[ 171 ]

الباب السابع والستون

في تبرئ علي رضي الله عنه من دم عثمان (رض)، وبطلان ما نسبه إليه بنو أمية من ذلك (1)

عن المثنى بن يعلى قال: سمعت عليا رضي الله عنه على المنبر وهو يقول: والله لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لادخلتها أبدا ! ! ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لادخلتها أبدا (2).

 وأشرف (عليه السلام) يوما على قصره بالكوفة فنظر إلى سفينة في دجلة (3) فقال: والذي أرسلها مسخرة في بحره بأمره ما بدأت في شئ من دم عثمان ولا أعذر ؟ ولئن شاء بنو أمية لاباهلنهم عند الكعبة خمسين يمينا، والله إنهم ليعلمون أني منه برئ (4) فبلغ هذا الحديث عبد الملك بن مروان فقال: والله إني لاحسبه صادقا


(1) كل من يراجع محكمات التاريخ المروية من طريق الثقاة يتجلى له أن عليا عليه السلام كان من أبرء الناس من دم عثمان، وأنه لم يمالئ ولم يساعد قاتليه بوجه من الوجوه بل دافع عنه مرارا.

 (2) هذا الحديث وما بعده ذكرها ابن عبد ربه في عنوان: " تبري علي (عليه السلام) من دم عثمان " في ترجمته من العسجدة الثانية من كتاب العقد الفريد ج 3 ص 88 ط 2 بمصر، سنة (1346).

 والمثنى بن يعلى غير مذكور في مطبوعتي من العقد الفريد، وهو مجهول أيضا لا ترجمة له، كما أن من روى عن المثنى أيضا غير معلومي الهوية فهذا الحديث باطل غير صالح للاسناد إليه.

 (3) كذا في أصلي، ولذيل الحديث شواهد ومصادر يجدها الطالب في المختار: (65) وما حوله من كتاب نهج السعادة: ج 1، ص 227 ط 2.

 (4) وقريبا منه جدا رواه عمر بن شبة في ترجمة عثمان من كتابه: تاريخ المدينة: ج 4 ص 1269، ط 1.

 


[ 172 ]

وقال جرير بن حازم: إن ابن سيرين قال: ما علمت أن عليا اتهم بدم عثمان حتى بويع، فاتهمه بها بنو أمية وألبوا عليه الناس ليبلغوا مقاصدهم (1).

 وقال معبد الخزاعي ؟ (2) لقيت عليا بعد الجمل فقلت: إني سائلك عن مسألة كانت بينك وبين عثمان ؟ قال: سل عما بدا لك.

 قلت: أخبرني أي منزلة وسعتك إذ قتل عثمان ولم تنصره ؟ قال: إن عثمان إماما وإنه نهى عن القتال وقال: من سل سيفه فليس مني فلو أنا قاتلنا دونه عصينا.

 قال: قلت: فأي منزلة وسعت عثمان إذ استسلم للقتل حين قتل ؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لاخيه: * (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لاقتلك إني أخاف الله رب العالمين) * (28 / المائدة: 5).

 فقلت: فهلا وسعتك هذه المنزلة يوم الجمل ؟ إنا قاتلنا يوم الجمل من ظلمنا وقد قال الله * (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الارض بغير الحق فأولئك لهم عذاب أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الامور) * (41 - 43 / الشورى: 42).

 ومن حديث بكر بن حماد أن عبد الله بن الكواء سأل علي بن أبي طالب يوم صفين فقال: أخبرني عن مخرجك هذا تضرب الناس بعضهم ببعض أ (عهد) عهده إليك رسول الله (ص) أم رأي رأيته ؟ فقال له علي: إني كنت أول من (آمن) به فلا أكون من كذب عليه لم يكن عندي فيه عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم (عهد) ولو كان فيه عهد منه لما تركت أخا تيم وعدي على منابرهما ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم نبي رحمة (3) مرض أياما وليالي فقدم أبا بكر على الصلاة وهو يراني ويرى مكاني (4) فلما توفي


(1) ما أفاده ابن سيرين في هذا موافق لمحكمات التاريخ.

 (2) كذا في أصلي، وما وجدت ترجمة لمعبد الخزاعي هذا، وبجهالته يسقط الحديث عن الحجية فلا يبقى مجال للتمسك به.

 (3) الظاهر أن يكون لفظ الاصل في كتابنا، وفي مخطوطتي: ولكن نبينا... مني رحمة من مرض أياما... " ثم إن هذا الحديث أيضا ضعيف لا حجية له لارساله ومجهولية رواته، وبكر بن حماد الواقع في صدر الحديث أيضا مجهول.

 (4) لا يصح نسبة التقديم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إذ لم يكن أمره إياه بالصلاة وإنما كان الامر برأي من كان يهوى ترشيح أبي بكر، وكيف يمكن أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 


[ 173 ]

صلى الله عليه (وآله) وسلم رضيناه لامر دنيانا إذ رضيه رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لامر ديننا فسلمت وبايعت وسمعت وأطعت وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأقيم الحدود بين يديه (1) ثم أتته منيته 111 / ب / ثم توفاه الله بعد أن استخلف عمر فسمعت وأطعت وسلمت وبايعت وكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأقيم الحدود بين يديه ثم أتته منيته فرآى أنه (إن) استخلف رجلا فعمل (ذلك الرجل) بغير طاعة الله (يكون هو مسئولا عنه) في قبره ! ! ! فجعلها شورى في ستة كنت أحدهم فأخذ عبد الرحمان (بن عوف منا) عهودا ومواثيق أن يخلع نفسه وينظر لعامة المسلمين فبسط يده إلى عثمان فبايعه اللهم إن قلت: إني لم أجد في نفسي فقد كذبت (2) ولكن نظرت في أمري فوجدت طاعتي قد تقدمت معصيتي ؟ ووجدت الامر الذي كان بيدي قد صار بيد غيري فسلمت وبايعت وسمعت وأطعت، فكنت آخذ إذا أعطاني وأغزو إذا أغزاني وأقيم الحدود بين يديه، ثم نقم الناس عليه أمورا فقتلوه.

 ثم بقيت أنا ومعاوية (3) فرأيت نفسي أحق بهذا الامر من معاوية لاني مهاجري


بالصلاة بالناس وهو عنده ملعون لتخلفه عن جيش أسامة وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله من تخلف عن جيش أسامة كما ذكره السيد الشريف الجرجاني في أواخر شرحه على كتاب المواقف - تأليف عبد الرحمان بن أحمد الابجي - ص 619 ط اسلامبول، وفي ط الهند، ص 746 وفي ط مصر، ص 376.

 وذكره أيضا الشهرستاني في المقدمة الرابعة من كتاب الملل والنحل ص 13، ط 1 القاهرة.

 وإن شك معاند في حديث اللعن فلا يمكنه أن يشك وينكر أن الرجل وصاحبه قد تخلفا عن جيش أسامة ورجعا إلى المدينة مع تأكيد رسول الله وحثه الاكيد على تنفيذ جيش أسامة، والرجلان خالفا أمر رسول الله ورجعا إلى المدينة، وقد قال الله تبارك وتعالى في الاية: (36) من سورة الاحزاب: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) *.

 وقال تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (36 / الاحزاب 33).

 وقال عز وجل: * (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها) * (الجن 23 / 72).

 وليلاحظ ما أورده ابن الجوزي في كتابه آفة أصحاب الحديث، وما حققه بعض الافاضل المطبوع في تراثنا: ج 24 ص 7 - 76.

 (1) لاحظ ما علقناه على الحديث: (1155) من ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق: ج 3 ص 137، وما حولها من ط 2.

 (2) كذا في كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 89 ط سنة (1346) بمصر، وفي أصلي: اللهم إني قلت إني لم أجد... كربت... (3) من هوان المسلمين أن يقيسوا عليا مع معاليه النيرة بمعاوية مع مثالبه الجلية وسوابقه السيئة، وعن 


[ 174 ]

وهو أعرابي وأنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم وصهره وهو طليق ابن طليق.

 قال ابن الكواء: صدقت ولكن طلحة والزبير (أ) ما كان لهما في الامر مثل (ما) كان لك ؟ قال: إن طلحة والزبير (با) يعاني (بالحجاز) ونكثا بيعتي بالعراق فقاتلتهما على نكثهما، ولو (كانا) نكثا بيعة أبي بكر وعمر (أما كانا يقاتلان ؟) قال: صدقت.

 قال: واستعمل عبد الملك بن مروان علقمة بن صفوان على (مكة) (1) فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان جالس فذكر عليا فقال أبان واعبد عثمان (2): قتله علي.

 فقال عثمان بن حنيف: إني شهدت مشهدا اجتمع (فيه) علي وعمار ومالك الاشتر وصعصعة فذكروا عثمان فوقع فيه عمار ثم حذا مالك (الاشتر) حذوه ووجه علي يتغير ثم تكلم صعصعة فقال: والله ما كان أول من ولي واستأثر وأول من تفرقت عنه هذه الامة (3).

 فقال علي: يا أبا اليقظان لقد سبقت لعثمان سوابق لا يعذبه الله بها أبدا (4).

 قال (محمد بن حاطب): وقال لي علي يوم الجمل: انطلق إلى قومك فأبلغهم قولي.

 قلت: إن قومي إذا أتيتهم يقولون (لي): ما قول صاحبك في عثمان ؟ قال: قل لهم: (قوله فيه)


مثل هذه المقايسة والمواساة يشتكي أمير المؤمنين عليه السلام ويقول في كلامه المعروف: " متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى أقرن إلى هذه النظائر ".

 (1) كذا في أصلي، ولكن ما بين المعقوفين مأخوذ من العقد الفريد: ج 3 ص 90، وفيه: واستعمل عبد الملك بن مروان، نافع بن علقمة بن صفوان على مكة، فخطب ذات يوم وأبان بن عثمان قاعد عند أصل المنبر فنال من طلحة والزبير، فلما نزل قال لابان: أرضيك من المدهنين في أمير المؤمنين ؟ قال: لا ولكنك سئوتني حسبي أن يكونا بريئين من أمره وعلى هذا المعنى ؟ أقول: ما وجدت لعلقمة بن صفوان، ولا لنافع بن علقمة ترجمة فيما عندي من كتب الرجال.

 (2) كذا في أصلي.

 (3) كذا في أصلي المخطوط، غير أن فيه: " ومالك بن الاشتر "، وفي العقد الفريد: ج 3 ص 90: وقال عثمان بن حبيب: إني شهدت مشهدا اجتمع فيه علي وعمار ومالك الاشتر... (4) هذه الفقرات كلها من تتمة حديث بكر بن حماد المجهول، ولم يعلم أنه أي حي بن بي وهل له حظ في درك أزمنة الوجود ؟ وعلى فرض وجوده هل الذين رووا عنه هذه الاساطير ولدوا في عالم الوجود أم لا وجود لهم إلا في علبة ذهن ذاكر هذه المفتريات.

 وليلاحظ سوابق عثمان من كتاب الغدير: ج 9 ص 325 ط 1.

 


[ 175 ]

أحسن قول وأن عثمان كان / 111 / أ / من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا (1).

 وإنما السبب في فتنة عثمان وقتله ما نقم عليه من أمور أنكروها: منها: تأمير الاحداث من أهل بيته على الجلة من أصحاب محمد (ص) فقالوا لعبد الرحمان (بن عوف): هذا عملك واختيارك لهذه الامة ؟ ! قال (عبد الرحمان): لم أظن به هذا.

 ودخل على عثمان فقال له: إني إنما قدمتك على أن تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فقد خالفتهما.

 قال (عثمان): كان عمر يقطع قرابته وأنا أصل قرابتي في الله (2) فقال له (عبد الرحمان): إني لا أكلمك أبدا.

 فمات عبد الرحمان وهو لا يكلمه (3).

 و (مما نقم عليه أنه) لما رد عثمان الحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (ص) وأقاربه ؟ وجد المسلمون في أنفسهم من ذلك وكان قد نفاهم رسول الله (ص) إلى حاح ؟ وأقرهم أبو بكر وعمر فردهم عثمان وأعطى الحكم مائة ألف درهم فتكلم الناس في


(1) وبالتدبر فيما تقدم تجلى أمر هذه الفقرة أيضا.

 والرواة عن محمد بن حاطب المترجم في تهذيب التهذيب: ج 9 ص 106 أيضا غير معلومين ولعلهم من نماردة بني أمية أو مرتزقتهم ! ! ! (2) لو كان ابن عفان يصل قرابته بمال ورثه من أمه أو أبيه، أو بما كسبه بكد يمينه وعرق جبينه كان أمرا محبوبا عند الله ورسوله والمؤمنين، وأما صلته إياهم بأموال المؤمنين والارامل والايتام بلا طيب نفوسهم وتسليط الفجرة وشاربي الخمور ولا عبي الشطرنج على المسلمين ونواميسهم كل ذلك مما يبعد عن الله ويكون فاعلها من العصاة الظالمين لا سيما مع تظلم المسلمين منهم ورفع شكايتهم إلى الخليفة وعدم اعتنائه بشكايتهم وإصراره على إبقاء المتجاهرين بالفسق على رؤوس المسلمين وسياستهم إياهم على مقتضى شهواتهم الشيطانية ؟ ! أيكون قطع رزق مثل الصحابين عبد الله بن مسعود وأبي ذر الغفاري وإعطاء نصف مليون من خمس إفريقية لطريد بن الطريد الوزغ بن الوزغ الملعون على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مروان بن الحكم من التقرب إلى الله ؟ !.

 (3) وهذا رواه ابن عبد ربه في ترجمة عمر، ثم في ترجمة عثمان من العسجدة الثانية من العقد الفريد ج 3 ص 73 و 77 من الطبعة الازهرية في سنة: (1346) وفيه.

 فمات عبد الرحمان وهو مهاجر لعثمان، ودخل عليه عثمان فتحول عنه إلى الحائط ولم يكلمه ! ! ! وروى البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 57 قال: وأوصى عبد الرحمان أن لا يصلي عليه عثمان... 


[ 176 ]

ذلك، فقال (عثمان): ما هم الناس علي إن وصلت رحما وقربت عما (1).

 (ومما نقم الناس - ومنهم المهاجرون والانصار - على عثمان نفيه وطرده الصحابي الكبير أبي ذر الغفاري عن مدينة رسول الله (ص)) حدثنا حصين بن زيد (2) قال: حدثنا ابن وهب قال: مررنا بالربذة وأبو ذر بها وكان عثمان نفاه إليها فسألناه عن منزله ؟ (ف‍) قال: كنت بالشام فقرأت هذه الاية: * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * (34 / التوبة: 9) قال معاوية: إنها نزلت في أهل الكتاب.

 فقلت: (بل نزلت) فيهم وفينا (معا) فكتب (معاوية) إلى عثمان فكتب (عثمان) إلي أن اقدم.

 فلما قدمت ركبني الناس (3) حتى كأنهم لم يروني قط فشكوت ذلك إلى عثمان فأنزلني هذا المنزل و (إني) لا أدع قولي، ولو ولوا علي عبدا حبشيا لاطعت.

 


وقرأت في بعض مصادر القوم - وقد ذهب عن بالي معرفاته - أن عثمان عرض له عارضة فكتب: " الخلافة بعدي لعبد الرحمان بن عوف " وأرسله إليه فغضب عبد الرحمان وقال: وليته جهارا وهو يوليني سرا.

 وذكر البلاذري في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 57 ط المستشرقين قال: ذكر عثمان عند عبد الرحمان بن عوف في مرضه الذي مات فيه فقال: عبد الرحمان: عاجلوه قبل أن يتمادى في ملكه ! ! فبلغ ذلك عثمان فبعث إلى بئر كان يسقى نعم عبد الرحمان فمنعه إياها.

 (1) وكان رحمه وعمه ممن طردهم رسول الله لخبثهم ونفاقهم وإعادتهم كانت مخالفة لله ولرسوله وعصيانا لهما، وقال الله تعالى: * (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) * (36 / الاحزاب: 33).

 (2) كذا في أصلي، وفي العنوان المتقدم الذكر من العقد الفريد: ج 3 ص 90: (عن) حصين بن زيد بن وهب ؟... والظاهر أنه مصحف.

 (3) ومثله في ترجمة عثمان من العسجدة الثانية من العقد الفريد: ج 3 ص 91.

 والظاهر أن معنى قوله: " ركبني الناس ": علوني وتظاهروا علي منكرين لي ولقولي حماية لعثمان والسلطة الغاشمة.

 ويحتمل أيضا أن يكون معنى " ركبني الناس ": أنهم ضربوني بركبهم إنكارا علي وانتصارا لعثمان وسلطته ! ! ولا استبعاد في ذلك: فإن الناس أبناء من غلب، وقد لعنوا عليا في مسجد الرسول وفي مسجد الحرام طول سلطة بني أمية إلا في أيام زعامة عمر بن عبد العزيز وأي استبعاد في ذلك وقد جمع مروان ثلاثة آلاف مسلح من أهل المدينة وهو يهدر بينهم ويقول: " يا رب هيجاء هي خير من دعة " فمنع بني هاشم من دفن الامام الحسن عند جده صلى الله عليهما.

 فدقق في محكمات التاريخ تجد اكثر المسلمين في أكثر أزمنتهم أبناء من غلب والمتاجرين بدينهم تقربا إلى من بيده السلطة كي ينالوا أمنياتهم ويتوغلوا في شهواتهم ! !.

 


[ 177 ]

ونقلت ما ذكره الشيخ كمال الدين الدميري في (كتاب) حياة الحيوان (1) عن شداد بن أوس قال: لما اشتد الحصار على عثمان رأيت عليا رضي الله عنه خارجا من منزله (معتما) بعمامة رسول الله (ص) متقلدا بسيفه وأمامه ابنه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين فحملوا على الناس وفرقوهم ثم دخلوا على عثمان / 112 / ب / فقال له علي: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم لم يلحق هذا الامر حتى ضرب المقبل والمدبر ؟ وإني والله ما أرى القوم إلا سيقتلونك فمرنا فلنقاتل ! فقال عثمان: أنشد الله رجلا لله عليه حقا أو لي عليه حقا أن يهريق بسبي محجمة دم.

 فأعاد عليه القول فأجابه بمثل ذلك، (قال:) فلقد رأيت عليا خارجا من الباب وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود.

 وحدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري (2) قال: رأيت ناسا كانوا عند فسطاط عائشة وأنا معهم بمكة فمر بنا عثمان فما بقي أحد من القوم إلا لعنه غيري وكان فيهم رجل من أهل الكوفة وكان عثمان أجرأ على الكوفي من غيره فقال: يا كوفي أتشتمني ؟ اقدم المدينة.

 كأنه يتهدده فقيل له: عليك بطلحة.

 (فاستشفع الكوفي بطلحة عند قدومه إلى المدينة) فانطلق به (طلحة) إلى عثمان فقال عثمان: والله لاجلدنه مائة جلدة ! ! ! قال (طلحة): والله لا تجلده إلا أن يكون زانيا.

 قال: والله (لا) حرمنه عطاءه.

 قال (طلحة): الله يرزقه.

 


(1) شداد بن أوس هذا هو أخو حسان بن ثابت وهم متوغلون في حب عثمان، وحديثه هذا إن صح يدل على أنهم وإمامهم الذين لجؤا إليه وهو معاوية من أهل الضلال حيث افتروا على علي أنه قتل عثمان أو أعان قاتليه أو سعى في قتله، وكفى بهذا لهم انحرافا عن الحق وخزيا في الدنيا والاخرة.

 (2) والحديث رواه ابن عبد ربه في أواخر ترجمة عثمان من العسجدة الثانية في الخلفاء وتواريخهم من العقد الفريد: ج 3 ص 91 ط سنة (1346) بمصر وفي لبنان ج 5 ص 54.

 ورواه أيضا أبو بكر ابن أبي شيبة في الحديث: (10677) في كتاب الامراء، من المصنف: ج 11، ص 90 ط 1 الهند، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا معتمر، عن أبيه عن أبي نضرة عن أبي سعيد (قال:) إن أناسا كانوا عند فسطاط عائشة، فمر عثمان (وهو) إذ ذاك بمكة قال أبو سعيد: فما بقي أحد منهم إلا لعنه أو سبه غيري ؟ ! وكان فيهم رجل من أهل الكوفة فكان عثمان على الكوفي أجرأ منه على غيره فقال: يا كوفي أشتهي (أن) أقدم المدينة - كأنه يتهدده - قال: فقيل له: عليك بطلحة.

 قال: فانطلق معه طلحة حتى أتى عثمان (ف‍) قال عثمان (للكوفي): والله لاجلدنك مائة.

 قال طلحة: والله لا تجلده مائة إلا أن يكون زانيا.

 فقال: لاحرمنك عطاءك.

 قال طلحة: إن الله سيرزقه.

 


[ 178 ]

وعن الاعمش عن عبد الله بن سنان (1) قال: خرج علينا عبد الله بن مسعود ونحن بالمسجد وكان على بيت مال الكوفة والوليد بن (عقبة بن) أبي معيط أمير الكوفة فقال (ابن مسعود): يا أهل الكوفة فقدمت من بيت مالكم الليلة مائة ألف لم يأتني بها كتاب أمير المؤمنين ولم يكتب بها براة.

 فكتب الوليد بن عقبة إلى عثمان في ذلك فنزعه عن بيت المال فنقم عليه الناس ذلك.

 ومن ذلك ما ذكره ابن أبي شيبة (2) قال: كتب أصحاب محمد عيب عثمان وما نقموه عليه من صحيفة وقالوا: من يذهب بهذه إليه ؟ فقال عمار (بن ياسر): أنا.

 فذهب بها إليه فلما قرأها قال: أرغم الله أنفك.

 (وأنف من بعثك بها.

 قال عمار:) وأنف أبي بكر وعمر.

 قال: فقام إليه (عثمان) فوطأه حتى غشي عليه ! ! ! فنقم عليه ذلك.

 ومن ذلك أن عثمان (رض) ولى الكوفة الوليد بن عقبة غلاما شابا، فلما صلى بهم الصبح صلى ثلاثا وقال: لو شئتم زدتكم ركعة - وهو سكران ! ! ! - فقامت البينة على ذلك عند عثمان فقال لطلحة: قم فاجلده.

 فقال (طلحة): لم أكن من الجلادين.

 فقام إليه علي فجلده، وفيه يقول الحطيئة / 112 / ب /: شهد الحطيئة يوم يلقى ربه أن الوليد أحق بالغدر نادى وقد تمت صلاتهم ليزيدهم خيرا على خير ليزيدهم خيرا ولو قبلوا لجمعت بين الشفع والوتر كبحوا عنانك إذ جريت ولو تركوا عنانك لم تزل تجري (3)


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: ج 3 ص 91 ط سنة (1346) بمصر: " ومن حديث ابن أبي قتيبة، عن الاعمش عن عبد الله بن سنان... ".

 (2) رواه ابن أبي شيبة في الحديث: (10688) في كتاب الامراء من المصنف: ج 11، ص 90 ط 1، قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا قطبة بن عبد العزيز، عن الاعمش عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كتب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عيب عثمان... (3) هذا هو الظاهر الموافق لما في كتاب العقد الفريد: ج 3 ص 92 ط 2 بمصر، وكلن فيه: " مسكوا عنانك ".

 وفي أصلي: " كبحوا عتابك... ولو تركوا عتابك... ".

 يقال: كبح فلان دابته - على زنة منع وبابه -: جذبها باللجام حتى تقف ولا تجري.

 والابيات رواها أيضا البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 22 ط المستشرقين قال: 


[ 179 ]

وطلب منه عبد الله بن خالد (بن أسيد بن أبي العيص بن أمية) صلة فأعطاه أربع مائة ألف (1) و (أيضا) أقطع مروان فدك ! ! ! وافتتح إفريقية فوهب خمسها جميعه لمروان فقال عبد الرحمان بن حنبل الجمحي (2): أحلف بالله رب العباد ما ترك الله (لنا) شيئا سدى ولكن خلقت لنا فتنة لكي نبتلي بك أو تبتلى أأعطيت مروان خمس العباد هيهات ساوك ممن سها ولما أنكر الناس عليه " رض " اجتمعوا إلى علي وسألوه أن يلقى عثمانا فأقبل حتى دخل عليه فقال: إن الناس ورائي وقد سألوني أن أكلمك، والله ما أدري ما أقول ؟ ولا أعرف شيئا إلا وكنت تعرفه ولا تنكره (3) وما (ابن أبي قحافة و) ابن الخطاب أولى بشئ من الخير منك، ولا نبصرك من عمي ولا نعلمك من جها (لة، وإن) الطريق لواضح تعلم يا أمير المؤمنين أن خير عند الله إمام عدل (هدى) وهدي (به)، ومن أحيا


وفي الوليد يقول الحطيئة وهو جرول ابن أوس بن مالك بن جوية... وفيه: " حبسوا عنانك..... ".

 (1) وانظر ما أورده العلامة الاميني رفع الله تحت الرقم: (26) من معرفات عثمان وعطاياه لبني أمية من كتاب الغدير: ج 8 ص 283 ط 1.

 (2) وهو مترجم في حرف العين تحت الرقم: (5098) من الاصابة ج 4 ص 156، وأورده له ابن حجر بعض ما هو مذكور ها هنا من الابيات وغيرها ثم قال: وشهد (حرب) الجمل مع علي ثم (شهد معه حرب) صفين) صفين فقتل بها.

 (3) كذا في أصلي، وفي ترجمة عثمان من العقد الفريد: ج 3 ص 92.

 والله ما أدري ما أقول لك، ما أعرف شيئا تنكره، ولا أعلمك شيئا تجهله... وفي المختار: (46) من نهج السعادة: ج 1، ص 178: ما أعرفك شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه... 


[ 180 ]

سنة معلومة وأمات بدعة مجهولة، وأن شر الناس عند الله إمام ضلالة ضل وأضل وأحيا بدعة مجهولة، وأمات سنة معلومة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول: يؤتى بالامام الجائر يوم القيامة وليس معه ناصر ولا له عاذر فيلقى في جهنم (ف‍) تدور (به) دور الرحى ويلتطم في غمرة النار إلى آخر الابد (1) وإني محذرك أن تكون إمام (هذه الامة) المقتول الذي يفتح به باب القتل إلى يوم القيامة (و) يمرج به أمروهم إلى يوم القيامة (2).

 فخرج عثمان وخطب خطبته التي أظهر فيها التوبة.

 وكان علي رضي الله عنه كلما اشتكى من عثمان أرسل إليه ابنه الحسن (يبلغه ما يقول الناس فيه) فأرسل (عثمان) إليه كأنك ترى أن أحدا لا يعلم ما تعلم ! ! ونحن أعلم بما نفعل / 113 / أ / (3) ! فكف عنه (علي عليه السلام) ولم يبعث إليه بعدها (في) شئ.

 ثم إنه (عليه السلام) في غضون ذلك (كان) يأمر الناس بالكف عنه ويقول: أيها الناس اتقوا الله في إمامكم وخليفتكم الله الله في أمره.

 ثم إن عثمان صلى العصر (يوما) وخرج إلى علي يعوده من مرض عرض له ومعه مروان فرآه ثقيلا ؟ فقال (له): أما والله ما أدري أي يوميك أحب إلي ؟ ولولا أني أرى منك ما أرى ما تكلمت، أي يوميك أحب إلي أو أبغض أيوم حياتك أم يوم وفاتك ؟ أما والله لئن بقيت لا أعدم (ك) شامتا، ولئن مت لافجعن بك ! ! فحظي (منك) حظ الوالد المشتاق ؟ من الولد العاق (4) إن عاش عقه وإن مات فجعه ! ! ! فليتك جعلت لنا من أمرك علما نقف عليه ونعرفه، إما صديق مسالم أو عدو معالن ! ! ! ولم تجعلني كالمنخنق ؟ بين


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: يرتطم بحمرة النار إلى آخر الابد... (2) وفي العقد الفريد: وأنا أحذرك أن تكون إمام هذه الامة المقتول (الذي) يفتح به باب القتل والقتال إلى يوم القيامة يمرج بهم أمرهم ويمرجون.

 (3) كذا في أصلي، وفي ترجمة عثمان من العقد الفريد: ج 3 ص 92: وكان علي كلما اشتكى الناس إليه أمر عثمان، أرسل ابنه الحسن إليه، فلما أكثر عليه قال له (عثمان): " إن أباك يرى أن أحدا لا يعلم ما يعلم، ونحن أعلم بما نفعل فكف عنا ! ! ! " فلم يبعث علي ابنه في شئ بعد ذلك.

 (4) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد: أما والله لئن بقيت لا أعدم شامتا بعدك كفا ؟ ويتخذك عضدا، ولئن مت لا فجعن بك، فحظي منك حظ الالد المشفق من الولد العاق... 


[ 181 ]

السماء والارض لا يرقأ بيد ولا يهبط برجل ! ! ! والله إن قتلتك لا أصيب منك خلفا، ولئن قتلتني لا أجد منك خلفا ؟ ما أحب والله البقاء بعدك ! ! ! فقال مروان: إي والله وأحرى إنه لا ينال ما وراء ظهورنا حتى تكسر رماحنا وتتقطع سيوفنا فما خير العيش بعد هذا ؟ ! فضرب عثمان في صدره وقال: ما يدخلك في كلامنا ؟ فقال علي رضي الله عنه: والله إني لفي شغل عن جوابكما ولكني أقول كما قال أبو يوسف: * (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) * (18 / يوسف: 12).

 وقال ابن عباس: أرسل إلي عثمان فقال: اكفني ابن عمك.

 فقلت (له): إن (ابن) عمي ليس كما تظن ولا بالرجل الذي ترى فأرسلني (إليه) بما أحببت فهو سامع لك ومطيع.

 قال (عثمان: قل له): يخرج إلى ماله ب‍ " ينبع ".

 (قال ابن عباس:) فأتيت عليا وخبرته (بما قال عثمان) فقال: نعم ولا يجدني عثمان (إلا) سامعا لامره مطيعا، ثم أنشد: فكيف به إني أداوي جراحه فتدوى فلا مل المداوي ولا الدوا (1) اما والله إني لخير القوم وأنصحهم له، وأكثرهم إشفاقا عليه.

 (قال ابن عباس:) فأتيت عثمان فأخبرته فأنشد: فكيف به من (أن) أداوي جراحه فيدوى فلامل المداوي ولا الدوا ؟ فخرج علي إلى " ينبع " مبادرا لامره فكتب إليه عثمان حين اشتد به الامر: أما بعد فقد بلغ السيل الزبى وتجاوز الخلع الطبيين وطمع في كل ضعيف النفس فأقبل إلي على كل حال / 113 / ب / صديقا أو عدوا ! ! ثم أنشد: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق قال: فأقبل إليه (علي) وبالغ في وعظ الناس ونهيهم عن التعرض له وقال: لا يحل لكم التعرض إليه ؟ ولا انتهاك حرمته فلم يسمعوا (منه) وكثر الهرج فكان يرسل بالحسن والحسين إليه كل يوم ويأمرهما بامتثال أمره ونهي الناس عنه ويبالغ في القول.

 هذا ما ذكره (ابن عبد ربه) صاحب (كتاب) العقد (الفريد) (2).

 


(1) كذا في أصلي، وفي العقد الفريد ها هنا وفي البيت التالي معا: " فلا مل الدواء ولا الداء ".

 (2) كما في الطبعة الثانية بمصر سنة (1346) منه: ج 3 ص 88 - 93.

 


[ 182 ]

وأما ما ذكره ابن أبي شاكر الكتبي (1) فقال: إنما أوغر صدور الناس على علي بنو أمية ونسبوا إليه ما نسبوا من الخوض في دمه وأنه هو الذي ألب عليه - وذلك بعد مبايعته بالخلافة - ليوغروا القلوب عليه ويبلغوا أغراضهم (من) ذلك وإلا فقد علم كل ذي عقل صحيح أن عليا (كان) من أبرء الناس من دم عثمان وأن بني أمية (كانوا) هم الذين أوغروا الصدور على عثمان وأثاروا الفتن.

 و (هذا) صورة ما ذكره ابن أبي شاكر ؟ الكتبي قال: ومن الحوادث (التي جرت) في سنة أربع وثلاثين اجتماع المنكرين على عثمان بن عفان، وتكاتبوا من الاقطار للاجتماع لمناظرته مما نقموا عليه فأجمع رأيهم (على) أن يبعثوا إليه) رجلا يكلمه ويخبره بما أنكروه عليه فيما أحدث، فأرسلوا إليه عامر بن قيس، فدخل عليه فقال: إن ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك فوجدك قد ركبت أمورا عظاما فاتق الله وانزع عنها.

 فأرسل (عثمان) إلى معاوية وابن أبي سرح وإلى سعيد بن العاصي (وعمرو ؟) العاصي فجمعهم وشاورهم في أمره، فقال عبد الله بن عامر: أرى أن (تلهيهم) بجهاد يشغلهم عنك ؟ وقال ابن أبي سرح: أعطهم المال تعطف (قلوبهم) عليك.

 


(1) الظاهر أن هذا هو الصواب، وفي أصلي: " ابن أبي شاكر الليثي... ".

 وهو محمد بن شاكر الكتبي المولود عام: (686) - على ما حكى عن نسخة من كتاب الدرر الكامنة - والمتوفى سنة: (764).

 والظاهر أن ما نقله المصنف ها هنا مأخوذ من كتاب عيون التواريخ، وهذا الكتاب ذكره الحاجي خليفة في كشف الظنون: ج 2 ص 1185، قال: (وكتاب) عيون التواريخ - في ست مجلدات - لفخر الدين محمد بن شاكر الكتبي المتوفى سنة (764) انتهى فيه إلى آخر سنة (760)... وذكره أيضا معاصره ابن كثير في المتوفين عام: (764) من كتاب البداية والنهاية: 14، ص 303 قال: وفي يوم السبت الحادي عشر (من رمضان، سنة (764 *) صلينا بعد الظهر... وعلى الشيخ صلاح الدين محمد بن شاكر الليثي ؟ تفرد في صناعته وجمع تاريخا مفيدا من عشر مجلدات، وكان يحفظ ويذاكر ويفيد رحمه الله وسامحه.

 ولترجمته مصادر، يجدها الطالب في مقدمة فوات الوفيات ط دار صادر.

 


[ 183 ]

وقال معاوية: تأمر أجنادك فيكفيك كل منهم من قبله.

 فقال عمرو:...... اعتدل (أ) واعتزل.

 فردهم عثمان إلى أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم ورد سعيد بن العاصي إلى الكوفة.

 فخرج جماعة من الكوفة فيهم يزيد بن قيس والاشتر / 114 / ب / وغيرهم وضرب الاشتر غلاما كان مع سعيد، فرجع سعيد إلى عثمان (فقال له عثمان:) ما يريدون ؟ قال: البدل.

 قال (عثمان): من (يريدون ؟) قال: أبو موسى الاشعري.

 فجعله عليهم.

 وروى الواقدي عن أشياخه أن جماعة (من الناقمين على عثمان) اجتمعوا (إلى علي وسألوه أن يلتقي بعثمان ويبلغه ما نقموا عليه.

 فدخل علي على عثمان) وكلمه وقال (له): لقد صحبت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ونلت صهرا ؟ وما أحد أحق بعمل الحق منك.

 فقال عثمان: أتلومني أن وصلت رحما وسددت خلة أنشدك (الله) هل تعلم أن عمر ولى المغيرة بن شعبة وليس ذلك ؟ قال (علي): نعم.

 قال: أفتلومني أن وليت ابن عامر في قرابته ؟ قال (علي): سأخبرك: إن عمر كان إذا ولى شخصا فكأنما يطأ على صماخه (و) إن بلغه عنه حرف (جلبه) ثم يبلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل (هذا بابن عامر، وغيره من ولاتك) رفقا به ورقة على أقاربك ! ! (1).

 قال (عثمان): فهل تعلم أن معاوية ولاه عمر خلافته كلها ؟ (ف‍) قال علي: أنشدك الله أتعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من غلام عمر ؟ قال (عثمان): نعم.

 (ف‍) قال علي: إن معاوية يقطع الامر دونك ويقول: هذا أمر عثمان ويبلغك ذلك فلا تغير عليه.

 ثم خرج (علي) من عنده (2).

 


(1) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: ج 4 ص 338 ما لفظه: إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه (صماخيه) إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل (هذا) ضعفت ورفقت على أقربائك.

 (2) هذا تلخيص ما رواه الطبري في تاريخه: ج 4 ص 338.

 ورواه أيضا البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 60.

 


[ 184 ]

وخرج عثمان على أثره فصعد المنبر وأرعد وأبرق (1) وقال فيما قال: والله لقد عبتم علي ما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده ونهركم بلسانه فدنتم له (2) و (أنا) كففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي أما والله لانا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا، ولقد أعددت أقرانكم وكشرت


ورواه العلامة الاميني رفع الله مقامه عنه وعن الطبري وتاريخ الكامل - لابن الاثير -: ج 3 ص 63 وعن تاريخ أبي الفدا: ج 1 ص 168، وتاريخ ابن خلدون: ج 2 ص 391 كما في الغدير: ج 9 ص 161، ط 1.

 ورواه أيضا ابن قتيبة في الامامة والسياسة ص 28 وعنه العلامة الاميني في الغدير ج 9 ص 18، ط (1) وخطبته التي أرعد وأبرق فيها، رواها أيضا موجزة ابن قتيبة في كتاب الامامة والسياسة ص 28 قال: حدثنا ابن أبي مريم وابن عفير، قالا: حدثنا ابن عون، قال: أخبرنا المخول بن إبراهيم وأبو حمزة الثمالي - وبعضهم يزيد على بعض والمعنى واحد فجمعته وألفته على قولهم ومعنى ما أرادوا - عن علي بن الحسين، قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن لكل شئ آفة ولكل نعمة عاهة، وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه الملة قوم عيابون طعانون يرونكم ما تحبون ويسرون ما تكرهون ! ! أما والله يا معشر المهاجرين والانصار لقد عبتم علي أشياء ونقمتم أمورا قد أقررتم لابن الخطاب مثلها ! ! ولكنه وقمكم وقمعكم ولم يجترئ أحد يملا بصره منه، ولا يشير بطرفه إليه ! ! ! أما والله لانا أكثر من ابن الخطاب عددا وأقرب ناصرا وأجدر... وقريبا منه رواها أيضا البلاذري نقلا عن الواقدي كما في ترجمة عثمان من أنساب الاشراف: ج 5 ص 61.

 ورواها أيضا بزيادات الطبري في حوادث سنة: (34) من تاريخه: ج 4 ص 337 قال: وأما الواقدي فإنه زعم أن عبد الله بن محمد، حدثه عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقدموا فإن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد، وكثر الناس على عثمان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون ويسمعون ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب إلا نفير (منهم) زيد بن ثابت، وأبو أسيد الساعدي وكعب بن مالك وحسان بن ثابت.

 (2) هذا هو الصواب المذكور في تاريخ الطبري، وفي أصلي: " والله لقد عبتم علي ما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطأكم برجلكم وضربكم برجله بيده... ".

 


[ 185 ]

لكم عن نابي وأخرجت خلقا لم أكن أحسنه (1) ونطقت لما لم أنطق به قبل وإني الان قد كففت عنكم (2) واعتذر عما كان يعطي أقاربه من فضل ماله ؟.

 فقام مروان وقال: إن شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف.

 فقال له عثمان: اسكت - لا سكت - دعني وأصحابي ألم أتقدم إليك أن لا تنطق ؟ فسكت مروان ونزل عثمان.

 وكان معاوية لما ودع عثمان عرض عليه أن يدخل به الشام فقال (عثمان): لا اختار بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلا.

 فقال له (معاوية): أجهز لك جيشا من الناس يقيمون لنصرتك.

 قال (عثمان): أخشى أن أضيق بهم بلد رسول الله (ص) / 114 / ب /.

 فخرج معاوية وهو متقلد سيفه فمر على ملا من المهاجرين والانصار فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلم بكلام يشتمل بالوصية على عثمان والتحذير من إسلامه لاعدائه ثم انصرف.

 قال الزبير: ما رأيته أهيب في عيني من يومئذ ! !.

 وذكر ابن جرير الطبري (3) أن معاوية (كان) ليستشعر الامر لنفسه في سفرته هذه


(1) هذا هو الظاهر المذكور في تاريخ الطبري، وفي أصلي: " وكثرت لكم عن بابي... ".

 (2) كذا في أصلي، وفي تاريخ الطبري: ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا... (3) ذكره الطبري بسندين عن سيف الكذاب في حوادث العام: (35) من تاريخه ج 4 ص 343، وساق قصة مطولة بأول سنديه إلى أن قال: ولما استقل عثمان رجز الحادي: قد علمت ضوامر المطي وضامرات عوج القسي أن الامير بعده علي وفي الزبير خلف رضي وطلحة الحامي لها ولي فقال كعب (الاحبار) - وهو يسير خلف عثمان -: الامير والله بعده صاحب البغلة وأشار إلى معاوية.

 ثم قال الطبري: كتب إلي السري، عن شعيب، عن سيف، عن بدر بن الخليل بن عثمان بن قطبة الاسدي، عن رجل من بني أسد، قال: ما زال معاوية يطمع فيها بعد مقدمه على عثمان حين جمعهم، فاجتمعوا إليه بالموسم، ثم ارتحل، فحدا به الراجز: 


[ 186 ]

إلى المدينة وذلك إنه سمع حاديا يرتجز بكلام تفأل به، وقال كعب الاحبار وهو يسير خلف عثمان والله إن الامر بعده لصاحب البغلة الشهباء.

 (ثم قال الطبري:) فلما كانت السنة الخامسة والثلاثون كان فيها قتل عثمان " رض " و (كان) السبب في ذلك عمرو بن العاصي حين عزله (عثمان) من مصر، وولى عليها ابن أبي سرح (ف‍) انتقل (عمرو) إلى المدينة وفي نفسه ما فيها من عثمان وتكلم بكلام افتخر فيه على عثمان وأنه أعز منه ! فقال عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية (1).

 فجعل عمرو يبالغ في الانكار على عثمان ويؤلب عليه ويكاتب أهل مصر، وكان بها جماعة يبغضون عثمان فاستنفروا عليه ست مائة راكب في (شهر) صفر معتمرين، فساروا إلى المدينة تحت أربع رايات وأمر الجميع إلى بديل بن ورقاء الخزاعي.

 فلما قدموا المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يكلمهم وأن يأمرهم بالرجوع إلى بلدهم فانطلق علي رضي الله عنه وأنبهم وعنفهم وانتهرهم وشتمهم (2) وأمرهم بالرجوع وكانوا يعظمونه ويبالغون في سماع كلامه فرجعوا إلى أنفسهم بالملامة وقالوا: هذا الذي تعظمونه وتختارونه من أعظم أنصاره وأعوانه فرجعوا خائبين من حيث أتوا (ورجع علي إلى) عثمان (واستدعى منه) أن يخطب الناس ويعتذر إليهم مما وقع وأنه سيسير فيهم (بسيرة) أبي بكر وعمر (3) فاستمع (منه) عثمان، فلما كان يوم الجمعة خطب الناس ثم رفع يديه وقال: اللهم إني استغفرك وأتوب إليك، اللهم إني تائب مما كان مني.

 وأرسل عينيه بالبكاء - فبكى الناس ورقوا على إمامهم - وأشهدهم أنه قد لزم طريقة أبي بكر وعمر / 115 / ب / وأنه فتح بابه لكل من أراد الدخول عليه، ونزل فصلى ودخل منزله.

 


إن الامير بعده علي وفي الزبير خلف رضي.

 قال كعب: كذبت ! صاحب الشهباء بعده - يعني معاوية - فأخبر معاوية، فسأله عن الذي بلغه (عنه)، قال: نعم، أنت الامير بعده، ولكنها والله لا تصل إليك حتى تكذب بحديثي هذا.

 فوقعت في نفس معاوية.

 وقريبا منه رواه عمر بن شبة في أواخر ترجمة عمر من تاريخ مدينة المنورة: ج 3 ص 932 ط 1.

 (1) وانظر تاريخ المدينة المنورة - لعمر بن شبة -: ج 3 ص 1088.

 (2) ذكره الطبري في سيرة عثمان في حوادث سنة: (35) من تاريخه: ج 4 ص 343 ط الحديث بمصر.

 (3) انظر تاريخ الطبري: ج 4 ص 360 و 370 وما حولها.

 


[ 187 ]

فجاء مروان فقال: يا أمير المؤمنين أسكت أم أتكلم ؟ قال: بل تكلم.

 قال: لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع ولكنك قلت ما قلت وقد بلغ السيل الزبى والله لاقامة على خطيئة تستغفر منها خير من توبة (عن) خوف وإنك لو شئت أقررت بالتوبة ولم تقر بالخطيئة وقد اجتمع لك ؟ من الرجال كأمثال الجبال ببابك.

 قال عثمان: فاخرج إليهم وكلمهم.

 فخرج مروان إلى الباب والناس قد ركب بعضهم بعضا فقال (مروان): ما شأنكم كأنكم قد جئتم لنهب ! ! ! شاهت الوجوه أتريدون تنزعون ملكا من أيدينا ؟ اخرجوا عنا.

 فرجع الناس إلى علي فأخبروه الخبر فجاء ودخل على عثمان فقال: ما رضيت إلا أن يحولك مروان عن عقلك ورأيك والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه.

 وخرج من عنده مسترجعا.

 فلما بلغ أهل الانصار مقالة مروان تكاتب أهل مصر والكوفة والبصرة وكان أهل البصرة يشتهون طلحة وأهل الكوفة يشتهون الزبير (فظعن إلى المدينة جماعة من أهل الكوفة) فلما كانوا من المدينة على ثلاث تقدم زياد بن النضر وقال: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد فدخل الرجلان ؟ وجاء طائفة منهم إلى علي وسلموا عليه، فصاح بهم (علي) وشتمهم وقال: ارجعوا لاصحبكم الله بسلامة (1) فانصرفوا إلى طلحة والزبير فسبوهم وفعلوا فعل علي فرجع كل فريق إلى قومهم وأعلموا أنهم راجعين إلى بلادهم وساروا أياما ثم ردوا راجعين فلم يرع أهل المدينة إلا التكبير وإذا القوم قد رجعوا إلى المدينة وأحاطوا بدار عثمان وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن.

 فكف الناس أيديهم ولزموا بيوتهم هذا كله ولا يدري الناس كلهم ما يصنعون.

 وقال علي لاهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ؟ قالوا: وجدنا مع بريد كتاب (عثمان) بقتلنا ! ! ! وكذلك قال البصريون لطلحة والكوفيون للزبير، وقال أهل مصر: إنما جئنا لنصرة أصحابنا ؟ فقال لهم الصحابة: هذا أمر اتفقتم عليه ؟


(1) وقريبا منه معنى رواه الطبري بسنده عن سيف الكذاب في حوادث العام: (35) من تاريخه: ج 4 ص 348.

 وأما ما جاء في الفقرة من أن طلحة والزبير سبا الثائرين، فالقرائن التاريخية الثابتة على خلافه، لانهما كانا يحمسان الثائرين على خلاف عثمان ! ! !.

 


[ 188 ]

وكان / 116 / أ / المصريون لما رجعوا وجدوا بريدا يسير وحده (فشكو فيه) فأخذوه وفتشوه وإذا معه كتاب (من) عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم وبصلب أخرى وبقطع أيدي أخرى وعلى الكتاب خاتم عثمان وهو على جمل لعثمان تعلم (1) ! ! ! (فانطلقوا حتى دخلوا على عثمان فقالوا: كتبت فينا بكذا وكذا ؟ فقال: إنما هما اثنتان: أن يشهد على عدلان من) الناس في ذلك وإلا فو الله ما كتبت ولا أمليت ولا دريت، والخاتم قد يتزور على الخاتم (2).

 (قال أبو الحسن (المدائني): لما قدم وفد أهل مصر دخلوا على عثمان فقالوا (له): كتبت فينا بكذا وكذا ؟ قال: إنما هما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين أو يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمليت ولا علمت، وقد يكتب الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم) (3) فصدقه المصدق وكذبه المكذب ! ! ! وكان أهل مصر قد سألوا عثمان أن يولي عليهم غير ابن أبي سرح وأن يعزله عنهم ويولي (عليهم) محمد بن أبي بكر فأجابهم إلى ذلك.

 فلما رجعوا (منصرفين إلى بلادهم) وجدوا بريدا ومعه كتاب (من عثمان إلى ابن أبي سرح) بقتل محمد وآخرين معه (4) فرجعوا (إلى المدينة) وقد حنقوا عليه حنقا شديدا وطافوا بالكتاب على الناس.

 فلما كان يوم الجمعة وقد قام عثمان على المنبر وفي يده العصا كان يتوكأ عليها النبي (ص) فقدم إليه رجل وسبه وأنزله عن المنبر (5) فطمع الناس فيه من يومئذ.

 


(1) لعل هذا هو الصواب، وفي أصلي: " نكلم ".

 (2) ما وضع بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق، وفي أصلي: " وهو على جمل لعثمان تكلم الناس في ذلك وإلا فو الله ما كتب ولا أمليت ولا دريت، والخاتم قد يتزور على الخاتم ".

 (3) ما وضع بين المعقوفين غير موجود في أصلي وليس ببالي من أين أخذته ؟ وليلاحظ ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ص 66 / أ والعقد الفريد ج 5 ط لبنان.

 (4) راجع تفصيل القصة في كتاب أنساب الاشراف وتاريخ الطبري والغدير ج 9 ص 124، ط 1.

 (5) وهو الجهجاه الغفاري من الصحابة الذين بايع النبي تحت الشجرة وتفصيل القصة في أنساب الاشراف ج 5 ص 47 والطبري ج 5 ص 114 والغدير ج 9 ص 124 ط 1.

 وما أبداه عثمان من أنه " قد يكتب الكتاب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على الخاتم " وإن كان 


[ 189 ]

ثم خطب (عثمان) بعد ذلك فقال في خطبته: يا هؤلاء الغر ؟ الله الله في فو الله إن أهل المدينة ليعلمون أنهم ملعونون على لسان نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم (1).

 فثار القوم وحصبوهم حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى صرعوه عن المنبر وغشي عليه واحتمل إلى داره وأقبل علي وطلحة والزبير يعودونه ويشكون بثهم وما لقوا من الناس ثم رجعوا إلى مكانهم.

 وتفاقم الامر وطمع أولئك الاحلاف (في عثمان) وضيقوا عليه.

 ولزم الصحابة بيوتهم وصار إليه جماعة من أبنائهم منهم الحسن والحسين وعبد الله بن الزبير فكانوا يناضلون (من دونه كراهة) أن يصل أحد (إليه فيقتله).

 وأسلمه بعض الناس رجاء أن يصير إلى واحدة مما (طلبوه منه و) هو أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان الطريد فإنه (كان) أصل هذه (الفتنة ولكن لم يرض عثمان بأي واحد من الامرين).

 


أمرا محتملا، ولكن المصريون الذين قبضوا الرسالة من يد غلام عثمان كانوا يقولون: إن الرسالة إما منك وإما من مروان ليس إلا، فإن كان منك فلست خليقا بزعامة المسلمين فاستقل عنها.

 وإن كان من مروان فافصله عنك وأدبه حتى لا يقدم ثانيا على الافتاء بقتل نفوس محترمة، وعثمان ما أجاب القوم في كل واحد من الامرين فإذا المحكومية صارت مسجلة عليه على كل تقدير ! !.

 (1) أكثر ما أورده المصنف في هذا الباب مرسلة أختلقها أولياء عثمان، وأعضاد معاوية وأعوان بني أمية تدعيما لباطلهم، وحذفوا أسانيدها مخافة أن ينتبه القراء أنها من سنخ استشهاد الثعلب بذنبه ! ! ! وكيف يمكن أن يقال: إن الصحابة لزموا بيوتهم والحال أن أكثرهم - وفي طليعتهم طلحة والزبير - كانوا من الثائرين عليه والمشجعين للثوار، حتى أن طلحة في أيام حصار عثمان استولى على بيت المال وطرد عمال عثمان وأخذ منهم المفاتيح.

 ورى البلاذري أن عليا عليه السلام مر بدار بعض آل أبي سفيان فسمع بعض بناته تقول: ظلامة عثمان عند الزبير وأوتر منه لنا طلحة هما سعراها بأجذالها وكانا حقيقين بالفضحة فقال علي: قاتلها الله ما أعلمها بموضع ثارها ! !.

 وكان ابن الابتر عمرو بن العاص يقول: إني كنت لا حرض عليه الراعي في غنمه في رأس الجبل.

 كما في حوادث العام: (35) من تاريخ الطبري: ج 4 ص 357 ط مصر.

 


[ 190 ]

وانقطع عثمان عن المسجد بالكلية ودام الحصار، وجاء (لنصرته) سعد (وزيد بن ثابت و) أبو هريرة والحسن والحسين فقال عثمان: إن كنتم تريدون الطاعة فاغمدوا سيوفكم وانصرفوا.

 وجاءه كثير بن الصلت (1) (من حواريه) فقال: لو رأيت الناس وجهك.

 قال: يا كثير رأيت (ظ) رسول الله / 116 / أ / صلى الله عليه وسلم في منامي وكأني دخلت عليه، وهو وأبو بكر وعمر (جلوس) فقالوا: قد صبرت وشيعتك ؟ وتفطر عندنا يوم كذا وكذا، ولن تغيب الشمس يوم كذا إلا وأنا في الاخرة فارجعوا ! ! ! وجاءت الاخبار بأن العساكر قادمة لنصرة عثمان، فلما علموا أنهم مقصودون قالوا: لا ينجينا إلا قتل هذا الرجل.

 فجاؤا إلى الباب فمنعهم الحسن والحسين ومحمد بن طلحة فناداهم عثمان: الله الله أنتم في حل من نصرتي.

 فأبوا أن يفتحوا الباب.

 فجاء المصريون فأحرقوا الباب، وقيل: تسوروا عليه الجدار ولم يعلم الذين يحرسونه على الباب فلم يشعروا حتى دخلوا عليه، فقتل والمصحف في حجره.

 وقد أطال المؤرخون شرح مقتله وأوردوه على طرق شتى وروايات مختلفة وبالغوا في ذكر الاسباب الموجبة لقتله، وقد ذكر غالبها صاحب الرياض النضرة في مناقب العشرة، وعدد ما اعتذر عنه، وبالغ في إيضاح ذلك (2) ولم يحملني على ذكر ذلك إلا تبرأة الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مما نسبه إليه من زاغ عن الحق واتبع هواه وكان أمره فرطا (3) ولقد أنكر ذلك ظاهرا وباطنا ووقع ما وقع من قتله عن غير رضا منه ولا اختيار وساءه ذلك غاية الاساءة ولو استطاع دفع ذلك لما تأخر عن دفعه ولا توانى


(1) كثير بن الصلت كان من أعضاد الشجرة الملعونة في القرآن وكان كاتبا لابي الذبان عبد الملك بن مروان، فلا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة أن يرى لحديثه مقيلا من الصحة ومسيسا بالواقع.

 (2) ولكنه في أكثر ما أورده تمسك بمفتريات بني أمية ومختلفات مشايخ حريز الحمصي وتلاميذه.

 ومن أراد أن يعرف ما جرى على عثمان من مصدر محتوياته قريب بالواقع فعليه بترجمة عثمان من القسم الاول من الجزء الخامس من أنساب الاشراف، من ص 25 - 105، طبع المستشرقين.

 ومن أراد تمحيص أخبار عثمان وتحقيقها فعليه بكتاب الغدير: ج 8 وج 9 ص 3 - إلى آخر الكتاب - لا سيما ص 78 وما بعدها.

 (3) وهذا مقتبس من الاية: (28) من سورة الكهف: 18: * (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) *.

 والفرط - على زنة العنق -: الامر الذي يجاوز فيه الحد.

 الاسراف.

 الاعتداء.

 


[ 191 ]

وكرهت (ذلك أيضا) رؤساء الصحابة وأكابرهم ولكن عجزوا عن رد تلك الجيوش والجموع (1) وكان أمر الله قدرا مقدورا.

 وإنما أشاع بنو أمية ة ذلك ونسبوه إلى علي رضي الله عنه ليوغروا عليه القلوب، ويوقدوا (عليه) نار الحرب، لعداوتهم القديمة لاصلهم الشريف (ظ) فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ندر دماءهم وطردهم عن المدينة ونفاهم (ظ) وما زالوا مخاخ (2) حتى أقدمهم عثمان المدينة وأعطاهم الاموال الجزيلة وولاهم الولايات الجليلة فركبوا أعناق الناس ووطؤهم بأرجلهم ونالوا من أعراضهم فأنفت وولاهم من ذلك النفوس وأرعدت الانوف ؟ ثم صدرت منهم من الامور / 116 / ب / وإثارة الاهواء والفتن والسعي في الفساد وإراقة الدماء ما لا يخفى فوقع ما وقع (3).

 وقد ذكر الشيخ كمال الدين الدميري رحمه الله في كتابه حياة الحيوان (4) عند ذكر الوزغ وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، قال: كان لا يولد لاحد مولود إلا أتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدعو له، فأدخل عليه مروان فقال: هذا الوزغ بن الوزغ الملعون بن الملعون ! ! ! وذكره الحاكم في كتاب الفتن والملاحم في المستدرك (5) (بسنده) عن عبد الرحمان بن عوف وقال: (هذا حديث) صحيح الاسناد.

 وأيضا ذكر (الحاكم في كتاب الملاحم والفتن من المستدرك) قال: لما بايع معاوية لابنه يزيد، قال مروان: (هذه) سنة أبي بكر وعمر.

 فقال عبد الرحمان بن أبي بكر: (بل هي) سنة هرقل وقيصر فقال له مروان: أنت الذي أنزل الله فيك: * (والذي قال لوالديه أف لكما) * (17 / الاحقاف: 46) فبلغ ذلك عائشة (فقالت) كذب


(1) تقدم آنفا أن كثيرا من الصحابة كانوا مع الثائرين وفي طليعتهم طلحة والزبير.

 (2) كذا في أصلي، والمخاخ: ما يخرج من مخ العظم في فم من يمصه.

 (3) ياليت كان المصنف يعطف على هذا الواقع - الذي هو محصول محكمات التاريخ - كلم أمير المؤمنين عليه السلام المذكورة في مصادر الشيعة والسنة معا، منها قوله عليه السلام في الخطبة الشقشقية حول هوية عثمان وبني أمية، قال: " إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الابل نبتة الربيع ! ! إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله وكبت به بطنته... ".

 (4) انظر القصة في مادة: " الوزغ " من كتاب حياة الحيوان.

 (5) أورده الحاكم في أواسط كتاب الفتن والملاحم من المستدرك ج 4 ص 479.

 وقريبا منه رواه البلاذري في ترجمة عثمان من كتاب أنساب الاشراف: ج 5 ط المستشرقين ص 27.

 


[ 192 ]

والله ما هو فيه ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان (وهو) في صلبه (1).

 ثم روى الحاكم عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - أن الحكم بن العاصي استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف صوته فقال: ائذنوا له (عليه) لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم وقليل منهم يشرفون في الدنيا، ويضعون في الاخرة، ذو مكر وخديعة ليس لهم في الاخرة من خلاق (4).

 هكذا ذكره الدميري في (كتاب) حياة الحيوان.

 فقد وضح لكل منصف ولكل ذي عقل صحيح أن هؤلاء القوم هم الذين كانوا سببا في فتنة عثمان وإيغار قلوب الحق عليه ؟ وأن عليا رضي الله عنه لم يكن فيما نسبوه إليه صحة ؟ بل كان من أكره الناس له، وأبعدهم منه، وفي ذلك كفاية، والقيامة تجمعهم وإلى الله مرجعهم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 


(1) نقله الحاكم في أواسط كتاب الملاحم والفتن من المستدرك: ج 4 ص 481.

 وليلاحظ كتاب الغدير: ج 8 ص 254 وما حولها، من ط 1.

 وإليك تفصيل ما أشرنا إليه من الروايات الواردة، في المقام: روى البلاذري في عنوان: " مروان بن الحكم " - بعد ختام ترجمة عثمان بن عفان وأولاده - من أنساب الاشراف: ج 5 ص 125، ط 1، قال: حدثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ حدثنا مسلم بن إبراهيم، عن جعفر بن سليمان، عن سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن الجزري (عبد الحميد بن عبد الرحمان): عن عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له لعنة الله عليه وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين ؟ - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا ويتضعون في الاخرة ؟ و (الحديث) رواه (أيضا) الطبراني عن أحمد بن داود المكي عن مسلم بن إبراهيم، عن جعفر بن سليمان (الضبعي عن سعيد بن زيد، عن علي بن الحكم عن أبي الحسن الجزري، عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - قال: استأذن الحكم بن أبي العاصي ؟ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه ؟ فقال: ائذنوا له فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وما يخرج من صلبه - إلا الصالحين منهم - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا ويرذلون في الاخرة ذوو مكر وخديعة).

 


[ 193 ]


أقول: ما وضع بين المعقوفين قسم السند منه مأخوذ من رواية أبي يعلى وغيره، والمتن مأخوذ مما رواه الهيثمي - عن الطبراني - في مجمع الزوائد ج 5 ص 242.

 ورواه الحاكم في أواسط كتاب الفتن والملاحم من المستدرك: ج 4 ص 481 ط 1، قال: حدثني محمد بن صالح بن هانئ حدثنا الحسين بن الفضل، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي (من رجال صحاح أهل السنة) حدثنا علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن الجزري (عبد الحميد بن عبد الرحمان الثقة المأمون كما في تهذيب التهذيب 12 / 73): عن عمرو بن مرة الجهني - وكانت له صحبة - (قال:) إن الحكم بن أبي العاص استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته وكلامه فقال: ائذنوا له عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا ويضعون في الاخرة، ذوو مكر وخديعة يعطون في الدنيا، ومالهم في الاخرة من خلاق.

 والحديث رواه أيضا عنه البيهقي في آخر عنوان " ما جاء في رؤياه (أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم) ملك بني أمية " من كتاب النبوة: ج 6 ص 516 ط بيروت، قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في (شهر) صفر سنة إحدى وخمسين (وثلاث مائة قال:) حدثنا علي بن حمشاذ العدل، حدثنا محمد بن نعيم بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمان السمرقندي الشيخ الفاضل ؟ حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن.

 عن عمرو بن مرة - وكانت له صحبة - قال: جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال: ائذنوا له، حية (ظ) - أو ولد حية - عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنون - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الاخرة، ذوو مكر وخديعة يعظمون في الدنيا ومالهم في الاخرة من خلاق.

 (ثم قال البيهقي) قال الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمان (السمرقندي من رجال مسلم وأبي داود والترمذي) أبو الحسن هذا حمصي.

 ورواه ابن عساكر بسنده عن البيهقي في أخر ترجمة مروان من تاريخ دمشق: ج 16 ص 357 قال: وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل، أنبأنا أبو بكر البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ في التاريخ، أنبأنا علي 


[ 194 ]


بن حمشاذ العدل، أنبأنا محمد بن نعيم بن عبد الله، أنبأنا عبد الله بن عبد الرحمان السمرقندي الشيخ الصالح ؟ أنبأنا مسلم بن إبراهيم، أنبأنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن (الجزري الحمصي)... وأيضا رواه ابن عساكر في أواخر ترجمة مروان بن الحكم من تاريخ دمشق: ج 16 ص 357 من المصورة الاردنية - وفي مختصره - باختصار إبراهيم صالح - ج 24 ص 191 ط 1، قال: أخبرتنا أم المجتبى بنت ناصر، قالت: قرئ على إبراهيم بن منصور، أنبأنا أبو بكر ابن المقرى أنبأنا أبو يعلى أنبأنا محمد بن عقبة السدوسي أنبأنا جعفر بن سليمان الضبعي أنبأنا سعيد، عن علي بن الحكم، عن أبي الحسن الجزري، عن عمرو بن مرة، قال: استأذن الحكم بن أبي العاص على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه فقال: ائذنوا له حية (أو ولد) حية - لعنه الله وكل من خرج من صلبه إلا المؤمنون منهم - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الاخرة، ذوو مكر وخديعة، يعظمون في الدنيا ومالهم في الاخرة من خلاق.

 قال: (محمد) بن عقبة: عمرو بن مرة هذا له صحبة (و) قال عبد الله بن عبد الرحمان الدارمي: أبو الحسن هذا حمصي.

 كذا قال ؟.

 ورواه أيضا ابن كثير في حوادث سنة (132) في ختام دولة بني أمية من البداية والنهاية: ج 10 ص 50 قال: قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمان الدارمي (السمرقندي المترجم في تهذيب التهذيب: ج 5 ص 294): حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - عن علي بن الحكم البناني عن أبي الحسن (الجزري و) هو الحمصي: عن عمرو بن مرة - وكانت له صحبة - قال: جاء الحكم بن أبي العاص يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف كلامه فقال: ائذنوا له صبت عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين - وقليل ما هم - يشرفون في الدنيا، ويوضعون في الاخرة، ذوو دهاء وخديعة، يعطون في الدنيا ومالهم في الاخرة من خلاق.

 ورواه العلامة الاميني رحمه الله عن مصادر في الغدير ج 8 ص 251.