[ 215 ]

الباب السبعون

فيما وقع بين الحسن رضي الله عنه وبين معاوية حين نال من علي عليه السلام بحضوره وما أسمعه الحسن (عليه السلام)

لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من علي رضي الله عنه، فقام الحسن / 121 / ب / فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله لم يبعث نبيا إلا وجعل له عدوا من المجرمين (1) فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأنا ابن فاطمه الزهراء بنت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنت ابن هند آكلة الاكباد، وجدتك نثيلة وجدتي خديجة فلعن الله ألا منا حسبا وأخملنا ذكرا وأعظمنا كفرا وأشدنا نفاقا.

 فصاح أهل المسجد: آمين آمين آمين.

 فقطع معاوية الخطبة ونزل (عن المنبر) ودخل منزله (2).

 


(1) اقتباس من الاية: (31) من سورة الفرقان: 25 * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا المجرمين) *.

 (2) ورواه العلامة الاميني رحمه الله عن كتاب المستطرف: ج 1 ص 157، والاتحاف ص 10، كما في كتاب الغدير: ج ص 160.

 وقريبا منها رواه أبو الفرج مسندة في ترجمة الامام الحسن عليه السلام من مقاتل الطالبيين ص 70، وعنه العلامة الاميني في الغدير: ج 11 ص 7.

 وللامام الحسن عليه السلام حوار كثير مع ألد خصمائه يجد الطالب قبسات منها في عنوان: " محاسن كلام الحسن بن علي عليه السلام " من كتاب المحاسن والمساوئ - للبيهقي - ص 102.

 وليلاحظ ما أورده العلامة الاميني في الغدير: ج 2 ص 134، وج 10، ص 168.

 وليراجع أيضا ما سجله العلامة الاميني في الغدير: ج 3 ص 121 - 124.

 وكان ينبغي للمصنف أن يقدم هذا الباب وتاليه على الباب المتقدم (69).

 


[ 216 ]

ودخل الحسن (عليه السلام يوما) على معاوية وهو مضطجع عند رجليه فقال معاوية (للحسن): ألا أطرفك ؟ بلغني أن عائشة تقول: " معاوية لا يصلح للخلافة " فقال الحسن (عليه السلام): وأعجب من ذلك قعودي عند رجليك ! ! فقام (معاوية) واعتذر إليه.

 وقال الحسن (عليه السلام): أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وأعفى الناس من عفا عند القدرة، وأوصل الناس من وصل من قطعه


[ 217 ]

الباب الحادي والسبعون

فيما وقع بين الحسن (عليه السلام) وبين معاوية وأصحابه، وما أفحمهم من الجواب

اجتمع عند معاوية عمرو بن العاصي والوليد بن عقبة وعتبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة فقالوا: يا أمير المؤمنين ابعث لنا إلى الحسن بن علي.

 فقال (معاوية): فيم ولم ؟ قالوا: كي نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان ! ! ! فقال لهم معاوية: إنكم لا تتصفون منه إنه لا يقول إلا صدقه الناس، ولا تقولون له شيئا إلا وكذبكم الناس.

 قالوا: فأرسل إليه فإنه يكفيك هو ؟ فأرسل معاوية (إلى الحسن عليه السلام) فلما دخل حمد الله معاوية وأثنى عليه ثم قال: يا حسن إني لم أرسل إليك ولكن هؤلاء أرسلوا إليك فاسمع مقالتهم وأجبهم ولا يمنعك من الجواب هيبتي.

 (ف‍) قال الحسن (عليه السلام): أفلا آذنتموني حتى آتي بأعدادهم من بني هاشم و (إني) ما استوحش منهم إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين فليتكلموا ونسمع.

 فقام عمرو بن العاصي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: هل تعلم يا حسن أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك فكيف رأيت صنع الله بك ؟ أما رأيت كيف سلبه وسلبك ملكك وتركك أحمق ؟ ! ! ! فاعلم أنك وأباك من شر البرية ! ! ! ثم قام الوليد بن عقبة بن أبي معيط فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا بني هاشم كنتم أصهار عثمان فنعم الصهر كان لكم يعونكم ويفضلكم ثم نقمتم عليه / 121 / أ / فقتلتموه ولقد أردنا يا حسن قتلك وقتل أبيك من قبلك فأعاذنا الله منك، ولو قتلناك لما كان علينا من ذنب ولا إثم ! ! ! ثم قم عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن هل تعلم أن أباك بغى على عثمان فقتله حسدا وبغيا وطلب الامارة لنفسه فسلبه الله إياها ولقد أردنا قتله فقتله الله.

 


[ 218 ]

ثم قام المغيرة بن شعبة فكان كلامه شتما لعلي وتعظيما لعثمان.

 ثم قام الحسن عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى عليه النبي (ص) ثم قال: بك أبدء يا معاوية فلم يشتمني هؤلاء بل أنت شتمتني بغضا وعداوة لمحمد صلى الله عليه (وآله) وسلم ! ! ! ثم التفت (عليه السلام) إلى الناس فقال: أنشدكم الله هل تعلمون أن الرجل الذي شتمه هؤلاء كان أول من آمن بالله وصلى (إلى) القبلتين وأنت يومئذ يا معاوية كافر مشرك ؟ ! ! وكان معه لواء محمد صلى الله عليه (وآله) وسلم يوم بدر، ومع معاوية وأبيه لواء المشركين ؟ قالوا: اللهم نعم (1).

 قال: وأذكركم بالله والاسلام هل تعلمون أن معاوية كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم الرسائل فأرسل إليه يوما فقالوا: هو يأكل.

 فرد الرسول إليه ثلاث مرات كل ذلك يقول (الرسول): هو يأكل.

 فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لا أشبع الله بطنه.

 أتعرف ذلك (يا معاوية) في بطنك إلى اليوم ؟ فقالوا ؟: اللهم نعم (2).

 قال وأذكركم الله والاسلام أتعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه على جمل وأخوه هذا يسوق به فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: لعن الله الجمل وراكبه وقائده (وسائقه.

 قالوا: اللهم نعم.

 فقال عليه السلام لمعاوية:) هذا لك (3).

 


(1) وأخبار القوم متواترة على أن عليا أول من آمن بوحدانية الله ورسول الله في جميع ما جاء به من عند الله تبارلله وتعالى.

 ومن أراد أن يلمس تواتر أخبار القوم على سبق إسلام علي على إسلام جميع المسلمين فليراجع ما رواه ابن عساكر في الحديث: (59 - 140) من ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من تاريخ دمشق: ج 1 ص 41 - 117، ط 2.

 (2) رواه مسلم بن الحجاج بسندين برقم: (2604) في آخر الباب: (25) - وهو باب من لعنه أو سبه أو دعا عليه - من كتاب البر والصلة من صحيحه: ج 4 ص 2010.

 وأورده أيضا المعتضد العباسي في رسالته التي كتبها حول لعن بني أمية كما في حوادث سنة (283) من تاريخ الطبري: ج 10، ص 58.

 (3) ما بين المعقوفين مما يستدعيه سياق الكلام، ويدل عليه ما ذكره المعتضد العباسي في رسالته التي تقدم ذكرها آنفا، وما نذكره بعد ختام المتن في تعليقه عن الزبير بن بكار في كتاب المفاخرات، وذكره أيضا نصر بن مزاحم في أول الجزء الرابع من كتاب صفين ص 247.

 ولاجل إيفاء الفائدة نذكر بعض القدماء من الحفاظ، منهم ابن أبي عاصم فإنه روى في عنوان: " ذكر عاصم الليثي أبي نصر بن عاصم " من كتاب الاحاد والمثاني ص 192 ما لفظه: 


[ 219 ]

وأما أنت يا عمرو فإنه تنازع فيك خمسة من قريش فغلب عليك شبه الامهم حسبا وشرهم منصبا ؟ وأعظمهم لعنة ؟ وسئلت أمك عنك فقالت: كلهم (كان) يأتيني فلا أعلم (هو لايهم) ! ! ! ثم (أنت) قمت في وسط قريش فقلت: إني شانئ محمدا.

 فأنزل الله (فيك) * (إن شانئك هو الابتر) *.

 ثم هجوت محمدا صلى الله عليه (وآله) وسلم بسبعين بيتا من الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم: (اللهم) إني لا أحسن الشعر ولكن العدو عمرو بن العاصي بكل بيت لعنة.

 


قال قيس بن حفص: أنبأنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد، عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقولون: نعوذ بالله عن عز وجل من غضب الله ورسوله.

 قلت: ما شأنكم ؟ قالوا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله القائد والمقود به ؟ ورواه أيضا ابن سعد - المتوفى عام: (230) - في العنوان الذي مر عن ابن أبي عاصم في طبقات البصريين من الطبقات الكبرى: ج 7 ص 78 ط دار صادر، بيروت، قال: أخبرت عن أبي مالك كثير بن يحيى البصري قال: حدثنا غسان بن مضر، قال: حدثنا سعيد بن يزيد، عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله.

 قلت: ما هذا ؟ قالوا: معاوية مر قبيل (هذا الان و) أخذ بيد أبيه ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يخرجان من المسجد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما قولا ! ! ! ورواه أيضا الطبراني المتوفى عام: (360) في عنوان: " عاصم الليثي " من المعجم الكبير 17، ص 176، قال: حدثنا العباس بن الفضل الاسفاطي حدثنا موسى بن إسماعيل.

 حيلولة: وحدثنا عبد الرحمان بن الحسين العابوري التستري حدثنا عقبة بن سنان البارع، قالا: حدثنا غسان بن مضر، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة، عن نصر بن عاصم الليثي عن أبيه قال: دخلت مسجد المدينة فإذا الناس يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله.

 قال: قلت: ماذا ؟ قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على منبره فقام رجل فأخذ بيد أبيه (ظ) فأخرجه من المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله القائد والمقود، ويل لهذه الامة من فلان ذي الاستاه ! ! ! ورواه الهيثمي في أواخر " باب أئمة الظلم والجور والضلالة " من مجمع الزوائد: ج 5 ص 242 وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.

 


[ 220 ]

ثم انطلقت إلى النجاشي في جعفر وأصحابه بغيا عليهم وعداوة وظلما وبغضا فردك الله خائبا ولم يعاقبك فيه.

 وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف ألومك على شتمك عليا وقد جلد ظهرك في الخمر ثمانين سوطا وقتل أباك بأمر رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم / 122 / ب / وقال لما قدمه للقتل: من للصبية ؟ فقال (رسول الله): النار.

 فلم يكن لكم عند رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم إلا النار ولم يكن لكم عند علي إلا السوط والسيف ! ! ! وأما أنت يا عتبة بن أبي سفيان فكيف تعد أحدا بالقتل ؟ ألا قتلت الذي وجدته على فراشك مضاجعا لامرأتك ؟ ثم أمسكتها بعد إذ بغت عليك، فكيف تعد أحدا بالقتل بعد ذلك ؟ وأما أنت يا أعور ثقيف ففي (أي) ثلاث تسب عليا ؟ أفي بعده عن رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم ؟ أم في حكم جائر ؟ أم في رغبة في دنيا ؟ فإن قلت شيئا من ذلك كذبك الناس وكذبت ؟ وأما وعيدك إيانا فإن مثلك كمثل بعوضة وقفت على نخلة ؟ فقالت لها: استمسكي فإني أريد أن أطير ! فقالت النخلة: والله ما علمت بقعودك فكيف يشق علي طيرانك ؟ وأنت فو الله (يا أعور) ما شعرنا بعداوتك فكيف يشق علينا سبك ؟ ثم نفض (عليه السلام) ثيابه وقام.

 فقال لهم معاوية خيبكم الله ألم أقل لكم: أنكم لا تنتصفون منه والله لقد اظلم علي البيت حتى قام، ولقد هممت به (ثم كظمت غيضي) قوموا فليس فيكم بعد اليوم من خير (1).

 


(1) وهذه المحاورة رويت بأطول مما ها هنا، ورأينا أن نذيلها بما رواه المصنف، فنقول: روى ابن أبي الحديد، في شرح المختار: (83) من الباب الاول من نهج البلاغة: ج 2 ص 101، وفي طبع مصر تحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم: ج 6 ص 285 قال: وروى الزبير بن بكار - في كتاب المفاخرات (من تأليفه) - قال: اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعتبة بن أبي سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة، وقد كان بلغهم عن الحسن بن علي عليه السلام قوارص، وبلغه عنهم مثل ذلك، فقالوا (لمعاوية): يا أمير المؤمنين إن الحسن قد أحيا أباه وذكره، وقال فصدق، وأمر فأطيع، وخفقت له النعال، وإن ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا.

 قال معاوية: فما تريدون ؟ قالوا: ابعث إليه فليحضر لنسبه ونسب أباه ونعيره ونوبخه ونخبره أن 


[ 221 ]


أباه قتل عثمان ونقرره بذلك، ولا يستطيع أن يغير علينا شيئا.

 قال معاوية: إني لا أرى ذلك ولا أفعله، قالوا: عزمنا عليك يا أمير المؤمنين لتفعلن، فقال: ويحكم لا تفعلوا ! فو الله ما رأيته قط جالسا عندي إلا خفت مقامه وعيبه لي، قالوا: ابعث إليه على كل حال.

 قال: إن بعثت إليه لانصفنه منكم.

 فقال عمرو بن العاص: أتخشى أن يأتي باطله على حقنا، أو يربى قوله عليه قولنا ؟ قال معاوية: أما إني إن بعثت إليه لامرنه أن يتكلم بلسانه كله، قالوا: مره بذلك.

 قال: أما إذ عصيتموني، وبعثتم إليه وأبيتم إلا ذلك فلا تمرضوا له في القول، واعلموا أنهم أهل بيت لا يعيبهم العائب، ولا يلصق بهم العار، ولكن اقذفوه بحجره، تقولون له: إن أباك قتل عثمان، وكره خلافة الخلفاء من قبله.

 فبعث إليه معاوية، فجاءه رسوله، فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك.

 قال: من عنده ؟ فسماهم له فقال الحسن عليه السلام: ما لهم خر عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم قال: يا جارية، ابغيني ثيابي، اللهم إني اعوذ بك من شرورهم، وأدرأ بك من نحورهم، وأستعين بك عليهم، فاكفنيهم كيف شئت وأنى شئت، بحول منك وقوة، يا أرحم الراحمين.

 ثم قام، فلما دخل على معاوية، أعظمه وأكرمه، وأجلسه إلى جانبه، وقد ارتاد القوم، وخطروا خطران الفحول، بغيا في أنفسهم وعلوا، ثم قال: يا أبا محمد، إن هؤلاء بعثوا إليك وعصوني.

 فقال الحسن عليه السلام: سبحان الله، الدار دارك، والاذن فيها إليك، والله إن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا وما في أنفسهم، إني لاستحيي لك منن الفحش، وإن كانوا غلبوك على رأيك، إني لاستحيي لك من الضعف، فأيتهما تقرر، وأيهما تنكر، أما إني لو علمت بمكانهم جئت معي بمثلهم من بني عبد المطلب، ومالي أن أكون مستوحشا منك ولا منهم، إن وليي الله، وهو يتولى الصالحين.

 فقال معاوية: يا هذا: إنى كرهت أن أدعوك، ولكن هؤلاء حملوني على ذلك مع كراهتي له، وإن لك منهم النصف ومني، وإنما دعوناك لنقررك أن عثمان قتل مظلوما، وأن أباك قتله، فاستمع منهم ثم أجبهم، ولا تمنعك وحدتك واجتماعهم أن تتكلم بكل لسانك.

 فتكلم عمرو بن العاص، فحمد الله وصلى على رسوله، ثم ذكر عليا عليه السلام، فلم يترك شيئا يعيبه به إلا قاله، وقال: إنه شتم أبا بكر وكره خلافته، وامتنع من بيعته، ثم بايعه مكرها، وشرك في دم عمر، وقتل عثمان ظلما، وادعى من الخلافة ما ليس له.

 ثم ذكر الفتنة يعيره بها، وأضاف إليه مساوئ، وقال: إنكم يا بني عبد المطلب لم يكن الله ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء، واستحلالكم ما حرم الله من الدماء، وحرصكم على الملك، وإتيانكم ما لا يحل، ثم إنك يا حسن، تحدث نفسك أن الخلافة صائرة إليك، وليس عندك عقل ذلك ولا لبه، كيف ترى الله سبحانه سلبك عقلك، وتركك أحمق قريش، يسخر منك ويهزأ بك، وذلك لسوء عمل أبيك، وإنما دعوناك لنسبك وأباك فأما أبوك فقد تفرد الله به وكفانا أمره، وأما أنت 


[ 222 ]


فإنك في أيدينا نختار فيك الخصال، ولو قتلناك ما كان علينا إثم من الله، ولا عيب من الناس، فهل تستطيع أن ترد علينا وتكذبنا ؟ فإن كنت ترى أنا كذبنا في شئ فاردده علينا فيما قلنا، وإلا فاعلم أنك وأباك ظالمان.

 ثم تكلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فقال: يا بني هاشم، إنكم كنتم أخوال عثمان، فنعم الولد كان لكم، فعرف حقكم، وكنتم أصهاره فنعم الصهر كان لكم يكرمكم، فكنتم أول من حسده، فقتله أبوك ظلما، لا عذر له ولا حجة، فكيف ترون الله طلب بدمه، وأنزلكم منزلتكم، والله إن بني أمية خير لبني هاشم من بني هاشم لبني أمية، وإن معاوية خير لك من نفسك.

 ثم تكلم عتبة بن أبي سفيان، فقال: يا حسن، كان أبوك شر قريش لقريش، أسفكها لدمائها، وأقطعها لارحامها، طويل السيف واللسان، يقتل الحي ويعيب الميت، وإنك ممن قتل عثمان، ونحن قاتلوك به، وأما رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا، ولا في ميراثها راجحا، وإنكم يا بني هاشم قتلتم عثمان، وإن في الحق أن نقتلك وأخاك به، فأما أبوك فقد كفانا الله أمره وأقاد منه، وأما أنت، فو الله ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم ولا عدوان.

 ثم تكلم المغيرة بن شعبة، فشتم عليا، وقال: والله ما أعيبه في قضية يخون، ولا في حكم يميل، ولكنه قتل عثمان، ثم سكتوا.

 فتكلم الحسن بن علي عليه السلام: فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله، ثم قال: أما بعد يا معاوية، فما هؤلاء شتموني ولكنك شتمتني، فحشا ألفته وسوء رأي عرفت به، وخلقا سيئا ثبت عليه، وبغيا علينا، عداوة منك لمحمد وأهله، ولكن اسمع يا معاوية، واسمعوا فلا قولن فيك وفيهم ما هو دون ما فيكم.

 أنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن الذي شتمتموه منذ اليوم، صلى القبلتين كلتيهما وأنت يا معاوية بهما كافر تراها ضلالة، وتعبد اللات والعزى غواية ! وأنشدكم الله هل تعلمون أنه بايع البيعتين كلتيهما بيعة الفتح وبيعة الرضوان، وأنت يا معاوية بإحدهما كافر، وبالاخرى ناكث ! وأنشدكم الله هل تعلمون أنه أول الناس إيمانا، وأنك يا معاوية وأباك من المؤلفة قلوبهم، تسرون الكفر، وتظهرون الاسلام، وتستمالون بالاموال ! وأنشدكم الله ألستم تعلمون أنه كان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدر، وأن راية المشركين كانت مع معاوية ومع أبيه، ثم لقيكم يوم أحد ويوم الاحزاب، ومعه راية رسول الله صلى الله عليه وآله، ومعك ومع أبيك راية الشرك، وفي كل ذلك يفتح الله له ويفلج حجته وينصر دعوته، ويصدق حديثه، ورسول الله صلى الله عليه وآله في تلك المواطن كلها عنه راض، وعليك وعلى أبيك ساخط ! وأنشدك الله يا معاوية، أتذكر يوما جاء أبوك على جمل أحمر، وأنت تسوقه، وأخوك عتبة هذا يقوده، فرأكم رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: " اللهم العن الراكب والقائد والسائق ! ".

 


[ 223 ]


أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبه إلى أبيك لما هم أن يسلم، تنهاه عن ذلك: يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا بعد الذين ببدر أصبحوا فرقا خالي وعمي وعم الام ثالثهم وحنظل الخير قد أهدى لنا الارقا لا تركنن إلى أمر تكللنا والراقصات به في مكة الخرقا فالموت أهون من قول العداة: لقد حاد ابن حرب عن العزى إذا فرقا والله لما اخفيت من أمرك أكبر مما أبديت.

 وأنشدكم الله أيها الرهط، أتعلمون أن عليا حرم الشهوات على نفسه بين اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل فيه: * (يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) * وأن رسول الله صلى الله عليه وآله بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية، فاستنزلهم على حكم الله وحكم رسوله، وفعل في خيبر مثلها !.

 ثم قال: يا معاوية أظنك لا تعلم أني أعلم ما دعا به عليك رسول الله صلى الله عليه وآله لما أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة، فبعث إليك (ابن عباس، فوجدك تأكل، ثم بعثه إليك مرة أخرى فوجدك تأكل، فدعا عليك الرسول بجوعك) ونهمك إلى أن تموت.

 (1) وأنتم أيها الرهط: نشدتكم الله، ألا تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردها: أولها: يوم لقى رسول الله صلى الله عليه وآله خارجا من مكة إلى الطائف، يدعو ثقيفا إلى الدين، فوقع به وسبه وسفهه وشتمه وكذبه وتوعده، وهم أن يبطش به، فلعنه الله ورسوله وصرف عنه.

 والثانية يوم العير، إذ عرض لها رسول الله صلى الله عليه وآله وهي جائية من الشام، فطردها أبو سفيان، وساحل بها، فلم يظفر المسلمون بها، ولعنه رسول الله صلى الله عليه وآله، ودعا عليه، فكانت وقعة بدر لاجلها.

 والثالثة يوم أحد، حيث وقعت تحت الجبل، ورسول الله صلى الله عليه وآله في أعلاه، وهو ينادي: هبل ! مرارا، فلعنه رسول الله صلى الله عليه وآله عشر مرات، ولعنه المسلمون.

 (1) قال محمد أبو الفضل إبراهيم في تعليق الكلام: (ما بين المعقوفين) زيادة يقتضيها السياق، أخذت عن قصة نقلها (ابن الاثير، عن الباب: (25) من كتاب البر والصلة) من صحيح مسلم (ج 4 ص 2010 كما) في ترجمة معاوية من أسد الغابة: ج 4 ص 386 ط 1.

 


[ 224 ]


والرابعة يوم جاء بالاحزاب وغطفان واليهود، فلعنه رسول الله وابتهل.

 والخامسة يوم جاء أبو سفيان فصدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله، ذلك يوم الحديبية، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان، ولعن القادة والاتباع، وقال: " ملعونون كلهم، وليس فيهم من يؤمن "، فقيل: يا رسول الله، أفما يرجى الاسلام لاحد منهم فكيف باللعنة ؟ فقال: " لا تصيب اللعنة أحدا من الاتباع، وأما القادة فلا يفلح منهم أحد ".

 والسادسة يوم الجمل الاحمر.

 والسابعة يوم وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وآله في العقبة ليستنفروا ناقته، وكانوا اثنى عشر رجلا، منهم أبو سفيان، فهذا لك يا معاوية (1).

 وأما أنت يابن العاص، فإن أمرك مشترك، وضعتك أمك مجهولا، من عهر وسفاح، فتحاكم فيك أربعة من قريش، فغلب عليك جزارها الامهم حسبا وأخبثهم منصبا، ثم قام أبوك فقال: أنا شانئ محمد الابتر فأنزل اللهه فيه ما أنزل.

 وقاتلت رسول الله صلى الله عليه وآله في جميع المشاهد، وهجوته وآذيته بمكة وكدته كيدك كله، وكنت من أشد الناس له تكذيبا وعداوة.

 ثم خرجت تريد النجاشي مع أصحاب السفينة، لتأتي بجعفر وأصحابه إلى أهل مكة، فلما أخطأك ما رجوت ورجعك الله خائبا، وأكذبك واشيا، جعلت حدك على صاحبك عمارة بن الوليد، فوشيت به إلى النجاشي، حسدا لما ارتكب مع حليلتك، ففضحك الله وفضح صاحبك.

 فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والاسلام، ثم إنك تعلم، وكل هؤلاء الرهط يعلمون أنك هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا من الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله " اللهم إني لا أقول الشعر ولا ينبغي لي، اللهم العنه بكل حرف ألف لعنة "، فعليك إذا من الله ما لا يحصى من اللعن.

 وأما ما ذكرت من أمر عثمان، فأنت سعرت عليه الدنيا نارا، ثم لحقت بفلسطين، فما أتاك قتله، قلت: أنا أبو عبد الله إذا نكأت قرحة أدميتها، ثم حبست نفسك إلى معاوية، وبعت دينك بدنياه، فلسنا نلومك على بغض، ولا نعاتبك على ود، وبالله ما نصرت عثمان حيا ولا غضبت له مقتولا، ويحك يا ابن العاص ! ألست القائل في بني هاشم لما خرجت من مكة إلى النجاشي: تقول ابنتي أين هذا الرحيل وما السير مني بمستنكر فقلت: ذريني فإني امرؤ أريد النجاشي في جعفر (1) هذا دليل على كذب ما اختلقه حفاظ بني أمية ظلما وعدوانا وقالوا: إن جميع من أرادوا في تبوك ذعر ناقة رسول الله كانوا من الانصار.

 


[ 225 ]


لاكويه عنده كية أقيم بها نخوة الاصعر وشانئ أحمد من بينهم وأقولهم فيه بالمنكر وأجرى إلى عتبة جاهدا ولو كان كالذهب الاحمر ولا انثني عن بني هاشم وما اسطعت في الغيب والمحضر فإن قبل العتب مني له وإلا لويت له مشقري فهذا جوابك، هل سمعته ! وأما أنت يا وليد، فو الله ما ألومك على بغض علي، وقد جلدك ثمانين في الخمر، وقتل أباك بين يدي رسول الله صبرا، وأنت الذي سماه الله الفاسق، وسمى عليا المؤمن، حيث تفاخرتما فقلت له: اسكت يا علي فأنا أشجع منك جنانا، واطول منك لسانا، فقال لك علي: اسكت، يا وليد فأنا مؤمن وأنت فاسق.

 فأنزل الله تعالى في موافقة قوله: * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) *، ثم أنزل فيك على موافقة قوله أيضا: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) *.

 ويحك يا وليد ! مهما نسيت، فلا تنس قول الشاعر فيك وفيه: أنزل الله والكتاب عزيز في علي وفي الوليد قرانا فتبوى الوليد إذ ذاك فسقا وعلي مبؤا إيمانا ليس من كان مؤمنا عمرك الله كمن كان فاسقا خوانا سوف يدعى الوليد بعد قليل وعلي إلى الحساب عيانا فعلي يجزى بذاك جنانا ووليد يجزى بذاك هوانا رب جد لعقبة بن أبان لابس في بلادنا تبانا وما أنت وقريش ؟ إنما أنت علج من أهل صفورية، وأقسم بالله لانت أكبر في الميلاد، وأسن ممن تدعى إليه.

 وأما أنت يا عتبة، فو الله ما أنت بحصيف فأجيبك، ولا عاقل فأحاورك وأعاتبك، وما عندك خير يرجى، ولا شر يتقى، وما عقلك وعقل أمتك إلا سواء، وما يضر عليا لو سببته على رؤس الاشهاد ! 


[ 226 ]


وأما وعيدك إياي بالقتل، فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك ! أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك: يا للرجال وحادث الازمان ولسبة تخزى أبا سفيان نبئت عتبة خانه في عرسه جبس لئيم الاصل من لحيان وبعد هذا ما أربأ بنفسي عن ذكره لفحشه، فكيف يخاف أحد سيفك، ولم يقتل فاضحك ؟ وكيف ألومك على بغض علي، وقد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر، وشرك حمزة في قتل جدك عتبة، وأوحدك من أخيك حنظلة في مقام واحد ! وأما أنت يا مغيرة، فلم تكن بخليق أن تقع في هذا وشبهه، وإنما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة: استمسكي، فإني طائرة عنك، فقالت النخلة: وهل علمت بك واقعة علي فأعلم بك طائرة عني ! والله ما نشعر بعداوتك إيانا ولا اغتممنا إذ علمنا بها، ولا يشق علينا كلامنا وإن حد الله في الزنا لثابت عليك، ولقد درأ عمر عنك حقا الله سائله عنه.

 ولقد سألت رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم): هل ينظر الرجل إلى المرأة يريد أن يتزوجها ؟ فقال: " لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزنا " لعلمه بأنك زان ! ! وأما فخركم علينا بالامارة فإن الله تعالى يقول: * (إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا) * (16 / الاسراء).

 ثم قام الحسن فنفض ثوبه وانصرف، فتعلق عمرو بن العاص بثوبه وقال: يا أمير المؤمنين قد شهدت قوله في وقذفه أمي بالزنا، وأنا مطالب له بحد القذف.

 فقال معاوية: خل عنه لا جزاك الله خيرا.

 فتركه (عمرو).

 فقال معاوية: قد أنبأتكم ممن لا تطاق عارضته ونهيتكم أن تسبوه فعصيتموني والله ما قام حتى أظلم علي البيت قوموا عني فقد فضحكم الله وأخزاكم بترككم الحزم، وعدولكم عن رأي الناصح المشفق.

 (1) ولهذا المعنى شواهد كثيرة يجدها الطالب في الغدير: ج 6 ص 126 - 132، ط 1.