[ 67 ]

الباب السادس والخمسون

في خروج الخوارج عليه واحتجاجهم عليه، وما أنكروه من التحكيم وما اتفق على أهل النهروان ؟

وذلك إن عليا عليه السلام لما اختلف عليه أصحابه أهل النهروان والقرى ؟ وأصحاب البرانس نزلوا قرية يقال لها: حروراء وذلك بعد وقعة صفين فخرج علي إليهم وقال لهم: يا هؤلاء من زعيمكم ؟ قالوا: ابن الكواء.

 قال: فليبرز إلي.

 فبرز إليه ابن الكواء فقال له علي رضي الله عنه: يا ابن الكواء ما أخرجكم علينا بعد رضا (كم ب‍) الحكمين ومقامكم بالكوفة ؟ قال (ابن الكواء): قاتلت بنا عدوا لا يشك في جهاده فزعمت أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار فبينا نحن كذلك إذ أرسلت منافقا وحكمت كافرا وكان من شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم كتاب الله بيني وبينكم فإن قضى الله علي تابعتكم وإن قضى عليكم تابعوني.

 فلولا شكك لم تفعل هذا والحق في يدك ؟ ! فقال علي: يا ابن الكواء إنما الجواب بعد الفراغ أفرغت فأجيبك ؟ قال: نعم.

 قال عليه السلام: أما قتالك لعدوك وأنت لا تشك في جهاده فصدقت ولو شككت / 86 / ب / لم تقاتلهم (1).

 وأما قتالنا وقتالهم فقد قال الله في ذلك (ما) يستغنى به عن قولي (2).

 


(1) كذا في أصلي، وفي عنوان: " احتجاج علي على أهل النهروان " من العسجدة الثانية من كتاب العقد الفريد: ج 5 ص 94 طبعة بيروت: " وأما قتالك معي عدوا لا نشك في جهاده فصدقت، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم... ".

 (2) كما في الاية التاسعة من سورة الحجرات * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله...) *.

 


[ 68 ]

وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر (فأنت) أرسلت أبا موسى وأرسل معاوية عمرو بن العاصي وأنتم أتيتم بأبي موسى مبرنسا (1) وقلتم: لا نرضى إلا به فهلا قام إلي رجل منكم فقال: يا علي لا نعط هذه الدنية فإنها ضلالة (2).

 وأما قولي لمعاوية: (إن جرني إليك كتاب الله اتبعتك وإن جرك إلي فاتبعني) وزعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك فقد علمت أن أوثق ما في يديك هذا ألا تحدثني ويحك (3) عن اليهود والنصارى أو مشركي العرب أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشام ؟ قال: بل معاوية وأهل الشام أقرب ؟ قال علي: أفرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أوثق بما في يديه من كتاب الله أم أنا ؟ قال: بل رسول الله (ص) قال: أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول: * (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين) * (49 / القصص: 28) أما كان رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يعلم أنه لا يؤتى بكتاب (هو أهدى) منهما ؟ (4) (قال ابن الكواء: بلى.

 قال: فلم أعطى رسول الله القوم ما أعطاهم ؟ قال: إنصافا وحجة.

 قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله) (5).

 قال ابن الكواء: فإني أخطأت، (هذه) واحدة فزدني.

 (ف‍) قال علي عليه السلام: فما أعظم ما نقمتم علينا ؟ قال: تحكيم الحكمين نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهم شكا وتبديلا (6) ! ! ! قال علي (عليه السلام): فمتى سمي أبو موسى حكما ؟ (أ) حين أرسل أم حين حكم ؟ قال: حين أرسل.

 قال: أليس أرسل وهو مسلم ؟ وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله ؟ قال: بلى.

 قال علي: فلا أرى الضلال في إرساله.

 قال ابن الكواء:


وها هنا في الطبعة البيروتية من العقد الفريد تصحيف (1) ما بين المعقوفين هنا - وأكثر ما يأتي بعد ذلك - مأخوذ من العقد الفريد، وفيه: " وأما إرسالي المنافق وتحكيمي الكافر فأنت أرسلت أبا موسى مبرنسا، ومعاوية حكم عمرا، أتيت بأبي موسى مبرنسا... ".

 (2) هذا هو الظاهر المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: " إنها ضلال ".

 (3) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وإن جرك إلي تبعتني.. فحدثني ويحك عن اليهودي... ".

 (4) وفي العقد الفريد: " أما كان رسول الله يعلم أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى مما في يديه ؟ قال: بلى... ".

 (5) ما بين المعقوفين كان ساقطا من أصلي، وأخذناه من العقد الفريد.

 (6) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " شكا وتبذيرا... ".

 


[ 69 ]

سمي حكما حين حكم.

 قال: نعم (إذا فإرساله كان) عدلا (1) أرأيت يا ابن الكواء لو أن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم بعث رجلا مؤمنا إلى قوم مشركين يدعوهم لكتاب الله ؟ فارتد على عقبيه كافرا أكان يضر نبي الله شيئا ؟ قال: لا.

 قال: فما (كان) ذنبي إن كان أبو موسى ضل ؟ هل رضيت حكومته حين حكم ؟ أو قوله حين قال ؟.

 (قال) ابن الكواء: لا ولكنك جعلت مسلما وكافرا يحكمان في كتاب الله ! قال علي: ويحك يا ابن الكواء هل بعث عمرا غير معاوية ؟ وكيف أحكمه وحكمه على ضرب عنقي ؟ ! ! إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك ! ! وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان فيحكمان في أمر الله أرأيت لو أن رجلا مؤمنا / 86 / ب / تزوج يهودية أو نصرانية فخافا الشقاق بينهما ففزعا إلى كتاب الله (والله يقول) في كتابه: * (فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) * (35 / النساء: 4) فجاء رجل من اليهود (أ) والنصارى الذين ؟ يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما (2) قال ابن الكواء: وهذه أيضا (يرد قولنا) أمهلنا حتى ننظر.

 فانصرف عنهم علي (عليه السلام).

 قال صعصعة بن صوحان: يا أمير المؤمنين ائذن لي في كلام القوم ؟ قال: نعم ما لم تبسط يدا.

 قال: فنادى صعصعة ابن الكواء فخرج إليه، فقال: أنشدكم الله معاشر الخارجين أن لا تكونوا (عارا) على من يقرأ القرآن وأن لا تخرجوا بأرض تسمون بها بعد اليوم (3) وأن لا تستعجلوا ضلال عام خشية ضلال عام قابل ! ! ! (ف‍) قال له ابن الكواء: إن صاحبك لقينا بأمر (قولك فيه صغير) فأمسك صابرا (4) ثم خرج علي بعد ذلك إليهم، فخرج ابن الكواء إليه فقال له علي عليه السلام: يا ابن الكواء إنه من أذنب في هذا الدين ذنبا يكون في الاسلام حدثا استتبناه من ذلك


(1) ما وضعناه بين المعقوفين كان ساقطا من أصلي، وأخذناه من العقد الفريد: ج 5 ص 94 طبعة بيروت.

 (2) كذا في طبعة بيروت من العقد الفريد، وفي أصلي: " أيجوز لهما أن يحكما في كتاب الله فحكما... ".

 (3) كذا في أصلي، غير أن ما بين المعقوفين كان ساقطا منه، وأخذناه من العقد الفريد طبعة لبنان، وفيه: " أنشدكم بالله يا معشر الخارجين أن لا تكونوا عارا على من يغزوا لغيره ؟... ".

 (4) ما بين المعقوفين لم يكن في أصلي، وإنما أخذناه من العقد الفريد، ولا توجد فيه لفظة: " صابرا ".

 


[ 70 ]

الذنب بعينه، وإن من توبتك أن تعرف هدى ما خرجت منه، وضلال ما دخلت فيه.

 قال ابن الكواء: إنا لا ننكر أنا قد فتنا ! ! ! فقال عبد الله بن عمرو بن جرموز (1): أدركتنا والله هذه الاية: * (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا: آمنا وهم لا يفتنون) * (1 - 2 / العنكبوت: 27 ؟).

 وكان عبد الله (هذا) من قراء أهل حروراء، فرجعوا وصلوا خلف علي الظهر وانصرفوا معه إلى الكوفة، ثم اختلفوا بعد رجعتهم ولام بعضهم بعضا فقال يزيد بن عبد الله الراسبي وكان من أهل حروراء يشككهم في أمرهم: شككتم ومن أرسى ثبيرا مكانه ولو لم تشكوا ما نكلتم (2) عن الحرب وتحكيمكم عمرا على غير توبة وكان لعبد الله خطب من الخطب (فأنكصه للعقب لما خلا به (3) فأصبح يهوي من ذرى حالق صعب) وقال الرياحي: ألم تر أن الله أنزل حكمه وعمرو وعبد الله مختلفان وقال مسلم بن يزيد الثقفي وكان من عباد حروراء: لئن كان ما عبناه عيبا فحسبنا خطاءا بأخذ النصح من غير ناصح وإن لم يكن عيبا فأعظم بتركنا (4) عليا على أمر من الحق واضح ونحن أناس بين بين وعلنا سررنا بأمر غبه غير صالح ثم خرجوا / 87 / أ / على علي رضي الله عنه بعد ذلك، وقاتلوه بالنهروان فقتلهم كما هو المشهور عنه.

 هذا ما ذكره ابن عبد ربه رحمه الله في كتابه المعروف بالعقد وهو عمدة (5)


(1) ولعله قاتل الزبير، وهو ابن الجرموز المعروف أو ابنه ؟ وكيف كان فلم أقف على ترجمة له.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " ما انثنيتم عن الحرب ".

 (3) هذا الشطر والشطر التالي مأخوذان من العقد الفريد، وقد سقطا من أصلي.

 (4) كذا في أصلي، وها هنا في طبعة لبنان من العقد الفريد تصحيف.

 (5) أي ما نقلته من العقد الفريد هو العمدة، أو أن ابن عبد ربه عمدة وليس بشخص وضيع هين ؟ أقول: وقد علم من التعليقات المتقدمة، أن بين ما هنا، نقلا عن العقد الفريد - وبين ما في المطبوع من العقد الفريد، مغايرات لفظية جمة ! ! ! فيخطر ببال القارئ ما هو سبب هذا الاختلاف ؟ !.

 أقول: ويمكن أن يفسر سبب هذا الاختلاف على وجوه: الوجه الاول أن الباعوني مؤلف جواهر المطالب هذب ألفاظ ابن عبد ربه وجودها، كما أن ابن عبد ربه كثيرا ما هذب ألفاظ أحاديث كتابه.

 


[ 71 ]

وقد نقلت من غيره ما سأذكره إن شاء الله تعالى: قال علماء السير: لما بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أبا موسى الاشعري للحومة أتاه رجلان من الخوارج يقال لاحدهما: زرعة بن البرج (ولثانيهما) حرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله.

 فقال علي: لا حكم إلا لله.

 فقال (له) حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا.

 قال علي: قد أردتكم على ذلك فأبيتم علي (1) وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهدا وقد قال الله * (ومن أوفى بعهده من الله) * (2) وقال: * (وأوفوا بعهده الله إذا عاهدتم) * (91 / النحل: 16).

 فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه.

 فقال علي: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأي وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم (عنه).

 فقال (زرعة): أما والله يا علي لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لاقاتلنك وأطلب بذلك وجه الله ورضوانه ! ! ! فقال له علي: بؤسا ما أشقاك كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح.

 فقال (زرعة): وددت والله ذلك.

 فقال علي: إنك لو كنت محقا لكان لك في الموت (على الحق) تعزية عن الدنيا


وعلى هذا كان ينبغي للمصنف ولابن عبد ربه أن ينصبا قرينة على ما صنعا من التهذيب، ولكنهما لم ينصبا.

 الوجه الثاني أن المغايرات بين الكتابين جاءت من قبل مستنسخ جواهر المطالب ؟ !.

 الوجه الثالث أن سبب الاختلاف بين نسخة جواهر المطالب، والعقد الفريد إنما تنشأ من جهة التصرف في نسخة العقد كما صرح بذلك محقق الطبعة اللبنانية من العقد الفريد في مقدمته فعلى هذا، سبب الاختلاف إنما هو من جهة أن المصنف أخذ مطالبه من كتاب العقد الفريد قبل أن يلعب به اللاعبون والاحتمال الاخير أوجه، لما ذكره محقق الطبعة البيروتية، من كثرة الاختلاف بين نسخ العقد الفريد، وليراجع مقدمة المحقق فإنها نافعة في مقامات كثيرة.

 (1) هذا هو الصواب المذكور في أول عنوان: " ذكر ما كان من خبر الخوارج عند توجيه علي الحكم للحكومة " من تاريخ الطبري: ج 5 ص 72 - غير أن فيه: " فعصيتموني " -، وفي أصلي: " قد حذرتكم من ذلك فأبيتم علي ".

 (2) كذا في أصلي، ولعله مصحف عن الاية العاشرة من سورة الفتح: * (ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما) * والاقتباس من الاية الكريمة لم يأت في تاريخ الطبري.

 


[ 72 ]

ولكن الشيطان قد استهواكم (1).

 فخرجا من عنده وبالغا (في إشعال) الشر عليه والتكفير له وصرحا بكفره (2) ! ! وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن (3) وذلك إن عليا قام خطيبا في بعض الجمع وذكر من أمر الخوارج وذمه وعابه فقام جماعة منهم وهم يقولون (ظ): لا حكم إلا الله.

 وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه وهو يقول: * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) * (65 / الزمر.

 3 ؟) ! ! ! فجعل علي يقلب (كفيه) هكذا وهكذا وهو على المنبر وهو يقول: حكم الله ينتظر فيكم ؟.

 واجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب (4 فقال: لهم: إن الله أخذ (علينا) عهودا ومواثيق على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وقال: * (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك / 87 / ب / هم الفاسقون) * (47 / المائدة: 5) وأشهد على أهل قبلتنا من أهل دعوتنا أنهم قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الله وجاروا في القول والعمل وأن جهادهم حق على المؤمنين وأقسم من يعنوا له الوجوه وتخشع له الابصار أني لو لم أجد على تغيير الجور وقتال القاسطين أحد (ا) مساعد (ا) لاقمت على ذلك حتى ألقى ربي.

 فقال عبد الله بن وهب ؟: اشخصوا بنا إلى بلدة نستعد فيها (5).

 فقال له شريح بن (أبي) أوفى العبسي: اخرجوا بنا إلى المدائن ننزلها ونأخذها ونجلي منها سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا.

 فقال زيد بن حصين: (لكم) إن خرجتم (مجتمعين) تبعتم ولكن اخرجوا وحدانا مستخفين، فأما المدائن فإن بها قوما يمنعونها منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة وأعلموهم بأمركم، وسيروا حتى تنزلوا جسر النهروان.

 


(1) وبعده في تاريخ الطبري: " فاتقوا الله عز وجل إنه لا خير في دنيا تقاتلون عليها " فخرجا من عنده يحكمان.

 (2) جملة: " وبالغا في إشعال الشر عليه " في أصلي غير واضحة، وفيه بياض بمقدار كلمتين.

 (3) كلمتا: " الشتم والتعريض " في أصلي لم تكونا كاملتين، وأيضا كان في أصلي: " وتعرضوا لعلي.. ".

 ثم إن أكثر ما هنا، أو جميعه ذكره الطبري مسندا في تاريخه: ج 5 ص 72 وما بعدها.

 (4) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " قال: وخرج الخوارج في منزل زيد بن حصين... ".

 (5) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " إلى بلدة نعد فيها ".

 


[ 73 ]

(ف‍) قالوا: هذا نعم الرأي وأجمعوا على ذلك، وكتبوا إلى أهل البصرة، وخرجوا يتسللون، وبلغ مسيرهم عليا رضي الله عنه فكتب إليهم وهم بالنهروان (1): بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله (علي) أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين، وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس أما بعد فإن هذين الرجلين الذين ارتضيا حكمين ؟ قد خالفا كتاب الله واتبعا هواهما بغير هدى من الله ولم يعملا بالسنة ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون فإذا أتاكم كتابي هذا فأقبلوا فإنا سائرون إلى عدونا ونحن على الامر القديم الاول.

 فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك وإنما غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بينا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء إن الله لا يحب الخائنين.

 فلما قرأ (علي) الكتاب يئس منهم (فرآى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى أهل الشام حتى يلقاهم ويناجزهم) (2).

 ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا (له): هل سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أبيك حديثا ؟ (يحدث) أنه ذكر الفتنة التي القاعد فيها خير من القائم (والقائم فيها) خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي ؟ قال


(1) وذكر الطبري في آخر حوادث سنة: " 37 " من تاريخه: ج 5 ص 77، قال: فلما خرجت الخوارج وهرب أبو موسى إلى مكة ورد علي ابن عباس إلى البصرة، قام في الكوفة فخطبهم وقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.

 أما بعد فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة أمري ونحلتكم رأيي لو كان لقصير أمر ! ولكن أبيتم إلا ما أردتم فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن: أمرتكم أمري بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد ألا إن هذين الرجلين الذين اخترتموها حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهروهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فحكما بغير حجة بينة ولا سنة ماضية واختلفا في حكمهما، وكلامهما لم يرشد، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين.

 (ف‍) استعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله يوم الاثنين.

 (2) ما بين المعقوفات مأخوذ من أواخر حوادث سنة " 37 " من تاريخ الطبري.

 


[ 74 ]

: نعم (1) قال قتادة فردوه وأحدروه معهم فبينما هم يسيرون وهو معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا / 88 / أ / لبعض النصارى فقتله فقال له آخر: لم فعلت ذلك وهو لذمي ؟ فذهب (قاتل الخنزير) إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه ؟ ! ! وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فيه، فقال له آخر (منهم): بغير إذن ولا ثمن ؟ فألقاها من فيه ! ! ! ومع هذا جاؤا بعبد الله بن خباب وذبحوه من أذنه إلى أذنه ! ! ! وجاؤوا إلى امرأته فقالت: إني حبلى فاتقوا الله في.

 فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها ! ! ! فلما بلغ ذلك عليا رضي الله عنه بعث إليهم الحارث بن مرة العبدي يسألهم عن قتلهم لابن خباب، فلما دنا منهم قتلوه ! ! ! فأتى الخبر إلى علي فبعث إليهم يقول ؟ ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم بهم ثم نكف عنكم واخرجوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم ؟ فبعثوا إليه: كلنا قتلتهم وكلنا نستحل دماءكم ! ! ! فسار الامام علي رضي الله عنه (إليهم) حتى أشرف عليهم، فلما وقعت العين في العين عبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي، وعلى الميسرة ربعي بن حراش (2) وعلى الخيل أبي أيوب الانصاري وعلى القلب قيس بن سعد.

 


(1) كذا في أصلي، والظاهر أنه عرض في الحديث تقديم وتأخير، ولا عهد لي بالحديث على هذا النسق، نعم معناه موافق لما جاء في سيرة الخوارج وقصصهم.

 وهذا الحديث رواه الطبري بسندين بمغايرة في متنهما وإليك الحديث الاول منه، الاقرب مضمونا لما هنا، كما في تاريخه ج 5 ص 81، قال: حدثني يعقوب، قال: حدثني إسماعيل قال: أخبرنا أيوب، عن حميد بن هلال عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم قال: (إن الخوارج) دخلوا قرية فخرج عبد الله بن خباب - صاحب رسول الله (ص) - ذعرا يجر رداءه، فقالوا: لم ترع ؟ فقال: والله لقد ذعرتموني ! قالوا: أأنت عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ؟ قال: نعم.

 قالوا: فهل سمعت من أبيك حديثا يحدث به عن رسول الله (ص) ؟ أنه ذكر فتنة (فقال): القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير منن الماشي، والماشي فيها خير من الساعي (ثم قال (النبي): فإن أدركتم ذلك (الزمان) فكن يا عبد الله المقتول ؟ - قال أيوب: ولا أعلمه إلا قال: - ولا تكن يا عبد الله القاتل ؟ قال: نعم.

 قال: فقدموه على ضفة النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها ! ! ! (2) كذا في أصلي، ولا عهد لي بإمارة ربعي بن حراش في أيام أمير المؤمنين عليه السلام في جميع ما قرأته من 


[ 75 ]

وعبأت الخوارج (جماعتهم) فجعلوا على الميمنة زيد بن حصين، وعلى الميسرة شريح بن أوفى العبسي وعلى خيلهم حمزة بن سنان وعلى رجالتهم حرقوص.

 فناداهم علي رضي الله عنه: من لم يقاتل ولم يتعرض لنا فهو آمن (1) ومن انصرف إلى الكوفة فهو آمن، ومن خرج عن هؤلاء الجماعة فهو آمن، لا حاجة لنا في سفك دمائكم.

 فانصرف فروة بن نوفل في خمس مائة فارس، وخرجت طائفة متفرقين إلى الكوفة فنزلوها، وأتى إلى علي نحو مائة، وكانوا أربعة آلاف، فبقي مع عبد الله وهب، ألفا وثمان مائة (2) وزحفوا إلى علي، فقال (علي) لاصحابه: كفوا حتى يبدؤكم.

 


المصادر الجمة التاريخية والحديثية.

 وفي الحديث: " 439 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه من كتاب أنساب الاشراف: ج 2 ص 371 ط 1، قال: و (كان) على ميسرته شبث بن ربعي... ".

 ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 85 طبعة بيروت.

 والظاهر أن ما ها هنا في جواهر المطالب من تصحيف الناسخين، أو غلط من المصنف في إجتهاده.

 (1) وجاء في تاريخ الطبري: ج 5 ص 86: ورفع علي راية أمان مع أبي أيوب (الانصاري) فناداهم أبو أيوب: من جاء هذه الراية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض فهو آمن، ومن انصرف منكم إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، إنه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلة إخواننا منكم في سفك دمائكم.

 (2) كذا في أصلي، وفي الحديث: " 439 " من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الاشراف: ج 2 ص 371 ط بيروت: ثم بسط لهم علي الامان ودعاهم إلى الطاعة.

 فقال فروة بن نوفل الاشجعي: والله ما ندري على ما (ذا) نقاتل عليا ؟ فانصرف في خمس مائة فارس حتى نزل " البندنيجين والدسكرة ".

 وخرجت طائفة منهم أخرى متفرقين إلى الكوفة.

 وأتى مسعر بن فدكي (إلى) راية أبي أيوب الانصاري.

 وخرج إلى علي منهم ثلاث مائة فأقاموا معه.

 وكانوا أربعة آلاف فارس ومعهم خلق من الرجالة.

 واعتزل حوثرة بن وداع في ثلاث مائة.

 واعتزل أبو مريم السعدي في مائتين.

 واعتزل غيرهم حتى صار مع ابن وهب الراسبي ألف وثمان مائة فارس، ورجالة يقال: إنهم ألف 


[ 76 ]

فنادوا: الرواح الرواح إلى الجنة، ثم شدوا على الناس فلم تثبت خيل علي لحملتهم فاستقبلتهم الرماة وعطف عليهم الخيل من الميمنة فلم ينج منهم ناج، ولم يقتل من أصحاب علي سوى تسعة أنفس.

 قال علماء السير: فخرج علي في طلب ذي الثدية فوجده على حفرة على شاطئ النهر قتيلا فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا / 88 / ب / لحم مجتمع على هيئة الثدي التي للمرأة له حلمة عليها شعرات سود فقال: الله أكبر أما والله ما كذبت (ولا كذبت) أما والله لولا أن تنكلوا عن العمل لاخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم لمن قاتلهم مستبصرا (ضلالهم عارفا بالهدى الذي نحن عليه) (1) وقال عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الحرورية لما خرجت على علي رضي الله عنه قالوا: لا حكم إلا لله.

 قال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم أخبرنا عن ناس إني لاعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز هذا منهم - وأشار الى حلقه - (هم) من أبغض خلق الله إليه فيهم أسود إحدى يديه لها حملة كالثدي.

 (قال) فلما قتلهم قال: انظروا.

 فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا (فتفحصوا عنه) فو الله ما كذبت ولا كذبت (قالها مرتين) أو ثلاثا، (فذهبوا ففحصوا عنه) فوجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا (كنت) حاضر (ا) ذلك من أمرهم وقول علي فيهم (2).

 قال أبو جحيفة (وهب بن عبد الله السوائي الصحابي): قال علي حين فرغنا من الحرورية: إن فيهم رجلا مخدجا ليس في عضديه عظم، وعضده له حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات عقف.

 فالتمسوه فما وجدوه، قال: فما رأيت عليا جزع جزعا (قط) كجزعه يومئذ ! ! فقالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين.

 قال: ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قلنا: النهروان.

 قال: صدق الله ورسوله وكذبتم إنه لفيهم.

 (قال:) فثورنا القتلى فلم نجده (فعدنا


وخمس مائة.

 وفي تاريخ الطبري: ج 5 ص 86: فكان الذين بقوا مع عبد الله بن وهب منهم ألفين وثمان مائة... (1) هذا هو الصواب، وفي أصلي تصحيف: " لولا أن تتكلوا على العمل... ".

 وما وضعناه بين المعقوفين أخذناه من مصادر أخر، ومن الحديث: " 188 " من كتاب خصائص أمير المؤمنين عليه السلام للنسائي ص 324 بتحقيق المحمودي.

 (2) وهذا رواه النسائي في الحديث: " 176 " من كتاب الخصائص 309، وله مصادر أخر أيضا.

 


[ 77 ]

إليه) فقلنا: يا أمير المؤمنين ما نجده.

 (قال عودوا فالتمسوه.

 قال: فرجعنا) ثم التمسناه فوجدناه في (ساقية) فجئنا به، فنظرت في عضده ليس فيها عظم وعليها حلمة كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات (طوال) عقف (1).

 قال أهل التاريخ: ثم قام علي رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إن الله قد نصركم (فأعز نصركم) فتوجهوا من فوركم (هذا) إلى عدوكم.

 قالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا وكلت سيوفنا فارجع بنا إلى بلدنا لنستعد بأحسن عدتنا.

 فأقبل (بهم) حتى نزل النخيلة وأمر الناس أن يلزموا معسكرهم وبذلوا أنفسهم على جهاد عدوهم، فأقاموا أياما (ثم) تسللوا فدخلوا إلا قليلا منهم، فلما رآى ذلك دخل الكوفة وانكسر رأيه عن المسير.

 وهذا الذي ذكرته من الوقائع كله على الاختصار لا على الاكثار، فقد أطال المؤرخون الكلام وأوسعوه، وفيما ذكرته كفاية والله أعلم.

 


(1) والحديث رواه الخطيب في ترجمة أبي جحيفة وهب بن عبد الله تحت الرقم: " 38 " من تاريخ بغداد: ج 1، ص 199، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه.

 ورواه البلاذري عن غلام أبي جحيفة كما في الحديث: " 449 " من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من أنساب الاشراف: ج 2 ص 376 ط 1.

 


[ 79 ]

الباب السابع والخمسون

في خروج عبد الله بن عباس رضي الله عنه (من البصرة مغاضبا لعلي عليه السلام) (1)

عن أبي بكر ابن أبي شيبة قال: كان عبد الله بن عباس من أحب الناس إلى عمر بن الخطاب (رض) وكان يقدمه على الاكابر من أصحاب محمد (ص) ولم يستعمله قط فقال له يوما: كنت (أحب) على أن أستعملك ولكني أخشى أن تستحل الفئ على التأويل (2).

 فلما صار الامر إلى علي عليه السلام استعمله على البصرة فاستحل الفئ على (تأويل) قول الله عز وجل: * (واعلموا أن ما غنمتم من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (41 / الانفال: 8) فاستحله لقرابته من رسول الله (ص).

 وروى أبو مخنف عن سليمان بن أبي راشد عن عبد الرحمان بن عبيد قال: مر ابن عباس على أبي الاسود الدؤلي فقال (له) لو كنت من البهائم لكنت جملا ولو كنت راعيا ما بلغت المرعى ! ! ! فكتب أبو الاسود إلى علي عليه السلام: أما بعد فإن الله جعلك واليا مؤتمنا وراعيا مسؤلا وقد بلوناك رحمك الله فوجدناك عظيم الامانة ناصحا للرعية توفر فيئهم وتظلف نفسك


(1) ما بين المعقوفين أخذناه من مقدمة المصنف.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 96: " فقال له يوما: كدت (أن) استعملك... " أقول: لم أجد الحديث في مصنف ابن أبي شيبة، والظاهر أن الحديث مختلق.

 


[ 80 ]

عن دنياهم (1) ولا تأكل أموالهم ولا ترتشي في أحكامهم وإن ابن عمك قد أكل ما تحت يده بغير علمك فلم يسعني كتمانك ذلك فانظر رحمك الله فيما هنالك واكتب إلي برأيك فيما أحببت أتبعه إن شاء الله والسلام.

 فكتب إليه علي عليه السلام: أما بعد فمثلك من نصح الامام والامة ووالى على الحق وفارق الجور (2) وقد كتبت إلى صاحبك فيما كتبت إلي فيه ولم أعلمه بكتابك إلي فلا تدع إعلامي (ع‍) ما يكون بحضرتك مما يكون النظر فيه للامة صلاحا فإنك بذلك جدير وهو حق واجب لله عليك والسلام (3).

 و (أيضا) كتب علي (عليه السلام) إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد أسخطت الله وأخزيت أمانتك وعصيت إمامك وخنت المسلمين بلغني أنك جردت الارض وأكلت ما تحت يديك فارفع إلي حسابك واعلم أن حساب الله أعظم من حساب الناس والسلام (4).

 فكتب إليه إبن عباس: أما بعد فإن الذي بلغك (عني) باطل، وأنا لما تحت يدي ضابط فلا تصدق علي الظنين والسلام.

 فكتب (عليه السلام) إليه: أما بعد فإنه لا يسعني تركك حتى تعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته ؟ وما وضعت منها أين وضعته ؟ فاتق الله فيما ائتمنتك عليه واسترعيتك إياه، فإن المتاع بما أنت رازمه قليل، وتباعته وبيلة لا تبيد (5) والسلام.

 


(1) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري، وفي العقد الفريد: " وتكف نفسك عن دنياهم.. " وفي أصلي: " وتلطف نفسك... " (2) كذا في العقد الفريد، وفي أصلي: " وفارقق على الجور ؟ " (3) وللكتاب مصادر يجد الطالب ذكر كثير من مصادرها في ذيل المختار: " 165 " من باب كتب أمير المؤمنين عليه السلام من نهج السعادة: ج 5 ص 325 ط 1.

 (4) هذا هو الصواب المذكور في العقد الفريد، وفي أصلي: " واعلم أن حسابك أعظم من حساب الناس ".

 (5) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " وتباعته وبال... " 


[ 81 ]

فلما رآى (ابن عباس) أن عليا غير مقلع عنه كتب إليه: أما بعد فقد بلغني تعظيمك علي مرزأة ما رزأته أهل هذه البلاد، وأيم الله لان ألقى الله بما في بطن الارض من عقيانها ولجينها وبما على الارض من طلاعها أحب إلي من أن ألقى الله وقد سفكت دماء هذه الامة لان أنال بذلك الملك والامرة (1) ابعث إلى عملك من أحببت فإني ظاعن والسلام.

 فلما أراد عبد الله المسير من البصرة دعا أخواله من بني هلال بن عامر بن صعصعة ليمنعوه، فجاء الضحاك بن عبد الله الهلالي فأجاره ومعه رجل منهم يقال له رزين بن عبد الله (2) وكان شجاعا فقالت بنو هلال: لا غناء بنا عن بني سليم.

 ثم أتتهم قيس فلما رآى (ابن عباس) اجتماعهم له، حمل ما كان في بيت المال بالبصرة - وكان فيما زعموا ستة آلاف ألف - فجعله في الغرائر (3).

 قال: فحدثني الازرق اليشكري (4) قال: سمعت أشياخنا من أهل البصرة (قالوا:) لما وضع (ابن عباس) المال في الغرائر ثم مضى تبعته الاخماس كلها فلحقوه بالطف على أربع فراسخ من البصرة فواقعوه فقالت لهم قيس: لا يصلون (إليك وفينا) عين تطرف.

 فقال صبرة (بن شيمان) وكان رأس الازد (5): والله إن قيسا لاخواننا في الاسلام وجيراننا على العدو، وإن الذي يذهبون به من (المال) لو رد إليكم لكان نصيبكم منه الاقل، ولهم خير لكم من المال.

 قالوا: فما ترى ؟ قال: انصرفوا عنهم.

 


(1) الكلام تعريض بأمير المؤمنين عليه السلام، ولكن ساحة ابن عباس أجل من أن يخطر هذا الامر الباطل على قلبه فضلا عن أن ينطق به، أو يخطه قلمه، فالكلام اختلقه دعاة بني أمية كي يسجلوا على الناس أن حروب أمير المؤمنين عليه السلام كانت بهدف الحفاظ على الملك والامارة، لا أنه كان مأمورا بقتال من قاتله، كما هو مدلول قوله عليه السلام المستفيض: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: عبد الله بن رزين.

 (3) الغرائر: جمع غرارة - بكسر الغين المعجمة -: الجوال وجمعه جوالق.

 (4) كذا في أصلي، ومثله في كتاب العقد الفريد، ومرجع الضمير في " قال " غير واضح، كما أن الازرق اليشكري ما وجدت له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال.

 (5) الظاهر أن هذا هو الصواب، وهكذا جاء في المطبوع من العقد الفريد: ج 5 ص 98 ط بيروت.

 ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 142، وفي أصلي: فقال ضمرة ؟... 


[ 82 ]

فقال بكر بن وائل وعبد القيس: نعم الرأي (رأي صبرة) فاعتزلوهم.

 فقالت بنو تميم: والله لا نفارقهم حتى نقاتلهم عليه، فقال الاحنف بن قيس: أنتم والله أحق أن لا تقاتلوهم (عليه) وقد ترك قتالهم من هو أبعد رحما منكم.

 قالوا: والله لنقاتلنهم.

 فقال: والله لا نشايعكم على قتالهم.

 فانصرف عنهم (الاحنف) فقدموا عليهم (1) ابن المجدعة فقاتلهم فحمل عليه الضحاك بن عبد الله / 90 / أ / وطعنه في كتفه فصرعه وسقط إلى الارض بغير قتل، وحمل سالم بن ذويب السعدي على الضحاك فصرعه أيضا، وكثرت بينهم الجراح من غير قتل.

 فقال الاخماس الذين اعتزلوا: والله ما صنعتم شيئا اعتزلتم عن قتالهم وتركتموهم يتشاجرون ؟ ! ! فجاؤا حتى صرفوا وجوه بعضهم عن بعض وقالوا لبني تميم إن هذا للؤم قبيح لنحن أسخى أنفسا منكم حين تركنا أموالنا لبني عمكم وأنتم تقاتلونهم عليها، خلوا عنهم وعن ابن أختكم فإن القوم قد جمعوا فانصرفوا عنهم (2).

 (فمضى ابن عباس ومن معه) ومضى معهم ناس من قيس فيهم الضحاك بن عبد الرحمان بن رزين حتى قدموا الحجاز، فنزل مكة، فجعل زاجر لعبد الله بن عباس يسوق به ويقول: صبحت من كاظمة القصر الخرب مع ابن عباس بن عبد المطلب وجعل ابن عباس يرتجز ويقول: آوي إلى أهلك يا رباب آوي فقد آن لك الاياب وجعل يرتجز أيضا: وهن يمشين بنا هميسا إن يصدق الطير ننك لميسا فقيل: يا أبا العباس أمثلك يرفث في مثل هذا الموضع ؟ إنما الرفث ما يقال في النساء (3).

 قال أبو مخنف: فلما نزل (ابن عباس) مكة اشترى من عطاء بن جبير مولى بني


(1) كذا في أصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد: ج 5 ص 98: فقال (الاحنف): والله لا نساعدكم على قتالهم... فقدموا عليهم ابن مجاعة.. ومثله في تاريخ الطبري: ج 5 ص 142، وفيه: " المجاعة " (2) كذا في أصلي، وفي طبعة بيروت من العقد الفريد: " خلوا عنهم وأرواحهم فإن القوم فدحوا ؟ فانصرفوا عنهم ".

 وفدحوا - على زنة منعوا وبابه -: ثقلوا أي ثقل عليهم قتالكم إياهم.

 (3) كذا في أصلي، والرفث - على زنة الفرس -: قول الفحش كقول ابن عباس ها هنا: " ننك لميسا ".

 


[ 83 ]

كعب من جواريه ثلاث مولدت حجازيات يقال لهن: شاذن وحوراء وفتون ؟ بثلاثة آلاف دينار.

 (و) قال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبد الرحمان (1) قال: كنت من أعوان عبد الله في البصرة، فلما كان من أمره ما كان، أتيت عليا عليه السلام فأخبرته فقال: * (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان وكان من الغاوين) * (175 / الاعراف: 7 /.

 (قال): ثم كتب (علي) معي إليه (2): أما بعد فإني كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك، لمواساتي وموازرتي وأداء الامانة إلي، فلما رأيت الزمان على ابن عمك قد كلب، والعدو عليه قد حرب، وأمانات الناس قد خزيت وهذه الامة قد فتنت، قبلت لابن عمك ظهر المجن ففارقته مع القوم المفارقين، وخذلته أسوأ خذلان وخنته مع من خان، فلا ابن عمك آسيت ولا الامانة أديت / 90 / ب / كأن لم تكن على بينة من ربك (3) وإنما كدت أمة محمد عن دنياهم وغررتهم عن فيئهم ! ! فلما أمكنتك الفرصة في خيانة الامة أسرعت العدوة وعاجلت الوثبة، واختطفت ما قدرت عليه من أموالهم وانتقلت بها إلى الحجاز، كأنك إنما حزت إلى أهلك ميراثا (من أبيك و) أمك ! ! ! فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد ؟ (4) أما تخاف الحساب ؟ أما تعلم أنك تأكل


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: " وقال سليمان بن أبي راشد، عن عبد الله بن عبيد، عن أبي الكنود " ولعله الصواب.

 وأبو الكنود ذكره ابن حجر في باب الكنى من كتاب تهذيب التهذيب: ج 12، ص 212، قال: أبو الكنود الازدي الكوفي قيل: اسمه عبد الله بن عامر.

 وقيل: عبد الله بن عمران.

 وقيل: عبد الله بن عويمر.

 وقيل (عبد الله) بن سعيد.

 وقيل: عمرو بن حبشي.

 روى عن علي وابن مسعود وخباب بن الارت وابن عمر.

 وعنه أبو إسحاق السبيعي وقيس بن وهب وإسماعيل بن أبي خالد وأبو سعيد الازدي قارئ الازد.

 ذكره ابن حبان في الثقات... وقال أبو موسى: أدرك الجاهلية.

 (2) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 5 ص 99: ثم كتب علي إليه: أما بعد... (3) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " كأن لم تكن على بينة لربك... ".

 (4) هذا هو الظاهر الموافق للعقد الفريد، وغير واحد من المصادر، وما وضعناه بين المعقوفين مأخوذ منه ومن غيره.

 وفي أصلي: " أما تؤمن بالعذاب ؟ ".

 


[ 84 ]

حراما ؟ وتشرب حراما ؟ وتشتري الاماء وتنكحهن بأموال اليتامى والارامل والمجاهدين (في سبيل الله) التي أفاء الله عليهم ؟ ! ! فاتق الله وأد إلى القوم أموالهم فانك والله لئن لم تفعل ثم أمكنني الله منك لاعذرن إلى الله فيك ! ! ! فو الله لو أن الحسن والحسين فعلا مثل الذي فعلت، ما كانت لهما عندي هوادة (1) ولما تركتهما حتى آخذ الحق منهما والسلام.

 فكتب إليه ابن عباس: أما بعد (فقد بلغني) كتابك تعظم علي إصابة المال الذي أصبت، من بيت مال البصرة، ولعمري إن حقي في بيت مال الله أكثر مما أخذت، والسلام.

 فكتب إليه (علي عليه السلام): أما بعد فإن العجب كل العجب منك أن ترى لنفسك في بيت مال الله أكثر مما لرجل من المسلمين، قد أفلحت إن كان تمنيك الباطل وادعاؤك ما لا يكون ينجيك من الاثم ويحل لك ما حرم الله عليك، عمرك الله إنك لانت السعيد السعيد (2) وقد بلغني أنك اتخذت مكة وطنا وضربت بها عطنا تشتري المولدات من المدينة والطائف، وتختارهن على عينك، وتعطي بها مال غيرك، فإني أقسم بالله ربي وربك ورب العزة ما أحب أن (ما) أخذت من أموالهم حلال لي أدعه ميراثا لعقبي، فما بال اغتباطك به تأكله حراما ! ! ! ضح رويدا وكأن قد بلغت المدى وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي فيه المغتر بالحسرة، ويتمنى المضيع التوبة والظالم الرجعة ! ! ! فكتب إليه ابن عباس: والله لئن لم تدعني من أساطيرك لاحملنه إلى معاوية (كي) يقاتلك به ! ! ! فكف عنه (أمير المؤمنين عليه السلام) ولم يكاتبه بعدها.

 ذكر ذلك (كله) ابن عبد ربه في تاريخه المسمى بالعقد، والله أعلم.

 


(1) الهوادة - على زنة السعادة -: الرفق واللين.

 المحاباة.

 (2) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: " إنك لانت المفيد السعيد ؟ ".

 وفي الطبعة القديمة من العقد الفريد: إنك لانت البعيد البعيد.

 وفي طبعة بيروت منه: " إنك لانت البعيد ؟ " من غير تكرار.