض لما جاء في كثير من المصادر (2) كذا في أصلي، وفي الطبعة الازهرية من العقد الفريد: " حتى يغلبك الباطل ؟ ".

 هذا خلاف ما جاء في المصادر الموثوقة، وما أدري من أين أخذ المؤلف هذا المطلب، والذي جاء في مصادر عديدة: أنه لما اتفق جمهور جند العراق على قبول التحكيم وأكرهوا أمير المؤمنين عليه السلام على قبوله، أراد عليه السلام أن يجعل ابن عباس حكما ولكن الاشعث وعشيرته والخوارج أبوا عليه ذلك، فأراد أن يختار الاشتر للحكومة، فأبى عليه الاشعث ومن على شاكلته.

 (3) هذا تقول على أمير المؤمنين عليه السلام فإنه كان ينظر إلى الغيب بلا ستار، كما قال عليه السلام: " 


[ 50 ]

ثم اجتمع أصحاب البرانس وهم وجوه أصحاب علي عليه السلام على أن يقدموا أبا موسى الاشعري وكان مبرنسا وقالوا: لا نرضى بغيره ! ! ! فقدمه علي (1) وقدم معاوية عمرو بن العاصي فقال له (معاوية): إنك رميت برجل طويل اللسان قصير الرأي فلا ترمه بعقلك كله.

 وأجلي لهما مكان يجتمعان فيه (فلما أتياه) فأمهله عمرو بن العاصي ثلاثة أيام ثم أقبل إليه بأنواع الطعام يشهيه بها حتى استبطن أبو موسى وكان معاوية أمره بذلك وقال له: إن البطنة تذهب الفطنة (2).

 ثم ناجاه عمرو فقال له: يا أبا موسى إنك شيخ من أصحاب محمد وذو فضلها وسابقتها وقد ترى ما وقعت فيه الامة من الفتنة العمياء التي لابقاء معها فهل لك أن تكون ميمون هذه الامة فيحقن الله بك دماءها فإن الله يقول: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * (32 / المائدة: 5) في نفس واحدة فكيف بمن أحيا هؤلاء الخلق ؟ (3) فقال له (أبو موسى): فكيف ذلك ؟ قال: تخلع أنت علي بن أبي طالب وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ونختار لهذه الامة رجلا لم يحضر في شئ من هذه الفتنة ولم يغمس يده فيها ! ! ! قال (أبو موسى): ومن يكون ذلك ؟ قال عمرو بن العاصي - وقد فهم رأي أبي موسى في عبد الله بن عمر -: فقال: (هو) عبد الله بن عمر.

 قال (أبو موسى): أما إنه كما ذكرت ولكن كيف لي بالوثيقة منك ؟ قال له عمرو: * (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) * (4) خذ (عني) من العهود والمواثيق واليمين ما يرضيك مني.

 ثم لم يبق عمرو بن العاصي عهدا


لو كشف لي الغطاء ما إزددت يقينا ".

 وابن عباس وغيره إن كان عندهم شئ من علم الحقائق والاسرار، فهم عياله في ذلك، كما يدل على ذلك قول ابن عباس: علمي بالنسبة إلى علم علي كالقرارة في البحر المثعنجر.

 هذا أو قريب منه، وببالي أن الحديث مذكور في مادة " ثعجر " من كتاب لسان العرب والقاموس وتاج العروس: ج 3 ص 75.

 (1) كذا قال، وكان الصواب أن يقول: فقبله بعدما أباه ورده مرارا.

 وذلك لان نوكى القراء والاشعث المنافق أصروا على عدم قبول غير الاشعري.

 (2) من قوله: " وكان معاوية أمره بها " إلى قوله: " تذهب الفطنة " غير موجود في طبعة بيروت من العقد الفريد: ج 5 ص 89.

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " فيحقن الله بك دماءها، فإنه يقول في نفس واحدة: * (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا) * فكيف بمن أحيا أنفس هذا الخلق كله ؟ !.

 (4) ما بين النجمتين هي الاية: (28) من سورة آل عمران: 3، اقتبسها كلب الحكمين لاغفال حمار الصحابة والحكمين ! ! !.

 


[ 51 ]

ولا موثقا ولا يمينا مؤكدة يحلف بها مؤمن إلا حلف بها حتى بقي الشيخ (أبو موسى) مبهوتا فقال له: قد أجبتك.

 فنودي في الناس بالاجتماع إليهما فاجتمعوا، فقال له عمرو: قم فاخطب (الناس) يا أبا موسى.

 قال: بل أنت قم.

 قال: سبحان الله أنا أتقدم (عليك) وأنت شيخ من أصحاب محمد والله لا أفعل وعسى في نفسك أمر أو شئ ؟ فزاده إيمانا وموثقا وعهودا (1) حتى قام الشيخ فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس إنه (قد) أجمعت أنا وصاحبي على أن أعزل أنا علي بن أبي طالب ويعزل هو / 82 / أ / معاوية بن أبي سفيان ونجعل هذا الامر لعبد الله بن عمر فإنه لم يحضر في فتنة ولم يغمس يده في دم مسلم ألا وإني قد خلعت علي بن أبي طالب كما أخلع سيفي هذا.

 ثم خلع سيفه من عاتقه (2).

 ثم جلس وقال لعمرو: قم.

 فقام عمرو ثم قال: أيها الناس إنه قد كان من رأي صاحبي ما سمعتم وإنه قد أشهدكم أنه قد خلع علي بن أبي طالب كما خلع سيفه، وأنا اشهدكم أني أثبت معاوية بن أبي سفيان كما أثبت سيفي هذا.

 وكان قد خلع (سيفه) قبل أن يقوم للخطبة فأعاده إلى نفسه ! ! ! فاضطرب الناس وخرجت الخوارج (3) فقال أبو موسى لعمرو: لعنك الله إنما مثلك كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ! ! ! فقال له عمرو: وأنت فلعنك الله إنما مثلك مثل الحمار يحمل أسفارا ! ! ! (4).

 


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " قال: سبحان الله أنا أتقدمك وأنت شيخ أصحاب محمد ؟ والله لافعلت أبدا ! ! قال: أو عسى في نفسك أمر ؟ فزاده إيمانا وتوكيدا... " (2) معاشر العقلاء انظروا إلى الضليل الغبي، بعث ليحكم بحكم القرآن على تعيين ولي الامر وزعيم الامة، فطفق يبدي رأيه ويتبع خطواته الشيطانية، ويقول: أجمعت أنا وصاحبي على كذا ! ! ! (3) كذا في أصلي، ومثله في العقد الفريد: ج 3 ص 116، ط مصر، وهذا سهو منهما فإن الخوارج أخزاهم الله قد خرجوا قبل ذلك بمدة.

 (4) هذه شهادة كلب الحكمين وحمارها على أنفسهما - ولها شواهد قطعية يجدها الطالب في بداية حرب الجمل وصفين من كتب التاريخ - وبها يتجلى ضلاله ابن كثير فيما أورد في عنوان: " ما جاء في إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الحكمين اللذين بعثا في زمن علي رضي الله عنه " من البداية والنهاية ط دار الفكر: ج 6 ص 215 قال: والحكمان كانا من خيار الصحابة وهما عمرو بن العاص... وأبو موسى... قال المحمودي إذا كان ابن العاص كلبا وملعونا بشهادة صاحبه وأبو موسى حمارا وملعونا بشهادة ابن العاص فإدعا كونهما من خيار الصحابة - كما يزعمه ابن كثير - مناقض لعقيدة كل واحد منهما في 


[ 52 ]

وخرج أبو موسى من فوره إلى مكة مستعيذا بالله من علي بن أبي طالب وحلف عى أن لا يكلمه أبدا وأقام بمكة حينا حتى كتب إليه معاوية (بما لفظه): سلام عليك أما بعد فإن النية لو كانت تدفع الخطأ لنجا المجتهد وأعذر الطالب والحق لمن نصب له فأصابه وليس لمن عرض (له) فأخطأه (1) وقد كان الحكمان إذا حكما على رجل ؟ لم يكن له الخيار عليهما وقد اختاره القوم عليكم فاكره منهم ما كرهوه منك (2) وأقبل إلى الشام فإني خير لك من علي ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 فكتب إليه أبو موسى: سلام عليك أما بعد فإنه لم يكن مني في علي شئ إلا ما كان من عمرو فيك غير أن أردت بما صنعت (ما عند) الله وأراد عمرو ما عندك وقد كان بيني وبينه شروط وشورى عن تراض فلما رجع عمرو رجعت.

 وأما قولك: إن الحكمين إذا حكما على رجل لم يكن له الخيار عليهما فإنما ذلك في الشاة والبعير والدينار والدرهم، فأما في أمر هذه الامة فليس لاحد فيما تكره حكم، ولن يذهب الحق عجز عاجز ولا خديعة فاجر.

 


صاحبه، وعدهما من خيار الصحابة نظير عد ابن أبي المنافق وأمثاله من خيار الصحابة ؟ وليس هذا بعيدا من ابن كثير وأضرابه، فإنهم عدوا جميع أعداء علي عليه السلام خيارا مع تواتر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم - من طريقهم -: " يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق " أكان ابن أبي سفيان وأنصاره والحمار الاشعري من أحبة علي أم من مبغضيه ؟ ! !.

 (1) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد: ج 5 ص 92، وفي أصلي: " والحق لما نصب له ".

 (2) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: " وقد كان الحكمان إذ حكما على رجل... وقد اختاره القوم عليكم ".

 


[ 53 ]

وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي رغبة عن مقام إبراهيم (1).

 فبلغ عليا كتاب معاوية إلى أبي موسى فكتب إليه: سلام عليك أما بعد فإنك امرء أضلك الهوى واستدرجك الغرور وخفق لك حسن الظن / 82 / ب / لزومك بيت الله غير حاج ولا قاطن فاستقل الله يقلك فإن الله يغفر (ولا يغفل) وأحب عباده إليه التوابون (2).

 فكتب جوابه إليه: سلام عليك فإنه والله لولا أني خشيت أن يرفعك مني منع الجواب إلى أعظم مما في نفسك علي لم أجبك (3) لانه ليس لي عندك عذر فينفعني ولا قوة تمنعني وأما قولك في لزوم بيت الله الحرام غير حاج ولا قاطن فإني أسلمت أهل الشام (4) وانقطعت عن أهل العراق وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم وعظموا من حقي ما صغرتم إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير.

 وكان علي بن أبي طالب إذ وجه الحكمين قال لهما: إنا حكمناكما على أن تحكما بكتاب الله فتحيا ما أحيا القرآن وتميتا ما أمات القرآن.

 فلما كاد عمرو بن العاصي أبا موسى اضطرب الناس على علي واختلفوا (عليه) وخرجت الخوارج وقالوا: لا حكم إلا لله.

 وجعل علي يتمثل بهذه الابيات: لي زلة إليكم فأعتذر ؟ سوف أكيس بعدها وانشمر (5) وقال أبو الحسن (المدائني): قدم أبو الاسود الدؤلي على معاوية عام الجماعة فقال له معاوية: بلغني يا أبا الاسود أن علي بن أبي طالب أراد أن يجعلك أحد الحكمين فما كنت تحكم (لو جعلك أحدهما ؟) قال: لو جعلني أحدهما لجمعت ألفا من المهاجرين (


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأما دعاؤك إياي إلى الشام فليس لي رغبة عن حرم إبراهيم ".

 (2) كذا في أصلي، غير أن رسم الخط من لفظ " حقق " فيه إلى " خفق " أقرب منه إلى " حقق ".

 وفي العقد الفريد وغير واحد من المصادر: " أما بعد فإنك امرء ضللك الهوى " وما بين المعقوفين مأخوذ منه.

 (3) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: " إلى عظيم ما في نفسك علي... ".

 (4) كذا في أصلي غير أن لفظة: " حاج " كانت فيه مصحفة، وفي العقد الفريد: " فإني اعتزلت أهل الشام ".

 (5) نسبة هذه الابيات إلى أمير المؤمنين عليه السلام غير صحيحة إلا على إرادة الاستفهام الانكاري، إذ الصواب كان معه عليه السلام بداية ونهاية، فمتى كان مخطئا حتى يحتاج إلى الاعتذار إليهم ؟ 


[ 54 ]

وأبناء المهاجرين) وألفا من الانصار (وأبناء الانصار) ثم ناشدت الله المهاجرين والانصار وأبناء (المهاجرين) والانصار: من أولى بهذا الامر ؟ الطلقاء وأبناء الطلقاء ؟ أم المهاجرين والانصار ؟ قال معاوية: لله أبوك أي حكم كنت وأي (حكم) كنت حكمت به ؟ ! ! والله المستعان ؟.

 


[ 55 ]

الباب الخامس والخمسون

فيما كان من تحكيم الحكمين وما كان منهما بعد ذلك

كل ذلك نذكره على طريق الاختصار والله المستعان (1) قال أبو الحسن (المدائني): لما انقضى أمر الحكمين واختلف أصحاب علي عليه، قال بعض الناس: ما منع أمير المؤمنين أن يأمر (بعض) أهل بيته فيتكلم فإنه لم يبق أحد من رؤساء العرب إلا وقد تكلم (قال:) فبينا علي يوما على المنبر إذ التفت (إلى) الحسن ابنه فقال: قم يا حسن فقل في هذين الرجلين عبد الله بن قيس وعمرو بن العاصي.

 فقام الحسن: فقال: أيها الناس قد أكثرتم في هذين الرجلين وإنما بعثا ليحكما بالكتاب على الهوى، فحكما بالهوى على الكتاب (2) ومن كان هكذا لا يسمى حكما ولكنه محكوم عليه / 82 / أ / وقد أخطأ عبد الله بن قيس إذ جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: واحدة (منها) أنه خالف أباه إذ لم يرضه لها ولا جعله من أهل الشورى.

 وأخرى فإنه لم يستأمره في نفسه.

 وثالثة أنه لم يجتمع عليه المهاجرون والانصار الذين يعقدون الامارة ويحكمون بها على الناس.

 وأما الحكومة فرضي الله (بها) وقد حكم النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم برضاء الله لا شك فيه (3) ولو خالف لم يرضه رسول


(1) كذا في الورق 82 / أ / من أصلي، ومثله في مقدمة المصنف، ولكن رجحنا أن العنوان أخر عن محله فقدمناه، ولاجل التحفظ على سياق الاصل ذكرناه على وفقه ثانيا فهذا تكرار ما قدمناه.

 وما ذكره المؤلف ها هنا، أورده ابن عبد ربه في عنوان: " احتجاج علي وأهل بيته في الحكمين " العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 117، ط سنة (1346) بمصر.

 (2) كذا في أصلي غير أن فيه: " فإنما بعثا ".

 وفي العقد الفريد: " وإنما بعثا ليحكما بالكتاب دون الهوى فحكما بالهوى دون الكتاب ".

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأما الحكومة فقد حكم النبي عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ 


[ 56 ]

الله صلى الله عليه (وآله) وسلم.

 ثم جلس.

 فقال علي عليه السلام لعبد الله بن عباس قم (فتكلم.

) فقام عبد الله بن عباس فقال - بعد أن حمد الله وأثنى عليه - (1): أيها الناس إن للحق أهلا أصابوه بالتوفيق والناس بين راض به وراغب عنه، فإنه إنما بعث عبد الله بن قيس يهدى إلى ضلالة وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى هدى (2) فلما التقيا رجع عبد الله عن هداه، وثبت عمرو على ضلاله ! ! ! وأيم الله لئن كانا قد حكما بما اجتمعا عليه ؟ فما اجتمعا على شئ (3) ولئن كانا حكما على ما سارا به، لقد سار عبد الله وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه، فما بعد هذا من غيب ينتظر ؟ ! فقال علي لعبد الله بن جعفر بن أبي طالب: قم (فتكلم).

 فقام (عبد الله) فحمد الله وأثنى عليه فقال: أيها الناس إن هذا الامر كان النظر فيه إلى علي والرضا إلى غيره فجئتم بعبد الله بن قيس مبرنسا فقلتم لا نرضى إلا به.

 وأيم الله ما استفدنا به علما ولا انتظرنا منه غائبا، ولا آمنا ضعفه ولا رجونا صاحبه (4) ولا أفسدا بما عملا أهل العراق، ولا أصلحا أهل الشام ولا وضعا حق علي، ولا رفعا باطل معاوية (5) ولا يذهب الحق رقية راق ولا نفخة شيطان ونحن اليوم ما كنا عليه أمس.

 ثم جلس.

 


في بني قريظة فحكم بما يرضى الله به ولا شك... ".

 آ (1) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد: ج 5 ص 93، وفي أصلي: " فقال عبد الله بن عباس بعد أن حمد الله وأثنى عليه... ".

 (2) هذا هو الظاهر، الموجود في العقد الفريد، وفي أصلي: " فالناس بين راض به وراغب فيه، وإنما بعث عبد الله بن قيس يهدي من ضلالة ؟ وبعث عمرو بن العاص بضلالة إلى هدى... ".

 (3) هذه الجمل: " وأيم الله... على شئ " غير موجودة في طبعة بيروت من العقد الفريد: ج 5 ص 93.

 (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وأيم الله ما استفدنا به علما ولا انتظرنا منه غائبا وما نعرفه صاحبا، وما أفسدا بما فعلا أهل العراق... ".

 (5) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وما أصلحا أهل الشام، ولا رفعا حق علي ولا وضعا باطل معاوية ".

 


[ 57 ]

مقتل مالك (بن الحارث) الاشتر رضي الله عنه وكتب علي رضي الله عنه إلى أهل مصر - حين بعث الاشتر عاملا عليها -: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى الامة الذين غضبوا الله حين عصي في الارض، وضرب الجور بأرواقه على البر والفاجر (1) فلا معروف يستراح إليه، ولا منكر ينهى عنه (2) سلام عليكم.

 أما بعد بعثت إليكم عبدا من عبيد الله / 83 / أ / لا ينام أيام الخوف حذار الدوائر (3) ولا ينكل عن الاعداء أشد على الكفار من حريق النار، وهو مالك بن الحارث فاستمعوا له وأطيعوا (فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا) وإن استنفركم وانفروا معه (4) عصمكم الله بالهدى وزينكم بالتقوى وهو المستعان على ما تصفون.

 وقال الاصمعي: حدثني عوانة بن الحكم (5) قال: لما ولى علي مالك بن (الحارث) الاشتر (مصر) سار (إليها) فلما بلغ العريش قال (له) مولى لعثمان بن عفان: هل لك في


(1) وهذا الكتاب تقدم بأطول مما هنا في أواسط الباب: (50) من هذا الكتاب الورق 65 / ب / وفي هذه الطبعة ص 318، وفيه هكذا.

 إلى قوم الذين غضبوا الله، حين عصي الله وضرب الجور سرداقه على البر....

 والسرداق - بضم السين -، الخيمة.

 الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت.

 الدخان أو الغبار المرتفع المحيط بالشئ.

 والجمع: السرداقات.

 والارواق: جمع الرواق - بضم أوله وكسره -: كساء مرسل على مقدم البيت من أعلاه إلى الارض.

 (2) كذا ها هنا، وفي كثير من المصادر: (ولا منكر يتناهى عنه).

 (3) وفي كثير من المصادر: لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الاعداء حذار الدوائر.. " لا ينكل - من باب ضرب ونصر وعلم -: لا يجبن ولا ينكص.

 وحذار الدوائر: الاحتراز والاحتراس منها.

 والدوائر: جمع الدائرة: النائبة من حوادث الدهر.

 (4) ما بين المعقوفين قد جاء في مصادر عديدة وفيها: " فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا... ".

 (5) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " أبو عوانة بن الحكم ".

 والرجل كان عثمانيا يضع الاخبار لبني أمية، وتوفي سنة: " 158 " كما في ترجمته من لسان الميزان: ج 4 ص 386.

 


[ 58 ]

شربة من سويق ؟ قال: نعم.

 فجعل له فيها سما وسقاه فلما شربها يبس فبلغ (خبره) معاوية فقال: يا بردها على كبدي ثم قال: إن لله جندا من عسل ! وبلغ عليا عليه السلام فاسترجع وقال: لليدين والفم (1).

 وقال عمرو بن العلاء: بلغني أن عتبة بن أبي سفيان قال لابن عباس: ما منع عليا أن يبعثك مكان أبي موسى ؟ فقال (ابن عباس): منعه والله من ذلك حاجز القدر وقصر المدة ومحنة الاسلام أما والله لو بعثني لاعترضت في مدارج نفس عمرو ناقضا لما أبرم ومبرما لما نقض أسف إذا طا ير إذا أسف ولكن مضى قدر وبقي أسف وللاخرة خير لامير المؤمنين.

 وقال خريم بن فاتك الاسدي لو كان للقوم رأي يرشدون به أهل العراق رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل ما مثله لقضاء الامر في الناس (2) لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس وقال الاحنف بن قيس لعلي رضي الله عنه: إنك رميت بحجر الارض (3) وإنه


(1) وبما أن راوي الحديث عوانة بن الحكم كان عثمانيا لبني أمية فلا يمكن تصديقه في هذه الفقرة وأمثالها.

 قال ابن الاثير في مادة: " سفف " من النهاية: " وفي حديث علي (في الخطبة الشقشقية): " لكني اسففت إذ أسفوا (وطرت إذ طاروا) " أسف الطائر: دنا من الارض.

 وأسف الرجل للامر: قاربه.

 (2) كذا في أصلي: والابيات رواها نصر بن مزاحم في الجزء السادس من كتاب صفين ص 502 طبعة مصر، وفيه: لو كان للقوم رأي يعصمون به من الضلال رموكم بابن عباس لله در أبيه أيما رجل ما مثله لفصال الخطب في الناس (3) قال الازهري: وفي حديث الاحنف: قال لعلي - حين ندب معاوية عمرا للحكومة -: " لقد رميت بحجر الارض " أي بداهية عظيمة تثبت ثبوت الحجر في الارض.

 هكذا رواه عنه ابن الاثير في مادة: " حجر " من النهاية، كما ذكره أيضا ابن منظور في لسان العرب.

 وروى الطبري في حوادث سنة: " 37 " من تاريخه: ج 5 ص 52 قال: وجاء الاحنف فقال: يا أمير المؤمنين إنك قد رميت بحجر الارض وبمن حارب الله ورسوله أنف الاسلام، وإني قد عجمت هذا الرجل وحلبت أشطره فوجدته كليل الشفرة قريب القعر، وإنه لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، ويبعد (منهم) حتى يصير بمنزلة النجم منهم (فإن تجعلني حكما فاجعلني) فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا أو ثالثا فإنه لن 


[ 59 ]

لا يصلح لهؤلاء القوم إلا رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد (منهم) حتى يصير بمنزلة النجم، فإن شئت أن تجعلني حكما ثانيا فاجعلني أو ثالثا ؟ فإنه لم يعقد عقدة إلا حللتها ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت له عقدة أخرى أحكم بها.

 فأبا الناس إلا أبا موسى يقضي بما قضى ! ! ! (1).

 والذي أشار به (هو) الاشعث بن قيس وتابعه أهل اليمن.

 وكان (أبو موسى) قد اعتزل الناس في بعض أرض الحجاز (2) فذهب الرسل إليه فأحضروه إلى علي بن أبي طالب / 84 / أ / وأمروا أن يكتب بينهم كتابا فكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين.

 فقال عمرو: اكتب اسمه واسم أبيه هو أميركم وليس بأميرنا.

 فقال الاحنف: لا يكتب إلا أمير المؤمنين.

 فقال علي (عليه السلام للكاتب): امح أمير المؤمنين واكتب: هذا ما قضى عليه علي بن أبي طالب (3) فكتب الكاتب: هذا ما قضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، قاضى علي على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم من المسلمين وقاضي معاوية على أهل الشام ومن معهم


يعقد عقدة إلا حللتها، ولن يحل عقدة أعقدها إلا عقدت لك أخرى أحكم منها.

 فأبا الناس إلا أبا موسى ! ! ! أقول: ومثله في وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 501 ط مصر، وما وضعناه في المتن بين المعقوفين مأخوذ منه.

 (1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " يقضي الله بما قضى ".

 وفي كتاب صفين: ص 500 طبعة مصر: " فقال الاشعث: والله لان يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون (بعض) ما نحب في حكمهما وهما مضريان ! ! ! ".

 وليراجع كتاب المعيار والموازنة ص 158، طبعة بيروت.

 (2) هذه اللفظة في أصلي غير واضحة، وربما تقرأ: " الحجارة ".

 وفي كتاب وقعة صفين ص 500: فبعثوا إلى أبي موسى وقد اعتزل بأرض من أرض الشام يقال لها: عرض.

 وقريب منه في تاريخ الطبري: ج 5 ص 52.

 وقيل: " عرض " بلد بين تدمر والرصافة الشامية.

 (3) وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 52 قال: وقال له الاحنف: لا تمح اسم إمارة المؤمنين فإني أتخوف إن محوتها أن لا ترجع إليك أبدا، لا تمحها وإن قتل الناس بعضهم بعضا ! فأبى ذلك علي مليا من النهار... 


[ 60 ]

من المسلمين أننا على حكم الله وكتابه نحيي ما أحيا (ه الله) ونميت ما أمات الله فما وجد الحكمان - وهما أبو موسى الاشعري وعمرو بن العاص - في كتاب الله عملا به وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المفرقة (1).

 ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية (و) من العسكرين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما و (أن) الامة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه (2) وعلى المؤمنين من الطائفتين عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجل القضاء إلى (شهر) رمضان وكتب في يوم الاربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين على أن يوافي علي (و) معاوية موضع الحكمين بدومة الجندل وأن يجتمعا لذلك اجتماعا من العام المقبل.

 وخرج الاشعث بن قيس بالكتاب (كي) يقرؤه على الناس (3) فمر بطائفة من بني تميم فيهم عروة بن أدية فقرأه (عليهم) فقال (عروة): تحكمون في أمر الله الرجال ؟ لا حكم إلا لله.

 ثم ضرب عجز دابة الاشعث فغضب الاشعث (و) قومه وأذن بالرحيل فمضى على غير طريق البر على شاطئ الفرات حتى انتهى إلى هيت (4).

 وقال سيف بن عمر (5): أقاموا بصفين تسعة أشهر وكان بينهم القتال نحو سبعين زحفا وقتل في ثلاثة أيام نحو من سبعين ألفا من الفريقين.

 قال الزهري: بلغني إنه كان في القبر خمسين نفسا.

 وقال ربيعة بن لقيط: (أ) مطرت عليهم السماء دما حتى كانوا يأخذونها في الانية.

 


(1) أي السنة التي تكون مورد وفاق المسلمين جميعا ولا تكون من متفردات إحدى الطائفتين وتنكرها الطائفة الاخرى.

 (2) ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 53 ط بيروت، وفي كتاب صفين: " على ما قضينا به من العدل " وهو الظاهر.

 (3) كلمتا: " يقرؤه على " رسم خطهما غير واضح في أصلي، ولكن حاجة السياق إليهما واضحة.

 (4) رحيل الاشعث وانتهاؤه إلى " هيت " بعد ضرب عجز دابته لم أره في المصادر التاريخية، والمصنف لم يصرح بأنه من أي مصدر أخذه، فليتثبت.

 (5) قد اتفقت كلمة الحفاظ على تضعيف سيف بن عمر هذا، وترك حديثه، بل رماه غير واحد منهم بالزندقة ! !.

 وذكره ابن حجر في ترجمته من كتاب تهذيب التهذيب: ج 4 ص 295 وقال: قال ابن معين: (هو) ضعيف الحديث.

 وقال مرة: فليس خير منه 


[ 61 ]

قال كتابه وجامعه محمد بن (أحمد بن ناصر) الباعوني لطف الله به: هذا ما نقلته / 84 / ب / من تاريخ الامام العلامة أحمد بن محمد بن عبد ربه (1) المسمى بالعقد (الفريد) - وهو من أجل كتب التاريخ وأبلغها عبارة وأفصحها (2) - وهو ما يتعلق


وقال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه الواقدي.

 وقال أبو داود: ليس بشئ.

 وقال النسائي والدار قطني: ضعيف.

 وقال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها.

 وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الاثبات وقالوا: إنه يضع الحديث قال ابن حجر: قلت: بقية كلام ابن حبان: أتهم بالزندقة ! ! !.

 وقال البرقاني عن الدراقطني: متروك.

 وقال الحاكم: أتهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط.

 ثم قال ابن حجر: قرأت بخط الذهبي (أنه) مات سيف زمن رشيد.

 وليراجع ترجمته من كتاب ميزان الاعتدال: ج 1، ص 438، واللالي المصنوعة: ج 1، ص 157، و 199، و 429 والغدير: ج 8 ص 84 و 140، و 326 طبعة بيروت.

 (1) ابن عبد ربه ولد عام: " 246 " الهجري وتوفي سنة " 328 " بمدينة قرطبة، وهو مترجم تحت الرقم: " 46 " من كتاب وفيات الاعيان: ج 1، ص 110، وفي معجم الادباء: ج 4 ص 212، وفي الوافي بالوفيات: ج 8 / الورقة 3، ولترجمته مصادر أخر فليراجع.

 (2) أما كون كتاب العقد الفريد فصيحة العبارة، بليغة الالفاظ، لا كلام فيه، وأما كونه من أجل كتب التاريخ فلا، وكيف يمكن أن يكون من أجل كتب التاريخ وأكثر محتوياته بلا سند، ولم يوجد لها مصدر، ويحتمل أنه أخذه من الوضاعين والافاكين ! ! ! وكيف يكون من أجل كتب التواريخ، وبين محتوياته تهافت من حيث التعبير والزيادة والنقيصة والتحريف، وإن كان يحتمل أن التحريف فيه، يكون من جانب المستنسخين وعبث العابثين به، كما صرح بذلك محقق الطبعة اللبنانية، محمد سعيد العريان في مقدمة طبعته البيروتية، في الجزء الاول منه ص 28 - 30 ولكن يكفي لضعف محتوياته التي لا شاهد لها، ما ذكرناه أولا.

 وليراجع مقدمة الطبعة البيروتية البتة.

 ثم القسم الذي ينقله ابن عبد ربه مسندا أيضا لابد من ملاحظة وثاقة رواته ثم ملاحظة أن لا يكون له معارض مثله أو أقوى منه، كما هو الشأن في جميع المسانيد والروايات المعنعنة.

 وموجز الكلام أن شأن كتاب العقد الفريد كشأن بقية التواريخ في الحاجة إلى عرض محتوياته على الموازين العلمية فما قبلته الموازين العلمية يقبل، وما لم يوافقه المقياس العلمي يرد.

 كل هذا مع الغض عن التعصب الجاهلي لمؤلفه، ومع ملاحظة تعصباته لا بد من رد كثير من منقولاته التي لا شاهد خارجية لها، لقيام القرينة القطعية على عدم التزام مؤلفه بحق العلم وأداء 


[ 62 ]

بحروبه ووقايعه وما اتفق بالجمل وصفين وغيرهما.

 (ثم) عن لي أن أذكر غيره من المؤرخين في معنى ذلك من حين بويع إلى انقضاء (حرب) صفين، ثم أذكر بعد ذلك قضايا الخارجين (عليه) من الخوارج وكل ذلك أذكره في غاية الاختصار فلو ذكرت ما ذكره أصحاب التواريخ المطولة كابن جرير الطبري وصاحب مرآة الزمان وابن الاثير وغيرهم لطال الكلام والشرح وهذه النبذة منه إن شاء الله كافية ونسأل الله السلامة والعافية (فنقول:) قال أبو محمد بن جرير (1): لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المغيرة بن شعبة لعلي بن أبي طالب: قم فاصعد المنبر قبل أن يصعده غيرك.

 فقال علي: إني استحي من الله أن أصعد منبرا ورسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم (لم) يدفن ؟ ! ! ولما كانت (أيام) الشورى قال المغيرة: انزع نفسك منها فإنهم لا يبايعون غيرك.

 وقال له حين قتل عثمان: اقعد في بيتك ولا تدع الناس إلى بيعتك فإن الناس لا يبايعون سواك.

 وقال له حين بويع: ابعث إلى معاوية بعهده ثم اعزله بعد ذلك فلم يفعل ليقضي الله أمرا كان مفعولا.

 (و) قال الامام الحافظ البيهقي (ره) (2): أما من خرج من أهل الشام على علي رضي الله عنه فإنهم غير مصيبين بالاجماع فإن عليا له السابقة من الاسلام والقرابة والهجرة والمصاهرة والجهاد والفضائل الكثيرة الجمة والمواقف المشهورة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لا تحصى ولا تخفى (هذه الفضائل) إلا على جاهل بحقه ولا خفاء عند كل ذي فتنة وبصيرة أن الذي خرج عليه كان باغيا متعديا جاحدا بحقه فإنه لم يكن يومئذ على الارض أفضل منه ولا أحق بالخلافة ولا أجمع لشروطها منه.

 


الامانة، ومن أراد أن يلاحظ نموذجا من هذا النمط فليراجع ما نقله عنه العلامة الاميني في كتاب الغدير: ج 3 ص 78 طبعة بيروت.

 (1) كذا في أصلي، والحديث مرسل ورواته مجهولون غير معروفين والمغيرة بن شعبة كان مبتلى بسرطان النفاق وهو بغض الامام علي بن أبي طالب عليه السلام وكان من أسب الناس له.

 (2) لم يتيسر لي مراجعة كتب البيهقي فلعل البيهقي ذكر هذا الكلام في كتاب شعب الايمان أو في اعتقاداته.

 ومع هذا كله يعظم البيهقي قائد الفئة الباغية ويعده من أولي الامر الذين يجب طاعتهم ! ! ! 


[ 63 ]

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر عمارا أن الفئة الباغية تقتله.

 وهم هؤلاء الذين خرجوا عليه وحاربوه يوم صفين (و) قال الامام الحافظ أبو بكر ابن خزيمة: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم / 85 / أ / وأولاهم بالخلافة أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي بن أبي طالب فكل منازع نازعه فهو باغ عليه متعد جاحد بحقه هذا ما عرفنا (ه) وأخذناه من مشايخنا البارين ؟ (1).

 قال الامام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تقوم (الساعة) حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما فتنة عظيمية ؟ دعواهما واحدة.

 والصحيح أن عليا قاتلهم وهو على الحق وهم على الباطل.

 وكان السبب في صفين أن عليا لما فرغ من (حرب) الجمل وبلغه اجتماع أهل الشام على معاوية على الطلب بدم عثمان سار ينحو الشام والفرات.

 وسار (معاوية) أيضا بجنوده فاجتمعوا بصفين وتراسلوا وتكاتبوا نحوا من شهر فامتنع (علي) من إقرار معاوية على الشام وامتنع معاوية من المبايعة لعلي وقال: أنا ولي عثمان والمطالب بدمه وقد انضاف أولياء الدم إلي ولا أسلم إلا لامام مجمع عليه قد رضي به أكفاؤه ونظراؤه.

 ونشب الحرب لخروج طلحة والزبير (2).

 (و) قال الحافظ الخطيب (ره) (3): إنهم التقوا سبعة أيام متتابعة يخرج بعضهم لبعض كل كتيبة مقابلة لكتيبة يقتتلان إلى المساء ثم يرجعان وقد انتصف بعضهم من بعض.

 وفي اليوم الثامن رجعوا من الجانبين ؟ وانصرفوا عند المساء ثم رجعوا بأجمعهم من الجانبين وانصرفوا عند المساء وكل غير غالب.

 


(1) كلام ابن خزيمة هذا بنحو الكلي والمطابقة وإن لم يمكن إقامة شاهد عليه - لان الشواهد قائمة على خلاف إطلاق كلامه - ولكن عقيدته هذه غير ملائمة لموالاته معاوية ومن على نزعاته ! ! ! وهذا أحد الموارد التي التزم المفارقون لاهل البيت عليهم السلام بالتضاد والتناقض ! ! حيث يعتقدون ويريدون أن يجمعوا بين حب معاوية ومن على نزعته، وبين حب من حبه إيمان وبغضه نفاق ! ! ! للاثر المقطوع الصدور عن النبي (ص): يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ! ! ! (2) ما بثه معاوية إلى خواصه وجرى بينهما أجلى لكشف نوايا معاوية مما ذكره المصنف ها هنا.

 (3) لم أطلع بعد على المصدر الذي ذكر الخطيب فيه هذه القصة.

 


[ 64 ]

ثم التقوا في اليوم التاسع واشتد الحرب بين الفريقين وقتل من أصحاب علي عمار بن ياسر وهاشم بن (عتبة) وعبد الله بن بديل.

 و (قتل) من أصحاب معاوية عبد الله بن عمر وذو الكلاع وغيرهما واقتتل الناس تلك الليلة حتى أصبح الصباح وهي ليلة الهرير.

 وذكر القاضي أبو بكر (1) أنهم لما التقوا في اليوم التاسع وقد كانوا يتنادون في كل عشية من تلك العشاء ؟ بالانصراف فينصرفون إلى معسكرهم فيبيتون ويداوون الجرحى ويصلحون شأنهم فلما نادى المنادي تلك الليلة على الرسم وسمع أهله الرايات والطلائع والمقدمة النداء بالانصراف تنادوا من كل ناحية: لا براح لنا واللقاء من هذه البقعة إلى المحشر ! ! فاشرأب الناس / 85 / ب / بعضهم إلى بعض وعظم البلاء، واشتد القتال وآيس الناس من الحياة واستسلموا للموت وملوا مما عضهم من السلاح وألم الجراح ! ! وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض كتزاحف السيول ! ! ! ثم التقى الناس (عند) المغرب والعشاء فلم يصلوا إلا إيماءا ثم تطاعنوا بالرماح حتى تكسرت فلم يسمع إلا قصفا ثم تضاربوا بالعمد الحديد ومواضي السيوف على الهام والاقدام وكلما جهدهم القتال وجهضهم ؟ كفوا هنيهة ثم رجعوا إلى المضاربة ! ! وكان علي رضي الله عنه يباشر الحرب بنفسه ويده فإذا وقف على قوم وقفة ؟ يعترضهم بها وسيفه معلق بيده اليسرى وهو يقول: دبوا دبيب النمل لا تفوتوا وأصبحوا بحربكم وبيتوا حتى تنالوا الفوز أو تموتوا ليس لكم ما شئتموا وشئت بل ما يريد المحيي المميت (2) ثم (يطفق) يضرب بسيفه حتى ينثني ويقول تحت العجاج إذا حمي الضراب: من أي يومي من الموت أفر ؟ أيوم لن يقدر أم يوم قدر ؟ (3)


(1) لم تتبين لي معرفة أبي بكر ناقل هذه القضية ولعله أبو بكر الباقلائي (2) وللابيات مصادر، وقد رواها نصر بن مزاحم في أواخر الجزء السادس من كتاب صفين ص 403 ط مصر.

 (3) وللابيات مصادر، يجد الطالب ذكر كثير منها في حرف الراء من الباب السادس من كتابنا نهج السعادة.

 


[ 65 ]

وقد سمع صوته تحت العجاج وهو يقرأ: * (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * (115 / المؤمنون: 23 /).

 وقيل: إنه جرح خمس جراحات ثلاث في رأسه وثنتين في وجهه.

 وقتل تلك الليلة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.

 ولم يزل الفريقان على ذلك من التضارب والتراضخ والتكادم، يحصد بعضهم بعضا كحصاد الزرع حتى برق الفجر على ذلك (ولم يصلوا حتى قرب) طلوع الشمس ! ! ! ثم صاح صائح بين الفريقين: يا معشر المسلمين من أمة محمد (أرفضتم الاسلام) بعد الدخول (فيه) وأضعتم الصلاة بعد وجوبها الصلاة الصلاة الله الله في (أمة محمد) حتى صار عالما من الناس ينادون ويقولون: من للروم إذا قتل المسلمون (من أهل الشام) ؟ من للفرس والترك إذا قتل أهل العراق ؟.

 والناس يتكالبون ويتضاربون بالسيوف ! ! ! فأشار عمرو (بن العاص) على معاوية برفع المصاحف والدعاء إلى حكم الله ففعل (معاوية) فأمسك الفريقان وصلوا الغداة وأذن معاوية لهؤلاء بأن يدخلوا على هؤلاء.

 ووقعة صفين عظيمة والاخبار عنها كثيرة مختلفة الروايات.

 وقال أبو محمد عبد الله بن مسلم (1): في حديث ابن عباس / 86 / أ قال: ما رأيت والله رجلا من الناس يزن علي بن أبي طالب (2) وعقم النساء أن يأتين بمثله، والله ما رأيت ولا سمعت بمن يوازنه لقد رأيته يوم صفين وعلى رأسه عمامة بيضاء وكأن عيناه سراجا سليط وهو بين أصحابه يقف على شرذمة (شرذمة) يحرضهم حتى انتهى إلي وأنا في كثف


(1) وهو ابن قتيبة، ذكر الحديث في أول كتاب الحرب من كتاب عيون الاخبار: ج 1، 110.

 ورواه بسنده عنه ابن عساكر في الحديث: " 1303 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 3 ص 187، ط 2.

 وقد رواه أيضا السيد الرضي في المختار: " 64 " من نهج البلاغة، ونحن أيضا ذكرناه في المختار: " 215 " من نهج السعادة: ج 2 ص 228 طبعة 1.

 وقد ذكرنا للخطبة مصادر كثيرة في ذيل المختار المتقدم الذكر من نهج السعادة، وفي تعليق الحديث: " 1303 " من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق.

 (2) كذا في أصلي، ومثله في مادة: " زنن " من كتاب الفائق، وقال: يزن به أي يتهم بمشاكلته.

 وفي كتاب عيون الاخبار: " ما رأيت رئيسا يوزن به " وهو الظاهر.

 


[ 66 ]

من الناس (1) فقال: يا معشر المسلمين استشعروا الخشية وغضوا الاصوات (2) وتجلببوا السكينة (وأكملوا اللؤم وأخفوا الجنن) واطعنوا الوحر (وعضوا على النواجذ فإنه أنبى للسيوف عن الهام وأكملوا اللامة والحظوا الخزر) (3) ونافحوا بالظبا وصلوا السيوف بالخطا والرماح بالنبل (4) فإنكم بعين الله ومع ابن عم نبيه (5) عاودوا الكر (واستحيوا من الفر) (6) وأعلموا الاسنة (7) وأقلقوا السيوف في الاغماد قبل السلة والحظوا الشزر واستحيوا من الفرار فإنه عار باق في الاعقاب ونار في (يوم) الحساب وطيبوا عن أنفسكم نفسا وامشوا إلى الموت (مشيا) سجحا وعليكم بهذا السواد الاعظم والرواق المطنب فاضربوا ثبجه، فإن الشيطان راكب صعبه مفترس ذراعيه (8) قد قدم للوثبة (يدا) وأخر للنكوص (رجلا (9) فصبرا (صبرا) حتى يتجلى لكم صبح اليقين وأنتم الاعلون (والله معكم ولن يتركم أعمالكم) (/ 35 / محمد: 47) (10).

 


(1) كذا في المطبوعة من كتاب عيون الاخبار - غير أن مصححه قال: و (كان) في الاصل: " وأنا في كنف " - والكثف: الحشد والجماعة.

 وفي أصلي من مخطوطة جواهر المطالب أيضا " وأنا في كنف ".

 (2) كذا في أصلي، ومثله في كثير من المصادر، ولكن في كتاب عيون الاخبار: " وعنوا الاصوات " أي احبسوا الاصوات ولا ترفعوها.

 (3) ما بين المعقوفين أخذناه من المختار: (64) من نهج البلاغة وغيره، وفي أصلي تصحيف.

 (4) ومثله في الحديث: (1200) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 186، ط 2.

 ونافحوا: كافحوا.

 ضاربوا.

 وظبا - بضم أوله -: جمع ظبة: طرف السيف وحده.

 (5) وفي مروج الذهب: " مع ابن عم رسول الله " وفي نهج البلاغة: " واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله " وفي نهج البلاغة: " واعلموا أنكم بعين الله ومع ابن عم رسول الله... ".

 (6) ما بين المعقوفين أخذناه من نهج البلاغة وتفسير فرات، وفي مروج الذهب: " واستقبحوا الغر ".

 (7) كذا في المخطوطة الظاهرية من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق، ولعله من قولهم: أعلم فلان نفسه: وسمها بسيماء الحرب ؟ ولكن في مخطوطتي من جواهر المطالب - ومثله في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: ج 18، ص 49 ط دار الفكر -: " وأعلموا الاسنة ".

 (8) ينبغي للذين جمعوا بين محبة أولياء الله ومحبة أعدائه أن يتأملوا في هذا الكلام حق التأمل.

 (9) وها هنا في مخطوطتي من جواهر المطالب تصحيف: " وعليكم بالسواد الاعظم والرواق المطنب، فاصبروا سحة... قد قدم الوثبة وأخر اللكوص ؟ ".

 (10) كذا في أكثر مصادر الخطبة، وفي أصلي المخطوط من جواهر المطالب: " فصبرا حتى يتجلى لكم صبح اليقين وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين ".