[ 195 ]

الباب الثامن والستون

في خلافة سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه

ولما توفي علي رضي الله عنه بويع الحسن بن علي بن أبي طالب ابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة أربعين.

 فكتب إليه عبد الله بن عباس / 117 / أ /: أما بعد ف‍ (إن المسلمين) قد ولوك أمرهم بعد أبيك ورضي بك الناس (1) فاشدد عزيمتك وجاهد عدوك، واشتر من الظنين دينه بما لم يثلم دينك، واستعمل أهل البيوت تستصلح بهم عشائهم (2).

 فكان أول من بايعه قيس بن سعد (الانصاري) قال: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه (وآله) وسلم وقتال المحلين.

 فقال الحسن (عليه السلام): على كتاب الله وسنة نبيه فإن ذلك يأتي من وراء كل شئ ؟ من الشروط.

 فبايعه (قيس) وسكت ؟ وبايعه الناس.

 وقال (الطبري): حدثنا عبد الله بن أحمد (بن شبويه المروزي قال:) حدثنا أبي قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا عبد الله بن يونس (3): عن الزهري (قال:) جعل علي عليه السلام على مقدمة أهل العراق (و) الي آذربيجان قيس بن سعد في أربعين بايعوا عليا على الموت، ولم يزل ذلك الجيش حتى قتل (علي) واستخلف أهل العراق، الحسن رضي الله عنه، وبايعوه على الخلافة


(1) ما بين المعقوفين أخذناه مما رواه البلاذري في ترجمة عبد الله بن العباس من مخطوطة كتاب أنساب الاشراف: ج 1 / الورق 274 / أ وص 550.

 (2) وفي أنساب الاشراف: " ووال أهل البيوتات والشرف تستصلح عشائرهم ".

 (3) ما بين المعقوفين زيادة توضيحية منا.

 


[ 196 ]

، وكان الحسن لا يرى القتال (1) ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية، ثم يدخل في الجماعة، وعرف الحسن من قيس بن سعد أنه لا يوافق على ذلك، فنزعه وأمر عبيد الله بن عباس (على مقدمته) فلما علم عبيد الله بن عباس بالذي يريد (الحسن) خشي على نفسه (2) فكتب إلى معاوية يسأله الامان ويشترط لنفسه على الاموال التي أصابها (3) فشرط لهه معاوية ذلك ؟.

 (وأيضا قال الطبري: وحدثني موسى بن عبد الرحمان قال:) حدثنا (عثمان بن عبد الحميد، أو ابن) عبد الرحمان الحراني الخزاعي أبو عبد الرحمان قال: حدثنا إسماعيل بن راشد (4) قال: بايع الناس الحسن بالخلافة، ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن، وبعث قيس بن سعد بن عبادة على مقدمته في اثني عشر ألفا، (وأقبل) معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن، فبينا الحسن بالمدائن إذ (نادى مناد) في العسكر: ألا أن قيس بن سعد


(1) إن صح هذا وسند الحديث يكون صالحا لاثباته، فمحمول على أنه عليه السلام كان عالما بتخاذل أصحابه وبيعهم دينهم بالدنيا، وانه عليه السلام لم يكن يجد عونا وعضيدا على قتال المعتدين والفئة الباغية.

 (2) لحوق عبيد الله بن عباس بمعاوية إنما كان لحرصه على الحياة والتمتع بزخارفها، وجبنه عن مقارعة أعداء الله وكراهته القتال في سبيل الله، لم يكن لحوقه بمعاوية إلا لما ذكرنا، لا لما جاء في هذا الحديث الضعيف من نزع الامام الحسن قيسا من الامارة، واستشعار هذا المادي عبيد الله من أن الامام الحسن كان لا يرى القتال وانه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية.

 (3) هذه أيضا قرينة أخرى لضعف الرواية، إذ هذا المادي الراكن إلى الشهوات لم يكن من إصابة الاموال واختلاسها حتى يشترط على معاوية الاغضاء عنها.

 نعم أول ما تمكن من حيازة الاموال بغير حق واغتنم الفرصة لاختلاسها هو حينما التقى بمعاوية وهو قائد مقدمة جيش الامام الحسن، فأرسل إليه معاوية بعض من كان طبقا له بأنه إن يترك جيش العراق ويلتحق به يسدد له من فوره مائة وخمسين ألفا، ويسدد له بعد دخوله الكوفة مائة وخمسين ألفا أخرى أو ألف ألف درهم مع مواعيد أخر كما في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من أنساب الاشراف وغيره.

 (4) ما وضع بين المعقوفات أخذناه مما أورده الطبري في حوادث العام: (40) في أوائل سيرة الامام الحسن عليه السلام من تاريخه: ج 5 ص 158، ط مصر، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

 وفي أصلي من جواهر المطالب: حدثنا ابن عبد الرحمان عن إسماعيل بن راشد... ثم إن إسماعيل بن راشد الواقع في سند هذا الحديث، ما وجدت له ترجمة فيما عندي من كتب الرجال.

 


[ 197 ]

قد قتل فانفروا.

 فنفروا إلى سرداق الحسن وانتهبوه حتى نازعوه بساطا تحته فأخذوه ! ! ! فخرج الحسن حتى نزل المقصورة بالمدائن، وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن من قبل علي رضي الله عنه، وكان اسمه سعد بن مسعود فقال له المختار: وهو غلام شاب / 117 / ب /: هل لك في الغنى والشرف ؟ قال: وما ذاك ؟ قال: توثق الحسن وتصيره إلى معاوية ! ! ! فقال له (عمه) سعد: عليك لعنة الله أنا أفعل ذلك بابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أوثقه وأسلمه لمعاوية ؟ ما عند الله عذر من فعل ذلك (1) بئس الرجل والله أنت.

 فلما رآى الحسن تفرق الامر عنه، بعث يطلب الصلح منه، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمان بن (سمرة بن حبيب بن عبد) شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت المال بالكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها، ثم قام الحسن في أهل العراق خطيبا فقال: يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث (2): قتلكم لابي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي.

 ودخل الناس في طاعة معاوية.

 ولما كتب الحسن إلى معاوية يطلب منه الامان، قال للحسين ولعبد الله بن جعفر: إني كتبت لمعاوية أطلب منه الامان ! فقال الحسين: انشدك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة علي ! ! ! فقال الحسن: اسكت فإني أعلم بهذا الامر منك (3).

 فلما أنهي كتاب الحسن إلى معاوية أرسل إليه عبد الله بن عامر، وعبد الله بن سمرة ؟ كما تقدم فقدما (إلى) الحسن فأعطياه ما أراد.

 وكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته يأمره بالدخول في طاعة معاوية


(1) سند الحديث ضعيف، فإن صح ذلك عن المختار - من طريق وثيق - ولم يكن اختلافا عليه، فلا ينافي ذلك سمو مقامه من جهة ختم حياته في سبيل أخذ ثار أهل البيت والانتقام من طواغيت الامة وتدمير قتلة سيد شباب أهل الجنة، وشفاء قلوب المؤمنين باهلاك المنافقين واستشهاده في هذا الطريق الميمون، والاعمال بخواتيمها.

 (2) لكلام الامام الحسن عليه السلام هذا، أسانيد ومصادر، فليراجع ما رواه الطبراني في الحديث: (232) من ترجمة الامام الحسن من المعجم الكبير: ج 3 ص 96.

 وليلاحظ أيضا ما أورده ابن عساكر في الحديث: (308 - 309) و (495) في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق، ص 172، و 183 ط 1.

 (3) وبما أن سند الحديث ضعيف فلا يعول على محتوياته إلا ما تعضده القرائن المنفصلة.

 


[ 198 ]

، فقام قيس بن سعد في الناس فقال: أيها الناس اختاروا (إما) الدخول في طاعة إمام ضلالة (أ) والقتال مع غير إمام ؟ فقالوا: لا بد (من ذلك ؟ قال: لا بد من أحد الامرين) قالوا: لا بد لنا من إمام ضلالة ! ! ! فبايعوا لمعاوية وانصرف عنهم قيس بن سعد.

 (وأيضا قال الطبري) وحدثنا عبد الله بن أحمد (بن شبويه المروزي) قال: أخبرني أبي (قال: حدثنا سليمان قال: حدثني عبد الله بن يونس): عن الزهري قال: بايع أهل العراق الحسن بن علي رضي الله عنهما على الخلافة فطفق يشترط عليهم أنهم سامعون مطيعون يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت.

 فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط وقالوا: ما لكم ولهذا ؟ فإنه لا يريد قتالا.

 فلم يلبث الحسن إلا قليلا بعد ما بايعوه / 118 / أ / حتى طعنوه طعنة أشوته، فازداد بغضا لهم وذعرا، فكاتب معاوية وأرسل إليه بشروط اشترطها (عليه) وقال: ان أعطيتني هذا فأنا سمع لك مطيع إن تفي به.

 ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية، وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى حسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك.

 فلما (وصلت تلك الصحيفة إلى الحسن) كتب (فيها و) اشترط أضعاف الشر (و) ط التي سأل فيها معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده، وأمسك معاوية صحيفة الحسن التي كتب إليه يسأل (ه) ما فيها، فلما التقى معاوية والحسن سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل التي ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك، وقال: ما كتبت تسألني فيه أعطيتكه هو، فاختلفا في ذلك فلم ينفذ معاوية للحسن من الشروط شيئا (1).

 وكان عمرو بن العاصي حين اجتمعوا بالكوفة قد كلم معاوية وأمره أن يأمر الحسن فيقوم ويخطب الناس فكره ذلك (معاوية) وقال: ما أريد (ظ) أن يخطب الناس ؟ قال عمرو: لكني أريد ذلك ! ! فلم يزل عمرو بمعاوية حتى أطاعه فخرج معاوية فخطب الناس ثم أمر رجلا فنادى الحسن بن علي وقال: قم يا حسن فكلم الناس.

 فقام الحسن (عليه السلام) فتشهد في بديهة (أمر (ه) لم يرو فيه) ثم قال:


(1) أي لم يف ولم ينفذ له شيئا من الشروط لا الشروط المتفق عليها ولا الشروط المختلف فيها.

 


[ 199 ]

أيها الناس (1) فإن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن هذا الامر مدة وللدنيا دول والله يقول لنبيه عليه السلام: * (وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) * (110 / الانبياء: 21) فلما قالها قال له معاوية: اجلس.

 ولم يزل حنقا على عمرو (2).

 وسلم الحسن الامر لمعاوية في جمادى الاولى سنة إحدى وأربعين فسمي عام الجماعة.

 وكانت مدة (خلافة) الحسن سبعة أشهر وسبعة أيام.

 ومات الحسن رضي الله عنه بالمدينة في شهر ربيع الاول سنة تسع وأربعين من سقية سقيها وضع منها كبده وهو ابن تسع وأربعين سنة رحمة الله عليه ورضوانه وصلى عليه سعيد بن العاصي وهو والي المدينة (3).

 وأوصى (الحسن) أن يدفن مع جده صلى الله عليه وسلم فمنعه مروان بن الحكم ورده إلى البقيع فقال أبو هريرة: أشهد أني سمعت رسول الله (ص) / 119 / أ / يقول: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

 فقال مروان: لقد ضيع الله حديث نبيه إذ لم يروه غيرك ! فقال له (أبو هريرة): أما


(1) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " فقام الحسن (عليه السلام) فتشهد ثم قال في بديهته (لم يرو فيه) ثم قال: أيها الناس أما بعد فإن الله... ".

 (2) الحنق - على زنة الفرس -: شدة الاغتياظ.

 وبفتح الحاء وكسر النون: ضد الفرج، يقال: حنق عليه حنقا - على زنة علم وبابه -: غتاظ، فو حنق وحنيق.

 (3) إن العاصي سعيد بن العاص كان في ذلك اليوم كالكلب الممطور مختبئا في زاوية الانزواء، وكان ترك عرصة منع بني هاشم عن دفن الحسن عليه السلام عند جده لمروان بن الحكم المسلوب الحياء المفطور من الخبث والشقاء المنبثق من شجرة الكفر والنفاق، وكان مروان هذا جمع من شياطين بني أمية وجراثيم الفساد ألفي مقاتل وكان يتجول بين أيديهم ويقول: يا رب هيجا هي خير من دعة أيدفن عثمان في " حش كوكب " ويدفن الحسن مع النبي ؟ لا يكون هذا أبدا ! ! !.

 فأين كان العاصي ابن العاصي المسمى بسعيد حتى يصلي على جنازة الامام الحسن ؟ وعلى فرض خروجه من الانزواء وحضوره عند الجنازة هل كانت تسمح نفوس بني هاشم وهم حنقون عليه من أجل دعمه لمروان وتركه إياه لمعارضة بني هاشم مع انه هو الوالي ومروان من رعاياه ؟ هل مع ذلك يمكن للغيارى الهاشميين أن يسمحوا له ويكرموه بالصلاة على جنازة سيد شباب أهل الجنة ؟ ! ! وليلاحظ ما علقناه على الحديث: (360) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 223 ط 1.

 


[ 200 ]

إنك إن قلت ذلك، (ف‍) لقد صحبته حتى والله عرفت من أحب ومن أبغض، ومن أقر ومن نفى ومن دعا له ومن دعا عليه (1).

 ولما بلغ معاوية موت الحسن خر ساجدا (2).

 فلا حول ولا قوة إلا بالله * (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم) *.

 وأرسل معاوية إلى ابن عباس وكان بالشام فعزاه وهو مستبشر ثم قال: كم كان سنه ؟ قال (ابن عباس): سنه كان يسمع في قريش فالعجب أن يجهلها مثلك (3) قال: بلغني أنه ترك أطفالا صغارا.

 قال: كلنا كان صغيرا فكبر، وإن طفلنا لكهل وإن صغيرنا لكبير، ثم قال: مالي أراك يا معاوية مستبشرا بموت الحسن ؟ فو الله لا ينسئ في أجلك ولا يسد حفرتك وما أقل بقاؤك بعده.

 وقال الترمذي في جامعه (4): قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية فقال: يا مسود وجوه المؤمنين سودت وجوه المؤمنين.

 فقال.

 (له الحسن): لا تؤنبني رحمك الله


(1) هذا الكلام من أبي هريرة تعريض بمروان بأنه وأباه وأهله من مبغضي النبي صلى الله عليه وسلم وقد نفاهم النبي (ص) عن المدينة المنورة إلى الطائف، ودعا عليهم ولعنهم لتظاهر أبيه على بغض النبي وعداوته ! ! !.

 وشواهد ما أشرنا إليه كثيرة جدا، ويجد الباحث كثيرا منهما في ترجمة مروان ومعاوية وأبي هريرة والحكم من تاريخ دمشق والبداية والنهاية ودلائل النبوة - للبيهقي - ج 6 ص 509 وتفسير ابن كثير: ج 6 ص 243 ومجمع الزوائد وغيرها.

 ومن أحب أن يرى كل الصيد في جوف الفرى - وأن كون مروان من شجرة النفاق والخباثة من الواضحات الاولية بحسب أخبار المسلمين جميعا - فليراجع كتاب الغدير: ج 8 ص 248 - 274.

 (2) وانظر تفصيل القصة في ترجمة الامام الحسن من مروج الذهب ج 2 ص 339 وتحت الرقم: (155) من كتاب وفيات الاعيان: ج 2 ص 66، وعنوان: " خلافة الحسن بن علي من كتاب العسجدة الثانية من العقد الفريد ج 3 ص 124، ط مصر، والغدير: ج 11، ص 13، وما حولها.

 (3) وقريب منه جاء في الحديث: (368) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 230 ط 1، بتحقيق المحمودي.

 (4) رواه الترمذي في تفسير سورة القدر من أبواب التفسير تحت الرقم: (3350) من سننه لشرح السيوطي: ج 12، ص 212.

 ورواه أيضا البيهقي في كتاب دلائل النبوة: ج 6 ص 509.

 وللحديث مصادر كثيرة يجدها الطالب في تعليق الحديث: (327) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 198 - 200.

 


[ 201 ]

فإن النبي صلى الله عليه (وآله) وسلم أري بني أمية على منبره (1) فساءه ذلك فنزلت (عليه) * (إنا أعطيناك الكوثر) * ونزلت * (إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر) * يملكها بعدك بنو أمية.

 قال (القاسم بن الفضل أحد رواة الحديث): فعدوا أيامهم فكانت ألف شهر لا يزيد يوما ولا ينقص يوما.

 وصح حديث رسول الله (ص) (في شأنه): إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين (2).

 وقوله عليه السلام: يكون الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكا عضوضا (3) وعن (محمد بن) الفضيل عن السري (بن إسماعيل) عن الشعبي عن سفيان بن الليل قال: أتيت الحسن رضي الله عنه بعد رجوعه من الكوفة إلى المدينة (4) (فقلت له: السلام عليك) يا مذل المؤمنين، فكان مما احتج به علي أن قال لي: قال لي أبي رضي الله عنه (5): سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: يقول: " لا تذهب الليالي والايام حتى يجتمع أمر هذه الامة على رجل واسع السرم ضخم البلعوم يأكل ولا يشبع وهو معاوية " فعلمت أن أمر الله واقع وخفت / 119 / ب / أن يجري بيني وبينه الدماء ! ووالله ما يسرني بعد إذ سمعت هذا الحديث أن الدنيا وما طلعت عليه الشمس والقمر لي وأني لقيت الله بمحجمة دم مسلم ! ! ! نقلت هذا الحديث من كتاب الفتن لابي عبد الله نعيم بن حماد المروزي رحمه الله (6)


(1) وانظر شواهد ما هنا في الغدير: ج 8 ص 254 ط 1.

 (2) وللحديث في مصادر حفاظ آل أمية أسانيد كثيرة.

 (3) ولهذا الحديث أيضا مصادر وأسانيد.

 (4) ما بين المعقوفات مأخوذ من روايات نعيم بن حماد المتوفى عام (230) وأبي الفرج الاصبهاني المتوفى (356) ومن الحاكم النيسابوري المتوفى سنة (405) وغيرهم.

 وقد علقنا ما رووه على الحديث: (328) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 200 - 202 ط 1.

 (5) ما بين المعقوفين مأخوذ من حديث نعيم بن حماد، وأبي الفرج وغيرهم.

 وفي أصلي: " فقال له بعد رجوعه إلى الكوفة إلى المدينة ؟... فكان مما اجتمع به علي أن قال لي رضي الله عنه: سمعت رسول الله... (6) رواه ابن حماد في الحديث الرابع من الجزء الثاني والحديث: " 412 " في أواخر الجزء الثاني من كتاب الفتن الورق 26 / أ / و 40 / ب /.

 


[ 202 ]

ولما توفي عليه السلام أدخله القبر الحسين - وهو أخوه - ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم.

 ثم وقف (على قبره) أخوه محمد بن الحنفية وقد اغرورقت عيناه بالدموع فقال: رحمك الله أبا محمد والله لئن عزت حياتك لقد هدت وفاتك (1) ولنعم الروح (روح) تضمنها بدنك، ولنعم الجسد جسد تضمنه كفنك، ولنعم الكفن كفن تضمنه لحدك، وكيف لا يكون ذلك وأنت سليل الهدى وخامس أصحاب الكساء وحليف أصحاب التقى وجدك النبي المصطفى وأبوك علي المرتضى وأمك فاطمة الزهراء وعمك جعفر الطيار في جنة المأوى غذيت بيد الحق (2) وربيت في حجر الاسلام ورضعت (من) ثدي الايمان فطبت حيا و (طبت) ميتا، ولئن كانت النفوس غير طيبة بفراقك (ف‍) إنها لغير شاكة أنه قد خير لك، وأنك وأخاك سيدا شباب أهل الجنة، فعليك أبا محمد (منا) السلام أبدا.

 وقام رجل من ولد أبي سفيان بن الحارث على قبره فقال: إن أقدامكم قد نقلت وإن أعناقكم قد حملت إلى هذا القبر وليا من أولياء الله بشر بلقاء الله (3) وتفتح أبواب


(1) كذا في أصلي، وفي الحديث: (370) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 234 ط 1: يرحمك الله أبا محمد، فإن عزت حياتك لقد هدت وفاتك... (2) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " تغذيت بيد الحق " وفي الحديث المتقدم الذكر من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق: غذتك أكف الحق، وربيت في حجور الاسلام..... ولكلام محمد بن الحنفية هذا مصادر، وقد رواه اليعقوبي المتوفى بعد سنة (292) في عنوان: " وفات الحسن بن علي عليه السلام من تاريخه: ج 2 ص 213: ورواه أيضا ابن عبد ربه المتوفى عام (328) في عنوان: " من وقف على القبور " من كتاب الزمردة من العقد الفريد: ج 2 ص 157، وفي ط: ج 3 ص 196.

 ورواه بوجهين المسعودي المتوفى (346) في سيرة الامام الحسن عليه السلام من مروج الذهب ج 2 ص 428 ط دار صادر بيروت.

 ورواه أيضا ابن عساكر المتوفى عام (571) في الحديث (370) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 234 ط 1.

 (3) هذا هو الظاهر، وفي أصلي: " يبشر بلقاء نبي الله....

 ".

 


[ 203 ]

السماء لروحه الشريفة وتبتهج الحور بلقائه ويؤنس به سادة أهل الجنة ويستوحش الارض لفقده (1) فرحمة الله عليه ولا زالت سحب الرضوان وافية إليه (2) وعند الله نحتسب المصيبة فيه.

 وكتب بعضهم (إلى الناس): قد نعي سليل من سلالة النبوة وفرع من شجرة الرسالة وعضو من أعضاء الرسول وجزء من أجزاء الوصي والبتول فكتبت وليتني لا كتبت ما كتبت، وأنا ناعي الفضل من أوطاره وداعي المجد إلى معتنقه ومداره (3) ومخبر أن شمس الشرف قد وجبت (4) وآثاره قد محيت والماثر بعده دموعه ؟ وآمال الامامة منقطعة وبقايا آثار النبوة مرتفعة والدين منخرم وواجم ودمعه عليه ساجم وكتبت كتابي هذا وقد شلت يمين المجد / 120 / أ / وفقئت عين الحمد وقصر باع الفضل وكسفت شمس المعالي وأصبحت الايام بفقده كالليالي وخسف قمر الساعي وتجدد في بيت الرسالة رزء جدد المصائب وأعاد النوائب فيا لها من مصيبة عمت وساءت كل دين (بالا) سلام ويقين من الصالحين والمتقين (5).

 


(1) تبتهج: تفرح وتسر.

 (2) السحب - على زنة عنق -: جمع السحاب: الغيم.

 (3) الظاهر ان هذا هو الصواب، وفي أصلي: منسق توبه ومداره ؟ (4) وجبت - على زنة وعدت وبابه -: سقطت غابت.

 غارت.

 غربت.

 (5) الدين بالاسلام - على زنة السيد - المعتنق بالاسلام المتدين به.

 


[ 205 ]

الباب التاسع والستون

في تاريخ مولده (عليه السلام)، ووفاته، وشبهه بجده عليه السلام

مولده عليه السلام (كان) في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة الشريفة، و (لما ولد) حنكه جده رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه وسماه حسنا.

 وله (عليه السلام) صحبة ورواية (1) وهو سبط رسول الله (ص) وريحانته وهو أشبه الخلق به وأحبهم إليه.

 مر (عليه) أبو بكر الصديق بعد وفاة رسول الله (ص) وهو يلعب مع الصبيان فحمله على عاتقه وقال: " بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي " وعلي يتبسم (2).

 وقال ابن الزبير - (لما اختلف أبناء الصحابة في أشبه الناس بالنبي (ص)) -: أنا أحدثكم بأشبه أهله به وأحبهم إليه.

 قالوا: من (هو ؟) قال: الحسن والله لقد رأيته يجئ وهو ساجد فيركب رقبته وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الاخر.

 


(1) وقد أورد الحافظ الطبراني قبسات من روايات الامام الحسن عن جد " صلوات الله عليهما " في عنوان: " ما أسند الحسن... " تحت الرقم: (2700) وما بعده من ترجمة الامام الحسن عليه السلام: ج 3 ص 72 - 97 ط 2.

 وأيضا روى الحافظ ابن عساكر شذرة من الاحاديث التي رواها الامام الحسن عن جده صلوات الله عليهما في الحديث الاول وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 6 وما بعدها.

 (2) وانظر سند الحديث وبعض مصادره تحت الرقم (1) من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف: ج 3 ص 5 ط 1.

 وليراجع أيضا ما رواه ابن عساكر في الحديث: (33) وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 20 ط 1.

 


[ 206 ]

وقال فيه: إنه ريحانتي في الدنيا اللهم إني أحبه فأحبه (1).

 (و) عن جابر بن عبد الله قال: دخلت على رسول الله (ص) والحسن والحسين على ظهره وهو يمشي بهما على أربع ويقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما (2).

 وقال ابن الزبير: والله ما قامت النساء عن مثل الحسن.

 وكان الحسين (عليه السلام) يعظمه ويمتثل أمره ويرد الناس (عنه) إذا اجتمعوا وازدحموا عليه.

 وكان عليه السلام عالما عابدا ناسكا صديقا فاضلا مهابا جوادا وقورا حليما حكيما فصيحا ورعا رحيما صدوقا وليا تقيا نقيا، (وكان) شديد الخوف كثير الخشوع جامعا لجميع الاوصاف الحميدة.

 حج (عليه السلام) خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه.

 ولقد قاسم الله ماله ثلاث مرات حتى إنه كان يعطي الخف والنعل.

 وكان عليه السلام مع ذلك مطلاقا، وقيل: إنه تزوج بسبعين إمرأة وكان لا يفارق امرأة إلا وهي تحبه (3).

 


(1) وللحديث وما قبله شواهد ومصادر يجدها الطالب في الحديث (22) وما حوله من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف ج 3 ص 19، وما حولها.

 وأيضا يجد الباحث لما هنا شواهد في الحديث: (58) وما بعده من ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 39 - 40 ط 1.

 (2) وللحديث أسانيد ومصادر كثيرة يجد الباحث أكثرها تحت الرقم: (157) وما بعده وتعليقاتها من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 92 - 95.

 وكذا يجد الطالب للحديث شواهد في الحديث (148) من ترجمة الامام الحسين من تاريخ دمشق ص 110، وفي الحديث (40) من ترجمته عليه السلام من بغية الطلب: ج 6 ص 2574.

 وأيضا للمطلب شواهد في الحديث (44) وما بعده من ترجمته عليه السلام من كتاب بغية الطلب: ج 6 ص 2567.

 ورواه أيضا الطبراني في أواسط ترجمة الامام الحسين عليه السلام تحت الرقم: (2661) من المعجم الكبير: ج 3 ص 46 ط القاهرة، ولاحظ ما علق عليه الناصبي العفلقي.

 (3) أما أصل أزدواج الامام الحسن بكثيرة من النساء، فمما لا شك فيه، لان المسلمين كانوا يتسابقون إلى تزويج بناتهم بالامام الحسن عليه السلام تقربا إلى الله، وذريعة إلى وصل نسبهم وأسرتهم بنسب 


[ 207 ]

وكان يكره القتال ويشير على أبيه بتركه (1) / 120 / ب أ / وتورع بعد أبيه من الخلافة (2) وكان معه تسعون ألفا، وكانوا قد أطاعوه وأحبوه أشد من محبتهم لابيه (3) فبقي (على الخلافة) نحو ستة أشهر ثم خلع نفسه - كما ذكرناه - وسلم الامر لمعاوية بن أبي سفيان لدماء هذه الامة، وكان هذا الصلح (هو) الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 ومات رضي الله عنه مسموما ولم يقنعهم ترك الخلافة لهم (ورأوا حياته ثقيلا عليهم فسموه ! ! !)


رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسرته الكريمة.

 وأما النساء التي تزوج بهن الامام الحسن فغير معلومة الكمية، فربما يعجز القائلون بأنه عليه السلام تزوج بتسعين أو بسبعين أمرأة من إثبات سبعة أو تسعة منهن وتسميتهن فكيف بإثبات سبعين وما فوقه ؟ والظاهر أن طواغيت بني العباس هم الذين أشاعوا هذا المعنى لتقريع العلويين وتشويه سمعة أحفاد الامام الحسن بداعي تنفير قلوب الناس عنهم.

 (1) جميع ما يشعر هذا المعنى مما اختلقه مخالفوا أهل البيت من الامويين والعباسيين، وقلما يروى ذلك من طريق معتبر عندهم.

 (2) لم يكن الامام الحسن عليه السلام متورعا عن الخلافة الحقة والقيام بمنصب الامامة، وإنما كان متورعا عن الخلافة الغاشمة المدعمة بالاستعانة بالماكرين والخائنين، واستمالة قلوب المنافقين ببذل أموال بيت المال لهم وإغراء أمنياتهم بوعدة توليتهم على البلاد والعباد، وجعلهم عباد الله خولا لهم كما كانت إمارة بني أمية وبني العباس مدعمة بتلك الامور، كما هو واضح حلي لمن يكون له أدنى خبرة بتاريخ بني أمية وبني العباس.

 (3) نعم كثير ممن بايعه على الخلافة كان يتظاهر بذلك في بداية الامر، ولكن عندما دس معاوية جواسيسه في العراق - بصكوكه ومواعيده والتقوا بأهل الاهواء والشهوات من أهل العراق - انقلبوا على أعقابهم القهقري فأصبحوا بين ثائر للانتقام من الامام الحسن والصالحين من شيعته ومشاغب ومثاور للتقرب بمعاوية كي يشتركوا معه في التوغل في الشهوات وأكل أموال اليتامى والايامى والمساكين، كما يدل عليه وتشير إليه خطبة الامام الحسن عليه السلام في أهل الكوفة: إنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ! ! ! وليلاحظ تمام الخطبة في الحديث: (303) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 179.

 وبهذا يتضح أن قولهم " كان معه تسعون ألفا " غير مفيد لهم لما ادعوا فإن تسعين ألف وزيادة من هؤلاء كانت أبدانهم معه ولكن قلوبهم كان مع بني أمية، وهم الذين اشتكى منهم أمير المؤمنين مرارا 


[ 208 ]

قال (بعض) أهل التاريخ: والصحيح أن الذي سمته (هي) زوجته جعدة بنت الاشعث بن قيس الكندية أمرها بذلك يزيد بن معاوية عليه من الله ما يستحقه (1).

 


ووبخهم كرارا بقوله " عجبا لاجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم... " ومائة ألف من هؤلاء هم الذين ألحوا على الامام الحسين بالقدوم وأرسلوا إليه رسلهم تترى وكتبوا إليه مائة ألف رسالة بأن له عندهم مائة ألف جنود مجندة، وبايع ثلاثون ألف أو ثمانية عشر ألف منهم مع سفيره مسلم بن عقيل فلم يستقيموا له يوما كاملا ! ! ولما نزل الامام الحسين بمرحلتين من بلدهم ملبيا لدعوتهم خرج كثير من هؤلاء مع أعدائه فقاتلوه وقتلوه ! ! ! أفبهؤلاء كان الامام الحسن يتمكن من حرب عدو غدار غير مقيد بأي أصل من الاصول الانسانية والدينية ؟ ! وبما نبهنا عليه تجلى سخافة ما نسبوه إلى الحسن البصري من أنه قال استقبل الامام الحسن معاوية بكتائب أمثال الجبال... نعم كان من نخبة هؤلاء الذين كانوا مع الامام الحسن عبيد الله بن العباس المادي الذي ولاه الامام الحسن على مقدمة جيشه فأرسله إلى مواجهة معاوية فباع دينه بالدنيا، وترك جيشه والتحق بمعاوية ! ! ومن هؤلاء التسعين ألف الاشعث بن قيس وبنيه جذور الفساد، وكان ينقاد للاشعث ويتبعه ثلاثون ألفا من أسرته من الكنديين.

 ومن هؤلاء التسعين ألفا هم الذين كانوا معه عندما خرج لقتال معاوية فبمجرد ما سمعوا هتاف دعاة معاوية الذين كانوا معهم: " إن قيس بن سعد بن عبادة قائد مقدمة الجيش قد قتل " ثاروا وهجموا على خيمة الامام الحسن فنهبوا جميع ما فيها ! ! !.

 (1) هذا تجاهل عن الواقع وما حدث في عالم الخارج، فإن يزيد في عهد ابيه كان دائم السكر شغوفا باللعب مع المغنين والمغنيات والمسابقة بالقرود، ولم يك يفيق عن السكر واللعب حتى يفكر في السياسة ودعائم الرئاسة والقيادة وتنمية مؤيدي سيادته وإماتة معارضيها.

 والذي يلوح جليا من قرائن أحوال معاوية وأخبار أوليائه انه هو الذي دس السم إلى بنت الاشعث زوجة الامام الحسن كي تتزوج بيزيد بن معاوية كما يذكره المصنف في الحديث التالي عن ابن الجوزي.

 وكما ذكره أيضا البلاذري في الحديث: (57 و 67 و 69) من ترجمة الامام الحسن من أنساب الاشراف: ج 3 ص 47 و 55 و 59 ط 9.

 ورواه أيضا أبو الحسن المدائني كما في شرح المختار " 33 " من الباب الثاني من نهج البلاغة من ابن أبي الحديد: ج 16، ص 11.

 ورواه أيضا أبو الفرج في مقاتل الطالبيين ص 50 و 73.

 ورواه أيضا ابن سعد، وابن عساكر في الحديث: (325) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ 


[ 209 ]

وعن عمير بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن نعوده فقال: قد ألقيت قطعة من كبدي وأني سقيت السم مرارا فلم أسق مثل هذه المرة.

 (قال عمير: وجعل يقول لذلك الرجل: سلني قبل أن لا تسألني.

 قال (الرجل): ما أسألك حتى يعافيك الله.

 قال: فخرجنا من عنده) (1) ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين رضي الله عنه عند رأسه وهو يقول: يا أخي من تتهم ؟ قال: ولم ؟ تريد قتله ؟ لا والله إن كان الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكن (هو) فما أحب أن تقتل (بي) بريئا.

 ثم قضى نحبه رضوان الله عليه وسلامه ورحمته.

 قال الامام ابن الجوزي في تاريخه: المنتظم (2) والصحيح أن (الذي سمه هي) جعدة بنت الاشعث بن قيس وكانت تحت الحسن فدس إليها معاوية أن سمي الحسن وأزوجك يزيد.

 


دمشق ص 59 ط 1.

 (1) وانظر الحديث: (334) وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 207 ط 1.

 وليلاحظ أيضا ما رواه عمر بن شبة في تاريخ المدينة المنورة: ج 1 ص 110.

 وليراجع أيضا ما نقله محمد بن حبيب في كتاب المغتالين ص 164.

 وكذا ما أورده السمهودي في الذكر (14) من القسم الثاني من كتاب جواهر العقدين 238 نسخة باريس.

 (2) كلام ابن الجوزي هذا ما وجدته فيما أورده ابن الجوزي حول شهادة الامام الحسن عليه السلام في حوادث العام: (49) من النسخة المطبوعة سنة (1412) من تاريخ المنتظم: ج 5 ص 225 ط المكتبة العلمية ببيروت.

 والظاهر أن أنصار الشجرة الملعونة أسقطوه منه سترا على مخازي المنافقين، وينبغي لانصار الحق والحقيقة مراجعة المخطوطات من تاريخ المنتظم أينما وجدوها.

 ويحتمل بعيدا أن ابن الجوزي ذكره في غير حوادث سنة (49) مخافة وثبة النواصب عليه، وآندياس خصيتيه كما داسوا خصيتي الحافظ النسائي عند ما أخبرهم عن حرمان معاوية عن دعاء الخير ! !.

 وإليك ما ذكره ابن الجوزي حول شهادة الامام الحسن في العام (49) على ما في المطبوع من تاريخ المنتظم ج 5 ص 225 قال: أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن سلمان، قال: أخبرنا أبو نعيم الاصبهاني قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا أبو عروبة الحراني قال: حدثنا سليمان بن محمد بن خالد، قال: حدثنا ابن علية عن ابن عون عن عمير بن اسحاق، قال: 


[ 210 ]

وكان معاوية قد جعل ولاية العهد بعده للحسن فسمه ليكون الامر بعده لابنه يزيد.

 فلما فعلت ذلك أرسلت إليه تطالبه بما عاهدها عليه وتذكره بالعهد والوفاء ! ! ! فأجابها معاوية: لا نفعل (ذلك) وقد فعلت بالحسن ما فعلت فكيف آمنك على يزيد ! ! ! وعند الله تجتمع الخصوم والحرب ما زالوا حربا لله ورسوله وذرية نبيه والله يحكم بينهم بعدله.

 وكان الحسن يوضع تحت طست ويرفع آخر مدة أربعين يوما.

 وقال الطبيب (الذي كان يتولى معالجته: هذا مريض) قد قطع السم أمعاءه ! ! ! ولما مات (الحسن عليه السلام) ارتجت المدينة صياحا وبكاءا ونوحا وأقام عليه نساء بني هاشم المأتم شهرا وحددن عليه سنة (1).

 وعلى مثله يناح ويبكى جمع الله بينه وبين جده بالرفيق الاعلى ورواه من كوثره


دخلت أنا ورجل على الحسن (بن علي عليهما السلام) نعوده فقال: قد ألقيت طائفة من كبدي و إني قد سقيت السم مرارا فلم اسق مثل هذه المرة.

 (قال): ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه والحسين عند رأسه فقال (له): يا أخي من تتهم (انه سقاك السم ؟) قال: لم ؟ لتقتله ؟ قال: نعم.

 قال: إن يكن الذي أظن فالله أشد بأسا وأشد تنكيلا، وإن لم يكن (هو) فلا أحب أن يقتل بي برئ، ثم قضى رضي الله عنه.

 (و) أخبرنا محمد بن عبد الملك بن خيرون، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو عمر بن حيويه، قال: حدثنا محمد بن خلف، قال: حدثني أبو عبد الله اليماني قال: حدثنا محمد بن سلام الجمحي عن ابن جعدة قال: كانت جعدة بنت الاشعث بن قيس تحت الحسن بن علي فدس إليها زيد أن سمي حسنا حتى أتزوجك.

 ففعلت، فلما مات الحسن بعثت جعدة إلى يزيد تسأله الوفاء بما وعدها.

 فقال (لها يزيد): إنا والله لم نرضك للحسن أفنرضاك لانفسنا ؟.

 وللحديثين شواهد كثيرة وأسانيد ومصادر، يجد الطالب كثيرا منها في الحديث: (334) وما بعده من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 207 ط 1.

 (1) وللفاجعة شواهد يجدها الطالب في الغدير: ج 11، ص 8 - 14 وفي الحديث: (337) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تأريخ دمشق ص 209 ط 1.

 وبها وبأمثالها يلقم النواصب حجر إسكات خوارهم حول النياحة والبكاء على أهل البيت عليهم السلام.

 


[ 211 ]

الاحلى.

 قال أبو نعيم: لما اشتد بالحسن عليه السلام / 120 / أ / الوجع جزع (1) فدخل عليه رجل فقال: يا أبا محمد ما هذا الجزع ؟ ما هو إلا أن تفارق روحك جسدك فتقدم على جدك محمد (ص) وعلى علي وفاطمة وخديجة وعلى أعمامك حمزة وجعفر وعلى أخوالك القاسم والطيب والطاهر وإبراهيم وعلى خالاتك رقية وأم كلثوم وزينب (2) فأنت بالسرور أولى من الجزع.

 فسرى عنه (عليه السلام).

 وقال سفيان بن عيينة (عن رقبة بن مصقلة): لما حضرت الحسن بن علي الوفاة قال: أخرجوني إلى الصحن أنظر في ملكوت السماوات والارض فأخرجوه فرفع رأسه ونظر ثم قال: اللهم إني أحتسب نفسي عندك فإنها أعز الانفس علي (3).

 ومات (عليه السلام) بالمدينة في شهر ربيع الاول سنة تسع وأربعين وقد تقدم ذكر ذلك وأن معاوية سجد عند ما بلغه وفاته (4) والله الفعال لما يريد.

 


(1) إن صح النقل ولم يعارضه ما هو أقوى منه، فيحمل على أن الجزع والاضطراب إنما كان من أجل تقطع أمعائه وانفصال بعضها عن بعض، وهذا أمر طبيعي لكل ذي روح عند إزهاق روحه من جهة الاختلال في نظم الجسد والاعضاء.

 وليلاحظ ما علقناه على الحديث: (345) من ترجمة الامام الحسن ص 214 ط 1.

 (2) كذا في رواية أبي نعيم هذه، ورواها عنه وعن غيره بطرق الحافظ ابن عساكر، ولكن ذكر " رقية وأم كلثوم وزينب " سلام الله عليهن لم يأت في غير حديث أبي نعيم كما في الحديث (345) وما بعده من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 214 - 215 ط 1.

 (3) وللحديث شواهد يجدها الطالب تحت الرقم: (342) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 213 ط 1.

 (4) ولهذه القصة شواهد، منها ما رواه الطبري عن محمد بن حميد الرازي عن علي بن مجاهد، عن محمد بن إسحاق، عن الفضل بن عباس بن ربيعة قال: وفد عبد الله بن العباس على معاوية، قال: فو الله إني لفي المسجد إذ كبر معاوية في الخضراء، فكبر أهل الخضراء، ثم كبر أهل المسجد بتكبير أهل الخضراء فخرجت (زوج معاوية) فاختة بنت قرضة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف من خوخة لها، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين ما هذا الذي بلغك فسررت به ؟ قال (معاوية بلغني) موت الحسن بن علي.

 فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون.

 ثم بكت و قالت: مات سيد المسلمين وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 فقال معاوية: نعما والله ما فعلت ! 


[ 212 ]

وقال الواقدي: وكان الحسن رضي الله عنه قد استأذن عائشة في أن يدفن عند جده فأذنت له في ذلك.

 وقد تقدم قصته مع مروان ومنعه لهم من ذلك مع أنه كان معزولا وإنما قصد (مروان) بذلك رضا معاوية، وما زال (كان) مروان عدوا لهذا البيت لحيهم وميتهم عامله الله بما يستحقه.

 وقال مساور مولى يعد بن أبي وقاص (1): رأيت أبا هريرة واقفا على (باب) المسجد يوم مات الحسن عليه السلام: وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس اليوم مات حب (2) رسول الله (ص) وريحانته فابكوا (عليه) (3).

 


إنه كان كذلك أهلا أن تبكى عليه ! !.

 ثم بلغ الخبر ابن عباس رضي الله عنهما، فراح فدخل على معاوية (ف‍) قال (له معاوية: أ) علمت يا ابن عباس أن الحسن توفي ؟ قال (ابن عباس) ألذلك كبرت ؟ قال: نعم.

 قال (ابن عباس): أما والله ما موته بالذي يؤخر أجلك ولا حفرته بسادة حفرتك، ولئن أصبنا به فقد أصبنا قلبه بسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين، ثم بعده بسيد الاوصياء فجبر الله تلك المصيبة، ورفع تلك العثرة.

 فقال (معاوية): ويحك يا ابن عباس ما كلمتك إلا وجدتك معدا.

 هكذا رواه المسعودي عن الطبري كما في سيرة الامام الحسن عليه السلام من كتاب مروج الذهب ج 2 ص 429 وهذا الحديث - وقضايا أخر حول شهادة الامام الحسن عليه السلام ودفنه - قد أسقطه مسبلو الستار على فجائع المنافقين من تاريخ الطبري ! ! ولما رويناه هنا عن المسعودي عن الطبري شواهد آخر يجدها الطالب في تعليق الحديث (368) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 320 ط 1.

 (1) كذا في أصلي، وفي الحديث: (367) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 229 ط 1: " مساور مولى بني سعد ابن بكر... " ؟.

 (2) الحب - بضم الحاء وكسرها -: المحب.

 المحبوب والحديث رواه ابن عساكر تحت الرقم: (367) من ترجمة الامام الحسن عليه السلام من تاريخ دمشق ص 229 ط 1.

 (3) ما وضع بن المعقوفين زيادة يقتضيها السياق والحديث حجة على الحريزيين القائلين بعدالة كل صحابي ومنهم أبو هريرة، ومع ذلك يستنكرون البكاء على المظلومين من آل محمد صلى الله عليهم أجمعين.

 


[ 213 ]

واجتمع الناس بجنازته حتى كان البقيع لا يسع أحدا من الزحام.

 وكان الحسين (عليه السلام) قد لبس السلاح هو وبنو هاشم لما جاء مروان (في ألفي رجل) في السلاح (هو) ومن معه من بني أمية (وأتباعهم) وقال الحسين: لا أدفنه إلا عند جده.

 فلما خاف الناس وقوع الفتنة أشار شعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وجابر بن عبد الله على الحسين أن لا يقاتل وأن يدفن أخاهه قريبا من أمه فاطمة رضوان الله عليهم أجمعين (1).

 


(1) وليلاحظ شواهد قوله: " جاء مروان في السلاح " في تعليق الحديث: (356) من ترجمة الامام الحسن من تاريخ دمشق ص 222 - 225.